أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مامند محمد قادر - قصة قصيرة / الليلة التي سبقت الحضور














المزيد.....

قصة قصيرة / الليلة التي سبقت الحضور


مامند محمد قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8410 - 2025 / 7 / 21 - 01:28
المحور: الادب والفن
    


لم تكن المدينة كما هي الآن . قبل أن يُغلق الضوء ، كانت الشرفات تضحك ، والطرقات تحفظ أسماء المارّين ، والأشجار تهتزّ لا بالريح وحدها ، بل بأغاني النساء وهنّ ينشرن الغسيل في الصباح الباكر . وكان الأطفال يركضون حفاة في الممرات الطينية ، يخطئون ثم يضحكون . لكن شيئًا ما تغيّر في الأعماق . لم يكن مفاجئًا ، بل تراجعًا بطيئًا لكل ما هو حيّ . تسلّلت التعليمات ببرودٍ تدريجي : "قلّلوا من فتح النوافذ"، لأن الهواء قد يكون محمّلًا بالأحلام . ثم جاء همسات من أفواه الرُعب : "أِياكم أن تصغوا للريح , فبعض الروائح تحمل ذاكرة لا يطيقها الواقع المرسوم ." قاوم البعض ، لكن الخوف طرق الأبواب ، ودخل كالضيف الذي لا يُغادر ، ثم استقرّ كقانون لا يُناقش.
انغلقت النوافذ واحدة تلو الأخرى . صار الكلام يُوزن ، والضحك يُؤجّل ، والغناء يُخبّأ في الحناجر . المروج هجرت الحياة ، وتقلّص ظل الغابة شيئًا فشيئًا ، حتى الورود فقدت رائحتها الأولى . أصبح الأطفال يولدون في صمت ، ويكبرون في صمت ، و حتى نسي الجميع كيف يبدو الصوت حين لا يُقص جناحه . ولكن مع هذا السكون المتراكم ، كان شيءٌ ما يرتجف في العمق ، نبض خافت تحت الركام ، صرخة مخنوقة في عتمة الليل ، لكنها ترفض الموت . كأن المدينة بكاملها كانت تنتظر زفرة لم يُسمح لها بالخروج .
في ليلة لم تُعلن عن نفسها ، مرّت نسمة على المروج ، أيقظت قامات السنابل ، عبرت الغابة , حاملة أنينها ، و لمَت آثار الأقدام على الدروب ، حتى وصلت المدينة . طرقت زجاج النوافذ المغلقة وهمست : "أنا خطاكم المبتورة."
في زقاق ضيّق ، كانت عجوز تسرّح شعرها في العتمة ، رفعت رأسها ببطء ، وشعرت بالنسمة تلامس وجنتها . نظرت إلى السماء من خلال النافذة ، وأخذت نفسًا عميقًا كمن يستنشق الحياة بعد انقطاع ، ثم فتحت النافذة. تبعها رجل بتردد ، و مدّ يده نحو النافذة كمن يفتح صدره لشيء نسي ملامحه . أرسل نظره يتسرّب إلى السهول البعيدة ، وكأنه يبحث عن وطن لم يعشه .
وهكذا بدأ الأمر . من بيت إلى بيت ، من شارع إلى آخر ، و من زقاق الى زقاق آخر . انفتحت النوافذ والشرفات ، وتذكّر الناس فجأة أن الريح لا تخيف ، بل توقظ .
دخلت الريح كأغنية مشبعة بما لا يُقال . حملت معها رائحة التراب المبلل ، جعلت الأبواب ترتجف ، والقلوب تتفتح . أعادت للعشب ضحكته ، وللطير نداؤه ، وللغابة حنينها القديم . وعندما فُتحت النافذة الأخيرة ، ساد سكون , سكون مفعم بالتشوق ، كأن المدينة بعد انقطاع طويل حبست أنفاسها لتصغي ... لا لشخص ، بل للأغاني التي جاءت من الأعالي ، وأطلقت سراح الحضور المختبئ خلف أبواب الغياب ، ليعود إلى المدينة ، لكن هذه المرة ، بنبض لا ينتهي .

* شاعر و قاص عراقي كوردي



#مامند_محمد_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة / هناك .. عند تخوم الغياب
- قصة قصيرة / العبور الفائت
- قصة قصيرة / التمرين الأخير
- قصة فصيرة / الحافلة رقم 18
- قصة قصيرة / البديل
- قصة قصيرة / القطار الذي قد يصل
- قصة قصيرة / الطائرة الورقية
- قصة قصيرة / الوجه الذي لم يكن مألوفاً
- عزف على الرمال ... قصة قصيرة للنشر
- ( لا تنس ) قصيدة للنشر
- قصيدة للنشر
- قصيدة
- سقوط في الضفاف


المزيد.....




- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...
- آلية توزيع المقاعد ونظام التمثيل النسبي في انتخابات الكنيست ...
- جمعية الحق في الدواء تطالب بمساءلة 16 فنانا بسبب إعلانات الأ ...
- هل شيعت الجاموسة صاحبها حقا؟ العلم يفكك الرواية الشائعة في م ...
- هانس إيرني: فنان التمويه في خدمة الجيش


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مامند محمد قادر - قصة قصيرة / الليلة التي سبقت الحضور