أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عزالدين بوروى - لا تلوموني ، بل لوموا أنفسكم














المزيد.....

لا تلوموني ، بل لوموا أنفسكم


عزالدين بوروى

الحوار المتمدن-العدد: 8483 - 2025 / 10 / 2 - 22:50
المحور: حقوق الانسان
    


قبل اثنتي عشرة سنة تقريبًا، خرج كل التلاميذ -وأنا واحد منهم- للاحتجاج أمام إحدى الإعداديات بمدينة جرسيف- شرق المغرب. رفعنا شعارات شتى، صرخنا بأعلى صوتنا: "الشعب يريد إسقاط الفساد". كنا في سن صغيرة، أغلبنا لم يكن يتجاوز مرحلة الكمون بعد ، لكنّ الاحتجاج بالنسبة إلينا لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة للتعبير عن موقف من واقع متوتر. السياق حينها كان مطبوعًا بأحداث بني بوعياش وامزورن، وبموجة الربيع العربي، وباحتجاجات أخرى هزت مناطق متعددة من المغرب.

أتذكر جيدًا ملامح التلميذة ك.ك، التي أصبحت اليوم زوجة وأُما، وهي تكتب بخط بريء على لافتة: الشعب يريد إسقاط الفساد. كتبَتها وردّدنا وراءها. لم يكن أغلبنا يدرك ثقل الشعار ولا خلفياته النظرية، لكن لم يكن الأمر يحتاج إلى أن نكون منظّرين كبارًا كي نفهم. الوضع الاجتماعي وحده كان كافيًا: أطفال يأتون إلى المدرسة بلا أحذية، بلا دفاتر، وبلا أقلام حبر. حتى أن أحد أساتذة الرياضيات واجهني يومًا بسؤال عن أدواتي المدرسية، ولما أجبته بأنني لم أشتريها بعد ، صرخ في وجهي أمام زملائي: اخرج تقود عليا.

هذه العبارة ليست مجرد ردّ غاضب من أستاذ، بل هي جزء من خطاب سلطوي يتكرر في المغرب بمستويات متعددة. نفس القاموس يستعمله رجال السلطة وهم يحررون الملك العمومي ويصرخون في وجه المواطن البسيط، وهو نفس المعجم الذي يستعمله رب المزرعة وهو يخاطب المزارعين والفلاحين الصغار، وهو الخطاب نفسه الذي يتوسل به صاحب المقهى وهو يحدث النادل، وقس على ذلك . خطاب يلخص العلاقة العمودية التي تحكم المجتمع: من الأعلى إلى الأسفل، من الأقوياء إلى الضعفاء. وليس بعيدًا عن ذلك، العبارة التي سمعها أحد المحتجين مؤخرًا من رجل أمن: شكون هذا اللي قال الحرية؟ ياله قل "الحرية" نسمعك ...

على ما يبدو أن المغرب ليس بلدًا واحدًا، بل مغارب متعددة. كل فئة ترى مغربها الخاص. فـ"البرجوازيون الصغار" من أساتذة وموظفين وأطباء يرون في المغرب طوق نجاة يضمن لهم معاشًا هزيلًا وتعويضات بالكاد تكفي، لكنهم يتمسكون به باعتباره آخر ما تبقى لهم من أوراق. أما "البرجوازيون الكبار"، المتحكمون في الثروات والأسعار، فيتعاملون مع المغرب كمزرعة خاصة، يغرسون فيها ما يشاؤون ويستثمرون كما يشاؤون، بلا رقيب ولا حسيب. في المقابل، الفقراء والمهمشون، الذين خرجوا إلى الشوارع، فيرون في المغرب بوابة جحيم، أو الجحيم بعينه الذي سرق طفولتهم وشبابهم وأحلامهم.

الشباب الذين يصرخون اليوم في الشوارع ليسوا مدفوعين بنزوة عابرة، بل بسيرة طويلة من الحرمان: سنوات من الأمية والتجهيل، من إعلام تافه يصنع الوهم، من انسداد الآفاق التنموية، ومن غياب أبسط شروط الكرامة. هذه التراكمات صاغت سيكولوجيا جماعية مضطربة، جعلت الاحتجاج وسيلة للتنفيس عن الغضب تارة ، وبوقا يُسمعون عبره صوتا مقموعا يقول : لا تلوموني، ولوموا أنفسكم.



#عزالدين_بوروى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في رثاء القديسة
- ماذا جنت إسرائيل على العالم العربي ؟
- بُومُ مِنيرْفا…
- سقطت الأقنعة، فما العمل ؟
- إقرؤوا الأدب تصحوا...
- في نعي الشهيدين حسام بودهان وحمزة كمبري
- قِحَابٌ وَلَكِنْ...(الجزء الثاني )
- قِحَابٌ وَلَكِنْ...
- ملفات عن الحياة الموت وأشياء أخرى
- ملفات عن الحياة والموت وأشياء أخرى…
- مائتا عام مرت على اهتزاز عرش القيصر
- السير بخطى ثابتة نحو الهاوية/ نسخة معدلة من المقال السابق
- السير بخطى ثابتة نحو الهاوية
- تأهيل للقراءة بالنسبة لأشباه القراء
- قرية أبريل/ علي عبدوس
- خاوة-خاوة
- انتصار على السيورانية
- اليسار باقٍ مادام التناقض قائما...
- الله ذلك المجهول


المزيد.....




- -تداعيات- تدشين مجلس السلام بشأن غزة.. منظمة العفو الدولية ت ...
- مندوب فلسطين الدائم في الأمم المتحدة: نُطالب بوقف اعتداءات ...
- مفوض وكالة الأونروا فيليب لازاريني: الجهود الدولية يجب أن تت ...
- اعتقال طفل عمره 5 سنوات يهز أميركا.. ماذا حدث؟
- بن غفير يوافق على تسليح 18 مستوطنة وحملة اقتحامات واعتقالات ...
- بين انضمام عربي وتحفظ أوروبي... هل يصبح -مجلس السلام- بديلا ...
- -متمسكون بتقرير المصير-.. رئيس وزراء غرينلاند يؤكد عدم اطلا ...
- الأمم المتحدة تحشد الجهود لإعادة إعمار غزة وسوريا والسودان
- مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة: الحكومة السورية خلال عام واحد ...
- مفوض الأونروا: الجهود الدولية يجب أن تتركز بشكل كامل على إعا ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عزالدين بوروى - لا تلوموني ، بل لوموا أنفسكم