حسان الجودي
(Hassan Al Joudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8530 - 2025 / 11 / 18 - 12:06
المحور:
قضايا ثقافية
تخطر في بالي مقارنة قد تبدو غير عادلة، لكنها جديرة بالتأمل: بين شعوبٍ تكرر الأخطاء ذاتها على مدى قرون، وفأرة صغيرة اقتحمت مطبخي منذ سنوات حين انتقلت إلى بيت جديد.
كانت فأرة ذكية. منذ الأيام الأولى أدركت أنني في مواجهة خصم لا بستهان به. نصبت الفخاخ، جرّبتُ المصائد التقليدية والحديثة، وبحثت في الإنترنت عن حيل لمكافحتها. كنت أضع لها الطُعم الطيب، فتنجو في كل مرة، تقتنص الطعام دون أن تقع في الأسر.
لم تكن تلك الفأرة مجرد طفيلي يبحث عن فتات. كانت تمثل أمامي صورة أخرى للحياة: غريزة صافية للبقاء، يقظة تامة، وحذر لا يعرف الاستسلام. سألت نفسي: كيف طوّرت هذه المخلوقة الهشة كل هذه المهارات؟ هل تتعلم الفئران من تجارب أسلافها؟
يجيب العلم بأن الفئران تتعلم اجتماعيًا، تنقل الخبرات فيما بينها، تدرك أين يكمن الفخ، وكيف تحتال على صائدها.
تظهر هنا المفارقة، إذا كانت فأرة قادرة على تطوير وسائل الدفاع عن النفس، فلماذا لا تستطيع بعض الشعوب ذلك؟ لماذا تعود إلى ذات الأخطاء، وتقع في ذات المصائد التي نصبها لها أعداؤها أو مستبدوها؟
هل لأن الفأرة ترى الفخ بوضوح، بينما الشعوب تُخدرها الشعارات، وتُعميها الأوهام؟
هل لأن الفأرة لا تحتاج إلى قصة كبرى لتبرر بقائها، بينما الشعوب تبتلع الحكايات الكاذبة باسم الدين، أو الوطن، أو المجد؟
إنها سخرية غير عادلة بالتأكيد لكنها حقيقية:
تنجو فأرة المطبخ لأن غريزتها صادقة. أما الشعوب، فقد يقتلها كذبها على ذاتها، وتقديس كذب الزعماء عليها
#حسان_الجودي (هاشتاغ)
Hassan_Al_Joudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟