أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - المعري وطه حسين*















المزيد.....

المعري وطه حسين*


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 7807 - 2023 / 11 / 26 - 11:27
المحور: الادب والفن
    


يُعد المعري أستاذًا لطه حسين، عميد الأدب العربي، بل أنّ طه حسين كان متأثرًا أّيما تأثير بالمعري، فلاشك إنه أستاذه وملهمه، حتى أنه يشاركه في أحزانه وآلامه ومعاناته، ومحنته، وما قاساه من خطوب، قلبت حياته رأسًا على عقب، فالأثنان مصابين بعاهة العمى، وقاسيا من منها منذ نعومة أضفارهما، لكن العماء هذا لم يعقهما عن أن يصبحا من عمالقة الأدب والفكر والفلسفة، بل صارا من كبار أعلام الفكر الإنساني ويشار اليهما بالبنان، والدليل على هذا، الكم الهائل من الفكر والابداع، الذي تركاه لنا، هذين العلمين، وهو محط أنظار الدارس والمثقف والمطلع على الثقافات بمختلف الوانها.
ولعلَّ طه حسين أفضل من فهم المعري، من سواه، ممن قرأ هذا الشاعر والاديب الكبير، حيث أن عميد الأدب هضم نتاج أستاذه هضمًا، وتزوَّد من علمه وفكره، حتى في اسلوبه، ونهجه في الكتابة وطرح المسائل الفكرية والفلسفية، ثم معالجتها بالشرح والتمحيص.
الدليل على تأثر عميد الأدب بالمعري، وشغفه بهذا الأديب الكبير، والفيلسوف "المشاغب" الذي مازال فكره محط أعجاب لدى الجميع، من القاصي والداني. الدليل على ما ندعي، هو أن الدكتور طه حسين ألف ثلاثة كتب حول المعري: "صوت أبي العلاء"، "تجديد ذكرى أبي العلاء" "مع أبي العلاء في سجنه".
في كتاب "تجديد ذكرى أبي العلاء" يقول طه حسين في تمهيده للكتاب:
"ليس الغرض في هذا الكتاب أن نَصِفَ حياة أبي العلاء وحده، وإنَّما نُريد أن ندرُسَ حياة النَّفس الإسلامية في عصره، فلم يكن لحكيم المعرة أن ينفرِدَ بإظهار آثاره المادية أو المعنوية، وإنَّما الرَّجل وما له من آثار وأطوار نتيجة لازمة وثمرة ناضجة لطائفةٍ من العلل، اشتركت في تأليف مزاجه وتصوير نفسه، من غير أن يكون له عليها سيطرةٌ أو سلطانٌ".
ويضيق: "من هذه العلل: الماديُّ والمعنوي، ومنها ما ليس للإنسان به صلةٌ، وما بينه وبين الإنسان اتصالٌ؛ فاعتدال الجوِّ وصفاؤه، ورقة الماء وعذوبته، وخصب الأرض وجمال الرُّبى، ونقاء الشمس وبهاؤه، كل هذه علل مادية تشترك مع غيرها في تكوين الرجل وتنشئ نفسه، بل وفي إلهامه ما يعن له من الخواطر والآراء، وكذلك ظلم الحكومة وجورها، وجهل الأمة وجمودها، وشدة الآداب الموروثة وخشونتها، كل هذه أو نقائضها تعمل في تكوين الإنسان عمل تلك العلل السابقة، والخطأ كل الخطأ أن ننظر إلى الإنسان نظرنا إلى الشيء المستقل عمَّا قبله وما بعده: ذلك الذي لا يتصل بشيءٍ مما حوله، ولا يتأثر بشيء مما سبقه أو أحاط به، ذلك خطأ؛ لأنَّ الكائن المستقل هذا الاستقلال لا عهد له بهذا العالم، إنَّما يأتلف هذا العالم من أشياء يتصل بعضها ببعض، ويؤثر بعضها في بعض. ومن هنا لم يكن بين أحكام العقل أصدق من القضية القائلة: بأنَّ المُصادفة محال، وأن ليس في هذا العالم شيءٌ إلا وهو نتيجةٌ من جهة، وعلَّةٌ من جهة أخرى: نتيجة لعلَّةٍ سبقته، ومُقدِّمة لأثرٍ يتلوه. ولولا ذلك لما اتصلت أجزاء العالم، ولما كان بين قديمها وحديثها سبب، وَلَمَا شملتها أحكامٌ عامة، وَلَمَا كان بينها من التشابه والتقارب قليلٌ ولا كثير، وليس للمؤرخ المُجِيد عملٌ إلا البحث عن هذه العلل، والكشف عمَّا بينها من صلة أو نسبة، فعمله في الحقيقة وصفي لا وضعي؛ أي إنَّه يدل على شيء قد كان، من غير أن يخترع شيئًا لم يكن، مثله مثل السائح، يعثر في طريقه بالنَّهر لا يعرفه أصحاب تقويم البلدان، فيدلهم عليه ويهديهم إليه، قد يُسمَّى النَّهر باسمه، وقد يُجلُّه أصحاب هذا العلم، وقد ترفعه أمته إلى حيث يلقى كبار الرجال، ولكنَّه مع ذلك مُستكشف، لم يُوجد النَّهر، بل اهتدى إليه، كذلك شأن المُشتغلين بالعلوم النَّظرية والتَّجريبية، لهم فضيلة الاستكشاف، فأمَّا فضيلة الإيجاد فليس إليهم منها شيء، فلم يكن من الرياضيين من أوجد المثلث، ولا من اخترع نسبةً بين عددين؛ ولم يكن من أصحاب الطبيعة والكيمياء من اخترع قانون الثقل، أو ابتدع عنصرًا من العناصر، إنَّما حقائق العلم في أنفسها قديمة ثابتة واجبة، فأمَّا الحادث العارض، فعلم الإنسان بها واهتداؤه إليها، سواءٌ في ذلك حقائق اللغة والأدب، وأصول الفلسفة والحكمة".
وفي كتاب "صوت أبي العلاء" قال:
"قد كتبت عن أبي العلاء ما أذن الله لي أن أكتب، وأظن أني قد عرَّفته بعض التعريف إلى هذا الجيل الحديث. ولكنِّي لم أؤدِّ إليه من ذلك إلا بعض حقه، وما زالت له عليَّ حقوق كثيرة أرجو أن يُعينني الله على تأدية بعضها؛ فقد عرَّفت أبا العلاء إلى خاصَّة الناس، وأحب أن أعرِّفه إلى عامَّتهم، وأن أعرِّفه إلى عامتهم بالترْجمة الصحيحة عنه، والتفسير الدقيق لشعره، فلو قد نشرت اللزوميات في عامة المثقفين لما فهمها أكثرهم؛ لأن أبا العلاء لم ينشئ اللزوميات لعامَّة المثقَّفين، بل لست أدري! لعله أن يكون قد أنشأها لنفسه، وللذين يرقَوْن إلى طبقته من أصحاب العلم الكثير والبصيرة النافذة. فما الذي يمنع أن أُيَسِّر اللزوميات للذين لا يستطيعون أن يقرؤوا شعرها العنيف الذي لا يخلو من غرابة، والذي تَزْوَرُّ عنه أذواق المتعمقين للأدب العربي، فضلًا عن الذين لم يأخذوا من هذا الأدب إلا بأطراف يسيرة قصيرة؟
و يوضح: "وأنا أعلم كثيرًا من الناس سينكرون عليَّ هذه الترجمة، سينكرها بعضهم لأنها تُشيع التشاؤم وتُسبغ على الحياة ألوانًا قاتمة، وما ينبغي أن نشيع التشاؤم في الشباب، ولا أن نصوِّر لهم الحياة إلا مشرقةً باسمة، ولكني مع ذلك لا أُشفق على الشباب من تشاؤم أبي العلاء؛ فالحياة أقوى وأنضر من تشاؤم المتشائمين. وما ينبغي أن تكون الحياة حلوة مسرفة في الحلاوة؛ فربما دعا ذلك إلى شيء، من الغَثَيَان والإسراف في الرضا والابتسام، قد يجعل الحياة فاترة خائرة قليلة الحظ من هذه الشدَّة التي تكوِّن الرجولة، وتخلق المروءة، وتجعل الشباب قادرين على أن يلقَوا المِحَن والخطوب بشيء من الجَلَد والشجاعة والصبر".
"والشباب في حاجة إلى شيء من التشاؤم يزهِّدهم في الحاضر، ويرغِّبهم في المستقبل، ويدفعهم إلى الإصلاح، ويزيِّن في قلوبهم حب الرقيِّ، وليس شبابنا في حاجة إلى أن يلتمسوا التشاؤم عند «نتشه» و«شوبنهور»، ولا إلى أن يلتمسوا النقد الخُلقي والاجتماعي عند «لارشفوكو» وأمثاله من نقاد الأخلاق والاجتماع، وعندهم أبو العلاء قد امتلأت آثاره بالنقد السياسي والخُلقي والاجتماعي، وبتصوير الرجولة ومُثُلها العليا. فليلتمس شبابنا هذه المعاني عند أسلافهم من شعراء المسلمين وفلاسفتهم، وعند أبي العلاء منهم خاصة".
ويقول في كتاب "مع أبي العلاء في سجنه" في الفصل الثاني:
"وما أريد أن أَظْلِم أبا العلاء، فأترجم له مرة أخرى، فقد ترجمت له منذ ربع قرن، وما أراني أستطيع أن أعرض جديدًا من أمره إنِ استأنفتُ درس حياته، وعَرْضها على الناس. فقد ظَهَرَتْ للرجل رسائل وكتب لم تكن بين أيدينا حين أَمْلَيْتُ ذكرى أبي العلاء، ولكن الغريب أنها لا تضيف إلى ما نعلم من حياته شيئًا، ولعلها لا تضيف إلى ما نعلم من آرائه شيئًا، فأيُّ خير إِذن في أن أُعيد في هذا الحديث ما بَدَأْتُهُ في ذكرى أبي العلاء؟ وما يمنع الراغب في درس حياته، أو في درس ما يعرف من حياته أن يلتمس هذا في ذلك الكتاب القديم، أو فيما نُشر بعده من الكتب والرسائل، ومن المقالات والفصول؟".
ويضيف: "وما أشك في أن أبا العلاء قد كان مِثْلَنَا، يحب أن يَعْرِفَ الناسُ مِنْ أمْره أشياء، ويكره أن يعرفوا مِنْ أَمْره أشياء أخرى. وقد احتاط الرجل لذلك ألوانًا من الاحتياط، واتَّقاه بضروب من التقيَّة. فألغز وغلا في الألغاز، واصطنع الاستعارة والمجاز، ودار حول كثير من المعاني دورانًا، ولم يرد أن يتعمقها في شِعره أو نثره مخافة أن يَظهر الناس على رأيه، وأن يعرفوا من أمره ما كان يجب أن يَجهلوا، ويطَّلعوا مِن سِرِّه على ما كان يؤثر أن يَظَلَّ عليهم مستغْلَقًا، ودونهم مكتومًا.
"وأنا أعرف أن العلم يكلِّف أصحابه أهوالًا ثقالًا، ويَحْمِلُهُم من بعض الأمر على ما لا يُحِبُّون أن يُحْمَلوا عليه؛ فيضطرهم أحيانًا إلى هتْك الأستار، وفضْح الأسرار، وإظهار الناس من أمر بعضهم على ما لا ينبغي أن يظهروا عليه. تلك تضحيات يتكلفها العلماء في سبيل الوصول إلى الحق، لا يُشْبهها إلَّا ما يتكلفه أصحاب العلوم التجريبية من تعذيب الحيوان في سبيل ما يبتغون من العِلْم الخالص، أو من العلم الذي يَنْفَعُ الناسَ في حمايتهم من العلل والآفات".
وهذا، باعتقادي، وفاءً وعرفانا من عميد الأدب، إلى أستاذه الذي جمعته به، خطوب ومحن، حيث التلميذ استفيد من محنة أستاذه، فتعلم منه الإصرار والصبر، والشجاعة في مواجهة الحياة، بكل تقلباتها وأوجاعها، وكذلك تعلم منه قول الحق مهما كان ثمنه غاليًا. وبالفعل فقد تعرض عميد الأدب للمسائلة، وللتحقيق والاتهام، وذلك بعد صدور كتابه "في الشعر الجاهلي"، وما صاحب هذه المسائلة من ردود أفعال مختلفة، الأمر الذي أنعكس سلبا على حالته النفسية، حيث أجبرته السلطات القانونية بتغيير نظريته تلك، وأن يتبرأ منها، بأن يعدّل مباحث ويحذف أخرى، وفعلا تم ذلك بعدها أعاد اصدار الكتاب بثوب آخر جديد، هو "في الأدب الجاهلي".
*مبحث من بحث طويل مخصص لسيرة المعري، وفيه أتوصل إلى أن المعري هو شيخ البلغاء والمتكلمين، بلا منازع.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نذور تقلع الأضرحة
- فداحة النّدوب
- نستدرجُ الأوزار
- منعطفات تلوّح بالذبول
- جادة المهرب
- الإذعان يخضع للنتائج
- لفت نظر
- نوافذ مغلقة
- بؤس الطريق
- ارشفة الفائض
- ما هو الانتخاب الثقافي؟ (3) والأخير
- رباعية الجدل
- ما هو الانتخاب الثقافي؟ (2)
- ما هو الانتخاب الثقافي؟ (1)
- منفى داخل الوطن
- العرب في فكر غوستاف لوبون(4)
- العرب في فكر غوستاف لوبون(3)
- نصّان
- العرب في فكر غوستاف لوبون(2)
- العرب في فكر غوستاف لوبون(1)


المزيد.....




- مصر.. الفنان أحمد عبد العزيز يفاجئ شابا بعد فيديو مثير للجدل ...
- الأطفال هتستمتع.. تردد قناة تنة ورنة 2024 على نايل سات وتابع ...
- ثبتها الآن تردد قناة تنة ورنة الفضائية للأطفال وشاهدوا أروع ...
- في شهر الاحتفاء بثقافة الضاد.. الكتاب العربي يزهر في كندا
- -يوم أعطاني غابرييل غارسيا ماركيز قائمة بخط يده لكلاسيكيات ا ...
- “أفلام العرض الأول” عبر تردد قناة Osm cinema 2024 القمر الصن ...
- “أقوى أفلام هوليوود” استقبل الآن تردد قناة mbc2 المجاني على ...
- افتتاح أنشطة عام -ستراسبورغ عاصمة عالمية للكتاب-
- بايدن: العالم سيفقد قائده إذا غادرت الولايات المتحدة المسرح ...
- سامسونج تقدّم معرض -التوازن المستحدث- ضمن فعاليات أسبوع ميلا ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - المعري وطه حسين*