منال حاميش
مهندسة مدني.. باحثة بالباراسيكولوجي
(Manal Hamesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8581 - 2026 / 1 / 8 - 01:17
المحور:
قضايا ثقافية
الخلق المتجدد عند ابن العربي ليس مجرد فكرة رمزية أو وصف شعري للكون، بل هو رؤية فلسفية عميقة للوجود والزمن والطريقة التي يظهر بها العالم ويستمر في الظهور في كل لحظة. نحن عادة نميل إلى تصوّر العالم ثابتًا والزمن خطًا مستقيمًا من الماضي إلى المستقبل، ونقيس الأحداث بوحدات زمنية محددة، فنسمي اليوم بعدد ساعات، ونفصل الأيام إلى دقائق وثوانٍ، ونعتقد أن هذا يعكس الحقيقة. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالوجود ليس شيئًا ثابتًا يمكن قياسه بمعاييرنا البسيطة، بل هو فعل مستمر، متجدد في كل لحظة، والزمن ليس مجرد مرور عقارب الساعة، بل هو الحقل الذي تتجلى فيه الأحداث والظواهر، والتجلي ذاته هو الخلق المستمر الذي يجعل العالم موجودًا الآن وليس فقط في الماضي أو المستقبل. كل حركة، كل حدث، كل فكرة، وكل شعور هي جزء من هذا الفعل المتجدد، وهو ما يمنح الواقع عمقه ومعناه.
الأيام الستة، التي ترد في التراث الديني والفلسفي، تُفهم عادة على أنها ستة أيام زمنية متتابعة، لكنها وفق رؤية ابن العربي ليست مراحل زمنية متتابعة، بل رموز لاكتمال شروط ظهور العالم المكاني. فالمكان لا يمكن أن يظهر إلا إذا اكتملت جميع جهاته الأساسية: أعلى، أسفل، يمين، يسار، أمام، خلف. هذه الجهات ليست مجرد تفاصيل، بل هي شروط ضرورية لكي يظهر الوجود في صورة مكتملة. يمكن تشبيه ذلك بالغرفة، فالغرفة تصبح صالحة للسكن فقط إذا اكتملت جميع عناصرها، لا يكفي وجود الجدران دون سقف أو أرضية، وأي خلل في عنصر واحد يجعل المكان غير مكتمل. الأيام الستة إذن تمثل اكتمال شروط الوجود المكاني، والخلق في ستة أيام ليس مجرد ترتيب زمني، بل تجسيد للوجود المكتمل الذي يظهر في أبعاد المكان الستة في كل لحظة.
بعد اكتمال هذه الأيام الستة يظهر يوم السبت، الذي يختلف كليًا عن الأيام السابقة، فهو ليس مجرد اليوم السابع من الأسبوع، بل هو الزمن ذاته، الحقل الذي يحتوي جميع الأحداث والظواهر، والمكان الذي تتحرك فيه كل الأشياء. الزمن هنا ليس شيئًا يتحرك، بل هو المجال الذي تحدث فيه الأحداث، وهو الأبد الذي يشمل كل الأيام، وكل لحظة وكل حدث موجود بالفعل فيه، ووعينا فقط يلتقطه تدريجيًا. يمكن فهم ذلك من خلال مثال الفيلم السينمائي، حيث الشريط كله موجود، لكن المشاهد تظهر تدريجيًا على الشاشة، فالفيلم موجود بالكامل، لكن وعينا يكشفه تدريجيًا. كل الأحداث موجودة في يوم السبت الأبدي، وكل لحظة وكل يوم موجود بالفعل، والوعي الإنساني يجعلنا ندركها على شكل تسلسل، مما يخلق الوهم بأن الزمن خط مستقيم، بينما الحقيقة هي مجموعة من التجليات داخل حقل واحد شامل.
الخلق المتجدد ليس مجرد فكرة فلسفية نظرية، بل هو ضرورة وجودية. لو توقف الخلق لحظة واحدة، لانعدم الوجود، لأن كل شيء قائم على هذا الفعل المستمر. يمكننا تشبيه ذلك بالمصباح الكهربائي الذي يصدر الضوء بتجدد مستمر آلاف المرات في الثانية، وعين الإنسان لا تدرك هذا التجدد فتبدو له الأضواء ثابتة. هكذا هو العالم كله، متجدد في كل لحظة، ومنتظم بحيث يظهر ثابتًا لعقل الإنسان، لكن الحقيقة أنه يتجدد بلا توقف. إدراك الإنسان محدود بطبيعته، لأنه يعتمد على الاستمرارية في بناء معنى مستمر، لكنه قادر على إدراك أنماط التجدد عند التأمل والتفكير العميق.
الوعي الإنساني، في هذا السياق، هو النقطة التي يلتقي فيها الخلق المتجدد والوجود المدرك. إدراكنا ليس مجرد مشاهدة سلبية، بل جزء من عملية الخلق نفسها. ساعة من الألم قد تبدو أطول من يوم كامل من السعادة، بينما لحظة فرح قد تمر بسرعة. هذا الاختلاف بين الزمن المعاش والزمن الفيزيائي يوضح أن كل لحظة تحمل إمكانية جديدة للخلق، وأن وعينا هو الذي يحدد شعورنا بالزمن، لا الزمن نفسه. التجارب اليومية، مثل اتخاذ قرار مصيري، مواجهة موقف أخلاقي، لحظة تعلم شيء جديد، أو حتى التأمل في الطبيعة، كلها أمثلة حية على أن كل حدث هو جزء من الخلق المستمر.
الإنسان ليس مجرد مراقب خارجي للخلق، بل هو شريك فيه، وعمله جزء من العملية الكونية. الذات الإنسانية ليست ثابتة، بل هي عملية متجددة تتشكل لحظة بلحظة. كل قرار، كل فعل، كل تجربة، يساهم في خلق الواقع وإعادة تشكيله باستمرار. إدراك الإنسان للزمن والوجود يسمح له بالمشاركة الواعية في هذا التجدد، ويمنحه حرية ومسؤولية، إذ كل لحظة هي فرصة لإعادة خلق الذات وإعادة إدراك العالم. الأمثلة الواقعية لهذا الفهم كثيرة: ولادة طفل هي خلق متجدد للحياة، اتخاذ قرار أخلاقي يخلق واقعًا جديدًا، لحظة فرح أو حزن تكشف طبيعة العالم المتغير، ومشهد طبيعي مثل غروب الشمس يوضح كيف أن كل لحظة تحمل معنى وجوديًا جديدًا.
الأيام الستة لا تمثل مجرد أيام زمنية، بل أبعاد وجودية، فهي تشير إلى اكتمال شروط ظهور المكان، وكل يوم يحمل رمزية لحركة معينة في الوجود، وتدرك هذه الحركة في وعينا بشكل تدريجي. يوم السبت هو الزمن نفسه، الحقل الذي يشمل كل التجليات. الزمن ليس خطًا ممتدًا، بل هو مجموعة من اللحظات المتجددة التي تتفاعل مع وعينا، وتخلق واقعنا باستمرار. كل فعل وكل لحظة الآن هي خلق جديد، وكل وعي بها يجعلنا ندرك الوجود على حقيقته. هذا يجعل الحياة كلها تجربة متجددة، كل يوم وكل لحظة فرصة لفهم أعمق للوجود والزمان والهوية الإنسانية.
من منظور فلسفي، يمكننا أن نرى أن الخلق المتجدد والتجلي الزمني للأيام الستة ويوم السبت يمثلان محاولة لشرح تناقضات الوجود الظاهر: كيف يمكن للزمان أن يبدو متتابعًا بينما كل لحظة تتجدد في مجال أوسع، وكيف يمكن للأشياء أن تظهر ثابتة بينما هي في الحقيقة عملية مستمرة. الأمثلة الواقعية اليومية، من حركة أوراق الشجر، إلى نبضات القلب، إلى قرارات الإنسان الصغيرة، كلها تظهر أن كل شيء جزء من هذا الفعل الكوني المستمر. وعينا هو الوسيلة التي تمكننا من فهم هذا التجدد والمشاركة فيه، ويجعلنا ندرك أن الماضي ليس حكمًا نهائيًا، والحاضر ليس مجرد مرحلة انتقالية، بل هو المكان الذي يحدث فيه الفعل الحقيقي، والآن هو اللحظة التي يعاد فيها خلق كل شيء بلا توقف.
هذا الفهم العميق يغير علاقتنا بالهوية الإنسانية. الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من البناء الذاتي. وعينا ليس مرآة عاكسة فقط، بل هو جزء من الفعل الإبداعي للوجود نفسه. كل تجربة، كل فعل، كل لحظة الآن، هي خلق جديد، وكل إدراك لها هو مشاركة في هذا الفعل الكوني العظيم. الحياة كلها تصبح فرصة للتجدد، والإبداع، والفهم الأعمق للوجود. كل يوم وكل لحظة وكل تجربة هي خلق جديد يحدث الآن، وكل إدراك لها يوسع وعينا ويجعلنا ندرك أن العالم أكثر عمقًا وتعقيدًا مما نتصور، وأن كل لحظة الآن هي نقطة التقاء بين الماضي والمستقبل، بين الثابت والمتغير، بين الحدث والوعي.
التوسع في فهم هذه الأفكار يمكن أن يشمل ربطها بالتجارب اليومية الأكثر بساطة: تعليم طفل، تعلم مهارة جديدة، حل مشكلة معقدة في العمل، لحظة مواجهة صراع داخلي، أو حتى لحظة استراحة في الطبيعة، كلها تظهر كيف أن كل حدث هو تجلي مباشر للخلق المتجدد. وعينا بهذه اللحظات يجعلنا ندرك أننا لسنا ثابتين، وأن العالم ليس ثابتًا، وأن كل لحظة تحمل إمكانية للتغيير والتجديد. إدراك هذا التجدد يفتح أمامنا أفقًا للفهم الأعمق، حيث كل لحظة الآن هي خلق جديد يحدث ويعاد خلقه باستمرار، ونحن نشارك فيه مباشرة.
#منال_حاميش (هاشتاغ)
Manal_Hamesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟