بن حلمي حاليم
الحوار المتمدن-العدد: 8585 - 2026 / 1 / 12 - 03:35
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
تعد الولايات المتحدة من بين الأنظمة الجمهورية في العالم التي تأسست بقارة أمريكا الشمالية بعد هزم إمبراطوريات أوروبا الغربية التي شكلتها الأنظمة السياسية الملكية الوراثية الرجعية، وأنظمة الجمهوريات الاستعمارية، فمنذ عام 1776 وهي في استمرار بتطوير نظامها السياسي الجمهوري، وبناء وحدتها واستقلالها.
ففي اليوم الذي تأسست فيه الدولة الجديدة وحملت اسم الولايات المتحدة الأمريكية يعد يوما تاريخيا للأمريكيين الشماليين لأنه أسس حكومة غير خاضعة للنظام الملكي في عهد توماس جيفرسون، فلم تعود مستعمرات موحدة، بل ولايات متحدة مستقلة.
خاض الأمريكيين كفاح التحرر الوطني من اجل الاستقلال بقيادة الرأسماليين الكبار بعد إبادة الهنود الحمر ومراكمة الأرباح على قوة الإنتاج باستغلال العبودية الحديثة بالمزارع الكبرى.
ففي عام 1783انطلق مسلسل بناء أمريكا عندما توحدت 13 ولاية، وكان عدد سكانها نحو 4 ملايين نسمة تقريبا، واتجهت صوب المحيط الهادئ لإخضاع السكان الأصليين بالقوة للنظام الرأسمالي وتدمير ثقافة الهنود الحمر، وتوسعت على وجودهم، ففي عام 1803 اشترت ولاية لويزيانا من الجمهورية الفرنسية الاستعمارية، التي تستمد اسمها من الملك لويس الرابع عشر. وفي عام 1819 استولت على ولاية فلوريدا وانتزعتها من المملكة الاسبانية، وفي عام 1848 ضمت كل من ولاية كاليفورنيا، وتكساس بعد انتصارها في الحرب ضد دولة المكسيك.
وهكذا امتدت على سواحل المحيط الأطلسي، فمن دولة صغيرة بعدد قليل من السكان إلى قارة ودولة جديدة مسيطرة على المحيطين الهادئ والأطلسي؛ فصفقة لويزيانا في عهد توماس جيفرسون باع فيها الرأسماليين الفرنسيين النابوليون ارض شاسعة بسكانها وكل ما على سطحها، وما في باطنها للرأسماليين الأمريكيين مؤسسي العالم الجديد بملايين الدولارات، وبدأت في تطبيق سياسات الحريات الفردية والملكية الخاصة باسم القانون.
وفي 1861 اهتز كيانها السياسي وانقسمت ولاياتها بعدما نهجت سبع ولايات بالجنوب سياسة استغلال البشر في الإنتاج الزراعي على نمط العبودية وأسست نظام كنفدرالي لحماية ذلك، وبدأت الحرب الأهلية الأمريكية، ولما انهزمت ولايات الجنوبية ونظامها السياسي الرجعي من طرف الرأسماليين الصناعيين والتجار الكبار، وبعد تطور الجمهورية الحديثة ألغيت همجية العبودية عام 1865، وقد فرضت ولايات الجنوبية 1877 قوانين عنصرية ضد الأمريكيين السمر، وضد الفقراء البيض، وحرمانهم من المشاركة السياسية في تأسيس الجمهورية الحديثة والعالم الجديد.
الهزة الكبرى من الدرجة الأعلى التي زعزعت كل الكيانات السياسية حصلت عام 1914 بعدما اندلعت الحرب العالمية الامبريالية الثانية في القارة الأوروبية، وتشكلت خرائط سياسية جديدة، وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية بكل قوة عام 1917 معلنة الحرب على ألمانيا الدولة الصناعية بعد بريطانيا، ومولت دول الحلفاء.
أثناء هذه الحرب الامبريالية شهد العالم تحول تاريخي عظيم، حققته البروليتاريا الروسية عندما نظمت ذاتها، وخاضت معركتها المصيرية، وسلكت الطريق التي دلها عليه الشيوعيين الروسيين، فقد أسس العمال والفلاحين الفقراء والجنود البسطاء ضحايا الحروب، ديمقراطية حقيقية، وأشكال تنظيمية جديدة في البنيات الاجتماعية التقدمية، ونظام اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي الأول بتاريخ الإنسانية.
لكن هذا النظام الاجتماعي الجديد لم يعمر طويلا على أسس ديمقراطية حقيقية كما حصل في بداياته الأولى، فقد شهد تحولات عميقة بعد وفاة ابرز المؤسسين عام 1924 ونفي قادة كبار بعد ذلك بقليل، وإعدام الأعضاء المهمين عام 1936، مما وفر الشروط للبيروقراطية لكي تسيطر على كل المؤسسات وجهاز الدولة، وسلك درب المفاوضات والاتفاقيات السرية والمعلنة مع الامبريالية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية حول المجالات الحيوية لكل قوة، ومناطق النفوذ، وتقسيم الشعوب بين دول الاستبداد التابعة لكل من القوتين العالميتين الجديدتين.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية عززت قوتها منذ انتقلت من النظام السياسي الفيدرالي إلى النظام السياسي الكونفدرالي والحكومة الواحدة المركزية، بدل اتحاد دول سيادية، ومركزية سيادة مشتركة وصلاحيات الحكم الذاتي للولايات المكونة للاتحاد، وبذلك فتحت المجال للتشريعات والقوانين ضمن الليبرالية والديمقراطية البرجوازية، وهل سيستمر هذا النظام السياسي في ظل التحولات العالمية والأزمة المركبة للرأسمالية، وحاجة الإنسانية للبديل؟
تأسست الولايات المتحدة بعد حرب أهلية وطمعت بالهيمنة على العالم
إن الرأسمالية القحة والخالصة المبنية على القتال باستعمال كل الوسائل من اجل حماية الملكية الخاصة والدفاع عنها، والاستغلال المفرط للطبقة العاملة هي معدن وروح جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية. وقد مولت كل الإيديولوجيات الدينية الرجعية من اجل ذلك، ويعد خصمها وعدوها الحقيقي كل من يدافع عن الملكية العامة لوسائل الإنتاج.
وعملت على تفكيك الدول وتشتيت أجهزتها، وخلق أدوات ووسائل بديلة عنها تخدم مصالح الملكية الخاصة لفائدة الرأسماليين الكبار مهما كانت ملتهم وعقيدتهم، لقد رمت القنابل الذرية على الشعب الياباني أثناء الحرب الامبريالية العالمية الثانية 1938 و1945، وزادت عززت جبروتها؛ وأرهبت البعض، وأخضعت آخرين، وجربت سلاحها المدمر على أرواح الناس.
لقد استغل الرأسماليين الكبار الأمريكيين جرائم الأنظمة الفاشية وحولوها لمصلحتهم بعدما جردوا الشعوب التي عاشت تحت قسوة تلك الأنظمة من كل أدوات القوة والتطور، وأصبحت كل من: اليابان وألمانيا تحت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية بعد استعمال القنابل النووية، واستفادت من علمائهما ومهندسيهما الذين هجروا إليها، وجعلت أهم دولتين بكل من أوروبا واسيا تابعتين لها، ومقطوعي اللسان وبدون قرار سياسي دولي؛ وقد كانا من الدول الصناعية الكبرى في العالم مع مطلع القرن العشرين، وهكذا استمرت في إخضاع كل البلدان لها.
تأسست الأمم المتحدة بعد تلك الحرب الهمجية، وتشكل مجلس الأمن الدولي من طرف المنتصرين، لكن ألمانيا واليابان تحت هيمنة الولايات المتحدة، وانطلقت حركات التحرر الوطني ضد الدول الاستعمارية، وشهد العالم منعرج ثاني بكل تعقيداته، وبهذا زادت تعززت السياسات الخارجية والدبلوماسية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. وفي الفترة ذاتها حصل تحول جديد عندما فجر الفلاحين الفقراء والعمال الصينيين ثورة في أوائل أكتوبر/ تشرين الاول عام 1949 مما خلق مناخا سياسيا جديدا بالقارة الأسيوية، وأعلن عن تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وكان ثاني أهم حدث في التاريخ شهده القرن العشرين.
لكن سياسة كل من: جمهوريتي الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية اللتان لم تسلكا الطريق السليم الذي كان من المفترض أن تتخذه لفائدة شعبيهما بالدرجة الأولى وشعوب العالم ثانيا. هذا الميل صوب الاتفاقيات مع الامبريالية الغربية على حساب القوة المنتجة والقوميات المضطهدة ساعد بصورة كبيرة فيما يحصل الآن بالعقد الثالث من القرن الواحد والعشرون.
لقد انبثقت كلتا الثورتين الروسية والصينية من الحربين العالميتين الامبرياليتين وما بعدهما بقليل، وذلك لما تأزمت الأوضاع السياسية للطبقات الاجتماعية المسيطرة على المال والثروات والسلطات الفعلية، ولم تعد قادرة على إدارة البلدين وفي الوقت نفسه تنظم الفقراء ومنتجي تلك الثروات، ورفضوا الأوضاع، ولم يقبلوا بها، وزعزعوها بالكامل، ودفعوا ثمن باهظ من اجل تقرير مصيرهما، لكن قيادات بلديهما لم تكن في المستوى المطلوب وغدرت بكل التضحيات الجسيمة ونهجت سياسات المساومة مع الأعداء الطبقيين، وحماة الملكية الخاصة، والرأسماليين والامبرياليين.
عقد مجلس الأمن أول جلساته بأواخر يناير/كانون الثاني 1946 في لندن، لكن ضغط الأقلية الرأسمالية بالولايات المتحدة الأمريكية وقوتها، استطاعت نقل مقر الأمم المتحدة إلى نيويورك ثم أصبح دائما فيها إلى اليوم، علما انه عقد عدة جلسات بمدن أخرى في العالم؛ وسيطرت على أشغاله وقراراته خمس دول صناعية كبرى : الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية وفرنسا والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي، هذه الأخيرة أخذت مقعدها روسيا حاليا بعد التفكك في 1990 و1991؛ وعشرة دول أعضاء بالأمم المتحدة لمدة سنتين، وبعد ذلك يتم تعيين عشرة آخرين وهكذا دواليك، لكن الخمسة الدائمين هم سادة القرار بعد الاتفاقيات المتسترة خلف ميزان القوى للرأسماليين الكبار الذين يقررون مصير العالم حتى اليوم.
الرئيس الأمريكي دولاند ترامب ينفذ سياسة الرأسماليين بكل مكان مثل من سبقوه
إن اختلاف المعاملات والأساليب مع الدول من طرف رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية لم ولن تنفصل عن روحها التي تأسست عليها منذ زمن بعيد، وهي سياسة متعلقة بالدفاع عن الرأسماليين الكبار، وعن الملكية الخاصة والاستغلال المفرط للبروليتاريا، لقد دافعت ولا زالت تدافع جمهورية الولايات المتحدة بمختلف رؤسائها على الأمراء والسلاطين والملوك، والرجعيين، واللصوص، والمجرمين مبيدي الشعوب من اجل ترسيخ سياسة الملكية الخاصة ضد سياسة التأميم بكل ما لها من قوة، و تحارب كل من يريد جعل الثروات لفائدة الأغلبية من السكان.
من دمر مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية، وهلك البشر في آب/أغسطس 1945 بدون رحمة ولا شفقة؟ أليست الولايات المتحدة والرئيس هاري ترومان؟ وقتلت نحو 140.000 بهيروشيما، ثم 80.000 بناجازاكي، أما ضحايا مخلفات تلك الجريمة وإشعاعات المواد المستعملة فلا يعد ولا يحصى، على جميع مناحي الحياة وطبيعة البشر الجسماني والنفسي.
فالعلاقة بين القوى الامبريالية الغربية قديمة ومتينة جداً، فعندما سعت فرنسا إلى استعمار الهند الصينية من جديد واستعادة مستعمراتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وظفت شباب مستعمراتها القديمة بحربها اللصوصية من القارة الإفريقية وخاضت حرب استعمارية شرسة ضد بلاد الفيتنام، لكن كفاح التحرر الوطني أعلن عن استقلال البلد، وبما أن الامبريالية متحدة فيما بينها ومتعاونة على الظلم، فقد دعمت الولايات المتحدة الأمريكية فرنسا ماليا وعسكريا.
ولماذا دعمتها بكل ذاك السخاء؟ قامت بذلك من اجل حماية جنوب شرق أسيا من المد اليساري والشيوعي هنالك، والصراع مع الصين الشعبية والاتحاد السوفياتي حول مجالات النفوذ، وعندما انهزمت فرنسا شر هزيمة في معركة [ديان بيان فو] عام 1954،عوضتها الولايات المتحدة الأمريكية في الحين، وقدمت كل الدعم لنظام سياسي رجعي في جنوب فيتنام، وعملت على تقسيم الشعب الفيتنامي بسبب مصالح الامبريالية وحماية الملكية الخاصة، وحصار المد الماركسي الثوري.
الرئيس الأمريكي ليندون جنسون أرسل مئات الآلاف من العساكر الأمريكيين أبناء وبنات الفقراء إلى الفيتنام دفاعا على الرأسماليين الكبار، فهذا الرئيس " الديمقراطي" هو الذي خلف جون كينيدي عام 1963 بعد الاغتيال التاريخي الغامض لهذا الأخير، ويعد عهده بأنه قمة في الليبرالية حسب هذا الاتجاه وأنصاره من كافة الليبراليين القدماء والجدد، فبعد وفاته اثر أزمة قلبية أقيمت له جنازة بالكنيسة الوطنية المدنية المسيحية بواشنطن؛ هذا المؤمن الذي تعبد فيها طيلة رئاسته للولايات المتحدة، هو من أرسل نحو 16.000 جندي أمريكي إلى الفيتنام، ثم أرسل بعد ذلك نحو 525.000 جندي عام 1967 وهكذا تقدم الأقلية الرأسمالية الشباب أبناء وبنات الفقراء لجهنم الحروب الاستعمارية ضد الشعوب البعيدة جغرافيا وثقافيا.
الدرب ذاته سار عليه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بمخرجات [ اتفاق باريس] في 1969 و1973 ووضع إستراتيجية استعمارية اعتمدت على الرأسماليين الأسيويين الفيتناميين، وتوظيف القوات العسكرية الفتنامية بجنوب البلد في العملية السياسية لكي تحل محل القوات الاستعمارية الأمريكية وبذلك توسعت الحرب إلى أماكن أخرى بآسيا.
كان السخط الشعبي الواسع على السياسات الاستعمارية من شباب ذلك الجيل بأرجاء العالم، والعصيان ضد سياسات التجنيد من طرف الشباب الأمريكي وراء انسحاب القوات الأمريكية وتوقيع [ اتفاقية للسلام في باريس] وبعدما دفع الشباب الأمريكي أرواحه في تلك الحرب الامبريالية نحو 58.000 قتيل، أما الضحايا من السكان الأصليين الأسيويين الفيتناميين فقد قتيل منهم الملايين دفاعا عن وطنهم ضد الاستعمار والامبريالية الغربية. أما عدد المفقودين والجرحى فكان كثير جداً، والخسائر المادية بمئات الملايير دولار، فكثير من الشباب الأمريكيين غادروا بلدهم هروبا من التجنيد بتلك الحرب الاستعمارية والامبريالية القذرة.
كان الشعب الفيتنامي مع المكافحين ضد الغزو الأجنبي لبلدهم وساندوه بكل ما يملكون، وما يعلمون من اجل الحرية والاستقلال التام، والاستفادة من ثروات بلدهم؛ أما الخونة والعملاء الذين يوظفهم الامبرياليين ظلوا منبوذون ومكرهون وبلا قيمة، حتى القوى الاستعمارية التي وظفتهم احتقرتهم.
لن ينقد سكان العالم من السياسات الرأسمالية التي تدافع عن الملكية الخاصة بكل الوسائل بما فيها إبادة الشعوب من اجل سرقة ثرواتها سوى الثورات الاجتماعية العميقة والجذرية وتغيير الأنظمة الاستبدادية المقنعة بالليبرالية والديمقراطية البرجوازية التي تخدع الناس بالحريات والحقوق بينما هم تحت السطوة الرأسمالية والاستغلال الفظيع، وبدون تحقيق ذلك سيستمر النظام الرأسمالي ينجب رؤساء مثل موسولوني وفرانكو وهتلر بالدول الصناعية الكبرى والمتقدمة علميا وتكنولوجيا، وأشباههم حاليا بالدول الكبرى الصناعية بالقرن الواحد والعشرين؛ وهذه مهمة على عاتق شباب هذا القرن من الجنسين معا، والقادم من الزمن سيكشف عن مستقبل الإنسانية وكوكبها، أتمنى أن يكون مستقبلا أفضل يساهم في تحقيقه أعداء الملكية الخاصة، وأنصار الاشتراكية والأخوة واحترام البيئة وتقدير الأجيال القادمة بعد قرون، وفهم حقها في الحياة.
#بن_حلمي_حاليم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟