أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الذات، المكان والكلمة: تحليل العلاقة التعاضدية في بناء الهيكل الأنطولوجي للوجود وتقويض البيو سياسة المعاصرة















المزيد.....

الذات، المكان والكلمة: تحليل العلاقة التعاضدية في بناء الهيكل الأنطولوجي للوجود وتقويض البيو سياسة المعاصرة


غالب المسعودي
(Galb Masudi)


الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 20:15
المحور: المجتمع المدني
    


إشكالية الهيكل الأنطولوجي للوجود
يسعى الفكر الفلسفي المعاصر إلى فهم الوجود من خلال تجاوز الأطر الميتافيزيقية التقليدية التي تفصل بين الجوهر والوجود، أو بين الذات والموضوع. يتطلب بناء "الهيكل الأنطولوجي للوجود" الانتقال من الفهم السكوني للوجود كـ "ماهية مسبقة" إلى الوجود كـ "كينونة منفتحة ومؤوّلة. “لقد تأسس هذا التحول على المبدأ الوجودي المحوري: "الوجود يسبق الماهية" ومن بعده التعاضد الانطولوجي بين الوجود والماهية، الذي يفرض أن الذات تبني هويتها من خلال الأفعال والقرارات التي تتخذها. يشكّل التعاضد محور هذا التحليل، وهو علاقة وجودية ثلاثية الأبعاد لا يمكن فيها عزل الذات أو المكان أو الكلمة دون انهيار المعنى الأنطولوجي الكلي. إن الذات، في سياق كينونتها المنفتحة، هي نقطة التماس والاشتباك بين المكان (كعالم دلالي) واللغة (كأفق للفهم). هذا التضافر يؤكد أن العلاقة بين العناصر الثلاثة هي علاقة تأسيس أنطولوجي نشط، وليست مجرد وصف لعناصر منفصلة. إن هذا الهيكل الأنطولوجي هو في جوهره هيكل للحرية، يقاوم محاولات التشييء التي تسعى لتقييد الذات داخل ماهية محددة أو "تنميط".

اللغة كشرط للوجود: الكلمة بوصفها بيت الكينونة
تتصدّر الكلمة (اللغة) الثالوث الأنطولوجي بوصفها "بيت الكينونة"، وهي ليست مجرد أداة للتعبير أو التواصل، بل هي الشرط الأساسي لإمكانية الفهم والوجود. يرى هايدغر أن اللغة هي الملكة المتميزة التي يستطيع الكائن من خلالها أن يفكر في الوجود، مما يجعل العلاقة بين اللغة والكينونة علاقة جوهرية وليست عرضية.
تتمتع الكلمة بقوة كشف أنطولوجية؛ فهي التي تُجلّي الموجود أمام الناس، وتُمكّن الأسماء من الاحتفاظ بالرؤى والخبرات الوجودية وتنميتها. إذا كانت الكلمة مفقودة فلا جدوى للخبرة ولا قيمة لها، وربما لا يكون لها "وجود على الإطلاق". وهذا يرفع اللغة إلى مستوى وسيط للبقاء الأنطولوجي في مواجهة الفناء. إن النضال للحفاظ على الكلمة هو في جوهره نضال لضمان بقاء الخبرة الوجودية قابلة للفهم والتواصل. وقد أكّد غادامير، من خلال الهرمنيوطيقا، هذا الدور الأنطولوجي عبر مقولته الشهيرة: "الوجود الذي يمكن فهمه هو اللغة".

بناء الدائرة التأويلية والانتقال إلى أنطولوجيا الفعل
يتطلب الفهم وجود الكلمة كوسيط لتأسيس الدائرة الهرمنيوطيقية. فـ لا يوجد فهم بدون تفسير توقعي، ولا تفسير بدون فهم. إن الفهم المسبق، وهو جزء لا يتجزأ من تكوين المعنى، يعتمد على الافتراض المسبق للمعنى وينطلق في الوقت ذاته من توقعه. وهذا يثبت أن الكلمة هي جوهر عملية الفهم التي تمكّن الذات من تأويل العالم والمكان.
إن الأحكام المسبقة تشكّل عناصر أساسية في الفهم، وهي مرهونة ومتوقفة بشكل وثيق على أفقنا وسياقنا التاريخي. هذا الارتباط التاريخي يؤكد أن اللغة متجذرة في العالم المعيش، كما تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الفضاء الأخلاقي والاجتماعي. على سبيل المثال، كانت الفلسفة القديمة شفاهية في الصميم، ترتكز على الكلمة المنطوقة، وكان هدفها ليس مجرد إيصال المعلومة، بل يهدف إلى "إحداث أثر وتحوّل " (التكوين لا التلقين). "هذا الدور العملي للكلمة المنطوقة يبرزها كفعل وجودي وممارسة علاجية، مما يؤكد تعاضدها مع الذات في بناء فن العيش." (“غالب المسعودي: الذات والمكان والكلمة”)

من هرمينيوطيقا النص إلى أنطولوجيا الفعل (ريكور)
وسّع بول ريكور نطاق التأويل من حصرية النص إلى مجال أوسع يشمل الفعل والممارسة، ليؤسس بذلك "أنطولوجيا الفعل". يؤكد ريكور على جدلية مزدوجة: يمكن فهم الفعل بوصفه نصاً، وفي المقابل يمكن للنص أن يُفهم بوصفه فعلاً وممارسة. هذا التحول يعني أن الذات لا تكتشف وجودها فقط من خلال تأويل النصوص، بل أيضاً من خلال تأويل أفعالها وممارساتها في العالم.
"تظهر أهمية الكلمة من خلال هذا التوسع بوصفها أداة لا غنى عنها، ليس فقط للتعبير عن الوجود، بل كذلك لتشكيل الوجود نفسه عبر الممارسة العملية." (“غالب المسعودي: الذات والمكان والكلمة”)

المكان والعالم المعيش
بالنسبة لهايدغر، المكان ليس مجرد إحداثيات هندسية فارغة، بل هو "العالم".
أو "الوجود في العالم". إنّ العالم شبكة من العلاقات والأدوات التي يتم اكتشافها في الراهن، وهو شرط مُقدَّم على وجود الذات والموضوع. هذا العالم هو فضاء دلالي أولاً، إذ ينفتح الوعي عليه عبر القصدية.
في الفينومينولوجيا، تتأصّل الذات في المكان، والمكان يكتسب معناه من خلال ممارسة الذات لحياتها فيه. وهذا المكان المعيش هو الذي يحدد أفق الدلالة للذات.

حروب المناعة وتفكيك الرابطة الأخلاقية
تتضاعف زعزعة الهيكل الأنطولوجي عندما تفقد الكلمة دورها الكاشف. في هذا السياق، تظهر العلاقة العكسية بين الخوف وفاعلية الكلمة الأنطولوجية؛ فالخوف يُستخدَم "كأداة حكم مركزية" لترويض الشعوب. "هذا الخضوع يتعارض بشكل مباشر مع دور الكلمة كشرط للحوار والتكوين الفلسفي (الذي يهدف إلى إحداث تحول في الشخصية)." (“غالب المسعودي: الذات والمكان والكلمة”) عندما يسيطر الخوف، تفقد الكلمة قوّتها.

دعوة للهرمنيوطيقا النقدية كطريق للبناء الوجودي
إن الهيكل الأنطولوجي ليس بنية ثابتة، بل هو عملية بناء مستمرة قائمة على التعاضد الحيوي بين الذات المتفهمة، والكلمة الكاشفة، والمكان الآمن الذي يسمح بالعيش الحر. الهرمنيوطيقا النقدية هي الطريق لإعادة بناء هذا الهيكل، إذ إنها تمنح الذات الأدوات الفلسفية اللازمة لتأويل أزماتها، والتمييز بين ما "هو في نطاق سلطتنا" (أفكارنا وقراراتنا) وما "ليس في نطاق سلطتنا" وذلك لتأكيد الحرية الإنسانية في وجه السيطرة البيو سياسية الشاملة.
-------------------------------
المراجع
مؤمنون بلا حدود. "فيورباخ في الفلسفة العربية المعاصرة: مشكلة الإنسان". (رابط إلكتروني: mominoun.com)
هنداوي. "هايدجر | فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر". (رابط إلكتروني: hindawi.org)
ASJP. "الأساس الأنطولوجي لهرمينوطيقا الوجود عند مارتن هيدغر: ملخص". (رابط إلكتروني: asjp.cerist.dz)
الجابري، عابد. "الفينومينولوجيا وفن التأويل". (رابط إلكتروني aljabriabed.net)
مصطفى، عادل. "كيف طوّر هايدجر منهجاً تأويلياً فينومينولوجيا Hermeneutic Phenomenology في سياق بحثه الأوسع عن أنطولوجيا أكثر أساسية". (مدونة modernitysite.wordpress.com)
بريمي، عبد الله. "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانز جورج غادامير وبول ريكور". (رابط إلكتروني: abdellahberrimi.com)
الخويلدي، زهير. "فلسفة الفهم عند غادامير والقراءة الهرمينوطيقية للتراث". (رابط إلكتروني: anfasse.org)
مجلة "بحوث". "Biopolitics of Michel Foucault and Giorgio Agamben". مجلد 3، عدد 5 (2023). (رابط إلكتروني: buhuth.journals.ekb.eg)
هايدغر، مارتن. الوجود والزمان. (لأن النص يستند بشكل كبير إلى مفهوم الكينونة/الوجود في العالم).
غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج. (المصدر الأساسي لمفهوم الهرمنيوطيقا والأفق التاريخي).
ريكور، بول. صراع التأويلات أو الذات عينها كآخر. (لأن النص يتناول الانتقال من تأويل النص إلى أنطولوجيا الفعل).
أغامبين، جورجيو. الإنسان السيرة. (كمرجع أساسي لمفهوم البيو سياسة الذي تم تقويضه في النص)



#غالب_المسعودي (هاشتاغ)       Galb__Masudi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأنوقراطية الزومبي وفلسفة النيوكولونيالية في الألفية الثالث ...
- ثورة الجمال: قصة سريالية
- الهرمسية الحديثة والسيطرة النخبوية: جدلية -نزع السحر- و-إعاد ...
- الحداثة: المعرفة، القوة، والأخلاق: نقد جنيالوجي للانفصال الق ...
- الوعي والمعنى الفلسفي للموجودات
- الماهية والوجود: إعادة تعريف منهجي عبر الحاضرية الوجودية الش ...
- التكلفة اللغوية للتماهي الفلسفي: تشكيل الوعي بين المتخيل وال ...
- ثلاث قصص سريالية
- جدلية السلطة النصية: من القدسية إلى النسبية
- تفكيك العلاقة بين الإبادة المعرفية وتواطؤ النخب
- صداع على حبل الغسيل -قصة سريالية
- التسييس والتأنيس في الخطاب الأخلاقي: مقاربة فلسفية
- الدور الإقصائي للمرجعيات الثقافية الشرق أوسطية
- الشر الكامل في سياق النيوكولونيالية
- إخفاقات البراغماتية والفلسفة التجريبية: القاسم البنائي المشت ...
- آليات الهيمنة الأيديولوجية: دور الوثنية السياسية والطاعة الم ...
- الكومنتاريا والهيمنة الإمبريالية التكنولوجية
- جاسم عاصي: الناقد الروائي وبناء سردية الهامش العراقي
- النشاط الأنطوإبستيمولوجي الكلي
- الديمقراطية كإشكالية فلسفية


المزيد.....




- تونس: اعتقال المعارضة شيماء عيسى على خلفية حكم نهائي بالسجن ...
- حماس: اقتحامات الضفة جرائم حرب موصوفة وتصعيد لسياسة الضم وال ...
- بن غفير يتوعد بإلغاء إجراءات التحقيق مع الجنود الإسرائيليين ...
- حماس: اقتحامات الضفة -جرائم حرب موصوفة- وتصعيد لسياسة الضم و ...
- بيوم التضامن العالمي.. تأكيد عربي على -حق تقرير المصير- لشعب ...
- وادي المخازن وخلل الموازين / الجزء 17
- -يونيسف-: 9 آلاف طفل دون 5 سنوات في غزة يعانون سوء تغذية حاد ...
- اليونيسف: أكثر من 9000 حالة سوء تغذية حاد لأطفال غزة وتحذير ...
- مؤسسات فلسطينية تدعو لإنقاذ الأسرى وإنهاء اعتقالهم التعسفي: ...
- حريق أبراج هونغ كونغ.. اعتقال 8 أشخاص آخرين مع استمرار فقدان ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - غالب المسعودي - الذات، المكان والكلمة: تحليل العلاقة التعاضدية في بناء الهيكل الأنطولوجي للوجود وتقويض البيو سياسة المعاصرة