أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ضياء المياح - أول سنة بدون أمي














المزيد.....

أول سنة بدون أمي


ضياء المياح
كاتب وباحث، أكاديمي

(Dhiaa Al Mayah)


الحوار المتمدن-العدد: 8573 - 2025 / 12 / 31 - 23:14
المحور: سيرة ذاتية
    


كانت أمي موجودة في الحياة في اول ايام سنة 2025 حتى بداية العشر الأيام الأخيرة من أول أشهر سنة 2025. كانت امي مريضة وفي اسؤا حالاتها الصحية في تلك الواحد والعشرين يوما. لم نكن نعرف أنها ستكون إيامها الأخيرة وسنتها الأخيرة معنا. وغادرتنا أمي إلى بارئها بصمتها وبصراخنا وحزننا ونحن نتوسل الله أن لا تغادرنا غير قادرين أمام مشيئة الخالق وقدرته على منعها من مغادرة دنيانا.
كانت امي موجودة في الحياة وفي وجودها مع وجودنا. ورغم الألم الذي يعتصرها والألم الذي ألمنا لحالها المريضة، إلا أن مجرد وجودها بحالتها تلك كانت لنا إنسا وسلوى إذ تجمعنا بها. كان وجودها المريض يعني وجودا ماديا محسوسا. كان احتضاننا لها ينسينا هموم الدنيا وتقبيلنا أياها ينزع عنا كل الأحزان. كنا نشعر بدفق الحياة رغم وجودها الصامت والضعيف. كانت كلماتها .. ايا كانت .. احلى الكلمات. كان صوتها .. ما أحلاه .. أعذب الأصوات. كان عطرها .. الله يا ريحة أمي .. ما أطيبه من عطر.
كانت امي موجودة بيننا وهي مريضة وظلت موجودة بيننا وإن فقدت حياتها وفارقت دنيانا. كنا في وجودها وغيابها الدنيوي نقول قالت أمي وفعلت أمي وكنا نقول في غيابها الأخروي قالت أمي الله يرحمها وفعلت أمي رحمها الله. الفرق بين الحالتين؟ أننا في الأولى كنا سنلتقيها بعد ساعة او ساعات، بعد يوم أو ايام. أما في الثانية، فأننا لن نلتقيها إلا في الاحلام وفي خيالنا وامنياتنا ونحسها بحرارة دموعنا.
كانت أمي مَعلَما كبيرا يميز كل ما هو جميل في حياتنا. كانت ظلا وارفا لأبنائها نستظل به رجالا ونساءا حينما تتعبنا الحياة ونشعر بالعجز أمام مصاعبها وحين يسيطر علينا الحزن ليبدي عجزنا في مواجهة مصاعب الحياة، فتكون لنا هذه الأم بلسما لمعاناتنا ودواء لدائنا. كانت أمي دليلا لوجهتنا، تدلنا على وجهتنا الصحيحة حين نفقد السيطرة على مشاعرنا أو نخطىء في التعبير عنها. كانت أمي سببا لأن يحفظنا الله ويرزقنا كل أنواع الرزق .. كانت أمي تدعو لنا ليلا ونهارا .. في قيامها وقعودها .. في صلاتها وصيامها .. في صحوها وفي أحلامها. لطالما رددت أنها لا تملك لنا غير الدعاء، وهل هناك أحسن من داء الأم الذي حُرمنا منه بفقدها.
كانت أمي تسمعني وهي راضية غير معترضة وأنا اردد بمكر أمامها أو بغيابها؛ إن بَري لوالدتي (وقبلها والدي رحمه الله) لم يكن من أجلهما شخصيا بل هو لأجلي، لأن الحياة ديون، فإن سددت جزء من ديونك لأبويك، فلابد أن يسدد أولادك ما عليهم من ديون إليك. كنت أتمنى أن يبرني (أو يعاملني) أولادي كما عاملت والديً. لم أتركهما حتى فارقاني إلى بارئهما. لطالما تمنت أمي أن يفعل الأخرون ما أفعل معها، وأن يقول الأخرون ما أقوله لها، وأن يفكر الأخرون كما أفكر بها. كنت في نظرها (والله أعلم) أبنها الملاك "فتشة العين وعين القلادة".
كانت أمي تعيش معي في سنواتها الأخيرة، فكنت السعيد الأسعد من غيري والمحظوظ الأكثرهم حظا حتى ألمت بها قساوة المرض وشدته، فأنتقلت لبيت أبن أخر لها لتكون قرب معظم الأخوة والأخوات. لم أفارق امي أبدا منذ فارقت بيتي حتى فارقت هي الحياة. كانت يدي هي أخر يد أمسكتها في هذه الدنيا وهي على سرير الموت وقبل أن تلفظ انفاسها الأخيرة بدقائق. فكنت الخاسر الخسران والتعيس المنكود بفقدان أمي مع إيماني المطلق بقضاء الله وقدره وارادته.
كانت أمي كل حياتي، فعشت حياتي بعدها. كنت أردد دائما كُلٌ له مكانة في حياتي وقلبي؛ أبنائي وأخوتي وزوجتي، لكن لأمي اول الأماكن وأوسع المكانات، بل لها كل الأماكن والمكانات، فلا أحد قبلها حتى نفسي وصحتي والكل بعدها. ومع إدعائي هذا، فقد عشت حياتي أتناول الطعام وأغير الملابس واستمر في عملي وارتاد الأماكن وأتحدث مع الأخرين بإعتياد وأضحك بقهقة عالية، وقَلَت لقبرها زياراتي. ما أقسى قلبي وما أوقح تصرفي.
وها نحن ودعنا سنة 2025 التي فارقتنا بها أمي في أيامها الأولى وأستقبل عاما جديد لن تكن أمي موجودة في اي يوم من أيامه التي ستأتي. لكن يقينا؛ ستبقى أمي في عالمي وفي حياتي إلى أن ينتهي عالمي وتنتهي حياتي. ستبقى ذكرى أمي وأفعالها وكلامها في تفاصيل حياتي ما عشت من الحياة. سأشعر دوما بان أمي وكعادتها تعيش معي وتدعو لي بالتوفيق.



#ضياء_المياح (هاشتاغ)       Dhiaa_Al_Mayah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنهار الأوطان بالخيانة والصمت عنها والجهل بهاض
- الجامعات العراقية والبحث العلمي
- قصة غش إمتحاني / الجزء الثالث (تدخل العشيرة)
- قصة غش إمتحاني / الجزء الثاني
- قصة غش امتحاني / الجزء الأول
- كن أنانيا في حياتك!
- هل حب علي بن أبي طالب حقيقة أم ادعاء؟
- وضوح المواد العلمية الدراسية في الامتحانات الجامعية التقويمي ...
- هل وصلنا إلى مرحلة التفاهة؟
- بماذا تفكر؟ وماذا تستطيع أن تقول أو تكتب أو تفعل؟
- حافظوا على رصانة الجامعات الحكومية
- فشلتُ بسببكِ
- عضو المجلس البلدي البزونة بيتا
- سقوط الحكومات الجمهورية وبقاء الحكومات الملكية في العالم الع ...
- هل يتغير حالنا .. ام نبقى هكذا؟
- تغيير حالنا .. من أين يبدا؟
- كيف نغير حالنا
- لنواجه الحقائق أو ندفن رؤوسنا بالرمال
- وإن تأخرت الدراسة في الجامعات عن موعدها، ما المشكلة؟!
- مَشّي .. ومَشّي


المزيد.....




- الكويت.. فيديو وزير الداخلية في مداهمة موقع تخزين ألعاب ناري ...
- سوريا.. -تسريب- خطط قيادات نظام الأسد ضد الحكومة الجديدة وال ...
- بعد تنصيبه رسمياً، هل يحافظ ممداني على زخم وسائل التواصل الت ...
- مادورو يؤكد استعداده للتفاوض مع واشنطن بشأن المخدرات والنفط ...
- ابنة زعيم كوريا الشمالية تزور ضريح العائلة وتعزز مكانتها وري ...
- مقتل قائد ميداني بالدعم السريع في دارفور
- للمرة الأولى.. ابنة كيم جونغ أون تزور ضريح جدها
- -فنزويلا اتخذت إجراءً تصعيديًا على غرار روسيا ضد أمريكا-.. م ...
- البرازيل: المحكمة العليا ترفض تحويل سجن بولسونارو إلى إقامة ...
- موسكو تسلّم واشنطن دليلا على هجوم أوكراني مزعوم على مقر بوتي ...


المزيد.....

- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - ضياء المياح - أول سنة بدون أمي