أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟














المزيد.....

المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8572 - 2025 / 12 / 30 - 20:19
المحور: قضايا ثقافية
    


نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، تتجاوز في تعقيدها جدليات العقود الماضية حول "الأصالة والمعاصرة". نحن أمام أزمة وجودية تتعلق بالأدوات والأدوار؛ فالمثقف العربي، الذي امتلك لقرنٍ كامل سلطة "التوجيه المعنوي"، يواجه اليوم عملية إزاحة ممنهجة وقسرية. لم تأتِ هذه الإزاحة بفعل قمع السلطات السياسية التقليدية فحسب، بل بفعل صعود "لاعبين جدد" يمتلكون أسلحة فتاكة: الصورة، الخوارزميات، ورأس المال، والقدرة على حشد الغوغاء رقمياً.
إن ما نشهده من "انحسار للساحة المعرفية" لا يعني غياب المعرفة، بل يعني سقوطها كمعيار للترقي الاجتماعي. لقد وضعت هذه التحولات المثقف أمام خيارات صفرية قاسية: إما الانخراط في "نظام التفاهة" -كما وصفه آلان دونو-، أو الهجرة الداخلية الصامتة، أو التحول إلى "موظف" يخدم برامج الممولين في محاولة يائسة لرسم خريطة لهذا التيه.

المؤثر" بديلاً عن المفكر":
تشير قراءة المشهد الرقمي إلى انقلاب جذري في مصادر التلقي. لقد سحبت منصات مثل "تيك توك" و"سناب شات" البساط من تحت أقدام المنابر الثقافية. يتمتع "المؤثر" بميزة تنافسية لا يمتلكها المثقف: "السرعة" و"السطحية". ففي حين يحتاج المثقف إلى سياق طويل لشرح فكرة مركبة، يقدم المؤثر "كبسولة" شعورية فورية. وهنا ينتصر "التافه" لأنه يلعب بمهارة ضمن قواعد النظام الاستهلاكي، بينما يُقصى "الكفء" لأنه يطرح أسئلة تعطل دورة الاستهلاك السريع. والنتيجة؟ وجد المثقف نفسه محاصراً داخل فقاعة، يكلم نفسه أو زملاءه، بينما عزلت الخوارزميات الجمهور عنه تماماً.

اغتيال المعنى- جيوش الذباب الإلكتروني:
لعل أخطر الفاعلين الجدد هم "الجيوش الإلكترونية". هؤلاء ليسوا ظاهرة عشوائية، بل أدوات سلطوية منظمة تهدف إلى تدمير المجال العام عبر "استراتيجية الإغراق". عندما يطرح مثقف رأياً نقدياً، لا يُواجه بالحجة، بل بطوفان من الشتائم والتخوين، أو حتى نشر التفاهات لتشتيت الانتباه. الهدف هنا ليس الإقناع، بل "جعل النقاش مستحيلاً"، ودفع المثقف إلى "الإنهاك النفسي" والانسحاب، ليخلو الجو للرداءة.

سيكولوجية المثقف المقهور:
حروب "الدجاج" لا يمكن فهم سلوك المثقف اليوم دون العودة للتحليل النفسي الاجتماعي، وتحديداً ما طرحه الراحل مصطفى حجازي في "التخلف الاجتماعي". فالمثقف المقهور، العاجز عن مواجهة "الأب/السلطة"، يوجه عدوانه نحو "الإخوة/الزملاء". لذا يمتلئ مشهدنا الثقافي بمعارك وهمية وشخصنة للخلافات؛ إنها "حروب دجاج" بديلة عن حرب النسور المستحيلة. أما من يرفض هذه الحرب، فيختار "الهجرة الداخلية": يعيش جسدياً في الوطن، لكنه منفصل عنه عقلياً، لاجئاً إلى نصوص تراثية أو لغة طلسمية كآلية دفاعية، مما يعمق الفجوة بينه وبين الجمهور الذي يُترك فريسة للدجالين؟

المال وتوجيه البوصلة:
لم يعد توجيه الثقافة يحتاج إلى "رقيب" يحذف النصوص، بل بات يتم عبر آليات ناعمة، "التمويل" و"الجوائز". لقد خلقت الجوائز قوالب جاهزة، تدفع الكتاب لتجنب التابوهات السياسية والهروب نحو "التاريخ الغرائبي" أو "الصوفية" الآمنة. وتحت وطأة الفقر، اضطر آخرون للتحول إلى "يوتيوبرز"، خاضعين لقوانين السوق، عناوين صارخة وتبسيط مُخل. هنا يتحول المثقف من "منتج للمعرفة" إلى "مهرج معرفي"، فيصبح "ما يطلبه الجمهور" هو المعيار، لا "ما يحتاجه الجمهور"."

سقوط الأوهام:
يرى المفكر علي حرب أن ما يجري ليس مؤامرة بقدر ما هو نهاية طبيعية لدور انتهت صلاحيته. إن المثقف الذي يمارس الوصاية ويدعي امتلاك الحقيقة المطلقة قد مات. لكن، هل يعني هذا النهاية؟ على العكس، يجد المثقف العربي نفسه اليوم في "عراء" تاريخي؛ بلا رعاية دولة، ولا اهتمام جمهور، ولا تمويل سوق. هو يقف وحيداً أمام "غول" التقنية و"تنين" الاستبداد. وفي هذه العزلة تكمن فرصة الولادة الجديدة. إن سقوط "سلطة المؤسسة" يحرر المثقف من قيودها. المطلوب اليوم استراتيجية جديدة:

فك الارتباط بوهم الأرقام: بناء "جزر معرفية" صغيرة ومتماسكة أفضل من جمهور مليوني وهمي.
أنسنة التكنولوجيا: تطويع الذكاء الاصطناعي والوسائط لخدمة المحتوى الرصين، وتقديم العمق بقوالب حديثة.
المثقف الشبكي: بناء تحالفات نضالية لحماية المثقف المستقل.
الأزمة ليست في "موت المثقف"، بل في موت "النموذج القديم". ما نحتاجه ليس أصناماً فكرية، بل "فدائيين" في حقول المعرفة، يتقنون "حرب العصابات الثقافية" ضد جيوش التفاهة، ويحرسون جمرة المعنى في زمن الرماد الرقمي.



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنطولوجيا السياسية للهشاشة: تفكيك أبعاد الهيكلية الرأسمالي ...
- جدلية التفاهة: نقد مادي للثقافة والعلم في عصر الرأسمالية الم ...
- براكسيس الإبستمولوجيا وجدلية الجذر والجذمور: من الهيمنة النس ...
- تمرد الهوامش في مقبرة المسودات المحذوفة - قصة ميتاسريالية
- التراجعات الإبستيمولوجية واغتيال العقل: الحلول الهروبية في ا ...
- سجع المخصي واليقين المعدوم -قصة ميتاسريالية
- البيوبوليتيك والنيكرو-بوليتيك كآليات لضبط الحياة والموت في ا ...
- التسطيح المقعّر في المستوى الميتا-غائم -قصة ميتا سريالية
- التعاضد الثلاثي: الأسطورة، رأس المال، والسلطة
- الوعي الترانسندالي وأوهام الميتافيزيقا
- الوعي القاتل: مقاربة تكاملية للقفزة المعرفية، القلق الوجودي، ...
- ماهية الفن في زمن الأضداد
- اقتصاديات الهامش الأقصى: مقاربة فلسفية نقدية
- الذات: جسد عارٍ في عصر النسبية التكنولوجية للخصوصية
- أبولوجيا التدجين والسلطة: من الإخضاع البيولوجي إلى الترويض ا ...
- الذات، المكان والكلمة: تحليل العلاقة التعاضدية في بناء الهيك ...
- الأنوقراطية الزومبي وفلسفة النيوكولونيالية في الألفية الثالث ...
- ثورة الجمال: قصة سريالية
- الهرمسية الحديثة والسيطرة النخبوية: جدلية -نزع السحر- و-إعاد ...
- الحداثة: المعرفة، القوة، والأخلاق: نقد جنيالوجي للانفصال الق ...


المزيد.....




- -تحالف الشرعية- في اليمن: -سنضرب بيد من حديد كل من يحاول است ...
- البرلمان الأوروبي يلجأ للقضاء لتعطيل تنفيذ الاتفاق التجاري م ...
- هآرتس: نتنياهو لن يحضر تدشين مجلس السلام بسبب مذكرة توقيفه
- ماكرون وآخرون.. ورطة الذين شملهم ترامب بالسخرية والتوبيخ في ...
- مصيدة -الخط الأصفر-.. كيف يقضم الاحتلال المساحات الباقية للف ...
- ترامب يعرض -إطار اتفاق- بشأن غرينلاند ويستبعد خيار القوة
- -حياة ذكية-: سيارة خارقة بـ1900 حصان وتابلت ورقي ومركبة طائر ...
- هل يستخدم مجلس السلام لتبييض صورة إسرائيل بعد جرائم غزة؟
- ترامب يكشف لـCNN رد بوتين على الدعوة للانضمام إلى -مجلس السل ...
- دافـوس 2026: مـنـتـدى الـقـطـيعـة بـيـن تـرامـب وحـلـفـائـه؟ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - غالب المسعودي - المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟