أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد ابو ماجن - أنا المدفونُ أدناه














المزيد.....

أنا المدفونُ أدناه


احمد ابو ماجن
شاعر وكاتب

(Ahmed Abo Magen)


الحوار المتمدن-العدد: 7828 - 2023 / 12 / 17 - 08:27
المحور: الادب والفن
    


أنا المدفونُ أدناه...

لمْ أكنْ مُلتحِفا بغيرِ عيونِها، حينَ جاءتْ صَرختهم بغيرِ الحقِّ،  عِبرَ صُورٍ مُسروقٍ من إسرافيل، تشظّى حينها الوجودُ كلُّهُ، وتفاقمتْ سُقوطاً واحدةً تلو الأخرى سَماواتُ العقائد، ومَشينا، ومَشينا، ومَشينا، قرابةَ ألفِ ألفِ عامٍ، فلمْ نصلْ إلا هذهِ اللحظة، أيعقل يا إلهي أن تكونَ القيامةُ نذيرَ شؤمٍ على من توهّجَ بالصدقِ، وبذلَ قصارى بكائهِ لصاحبِ القلبِ المُغيَّبِ!!، أيعقل يا إلهي أن تقومَ القيامةُ في غرفةٍ مليئةِ برائحةِ جواربِهم العَفِنةِ، وليس معي إلا كتابُ نبوءتي، وحقيبتان ملؤهما البخور، ونَظَراتٌ مُنكسِرةٌ، وشيطانٌ ماثِلٌ على عرشهِ أمامنا، يودُّ مُحاسبتَنا على خطيئةِ التهذيبِ، ولأننا لم نكملْ بعدُ... قدحَ الشّاي!!

تمتمَ الوقتُ، جلسَ ينتظرُ، يغفو تارةً، ويُزيحُ عن وجههِ وشاحَ التنكرِ تارةً أخرى، فتشيبُ على وجهينا براءةُ الموقفِ، نحنُ الذَينِ تهامسا مُصارحةً بالبياضِ في زحمةِ العلاقاتِ المتورمةِ بالسوادِ، نخدعُ الزمانَ بالأقاصيصِ والأفكارِ، والتنظيرِ للشوائكِ الثابتة، فيسيلُ لعابُهُ ولم يدركْ مَهارتنا في تهييجِ شهوةِ الشوقِ لديه، وتحريكِ قاعَ فضولهِ الراكد، وهو ينتظرُ كلَّ ليلةٍ إتمامَ الحكايةِ التي لم تَنتهِ في الليلةِ الماضية، كانتْ العفويةُ تُحرّضُنا على اتخاذِ كأسٍ فارغٍ، وملحٍ، وقُبلةٍ هاربةٍ من فمِ أحدِ السومريينَ، لعلَّها تجدُ وجهتَها على وجنةِ من يُحِب، أو نتقلَّبُ حنيناً بين صفحاتِ استغرابِنا بينَ المطرِ والجنونِ والعسل، أو نقرأُنا شِعراً، ونُدِهشُ السكونَ حَولَنا، فلمْ ينبسْ ببنتِ شفةٍ، لعلَّ السكونَ شيطانٌ مارقٌ لا يقولُ (الله.. الله) حتى وإن لطمتهُ الدهشةُ، وأثارتْ ينابيعَ إعجابهِ قطراتُ الدَّم.

الوقتُ جريمةٌ فاضحةٌ تراهنُ على الخطايا، تسجنُ آثارَها في وجهِ المُحبينَ على شَكلِ شُحوبٍ يُثيرُ الأسئلةَ الصارخةَ؛؛ أما من جواب! فلا جوابَ حينئذٍ إن كانَ الجسدُ نهراً، والقلقُ يشقُّهُ طولياً بقاربهِ البطيء، ويغرسُ باستمرارٍ مِجدافَهُ ذا الرأسِ المُدبب، ولم أصرُخ، فالصراخُ ليسَ من شيمِ الرجالِ هكذا قيلَ وإن تقطَّعوا، وكأنَّ الصراخَ أرجوزةٌ قالَها كافرٌ ما، في بلادٍ آمنتْ بالصَّمتِ، ولم تزدد هدىً غيرَ التواري عن السؤالِ المُعتاد، السؤالُ المُنفلِتُ عن فمِ إلهٍ قاصرٍ، إلهٍ فضائيّ، مُجرَّدٍ من صفاتِ التواضع، لا يتكلمُ إلا إذا مسحَ أنفهُ الذي داهمَهُ الزّكام، يسألُ المُوتى عن أيِّ قبورٍ كانوا قد حلَّوا فيها في دينونتِهم الحَقيرة، أذكرُ أنَّ أحدَ المَوتى أجاب : آخرُ قبرٍ كنتُ قد مَكثتُ فيهِ كانَ الوطنُ، ياه... كم كانَ ضيِّقاً كالحِذاء...

لحظةُ صمتٍ تسودُ الموقفَ، نظرَ لي طوليا، كانَ مُستغرِباً من هيأتي، شعرتُ وكأني من عالمٍ آخر، لا مدينةٍ من القوقعةِ النتنةِ ذاتِها، قال: من أينَ أنتَ؟ ألتفتُ خَلفي، وَجدتكِ تَضمحلين، وقد امتزجَ الكحلُ مع الدمعِ، مع التّعرقِ، مع الأسفِ، حتى شقَّ هذا المزيجُ طريقَهُ على وجهِ الشمسِ فانكسفت، ألتفتُ مراراً لأتحققَ من فعلِ (أورفيوس) لعلَّكِ تَختفين ولم يعدْ لكِ حضورٌ في هذا الموقفِ الأقلِ شناعةً من وجهِ السائرِ معي وهو يحصي خطاي وأنفاسي، ولفتاتي اتجاهكِ، من يدرك شعوري وأنا أبتلعُ شظايا الزُّجاجِ الآتي من خاطرِكِ المَكسورِ خَلفي!!

لن تنتهيَ الحكايةُ، وأنا وأنتِ مُتّصلينِ بحكايةِ الخطيئةِ الأولى، خطيئةَ المعرفةِ، كانتْ الثمارُ/الكتبُ كلُّها متاحةٌ إلا ثمرةٌ واحدةٌ/كتابٌ واحدٌ، يُشبعُ رغبةَ العقلِ، ويُحررُ الجسدَ من سَقمِ العادة، ولم أتوجسْ خيفةً حينَ أحترقتُ بكِ، وعليكِ، وإليكِ، واقفاً باستقامةٍ، واثقاً يَحثُّ الأخرينَ على الانطفاء، شكايتي كانتْ ما أثيرهُ من تبسّمٍ في وجوهِ الراحلينَ، وحكايتي كانتْ مأهولةً بالكبتِ الصارخِ في رأسِ مُعذَّبةٍ صمَّاء، ودموعي عزفٌ مُنفرِدٌ على حِبالِ آلهةٍ لا تجيدُ الاستماعَ، وقوتي خواءٌ أزليٌّ في هيأةِ رجلٍ أقمرَ لسانهُ قبلَ شعرهِ وهو يندبُ حلمَهُ الذي دَهستْهُ عجلةُ درّاجةٍ هوائية كانَ قد وُعِد بها في الجَنة، وليكنْ كلُّ ذلكَ لابأس لكنْ كيفَ يهربُ واقعٌ من بينِ فَتحاتِ أصابعٍ كانتْ تَمسكُهُ مَسكةَ رضيعٍ لشعرِ أمِّه!

فالأنهارُ المتعبةُ من سفرِِها الطويلِ، تتلاشى في نهايةِ المَطاف، هكذا هي العلاقاتُ، هكذا الحياةُ؛ سوسنةٌ رقيقةٌ في مَرمى زوبعةٍ حمقاءَ، نكونُ كأننا لم نكنْ، من يتضامنُ معنا؛ نحنُ الرذاذُ الذي يُندِّي وجهَ المَقبرةِ، رعاةُ اللا أدري، المُطوَّقونَ بحزامِ الحَيرةِ، التائهونَ ، الآتونَ من خطأٍ في سلسلةِ النسلِ، العالقونَ في روؤسِنا المُنتفخةِ بالأفكارِ والأحاديث، وإن كانتْ فينا فائدةٌ فلا تعدو استخداماً واحداً ونُرمى في سلّةِ نسيانٍ باهضِ الهُراء، أقفُ الآن بينَ دَهسةٍ رَحيمةٍ وعناقٍ سقيمٍ، بينَ حبٍّ طاعنٍ وفُراقٍ حديثٍ الولادة، بينَ أنا وأنتِ، روحاً شجيةً أضاعتْ مفتاحَ وجودِها، فبقتْ حبيسةَ جدرانِ تعاستِها، كفأرٍ داخلَ مصيدةٍ مَنسيةٍ، وأنتِ تَعلمينَ ذلكَ من دونِ أن تفكري ولو للحظةٍ عابرةٍ بتمريرِ يدِكِ النّاصعةِ على وجهي التريبِ، تركتِني هنا أعتِّقُ نفسي بظلمةِ الأيامِ الحالكةِ، عَسى أن تَشتهيني سَكرةُ الموتِ....



#احمد_ابو_ماجن (هاشتاغ)       Ahmed_Abo_Magen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مناجم الأرق
- مناجم الأرق ٢
- باطن السدفِ
- سحقٌ شرعي
- كدمات
- عفوك
- إدراكٌ تحتهُ خط.
- حديث بغداد
- فوتوجرام
- تراب
- طقوس
- فناءات
- مراثي الأغنيات
- فائي
- طوفان
- فضلُ العِلم
- الدرس الخامس
- اعتباطيات
- هروب
- داهية


المزيد.....




- ما لا يرى شاعرٌ في امرأة
- البرتغال تلغي مهرجاناً موسيقياً إسرائيلياً عقب احتجاجات وحمل ...
- دينزل واشنطن لم يعد يشاهد الأفلام بما في ذلك أفلامه
- شخصيات روايات إلياس خوري -تخرج من الورق- بعد عام على رحيله
- فلاح العاني: ذاكرة تاريخ على منصة معاصرة
- «أوديسيوس المشرقي» .. كتاب سردي جديد لبولص آدم
- -أكثر الرجال شرا على وجه الأرض-.. منتج سينمائي بريطاني يشن ه ...
- حسن الشافعي.. -الزامل اليمني- يدفع الموسيقي المصري للاعتذار ...
- رواد عالم الموضة في الشرق الأوسط يتوجهون إلى موسكو لحضور قمة ...
- سحر الطريق.. 4 أفلام عائلية تشجعك على المغامرة والاستكشاف


المزيد.....

- الثريا في ليالينا نائمة / د. خالد زغريت
- حوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الأول / السيد حافظ
- يوميات رجل غير مهزوم. عما يشبه الشعر / السيد حافظ
- نقوش على الجدار الحزين / مأمون أحمد مصطفى زيدان
- مسرحة التراث في التجارب المسرحية العربية - قراءة في مسرح الس ... / ريمة بن عيسى
- يوميات رجل مهزوم - عما يشبه الشعر - رواية شعرية مكثفة - ج1-ط ... / السيد حافظ
- . السيد حافظيوميات رجل مهزوم عما يشبه الشعر رواية شعرية مك ... / السيد حافظ
- ملامح أدب الحداثة في ديوان - أكون لك سنونوة- / ريتا عودة
- رواية الخروبة في ندوة اليوم السابع / رشيد عبد الرحمن النجاب
- الصمت كفضاء وجودي: دراسة ذرائعية في البنية النفسية والجمالية ... / عبير خالد يحيي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد ابو ماجن - أنا المدفونُ أدناه