أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مامند محمد قادر - قصة قصيرة / هناك .. عند تخوم الغياب














المزيد.....

قصة قصيرة / هناك .. عند تخوم الغياب


مامند محمد قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8400 - 2025 / 7 / 11 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


لم يعرف أحد كيف بدأ الموكب . لم تُقرع طبول ، ولم تومض في الأفق إشارة ، ومع ذلك تحرّك الجميع كما لو أن نداءً صامتًا عبر صدورهم أوحى إليهم بشيء خفيّ ، أو أيقظ فيهم حاجة نائمة .
كان الطريق باهتًا ، بلا ملامح ، كأن الأرض نفسها قد نسيت ملامحها الأولى . لم تكن السماء غائمة فحسب ، بل كأنها تنقّب في ذاكرتهم عن ملامح قد طمستها السنوات . وجوههم كأنها ظلال ، وخطواتهم متثاقلة ، تحمل في أعماقها حكايات لم تجد يومًا من يصغي لها .
قادتهم ريح ، كانت كنسمة هادئة ، ولكن في رقتها عاصفة نائمة . كانت تمرّ بينهم بخفة ، كذكرى قديمة ، كخيط ضوء نجا من حلم لم يكتمل . حاملة معها رائحة أحلام انقطعت قبل نضجها ، صدى ضحكات خبأها الخوف ، أمنيات نائمة في قاع القلب .
كلما عبرت الريح أرضًا ، تناثرت خلفها صور : طفلة تلاحق فراشة من نور و تذوب في العتمة ، امرأة تحتضن وشاحًا كأن فيه بقايا دفء غائب ، ظلّ إنسانٍ ينحني نحو الأرض ، كأن نداءَ يتوغل إلى عمقها بلا كلمات .
لم تقل الريح شيئًا ، لكنها طرقت أبوابًا نسيها الزمن . كل نسمةٍ منها كانت ككفٍ خفية تمرّ على الذاكرة ، تُزيح عنها رماد الصمت ، وتبعث فيها نبضًا خافتًا . لم تُرَ , لكنها كانت تزداد وضوحًا كمن يهمس للجميع : أنا هنا .. معكم .. منذ البداية . على طول الطريق ، سُمعت ضحكة بعيدة تلامس الأذن ، ورُصد صوت ينبُت من التراب كأنه نبتة أمل خجولة . مقعد خشبي صغير اهتز من تلقاء نفسه ، كما لو أن أحدًا غادره منذ لحظات وترك دفء غيابه وراءه .
فوقهم ، بدأت السماء تتلألأ . لم يكن ضوءًا ، بل نبضًا خفيًا ، كأن السماء بدأت تتذكّر نفسها .
بدأت العيون تلمع ، والملامح تهدأ . بدا عليهم وكأنهم بدأوا يصدّقون بأن التحول ممكن .
ومع كل نسمة ، كانت طبقات الغياب تذوب عن وجوههم . الاشتياق خفّ حمله ، والحزن تحوّل شيئًا فشيئًا إلى هدوء ناضج ، كما لو أن الريح صارت مرآة تعكس أرواحهم ، لا أجسادهم .
كان في الهواء عبير المطر قبل أن يهطل ، وفي التراب نبضٌ دافئ ، وفي الأفق ... خيط من نور ، لا اسم له. لم يكن شروقًا صريحًا ، ولا ذكرى واضحة ، بل احتمال لحياة جديدة لم تبدأ بعد .
وعند تخوم الأرض التي لم يطأها النسيان ، توقفت الريح كنغمة أخيرة في لحنٍ طال انتظاره . فتوقفوا معها . بعضهم تمدّد على الأرض ، كأنما بلغ أخيرًا حضنًا لطالما انتظره ، وبعضهم أغمض عينيه كمن يصغي لقلبه للمرة الأولى . وابتسم أحدهم ، وقال بصوت يشبه الحنين ، كأن شيئًا فيه عاد إلى الحياة :
"لعل الريح لم تكن تقودنا إلى مكان ... بل كانت تعيدنا إلى أنفسنا."
ثم عمّ صمت مختلف ، ليس خلوًا ، بل انكشافًا . كأن الزمن انحنى لحظةً، لا لينظر إليهم كما كانوا ، بل ليلمس ما صاروا إليه . وكأن الريح ، بعدما سكنت ، تركت في كلٍّ منهم ومضةً لا تُطفأ .
لم يبق في الأفق سوى خيط خافت . فانتظروا .. محدقين في درب , حيث تبدأ الألوان ..


* شاعر و قاص عراقي كوردي



#مامند_محمد_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة / العبور الفائت
- قصة قصيرة / التمرين الأخير
- قصة فصيرة / الحافلة رقم 18
- قصة قصيرة / البديل
- قصة قصيرة / القطار الذي قد يصل
- قصة قصيرة / الطائرة الورقية
- قصة قصيرة / الوجه الذي لم يكن مألوفاً
- عزف على الرمال ... قصة قصيرة للنشر
- ( لا تنس ) قصيدة للنشر
- قصيدة للنشر
- قصيدة
- سقوط في الضفاف


المزيد.....




- بين كومتين من المخلفات وبلا حزام أمان.. فنانة تبهر الأنظار ب ...
- كيم كارداشيان بفستان عمره 75 عامًا في حفل أكاديمية المتحف ال ...
- -انتقاما لعلاقته بسلمان خان-!.. نجاة نجم بوليوود من هجوم مسل ...
- باليه إيفمان في بانكوك.. حين تنتصر لغة الجسد على أسوار -الإل ...
- قصيدة لبوشكين تصل إلى القطب الشمالي بصوت فرقة بشكيرية تنافس ...
- فرقة الدراما والمسرح ببستان سلوان تصل فرنسا
- صلابة الخيزران وتجذر الزيتون: كيف تسند الدبلوماسية الثقافية ...
- ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
- مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا ...
- -ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مامند محمد قادر - قصة قصيرة / هناك .. عند تخوم الغياب