أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. اقتصاد الكراهية: كيف تتحول الأيديولوجيا إلى سلعة في السوق الطبقي السوداني














المزيد.....

5. اقتصاد الكراهية: كيف تتحول الأيديولوجيا إلى سلعة في السوق الطبقي السوداني


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8393 - 2025 / 7 / 4 - 08:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن فهم خطاب الكراهية دون فحص البنية الاقتصادية التي تُعيد إنتاجه، ليس فقط كأداة سياسية للهيمنة، بل كسلعة تباع وتُشترى وتُروَّج داخل سوق إعلامي وأيديولوجي متوحش. فالكراهية اليوم لم تعد مجرد انفعالٍ عابر أو تعبيرًا عن صراع هوياتي، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رمزي تتداخل فيه المصالح الطبقية مع الرغبات السوقية، حيث تُباع الحكايات التحريضية مثلما تُباع السلع، وتُدار الكراهية بمنطق الربح لا بمنطق الفكرة.

في هذا السياق، لا تُنتج الأنظمة خطاب الكراهية فقط كآلية تفكيك سياسي، بل أيضًا كأصل تجاري رمزي. وكما تُنتج النيوليبرالية السلع من الألم والمعاناة، فإنها تُعيد إنتاج التفوق الطبقي عبر تحويل مشاعر الإقصاء إلى محتوى يباع على الشاشات ومنصات التواصل. فالتضليل هنا ليس مجانيًا، بل ممول من شبكات مصالح تشمل رجال أعمال وإعلاميين وممولين دوليين، تمامًا كما أوضح بيير بورديو أن “الإعلام الحديث لا ينقل فقط الرسائل، بل يُنتج السلطة الرمزية لمن يملك أدوات البث.”
ح
تطبيقًا على الواقع السوداني، نجد أن الخطاب المعادي للمهمشين، للنساء، للمثقفين، ولجان المقاومة، يُسوَّق إعلاميًا كـ”رأي عام“ أو ”اتجاه وطني“، بينما في حقيقته سلعة إعلامية موجهة يتم تدويرها داخل دوائر الإنتاج الرأسمالي الطفيلي. صفحات ممولة، قنوات مرتبطة بمحاور إقليمية، صُناع محتوى تم تأطيرهم ضمن جيوش الكراهية الرقمية، كل ذلك لا ينتج عن فراغ، بل عن هندسة طبقية دقيقة تعيد صناعة العدو حسب مقتضيات السوق السياسية.

وهنا تظهر العلاقة الجوهرية بين الرأسمالية الرقمية وخطاب الكراهية. كما كتب فرانكفورت أدفنتس في مدرسة فرانكفورت، فإن “الإعلام الجماهيري لا يحرر الإنسان، بل يُعيد إنتاج اغترابه في هيئة متعة رخيصة.” وفي السودان، تتحول هذه المتعة إلى رُخصة رمزية لممارسة الكراهية، حيث يشارك الجمهور، من خلال المشاركة والتعليق والنشر، في تعزيز وهم القوة ضد الضعفاء، بينما تبقى السلطة الحقيقية في يد رأس المال.

إن أخطر ما في هذا الاقتصاد الرمزي للكراهية أنه لا يقتصر على النخب، بل يجعل الجماهير تستهلك خطاب إقصائها وتدمنه، بحيث تصبح الكراهية عملية تطبيع جماعي. وهكذا يُعاد تشكيل الوعي الجمعي ليصبح سوقًا مفتوحًا للكراهية، لا على أساس الانتماء الطبقي، بل على أسس تفتيتية: قبيلة، جندر، منطقة، لهجة، لون البشرة.

ولا يمكن عزل هذا الاقتصاد الرمزي عن البنية الإمبريالية العالمية. فخطاب الكراهية المحلي لا يعيش إلا في كنف نظام دولي يغذيه: من فيسبوك الذي يرفض إيقاف الحملات المحرضة، إلى منصات إعلامية تموّلها قوى إقليمية تبحث عن شرعية وهمية عبر تفتيت الثورات. وكما كتب تروتسكي، “الرأسمالية لا تكتفي بإخضاع العمال اقتصاديًا، بل تسعى لتدمير وعيهم بذاتهم.” والكراهية في هذا السياق هي إحدى أدوات التدمير الرمزي الأكثر فاعلية.

إن فهم خطاب الكراهية بوصفه سلعة رمزية طبقية يفتح أفقًا جديدًا للمواجهة. فبدل الاقتصار على تفكيكه بوصفه بنية أيديولوجية، يمكن فضحه كمشروع اقتصادي يستثمر في الانقسام، ويستفيد من استمرار الفوضى، ويغتني من تقهقر الوعي. لذا فإن مواجهة خطاب الكراهية تتطلب أيضًا تأميم أدوات التعبير الجماعي، وخلق إعلام شعبي مقاوم، يفضح لا يهادن، وينتج رمزية بديلة من قلب الطبقة العاملة.

وهنا تصبح المعركة ليست فقط على ما يُقال، بل على من يمتلك حق القول. في عالم يتحول فيه الرمز إلى سلعة، لا تكون الحرية في التعبير، بل في إنتاج نظام بديل للتعبير. وهو ما يتطلب بنية ثورية تملك أدواتها الرمزية، لا تستهلك كراهية غيرها.

فلنُنتج معناً جديدًا يقلب السوق الرمزي على رأسه، ويعيد للكلمة قوتها التحررية، لا قيمتها السوقية.

“الهيمنة لا تُمارس بالقوة فقط، بل بالقدرة على إنتاج المعنى.”

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صمت الفلوت وهستيريا العنف
- 4. بنية إنتاج الكراهية في السودان
- 3. خطاب الكراهية ضد النساء: الجندر كساحة للصراع الطبقي في ال ...
- 2. لجان المقاومة وتفكيك الكراهية: من الوعي الشعبي إلى الفعل ...
- تفكيك ٱلة الكراهية: المهمة الثورية للوعي الطبقي
- لا ثورة بلا قطيعة، ولا يسار بلا عدو طبقي
- القذيفة لا تُنهي الدرس
- 30 يونيو: لحظة الوعي الطبقي وحدود الثورة في السودان
- وعي طبقي في جسد طفلة
- عنف بلا حدود، مقاومة بلا تنازلات
- الفن في مواجهة اغتراب الرأسمالية: صرخة الجمال ضد قبح الاستغل ...
- التعاونيات في السودان: بذور الاشتراكية في مواجهة الرأسمالية ...
- الوعي الطبقي والجهل المُنَظَّم في الصراع السوداني: تحليل مار ...


المزيد.....




- ميلانيا ترامب تُحضر ضيفًا مميزًا إلى فعالية للذكاء الاصطناعي ...
- ترامب: الإيرانيون -مفاوضون بارعون- ويتوسلون لإبرام اتفاق سلا ...
- لبنان: مصر تتحرك لخفض التصعيد.. وانقسام حكومي على خلفية طرد ...
- رد سلبي من إيران على المقترحات الأمريكية لإنهاء الحرب
- مساهمة أطاك المغرب في مؤتمر بورتو أليغري المناهض للفاشية وال ...
- تغيير عقارب الساعة.. أي تأثير على الصحة والمزاج؟
- مع سياسة تعدد الجبهات العسكرية، من جنوب لبنان إلى إيران.. إل ...
- الحرب في الشرق الأوسط: دونالد ترامب يؤكد أن إيران -تسعى للتف ...
- في سياق عالمي متوتر.. جزيرة سامسو بالدنمارك تصنع الفرق باعتم ...
- انقسام سياسي في لبنان بشأن طرد السفير الإيراني.. هل سيتم تنف ...


المزيد.....

- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 5. اقتصاد الكراهية: كيف تتحول الأيديولوجيا إلى سلعة في السوق الطبقي السوداني