رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
الحوار المتمدن-العدد: 8333 - 2025 / 5 / 5 - 00:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُعدّ المشهد السياسي والاجتماعي في تونس معقدًا ومتشابكًا، خاصة في ما يتعلق بعلاقة الشارع التونسي بالحركات الإسلامية، وبالأخص "الحركات الإسلامية المعتدلة" التي تمثّل تيارات ذات طموحات سياسية تتخذ من الإسلام مرجعية فكرية، وتسعى إلى التوفيق بين الدين والديمقراطية. منذ الثورة التونسية عام 2011، تعايش التونسيون مع هذه الحركات في مناخ ديمقراطي نسبي، إلا أن هذا التعايش ظل محفوفًا بالجدل، تتنازعه ثنائية الحقيقة والوهم.
1. الحركات الإسلامية المعتدلة: من المعارضة إلى الحكم
من أبرز الحركات الإسلامية المعتدلة في تونس حركة النهضة، التي تصدرت المشهد السياسي بعد الثورة. وقدمت نفسها كحركة إصلاحية تسعى إلى المشاركة في الحياة الديمقراطية واحترام التعددية. هذا التحول من العمل السري والمعارضة إلى المشاركة السياسية العلنية أثار اهتمامًا داخليًا وخارجيًا، وفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى التزام هذه الحركات بمبادئ الديمقراطية والحقوق الفردية.
2. الشارع التونسي: بين الترحيب والتوجس
انقسم الشارع التونسي إزاء صعود الحركات الإسلامية المعتدلة. فهناك شريحة واسعة من الشعب رحبت بها، واعتبرتها بديلًا عن النخب التقليدية المتهمة بالفساد والانفصال عن هموم الناس. في المقابل، عبّرت قطاعات أخرى عن قلقها من نوايا هذه الحركات، وخصوصًا ما إذا كانت تؤمن فعلاً بالديمقراطية أم تتخذها وسيلة للوصول إلى السلطة ثم الانفراد بها.
3. وهم "الاعتدال" أم حقيقة "البراغماتية"؟
يطرح كثيرون تساؤلات مشروعة حول مدى واقعية خطاب الاعتدال لدى هذه الحركات. فهل الاعتدال نابع من قناعة فكرية راسخة؟ أم أنه مجرد تكتيك سياسي لطمأنة الداخل والخارج؟ في بعض المحطات، برزت مواقف متذبذبة ومتناقضة، زادت من غموض الصورة لدى المواطن العادي، وعززت الشكوك حول النوايا الحقيقية.
4. الواقع السياسي والتحديات الاجتماعية
أدى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وغياب نتائج ملموسة في تحسين حياة المواطن، إلى تآكل الثقة الشعبية في الأحزاب جميعًا، بما في ذلك الحركات الإسلامية. وقد أظهرت الانتخابات الأخيرة تراجعًا في وزن هذه التيارات، ما يدل على تغير في المزاج الشعبي، وازدياد الإحساس بأن الخطابات الأيديولوجية، مهما كانت، غير قادرة وحدها على تلبية الحاجيات المعيشية.
5. نحو تجاوز الثنائية الضيقة
من الضروري تجاوز الثنائية الضيقة التي تختزل العلاقة بين الشارع التونسي والحركات الإسلامية في إطار الصراع بين "حداثيين" و"إسلاميين". إن مستقبل تونس يتطلب إعادة بناء الثقة بين جميع الأطراف، على أساس برامج واضحة، واحترام متبادل، ومحاسبة فعلية، بعيدا عن الشعارات الفضفاضة.
خاتمة
الشارع التونسي ليس كتلة واحدة، وكذلك الحركات الإسلامية المعتدلة ليست قالبًا جامدًا. بين الحقيقة والوهم، تتعدد الروايات وتتشابك التصورات. وحده الأداء السياسي الفعلي، والوفاء بالتزامات ديمقراطية واضحة، كفيل بإثبات مدى واقعية خطاب الاعتدال، وفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الشعب وهذه الحركات.
#رحيم_حمادي_غضبان_العمري (هاشتاغ)
Raheem_Hamadey_Ghadban#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟