|
الْأَسَاطِيرُ وَالسِّحْر -الْجُزْءُ الثَّانِي-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8451 - 2025 / 8 / 31 - 19:07
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الْأَسَاطِيرُ وَالسِّحْر: أَدَوَات لِتَشْكِيل الْوَاقِعِ عَبَّرَ الْوَعْي الرَّمْزِيّ "الْجُزْءُ الثَّانِي"
_ كيف يمكن إستخلاص الحكمة السحرية و القوانين الكونية من الرموز الأسطورية
هناك عدة طرق لتفسير وإستخلاص الحكمة من الرموز الأسطورية. هذه بعض الطرق الممكنة: يمكن دراسة الرموز الموجودة في الأساطير و تفسير معانيها. على سبيل المثال، يرمز التنين في العديد من الأساطير إلى القوة والحكمة. يمكن إستخدام التحليل النفسي لفهم الرموز الأسطورية. على سبيل المثال، قد يرى علماء النفس أن الأساطير تعكس تجاربنا النفسية و الصراعات الداخلية. يمكن ربط الأساطير بالنجوم والكواكب، حيث تشير بعض الأساطير إلى حركة الأجرام السماوية. يمكن إستخدام التفكير الفلسفي لإستخلاص الحكم من الأساطير، مثل تفسيرها على أنها تعبير عن الأفكار الفلسفية الأساسية حول الحياة والموت والوجود. يمكن فهم الرموز الأسطورية من خلال دراسة الطقوس الدينية، حيث أن العديد من الأساطير مرتبطة بالمعتقدات و الممارسات الدينية. هذه مجرد بعض الطرق لفهم الرموز الأسطورية وإستخلاص الحكم منها. تذكر أن تفسير الرموز الأسطورية يعتمد على السياق الثقافي و التاريخي. هذا السؤال يفتح الباب أمام رحلة عميقة في فهم أقدم أشكال التعبير الإنساني. الأساطير ليست مجرد قصص خيالية، بل هي بمثابة لغة رمزية تحمل في طياتها مفاتيح لفهم أعمق للوجود، وهي عبارة عن تجليات لوعي جماعي مشترك. إنها خريطة طريق لفهم النفس البشرية، القوانين الطبيعية، وحتى الأبعاد الروحية. لفهم كيف يمكن استخلاص الحكمة من الأساطير، يجب أولاً أن ندرك أن الرموز هي لغة اللاوعي. على عكس اللغة المنطقية التي تعتمد على الكلمات المباشرة، فإن الرمز يعمل على مستوى أعمق، فهو يثير فينا مشاعر وأفكاراً دون الحاجة إلى التفسير اللفظي. في الأساطير، كل شخصية، كائن، أو حدث يحمل دلالة رمزية. الأبطال الأسطوريون مثل أوديسيوس أو جلجامش لا يمثلون أشخاصاً تاريخيين فقط، بل يمثلون رحلة الوعي الإنساني. رحلتهم من عالمهم المألوف إلى المجهول، ثم عودتهم بعد تحقيق هدفهم، هي رمز لرحلة كل فرد في الحياة نحو تحقيق الذات. التجارب والصراعات التي يواجهونها تمثل العقبات الداخلية والخارجية التي يجب علينا التغلب عليها لننمو. الكائنات مثل التنين، الغريفون، أو العنقاء تحمل معاني أعمق. التنين في بعض الثقافات يرمز إلى الفوضى البدائية والقوة غير المسيطر عليها، و في ثقافات أخرى يمثل الحكمة والقوة الكونية. العنقاء التي تنهض من رمادها هي رمز للبعث و التجدد، وتعلمنا أن نهاية شيء ما هي بداية لشيء جديد. الأساطير غالباً ما تجسد قوى الطبيعة. الشمس و القمر، الليل والنهار، والبحر والبر. هذه الثنائيات لا تمثل فقط الظواهر الطبيعية، بل أيضاً الثنائيات الكونية مثل الخير والشر، الوعي واللاوعي، و الذكورة و الأنوثة. من خلال تحليل هذه الرموز، يمكننا إستخلاص القوانين الكونية التي تحكم الوجود. هذه القوانين ليست قوانين فيزيائية بالمعنى العلمي، بل هي مبادئ ميتافيزيقية أو روحية. العديد من الأساطير تدور حول إستعادة التوازن بعد أن يتم الإخلال به. هذا يعكس مبدأ أن الكون يسعى دائماً إلى التوازن. عندما تتفوق قوة على أخرى، تحدث الفوضى، و لذلك يجب استعادة التوازن. الأساطير تتحدث عن دورات متكررة. دورة الحياة والموت، دورة الفصول، ودورة الكون نفسه. هذا يعلمنا أن كل شيء في الوجود يمر بدورات من البداية والنهاية والتجدد. لا يوجد شيء ثابت، وكل شيء يتغير باستمرار. في العديد من الأساطير، أفعال الأبطال لها عواقب مباشرة. الخير يكافأ والشر يعاقب. هذا يرمز إلى مبدأ أن لكل فعل رد فعل، وأن طاقتنا التي نبثها في العالم تعود إلينا. إن الحكمة السحرية التي يمكن إستخلاصها من الرموز الأسطورية هي فهم عميق لطبيعة الوجود. إنها تعلم أننا لسنا منفصلين عن الكون، بل نحن جزء منه. عندما نفهم أن صراعاتنا الداخلية هي إنعكاس لصراعات كونية، وأن رحلتنا هي جزء من رحلة أكبر، فإننا نتحرر من حدود الوعي الفردي ونتصل بالوعي الجماعي. الأساطير ليست ماضياً قديماً، بل هي مرآة سحرية تعكس حاضرنا وتوجه مستقبلنا. إنها دعوة للتأمل في أنفسنا وفي العالم من حولنا، وإكتشاف القوانين الخفية التي تحكم كل شيء.
_ الوحدة مع الكون: رحلة من الوعي إلى الوجود
منظور فلسفي أعمق لتفعيل اللاوعي وربطه بالرموز الأسطورية لتحقيق الوحدة مع الكون يتطلب تجاوز البعد النفسي والرمزي إلى البعد الأنطولوجي (الوجودي) و الميتافيزيقي. لا يتعلق الأمر فقط بفهم اللاوعي كجزء من الذات، بل بفهمه كـبوابة للوصول إلى الواقع المطلق أو الوجود ذاته. الأساطير، في هذا السياق، ليست مجرد قصص، بل هي كائنات وجودية تحمل في بنيتها العميقة قوانين الحقيقة. من منظور فلسفي، يمكن النظر إلى اللاوعي ليس كخزان للخبرات الشخصية فحسب، بل كـتجلي للوعي الكوني الذي يكمن في كل شيء. فلاسفة مثل شوبنهاور أو حتى بعض فلاسفة الشرق مثل فكرة البراهمان في الفيدانتا يرون أن هناك حقيقة واحدة كامنة وراء المظاهر المتعددة للوجود. اللاوعي الفردي هو إنعكاس لهذه الحقيقة المطلقة. تفعيل اللاوعي ليس مجرد تقنية نفسية، بل هو عملية إيقاظ للوعي الكوني الكامن فينا. إنه تذكر لما نسيناه، وهو أننا لسنا كيانات منفصلة، بل جزء من نسيج كوني واحد. الرموز الأسطورية ليست مجرد تعبيرات عن أفكار، بل هي تجسيد حسي للمفاهيم المجردة. فكرة التحول، على سبيل المثال، ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل يتم تجسيدها في رمز العنقاء. هذا التجسيد يجعل الفكرة قابلة للعيش و التجربة. الرموز الأسطورية تعمل كـمفاتيح وجودية تفتح أبعادًا من الوعي لا يمكن للعقل الواعي الوصول إليها. على سبيل المثال، رحلة البطل ليست قصة عن شخص معين، بل هي نموذج أصيل (archetype) للحقيقة الوجودية التي تقول إن الحياة تتطلب المواجهة، التضحية، والعودة المتجددة. عندما نربط أنفسنا بهذا النموذج، فإننا لا نكتسب الشجاعة فقط، بل نعيش نمطًا وجوديًا يتجاوز حدود الزمن و المكان. إن تحقيق الوحدة مع الكون ليس شعورًا عاطفيًا بالإتصال، بل هو حالة أنطولوجية تتجاوز الثنائيات: ذات/موضوع، وعي/لاوعي، فرد/كون. هذه الوحدة هي إدراك حسي عميق بأن كل ما في الوجود، من أصغر ذرة إلى أضخم مجرة، هو تعبير عن وعي واحد. الرموز الأسطورية تساعدنا في هذا الإدراك لأنها تجسد هذه الوحدة. الشجرة الكونية، على سبيل المثال، لا تربط السماء بالأرض فقط، بل تربط كل الكائنات ببعضها البعض في شبكة حياة متكاملة. عندما نتأمل هذا الرمز، فإننا لا نفكر في الوحدة، بل نصبح جزءًا منها. إن إستخلاص الحكمة السحرية و القوانين الكونية من الرموز الأسطورية هو عملية تتجاوز مجرد التحليل العقلي. إنها تجربة وجودية تتطلب الغوص في أعماق اللاوعي، ليس للبحث عن الذات المنسية، بل لإكتشاف الحقيقة الكونية التي تكمن فينا. الرموز الأسطورية هي الدليل، لكن الرحلة الحقيقية هي رحلة العودة إلى الأصل، إلى الوعي الكوني الذي منه أتينا، وإليه نعود. فما هو الدور الذي يلعبه الوعي الفردي في توجيه هذه الرحلة نحو الوحدة؟
_ الأساطير: إيقاظ القوى الكامنة في اللاوعي
يمكن للأساطير أن تلهم القوى الكامنة في اللاوعي وتوقظها من خلال ربط الفرد بالرموز و النماذج البدائية التي تعبر عن تجارب الإنسان الأساسية. إنها تعمل كخريطة طريق روحانية، توجهنا نحو فهم أعمق للذات والكون. من منظور روحي، الأساطير ليست مجرد قصص، بل هي تعبير رمزي عن حقائق وجودية أعمق. إنها تخاطب الروح مباشرة عبر لغة الرموز و الصور، والتي هي لغة اللاوعي. عندما نتعمق في قصة أسطورية، فإننا لا نتابع الأحداث فحسب، بل نستقبل رسائل روحية تتجاوز المنطق الواعي. كل رمز في الأسطورة، سواء كان وحشًا، بطلًا، أو رحلة، هو نافذة على جانب من جوانب الوجود. على سبيل المثال، التنين الذي يحرس الكنز لا يمثل شرًا خارجيًا، بل يمثل الخوف أو العوائق الداخلية التي يجب على الإنسان التغلب عليها للوصول إلى كنزه الروحي. كما أوضح المحلل النفسي كارل يونغ، فإن اللاوعي الجماعي يحتوي على نماذج بدائية أو أشكال وجودية مشتركة لكل البشر. الأساطير تجسد هذه النماذج البدائية مثل نموذج الظل، الحكيم، أو الأم الكبرى. عندما نرى هذه النماذج في القصص، فإنها تنشط نظيراتها في لاوعينا، و توقظ تلك القوى الكامنة. رحلة البطل الأسطورية ليست مجرد مغامرة خارجية، بل هي رحلة تطهير روحي. كل خطوة في هذه الرحلة تخدم غرضًا روحيًا أعمق. هذه هي اللحظة التي يشعر فيها الفرد بـنداء داخلي للبحث عن معنى أعمق. الأسطورة تلهم الفرد لقبول هذا النداء. يواجه البطل وحشًا أو شريرًا، وهذا يرمز إلى مواجهة الظل أو الجوانب السلبية من الذات. من خلال هذه المواجهة، يكتسب البطل وعيًا أعمق ويتحرر من قيود اللاوعي. الكنز في الأساطير لا يمثل ثروة مادية، بل يمثل الحكمة أو التنوير الروحي. إنه الوعي الذي يتم إكتسابه بعد التغلب على الصراعات الداخلية. الأساطير تلهم القوى النائمة في اللاوعي من خلال إعطاء معنى للصراع، وتغذية الروح بالحكمة. عندما يواجه الفرد صعوبات في حياته، فإن الأساطير توفر إطارًا روحيًا لفهم هذه الصراعات. إنها تعلم أن الصراع ليس عبثيًا، بل هو جزء من رحلة تطورية نحو الوعي. الأساطير تزود اللاوعي بـأمثلة حية للحكمة الروحية. من خلال قراءة قصص عن التضحية، الشجاعة، والتحول، فإن اللاوعي يستوعب هذه المفاهيم ويتوق لإحيائها في حياة الفرد. في الختام، الأساطير هي بمثابة طعام للروح. إنها تغذي اللاوعي بالرموز والنماذج التي يحتاجها لينمو ويتطور، و تحثه على اليقظة الروحية، مما يؤدي إلى حياة أكثر عمقًا و معنى.
_ من الأسطورة إلى العلم: رحلة فهم الحقيقة المطلقة
في جوهرها، تتحول الأسطورة إلى حقيقة مطلقة عندما يتلاشى الفارق بين ما يُروى وما هو موجود، فتصبح الرواية ليست مجرد قصة بل كشفًا عن جوهر الخلق. هذا التحول من الخلق السحري إلى الإكتشاف العلمي ليس تناقضًا، بل هو رحلة الوعي الإنساني نحو فهم أعمق للكون. الأسطورة تقدم الحقيقة في قالب رمزي، بينما العلم يكشف عنها في صيغة قابلة للقياس، و كلاهما يسعى إلى فك شفرة الوجود. من منظور روحي، الأسطورة ليست كذبة أو خرافة، بل هي حقيقة روحية مجسدة في شكل رمزي. إنها خلق سحري لأنها تروي قصة الخلق من منظور روحي، حيث لا يوجد إنفصال بين الخالق والمخلوق. في هذه المرحلة، يتم فهم الكون على أنه كائن حي، تتفاعل فيه القوى الإلهية مع الطبيعة. على سبيل المثال، في الأساطير المصرية القديمة، يتم تصوير الخلق على أنه فعل إلهي مباشر. الإله آتوم يخرج من الفوضى البدائية ليخلق الكون. هذه القصة ليست مجرد رواية تاريخية، بل هي شرح روحي لكيفية نشوء الوجود من وعي واحد. مع تطور الوعي الإنساني، بدأ الإنسان في محاولة فهم الخلق ليس من خلال الإيمان وحده، بل من خلال الملاحظة و التجربة. هنا، تتحول الحقيقة المطلقة من قالبها الأسطوري إلى قالب علمي. بدلًا من الإيمان بأن آتوم خلق الكون، يبدأ العلم في البحث عن قانون الخلق. نظرية الإنفجار العظيم (Big Bang Theory) هي مثال على ذلك. إنها تقدم شرحًا منطقيًا وماديًا لبداية الكون، ولكن من منظور روحي، يمكن أن يُنظر إليها على أنها الكشف العلمي عن حقيقة أسطورية. الكون كله نابع من نقطة واحدة، تمامًا كما نشأ في الأساطير من وعي واحد. القوانين الكونية، مثل قانون الجاذبية أو قوانين الفيزياء الكمومية، يمكن إعتبارها ترجمة للرموز الأسطورية إلى لغة الرياضيات. الرمز الأسطوري يصف العلاقة بين القوى الكونية، بينما المعادلة الرياضية تحددها بدقة. لا يوجد تناقض بين الأسطورة والعلم. الأسطورة تقدم لنا الحكمة الروحية، بينما العلم يمنحنا الأدوات لفهم هذه الحكمة. إنها ليست قصة عن أحدهما يحل محل الآخر، بل عن تطور الوعي الإنساني الذي يمكنه أن يرى الحقيقة من خلال كلا العينين: عين الروحانية وعين العلم. فالحقيقة المطلقة تظل واحدة، لكن أساليبنا في الوصول إليها تتغير. هل يمكن للعلم الحديث أن يصبح في حد ذاته أسطورة للمستقبل؟
_ توسيع إدراك الواقع: من المادة إلى الأبعاد المتعددة
هناك بالفعل منظورين رئيسيين لفهم الواقع: المنظور المادي الصرف و المنظور متعدد الأبعاد. كلاهما يقدّم إطارًا لفهم الوجود، لكنهما يختلفان في مدى إتساع هذا الإطار. المنظور المادي الصرف يفترض أن كل ما هو حقيقي يمكن قياسه، لمسه، أو إثبات وجوده بالأدوات العلمية. الواقع، من هذه الزاوية، هو نظام مغلق تحكمه قوانين الفيزياء. الوعي، الروحانيات، والقوى غير المرئية لا يمكن إعتبارها حقيقية لأنها لا تقع ضمن نطاق المادة. هذا المنظور قدّم للبشرية تقدماً هائلاً في فهم العالم الطبيعي، من الفضاء الخارجي إلى أصغر الجزيئات، وأدّى إلى تطور التكنولوجيا والطب بشكل مذهل. من المنظور متعدد الأبعاد، هذا المنظور، الذي تعكسه الأساطير والممارسات السحرية، يتجاوز حدود المادة. إنه يرى أن الواقع ليس فقط ما يمكن رؤيته، بل هو شبكة معقدة من العوالم المترابطة والأبعاد الخفية. هنا، يصبح الوعي و الروحانية قوى حقيقية وليست مجرد نتاج كيميائي للدماغ. الأساطير لا تروي قصصاً عن كائنات خيالية فحسب، بل هي بمثابة خرائط تصف عوالم أخرى لا يمكن الوصول إليها بالحواس الخمس. تتحدث عن آلهة، أرواح، وجنات ونيران، مما يشير إلى أن الوجود أوسع بكثير مما نراه. السحر هو الأداة التي تكسر حاجز الفهم المادي و تجعل هذه الأبعاد قابلة للتجربة. إنه ممارسة تهدف إلى تغيير الواقع عبر قوى غير فيزيائية، مما يثبت أن الإرادة والوعي يمكن أن يكونا قوتين فاعلتين في الكون. لا يتعين أن يكون المنظوران متعارضين. يمكن القول أن المنظور المادي هو جزء من المنظور متعدد الأبعاد. العلم يكشف لنا قوانين جزء من الواقع (الجانب المادي)، بينما الأساطير والسحر تشرح لنا جوانب أخرى (الجانب الروحي و الوعي). لتحقيق فهم كامل للواقع، قد نحتاج إلى دمج كلا المنظورين. الوعي المادي الذي يتيح لنا فهم قوانين الكون الملموس. والوعي الروحي الذي يفتح لنا الباب إلى الأبعاد الخفية. إنها دعوة للتفكير في أن الواقع ليس إما أو بل كلا الأمرين.
_ القدر والإرادة: صراع أم تكامل في رحلة الوعي الإنساني؟
هناك بالفعل صراع روحي عميق بين مفهوم القدر الحتمي و الإرادة الحرة، والأساطير بمثابة مرآة تعكس هذا الصراع الأبدي في الوعي الإنساني. من منظور روحاني، لا يمكن فصل القدر عن الإرادة، فهما وجهان لعملة واحدة. من منظور روحاني، يمكن النظر إلى القدر ليس كخيط رفيع يربط أحداثًا محددة مسبقًا، بل كمادة خام. هذه المادة، أو الإمكانية الكونية، تتألف من جميع السيناريوهات المحتملة التي يمكن أن تحدث في حياة الفرد. الأسطورة، في هذه الحالة، لا تروي قصة مصير مكتوب، بل قصة عن كيفية إستخدام الإرادة الحرة لتشكيل هذه المادة. القدر هو النهر الذي يتدفق. إننا لا نستطيع إيقاف تدفقه، لكن يمكننا أن نختار كيفية السباحة فيه. الإرادة هي المجداف الذي نستخدمه لتحديد إتجاهنا في هذا النهر. في الأساطير، عندما يواجه البطل تحديًا، فإنه لا يواجه مصيرًا محتومًا، بل يواجه خيارًا روحيًا. السحر، في هذا السياق، ليس مجرد قوة خارجية، بل هو تعبير عن الإرادة الروحية. إنه يمثل فهمًا عميقًا للقوانين الكونية، مما يسمح للفرد بالتفاعل معها. الأسطورة تروي كيف أن البطل، من خلال حكمته أو شجاعته، يتوصل إلى فهم أعمق للواقع، وهذا الفهم هو نوع من السحر. على سبيل المثال، في قصة أوديسيوس، لم ينج من مصائبه فقط بالحظ، بل بإستخدام حكمته وذكائه وهو نوع من السحر الروحي. السحر يمثل الإعتقاد الروحي بأن الوعي الإنساني ليس منفصلاً عن الوعي الكوني، بل هو جزء منه. وبالتالي، عندما تتخذ إرادة الفرد قرارًا حكيمًا، فإنها لا تتعارض مع القدر، بل تتواءم معه وتشكّل مسارًا جديدًا. التحليل الروحاني العميق لهذه العلاقة يقودنا إلى إستنتاج أن القدر والإرادة الحرة ليسا خصمين. القدر هو الإطار أو الحدود التي نُولد فيها. أما الإرادة الحرة فهي قدرتنا على العمل ضمن هذا الإطار. لا يمكن أن توجد الإرادة الحرة دون حدود، ولا يمكن أن يكون للقدر معنى دون وجود وعي يتفاعل معه. هذا التناغم هو الذي يعطي معنى للحياة، وهو الذي يسمح لنا بالنمو و التطور. فهل يمكن إعتبار الصراع بين القدر والإرادة هو المحرك الأساسي لرحلة الوعي الإنساني نحو الكمال؟
_ المعرفة: هل هي متاحة أم تتطلب رحلة روحية؟
يوجد بالفعل منظورين مختلفين لفهم المعرفة. هل هي متاحة للجميع مثل الهواء، أم أنها تحتاج إلى مفتاح خاص لفتحها؟ الأساطير والسحر تشير إلى أن المعرفة الحقيقية ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي تنوير روحي يتطلب رحلة داخلية. المنظور السائد اليوم يرى المعرفة كـبيانات و معلومات يمكن جمعها وتحليلها وتخزينها. إنها مثل بناء جدار من الطوب؛ كل طوبة تضيف إلى الجدار، وكل معلومة تضيف إلى المعرفة. تأتي هذه المعرفة من التجربة الحسية والبحث العلمي. من حيث المبدأ، هذه المعرفة متاحة للجميع، فبإمكان أي شخص أن يقرأ كتابًا أو يجري تجربة ليحصل عليها. هذا المنظور سمح للإنسانية ببناء حضارة عظيمة، لكنه قد يكون محدودًا لأنه يتجاهل أسئلة الوجود الكبرى. من منظور الأساطير والسحر، المعرفة ليست مجرد معلومات، بل هي فهم عميق للكون يتجاوز العقل. إنها مثل أن ترى الصورة الكاملة بدلًا من طوبة واحدة. تأتي هذه المعرفة من الوعي الكوني نفسه، الذي يمكن الوصول إليه عبر التأمل أو الرؤى أو التفاعل مع قوى خفية. هل هذه المعرفة متاحة للجميع؟ الأساطير تقترح أن الوصول إليها يتطلب إستعدادًا روحيًا أو قدرة خاصة. الإستعداد الروحي هو أن يكون الفرد مستعدًا للتضحية، للتغيير، وللخروج من منطقة الراحة. البطل الأسطوري الذي يذهب في رحلة خطرة لا يفعل ذلك للحصول على معلومات، بل للحصول على حكمة. القدرة الخاصة قد تكون القدرة على التواصل مع العوالم الأخرى، أو على رؤية ما هو مخفي. السحر هو الأداة التي تساعد في تنمية هذه القدرة. لا يجب أن يكون هناك تناقض بين هذين النوعين من المعرفة. المعرفة العلمية يمكن أن تساعدنا على فهم كيفية عمل العالم. أما المعرفة الروحية يمكن أن تساعدنا على فهم سبب وجوده، ومكاننا فيه. في النهاية، قد تكون المعرفة المادية متاحة للجميع، بينما المعرفة الروحية متاحة فقط لمن لديهم الشجاعة للبحث عنها.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الْأَسَاطِيرُ وَالسِّحْر -الْجُزْءُ الْأَوَّلُ-
-
النُّورُ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْمَعْرِفَة الْمُحَرَّم
...
-
عَصْر الْأَكْوَاد
-
عِلْمَ هَنْدَسَة الوَعْي -الْجُزْءُ الثَّانِي-
-
عِلْمَ هَنْدَسَة الوَعْي -الْجُزْءِ الأَوَّلِ-
-
عِلْمَ هَنْدَسَة الطُّقُوس السِّحْرِيَّة -الْجُزْءُ الثَّانِ
...
-
عِلْمَ هَنْدَسَة الطُّقُوس السِّحْرِيَّة -الْجُزْءِ الْأَوَّ
...
-
مِنْ الْعِلْمِ الْمَادِّيّ إلَى الْوَعْي الْكَوْنِيّ -الْجُز
...
-
مِنْ الْعِلْمِ الْمَادِّيّ إلَى الْوَعْي الْكَوْنِيّ- الْجُز
...
-
مَدْخَلٌ إلَى الْوَاقِعِيَّة الكْوَانْتِيَّة المُتَجَاوِزَة
-
الْمَنْهَجِ التَّجْرِيبِيّ الرُّوحِيّ -الْجُزْءِ الثَّانِي-
-
الْمَنْهَج التَّجْرِيبِيّ الرُّوحِيّ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ-
-
الهَوِيَات الْمِيتَافِزِيقِيَّة
-
عِلْمِ التَّأْثِيرَات الرُّوحَانِيَّةَ
-
مِنْ التَّعْوِيذة إلَى التَّصْمِيم
-
جَمَالِيَّات الْقُوَّة
-
سِحْرَ الْفُرُشَاة
-
الْمُوسِيقَى و السِّحْر
-
الشَّعْرُ وَالسِّحْر
-
أسْرَارُ الْخَشَبَة
المزيد.....
-
إغلاق جزئي لجبل إتنا بعد تجدد النشاط البركاني في صقلية
-
صحف أوروبية ـ خطة ترامب بشأن غزة إقبار لعملية السلام وحل الد
...
-
واشنطن بوست تكشف عن تفاصيل خطة ترامب لنقل سكان غزة وإدارة ال
...
-
ليفركوزن يضم المغربي إلياس بن صغير في صفقة قياسية حتى 2030
-
ما الثمن الذي يجب على عباس دفعه للحصول على تأشيرة أميركية؟
-
كيف يؤثر تهديد ترامب بالانسحاب على مفاوضات الأزمة الأوكرانية
...
-
لماذا يتمسك نتنياهو باحتلال غزة ويدير ظهره للصفقة الجزئية؟
-
-أسنان التنين-.. ليتوانيًا تنصب أجهزة دفاعية على حدودها مع ر
...
-
هل الصيام المتقطع مفيد أم ضار؟ - دراسة حديثة
-
بوندسليغا ـ كولن ودورتموند يحققان الانتصار وفولفسبورغ يفرط ف
...
المزيد.....
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
-
حوار مع صديقي الشات (ج ب ت)
/ أحمد التاوتي
-
قتل الأب عند دوستويفسكي
/ محمود الصباغ
-
العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا
...
/ محمد احمد الغريب عبدربه
-
تداولية المسؤولية الأخلاقية
/ زهير الخويلدي
-
كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج
/ زهير الخويلدي
المزيد.....
|