أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسر جابر الجمَّال - كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى















المزيد.....

كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى


ياسر جابر الجمَّال
كاتب وباحث

(Yasser Gaber Elgammal)


الحوار المتمدن-العدد: 7630 - 2023 / 6 / 2 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


هذا العنوان من كلمات أستاذي الكبير/ السيد حافظ - متعه الله بالصحة والعافية -، كتب ذلك في سبعينيات القرن الماضي ولا أدري أهذه نبوءة أم توقع أم حقيقة يعيشها الجميع الآن؟!!!، هذه آفة الأمم التي لا تستشرف المستقبل ولا يكون لها في التاريخ عبرة.
كانت هذه العبارة وتلك المقولة مسار تندر في الأوساط الثقافية والفكرية في تلك الفترة، حتى إن الفنانة "تحية كاريوكا" كانت في إحدى العروض المسرحية، فقالت على خشبة المسرح إنها تكتب (كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى ) أي تتهكم على ذلك.
هذا مهاد تأسيسي لقضية هامة نشاهدها في كل وقت من حولنا، وتُفرَض علينا في كافة الأوقات، ويُرَادُ لها أن تكون نمط حياة.
صناعة التفاهية أو تأسيس أجيال من التفاهين، تسطيح كافة المسائل، وتحويل كل شيء إلى مسار من السخرية والضحك، وعدم الجدية في أي شيء.
إن فكرة الفُكاهة أو الضحك ليست مرفوضة بالكلية، فإن هذا نوع من الكبت والأكتئاب؛ لكن أيضًا ليست التفاهة أو الاستهتار نمط حياة بحال من الأحوال .
تَحوُّل الأجيال الحالية والقادمة إلى مجموعات من التافهين مصيبة ستَطرَح ثمارها المُرَّة في وقتها، قَصُر الزمان أم بَعُد، وحينها ولات حين مناص.
إننا في ظل التقدم التقني الرهيب والتحول في نمط الحياة، بدلا من الاستفادة الجدية والنافعة من ذلك، أصبحت التفاهة هي المسيطرة علينا وتمارس سُلُطاتِها على كل شيء.
إننا عندما ننظر إلى نظام التفاهة نجد أنه " نظام مكين، يضرب جذورَه في تربة المجتمع شيئًا فشيئًا، بشيء من المنهجية والاستقرار المرعبين؛ لقد طالت التفاهة جميع مناحي الحياة بدءًا من أبسط الأمور حتى أعقدها، فنحن اليوم نرى أشخاصا تافهين يتصدرون وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا، وهم لا يملكون محتوى مفيدًا ولا قيما عليا، أو مبادئ ومُثل كبرى، في حين أنه يتم تجاهل أي محتوى مفيد قيّم و يُعرَض عنه"( ).
ومن ذلك فإنه يمكننا القول أن صناعة التفاهة تعتمد " على المحتوى السطحي والسهل الممتنع، الذي يستهوي الأفراد بسرعة، مثل الأخبار الجديدة عن المشاهير والأحداث العابرة - ما يسمى هاشتاغ -، وذلك بدلاً من تناول المواضيع الحقيقية والهامة التي تؤثر على المجتمعات.
يتم تصميم هذا النوع من المحتوى ليكون قابلاً للانتشار بسرعة ويجذب الجماهير مثل تطبيق التيكتوك، مع تجاهل الأخبار والأحداث الحقيقية التي يمكن أن تساعد على نمو المجتمعات وتطويرها بالشكل السليم.
يؤدي اهتمام الجماهير بالتفاهات إلى تحطيم المجتمعات بطريقة عديدة، فالتركيز المفرط على الأخبار التافهة والأحداث السطحية يؤدي إلى إهمال القضايا الحقيقية التي يجب التركيز عليها، مثل: القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفقر والبطالة، ونتيجة لذلك، يمكن أن تؤدي صناعة التفاهة إلى تقليل الوعي العام والمعرفة المهمة التي يحتاجها المجتمع للتطور والتقدم"( )
إن الكتابات حول التفاهة بدأت منذ فترة طويلة، وأول من كتب في ذلك " آلان دونو" أستاذ العلوم السياسية جامعة كيبيك كندا، وقام بترجمته "مشاعل عبدالعزيز الهاجري"، نشرته دار سؤال - بيروت لبنان 2020م، يقول في كتابه (نظام التفاهة)، ويُعرّف فيه نظام التفاهة بأنه: "النظام الاجتماعي الذي تُسيطر فيه طبقة الأشخاص التافهين على جميع مناحي الحياة، وبموجبه تتم مكافأة الرداءة والتفاهة عوضاً عن العمل الجاد الملتزم"، من صفاته: تضخم النزعة المادية والاستهلاكية، واعتبار الإنسان مجرد شيء وسلعة بدون كرامة، وسيادة منطق الرأسمالية المتوحشة التي أحالت البشر إلى مجرد آلات مُسخّرة لتحقيق فائض الإنتاج...( )
كما عبر عن تلك الفكرة "ماريو باراغاس"، في كتابه "حضارة الفُرجة"، تحدّث فيه عن صناعة الرموز الرخيصة، وثقافة الاستعراض، وفكر التسطيح، وفن التهريج واللهو، وحلّل فيه الثقافة الاستهلاكية كمنتج للرأسمالية، وانتقد التركيز على التسلية والموضة والجنس والإثارة في الإعلام، وهاجم من يقيّم وجوده ودوره ونجاحه بظهوره في منصات التواصل الاجتماعي وعدد المتابعين والمشاركين والمعجبين. ".( )
إن كلمة (تفاهة) تعني " الانشغال بالتوافه، وهي الصغائر التي لا ترتقي بالإنسان، وتعني التفاهة أيضا: النقص في الأصالة أو الإبداع أو القيمة، وحين يُقال أن فلانا يَشْتَغِلُ بِتَوَافِهِ الأُمُورِ، فهذا يعني أنه منشغل بِمَا لاَ أَهَمِّيَّةَ لَهُ، وقد وصف فلاسفة ومفكرون عالَم اليوم بأنه مسيَّر بآليات (نظام التفاهة)، وهذا عنوان كتاب الفيلسوف الكندي المعاصر "آلالان دونو".( )
وإذا أردنا أن نؤكد بنموذج عملي على نظام التفاهة في تخصص واحد، فتوجد قصة متداولة في الأوساط الثقافية والفنية بين الناقد الكبير "عباس محمود العقاد"، وبين الممثل "محمود شكوكو"، جاء فيها..
" سأل صحفي "ﻋﺒﺎﺱ محمود ﺍﻟﻌﻘﺎﺩ": من منكما أكثر شهرة .. أنت أم "محمود ﺷﻜﻮﻛﻮ"؟! - وشكوكو هو مونولوجيست مصري هزلي شهير، كان يرتدي ثياب المهرجين لإضحاك الناس - ..
فردّ عليه العقاد باﺳﺘﻐﺮﺍﺏ: من ﺷﻜﻮﻛﻮ؟
وعندما وصل خبر هذه المحادثة ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ قال للصحفي: أطلب من صاحبك العقاد أن ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ في القاهرة، ويقف على أحد الأرصفة وسأقف أنا على الرﺻﻴﻒ المقابل .. ثم نرى على من ستجتمع الناس !!
وهنا ردّ العقاد: قولوا ﻟﺸﻜﻮﻛﻮ أن ﻳﻨﺰﻝ ﻣﻴﺪﺍﻥ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺮ .. ﻭﻳﻘﻒ ﻋﻠﻰ ﺭﺻﻴﻒ، ويجعل إحدى الراقصات تقف على الرصيف المقابل.. ثم يرى.. على من ستجتمع الناس أﻛثر!"
هذه القصة تلخص بأختصار مسار التصورات في واقعنا منذ فترات طويلة؛ وقال "شكوكو" ذات مرة: "سيرنا باستقامة فشحتنا ثمن السجارة، سيرنا في اللهو والهزل بنينا عمارة".
إن كتاب آلان دونو (نظام التفاهة ) " صُنِّف هذا الكتاب بحسب بعض النقاد في خانة أدبيات "ما بعد الحداثة" كاتجاه فكري يُعنى بنقد مآلات وصيرورة الحداثة الغربية التي استحالت إلى تضخم النزعة المادية والاستهلاكية، بدلا من تحرير الإنسان وصَون كرامته "( ).
وإذا كانت فكرة التفاهة مركوزة ومؤسسة في ثقافتنا بصورة كبيرة، فإنها تقف خلفها دوافع نفسية واجتماعية وغير ذلك من الأسباب والدوافع التي تسعى إلى تحقيق ذلك "، فهذه الأشكال من مُخرجات صناعة التفاهة تقف وراءها دوافع نفسية عديدة لاسيما في المجتمعات الأقل عملاً وإنتاجاً وإبداعاً، والأكثر إحباطاً وإخفاقاً وبؤساً، وأهم هذه الدوافع النفسية اللاشعورية (التفريغ الانفعالي)، ليخرج الإنسان المقهور من باطنه طاقة الغضب المقموعة، ومخزون الغرائز المكبوتة، وطبقات العقد المدفونة، وأكوام الإحباطات المكدسة، وكم الأحلام الموءودة... يساعده في هذا التفريغ الانفعالي توهّمه بأنه فعل الشيء المرغوب لمجرد أنّه قاله، واكتسب الصفة الحسنة لمجرد أنه ادّعاها وانتقم من خصمه لمجرد أنه شتمه، وهذا كله يُعطيه شعوراً وهمياً بالراحة، ويمنحه إحساساً خادعاً بالسعادة.
ومن الدوافع النفسية اللاشعورية التي تقف وراء حب الناس لنشر الفضائح ومتابعة الإشاعات والأخبار التي تكشف عورات الناس وتهتك أعراضهم وتُسيئ إلى سمعتهم، هي راحة الشماتة بالآخرين، كما يقول "أنيس منصور" في كتابه (كيمياء الفضيحة): "الناس تسعدهم الفضيحة، فهي فرصة للشماتة بالآخرين، الفضيحة هي الصرف الصحي للعلاقات الإنسانية"، وفضائح الناس تُعطي الشخص إحساساً بالأفضلية والتعالي على الآخرين، كما أنَّ مصائب الناس تُعطي شعوراً خفياً بالراحة؛ لأنَّ تلك المُصيبة تخطتنا وذهبت إلى الآخرين. ( )
إن التحولات التي نعيشها ونشاهدها من حولنا في المجتمع، من بروز ظاهرة التفاهة في كافة الأوساط، لابد وأن يترتب عليها أثار سلبية لا محالة، وهذا نتاج طبيعي في كل الأحوال؛ فلا يمكن أن يكون هذا الكم من التفاهة والزيف والتسطيح للمسائل ثم تكون المخرجات إيجابية، فهذا يخالف قواعد العقل والتفكير.
ولهذا فإننا نرى أنه "منذ أن نشر "لويس إلكسندر" كتابه (الكمبيوتر الرهيب)، وخلال نصف قرن من الزمن، تطوّرت أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت ومنصات السوشيال ميديا، وتطورت معهم الحياة البشرية إيجابياً في كثير من المجالات، ولكنها تغيّرت سلبياً في مجالاتٍ أُخرى، أفرزت صناعة التفاهة والتافهين، وهذا ما تنبأ به رسول الله وخاتم النبيين محمد – صلى الله عليه وسلم – في حديث السنوات الخدّاعات التي ستأتي على الناس عندما تندثر الثقافة الأصيلة، وتضعف القيم الأخلاقية، ويغيب الإبداع الحقيقي، فذكر من خصائصها: "ينطِق فيها الرويبضة"، وعندما سُئِل عن الرويبضة، قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". وهذا، بالتأكيد، لا ينطبق على صانعي المحتوى المُفيد والثقافة الجادة، التي تُساهم في تثقيف الأفراد، وتقوية الأُسَر، وبناء المجتمعات، وتعزيز القيم، وتهذيب الأخلاق، وتشييد الحضارات"( )



#ياسر_جابر_الجمَّال (هاشتاغ)       Yasser_Gaber_Elgammal#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإنسان الفاعل والمفعول والمعزول
- الأدبيات المتعلقة بالمنجز المراد النهوض به وطريقة معالجتها
- المحتوى الرقمي الهادف والمزيَّف
- إنتاج المعرفة وأهمية ذلك
- مسألية البحث العلمي بين المفاهيمية والتطبيق .
- فاعلية السيمياء في العنوان البحثي - اختيار العنوان والدلالة ...
- آليات ومراحل البحث المعرفي.
- البحث العلمي: تقديم لا بد منه.
- عرض لكتاب جمالية الكتابة المسرحيَّة والسَّرديَّة عند السيد ح ...
- علم القيمة وعلم الثمن
- عوامل النشأة والتكوين - قراءة في عوامل خارج النص-
- الفاعلية الاجتماعية في النصوص الإبداعية
- أزْمة النقد ونقد الأزْمة (ابن الأثير 3) (انفتاح النص وثراء ا ...
- التناص الخطابي بين البنية السطحية و البنية العميقة
- انبعاث العتبات الصوفية من النص الحديث -قراءة كرونولوجية -
- فاعلية المنجز العربي في مشروع تُشُومِسكي اللغوي
- الوجدان وهموم الواقع
- أزمة النقد ونقد الأزمة ابن الأثير وقضية التناص
- الفاعلية بين النصوص
- رقمنة الحياة - الشات جي بي تي- Chat GPT-


المزيد.....




- الشاعر ومترجمه.. من يعبر عن ذات الآخر؟
- “جميع ترددات قنوات النايل سات 2024” أفلام ومسلسلات وبرامج ور ...
- فنانة لبنانية شهيرة تتبرع بفساتينها من أجل فقراء مصر
- بجودة عالية الدقة: تردد قناة روتانا سينما 2024 Rotana Cinema ...
- NEW تردد قناة بطوط للأطفال 2024 العارضة لأحدث أفلام ديزنى ال ...
- فيلم -حرب أهلية- يواصل تصدّر شباك التذاكر الأميركي ويحقق 11 ...
- الجامعة العربية تشهد انطلاق مؤتمر الثقافة الإعلامية والمعلوم ...
- مسلسل طائر الرفراف الحلقة 67 مترجمة على موقع قصة عشق.. تردد ...
- شاهد.. تشكيك في -إسرائيل- بالرواية الرسمية حول الرد الإيراني ...
- افتتاح مهرجان -موسكو - السينمائي الدولي الـ46


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسر جابر الجمَّال - كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى