أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحفيظ حساني - من قمع حرية التعبير إلى هندسة الوعي الجماعي : التفاهة كبديل عن العنف














المزيد.....

من قمع حرية التعبير إلى هندسة الوعي الجماعي : التفاهة كبديل عن العنف


عبد الحفيظ حساني
كاتب و باحث

(Hassani Abdelhafid)


الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 22:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن ما يقدم بوصفه انفجارا عفويا وطفرة نوعية في "المحتوى"و"حرية التعبير" داخل الفضاء الرقمي عبر مختلف وسائط التواصل الاجتماعي، ليس سوى تحول نوعي في أدوات الهيمنة الإيديولوجية داخل نمط الإنتاج الرأسمالي في مرحلته المتقدمة. فالتفاهة هنا لا تفهم كظاهرة ذوقية، ولا كعلامة على انحطاط أخلاقي، بل كبنية وظيفية تخدم إعادة إنتاج علاقات السيطرة ذاتها، ولكن بوسائل أكثر سلاسة، أقل صدامية، وأشد فاعلية.
إن تسييد الميوعة الثقافية والفكرية والسياسية هو تعبير مباشر عن حاجة الرأسمال الإمبريالي - في أحد تجلياته - إلى إفراغ الوعي من قدرته النقدية، وتحويل الإنسان من ذات تاريخية فاعلة إلى فرد معزول، مستهلك، قابل للتوجيه، منزوع الصلة بالصراع الاجتماعي. هنا لا يُقمع الوعي بالقوة، ولا يُمنع التفكير، بل يُستبدل بالتفاهة.
في الاقتصاد الرقمي، لم يعد الجسد وحده سلعة، بل أصبح الانتباه نفسه سلعة مركزية. الزمن، التفاعل، المشاهدة، الإعجاب ،"اللايكات"… كلها أشكال جديدة من العمل غير المأجور، يستخرج منها فائض قيمة واسع، دون أن يعي المنتج-أي المستخدم أو المتفاعل - أنه يعمل. هكذا تتحقق واحدة من أكثر معادلات الاستغلال وقاحة في التاريخ: الإنسان يستهلك، وفي الآن ذاته يُستغل، ويُموِّل آليات إخضاعه بيده.
إن ما يسمى باللذة الرقمية ليس سوى تنظيم كيميائي للرضا "القبول":
القبول بالهشاشة،القبول بالاستبداد والاستغلال،
القبول بالرداءة كقدر.إنه ربط مباشر بين الإيديولوجيا والبيولوجيا ،ضبط للقلق الفلسفي والوجودي عبر إفرازات هرمونية سريعة شبيهة بالمهدئات الصيدلية، تُبقي الفرد في حالة توازن زائف، وتمنعه من تحويل السخط إلى وعي، والوعي إلى فعل. إنها وظيفة إيديولوجية بامتياز: تهدئة التناقضات بدل تفجيرها.
في مجتمعات تعاني من البطالة، والفقر، وتدهور التعليم، وانسداد الأفق السياسي، تتحول التفاهة إلى آلية تعويض جماعي، يُستثمر فيها هشاشة الأفراد النفسية والاجتماعية. فبدل أن يتحول السخط إلى سؤال سياسي، وإلى وعي طبقي، يُعاد توجيهه نحو الاستهلاك، واللذة السريعة، والإلهاء الدائم.
أما تسليع الجسد، والدين، والسياسة، واليوميّ المبتذل، من "روتيني اليومي"، والشذوذ الجنسي المُستعرَض، وعمليات التجميل، إلى أذكار الطريق، والأدعية اليومية، والعروض الموسمية، وتخفيضات الملابس الداخلية، وصولا إلى مؤثرات ومؤثرين بلا مضمون، و“من غير هدوم”، ومسابقات فارغة، و“ترندات” مصطنعة… ليس سوى توحيد قسري لكل مجالات الحياة تحت منطق السوق والاستهلاك.
إنه تنميط شامل للكيان الإنساني: كل شيء قابل للتداول، كل شيء قابل للاستهلاك، وكل معنى قابل للتفريغ وإعادة التغليف ، مع التوصيل المجاني إلى جميع المدن وحتى إلى غرف النوم. هكذا تُلغى الحدود بين القيمي والتافه، بين الحميمي والعمومي، وبين المبدأ والسلعة، بل تتحول وتتفرع معظم الوسائط الاجتماعية إلى وسائط متنوعة و شاملة: وساطة في الذوق، في القيم، و حتى في المعنى ذاته.
وتأتي ثقافة "الترند"، ومقاطع الفيديو القصيرة، والهاشتاغات، كأكثر الأدوات تطورا في هندسة الوعي الجماعي وتوجيه "القطيع" ، إنه القالب التقني للضبط الايديولوجي... فالترند ليس اختيارا جماهيريا حرا، بل نتيجة خوارزميات تضبط ما يُرى، وما يُناقَش، وما يُقال، وما يُهمَس. إنه شكل حديث من "جدولة الاهتمام".
في هذا العالم الجديد من الاستعلامات والجاسوسية الناعمة، يُوجَّه النقاش العام نحو ما لا يهدد البنية القائمة، بينما تُقصى القضايا البنيوية: الاستغلال، اللامساواة، القمع، الإمبريالية، الفساد و النهب المنظم، وغياب العدالة الاجتماعية.
بهذا المعنى، نحن لا نعيش زمن الفوضى الرقمية، بل زمن الضبط الإيديولوجي عالي الكفاءة، زمن لا يحتاج إلى رقابة مباشرة، لأن الجماهير تراقب نفسها بنفسها، و تلهي و تشغل نفسها، وتُعيد إنتاج شروط إخضاعها طوعا بدون مقاومة .
إن مقاطعة التفاهة وفضحها هي مهمة نضالية ملحة ، وجزء لا يتجزأ من معركة بناء وتعميق الوعي الطبقي الحامل لمشروع تحرري.
فبدون عقل نقدي، وبدون طبقة تعي موقعها وشروط استغلالها اقتصاديًا، وإيديولوجيًا، وسياسيًا، وبدون صراع سياسي، لن تكون هناك قوة قادرة على تحريك التاريخ.



#عبد_الحفيظ_حساني (هاشتاغ)       Hassani_Abdelhafid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فنزويلا: الكفاح الشعبي المسلح…
- ربط المقال ما بين الاعلام والقضاء من اتصال:
- من الأجر مقابل العمل الى العمل الجزئي و الأجر مقابل ساعات ال ...
- الدفاع عن هيئة الدفاع دفاع عن حرية التعبير
- جورج عبد الله... أيقونة حرة في مرمى الاغتيال
- ما جدوى انتخابات اللجان الثنائية وممثلي الأجراء إذا كانت الت ...
- الكتابة : مقارعة الكلمات والمواقف، لا تفاهة الردود.
- الاصطفاف الحاسم: بين جبهة الأحرار ومعسكر الخونة
- العدوان الصهيو-أمريكي على إيران من الصبر الاستراتيجي إلى الر ...
- الصهيونية من التطبيع العربي الى الصراع الإيراني !!؟؟
- إرادة الشعوب
- أي توجه لقافلة الصمود والمسيرة العالمية إلى غزة ؟
- فاتح ماي ... اليوم العالمي للعمال
- مواصفات مؤتمر ناجح بالإجماع !! ؟؟


المزيد.....




- الخارجية الليبية تستنكر استهداف المطارات ومنشآت الطاقة في ال ...
- الدفاع المدني السعودي يعلن زوال الخطر عن أبها بعد إطلاق إنذا ...
- بريطانيا تنصح مواطنيها بتجنب السفر إلى جدة والدمام ومعظم مطا ...
- السعودية: وفاة مقيم باكستاني وإصابة 11 إثر الهجوم على مطار ا ...
- الاتحاد الأوروبي يحول 3.3 مليار يورو إضافية إلى أوكرانيا لشر ...
- الكرملين يعلق على دعوة ترامب لتعيين زعيم جديد في أوكرانيا
- -عزيزي أرجوك أن تنجز هذا اليوم-.. فضيحة مراسلات السفيرة الأم ...
- هكذا وظف البيت الأبيض سجلات التحقيق لتغذية سردية استهداف ترم ...
- -معتمرون وألسنة لهب-.. إعلام رسمي سعودي ينشر لقطات لاستهداف ...
- ويتكوف وكوشنر يؤجلان زيارتهما إلى موسكو لاستكشاف موقف كييف و ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الحفيظ حساني - من قمع حرية التعبير إلى هندسة الوعي الجماعي : التفاهة كبديل عن العنف