أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - ذاكرة النّخيل














المزيد.....

ذاكرة النّخيل


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 7564 - 2023 / 3 / 28 - 02:57
المحور: الادب والفن
    


"ذات صباح باكر، طازج ، خارج فورًا من بقايا عتمة الفجر، بدا لي التّحديق إلى غابة النّخيل من شرفة فندقٍ في مدينة العين بالإمارات قبل سنوات خلت، تحريضًا للعين على الاسترخاء وهي ترى هذا الامتداد الأخضر، النَّضر، المغسول بندى الصّباح، واقتراحًا للتآلف مع الذّكرى التي تقفز من مستودع الطّفولة التي تبدو- الآن - قصيَّة.

كان النّخيل مُحيطًا بالبيت الذي قضيتُ فيه طفولتي وصباي، ومن فوق سطح البيت كان لغابة النّخيل المجاورة منظر كذاك الذي بدا لي من شرفة الفندق، هذا الامتداد الذي يكاد يكون لامتناهيًا للبواسق المثقلة بعذوق الرُّطب الحمراء والصّفراء. ويوم كنا ننسل صغارًا في الطّرقات الضّيّقة داخل الغابة المتراصَّة بالنّخيل، لم نكن نفطن أبدًا أنّ لهذه الغابة كل ذلك الجلال لو أننا شاهدناها مِن علوٍّ.

فيما بعد جار الزّمن على النّخل الذي مات واقفًا بالمعنى الحرفيّ للكلمة الذي لا يحتمل مجازًا ولا تورية، ثم حلَّ محله الأسمنت والقار. يوم أراد الشّاعر الشّهيد سعيد العويناتي - قبل رحيله الفاجع المبكِّر - أن يستجير ممَّا آلت إليه الحال لم يجد سوى النّخل يبثُّ إليه شكواه: "أيها النّخل الخرافيّ اِستفِق، قدْ غدونا غرباء!"

ثمة في النّور المتسلل إلى ثنايا الغابة في ذلك الصّباح الباكر في مدينة العين طقس حميم، لعلّه هو الذي حدا ببدر شاكر السّياب أن يشبِّه عيني الحبيبة بغابتي نخيل ساعة السَّحر. كانت النّخلة هي الامتداد الخرافيّ - في الرَّمز وفي المعنى - بين البصرة والخليج.

يُروى أنّ أحد العراقييّن الذين عاشوا قبل الميلاد سُئل: ما هي ثمار بلادكم؟! فأجاب التَّمر، قيل له: ثم ماذا؟ قال التَّمر أيضًا، ولمَّا استغرب السّائل جوابه، راح الرّجل يوضِّح خيرات النّخلة: نستظل بها مِن وهج الشّمس، ونأكل ثمرها، ونعلف ماشيتنا بنواها، ونقيم أفراحنا بسعفها، ونتَّخذ من عصير تمرها عسلًا، ونصنع من جريدها وخوصها أسِّرتنا، ومن جذوعها خشبًا لسقوفنا ووقودًا لطبخنا. وأوجز أعرابي فوائد النّخلة فقال: "جذعها نماء، وليفها رشاء وكربها صلاء وسعفها ضياء وحملها غذاء".

لكن النّخلة - إلى هذا كله - تختزن في شموخها مقدرة هائلة على الصّبر في بيئة قاسية. إنها كأهل ديارها الذين جُبلوا على تحمّل قسوة مناخ صعب في أزمنة الكدح والشّقاء، بل إنها كانت هبة الطّبيعة إليهم، أشبه بالأم الحنون التي أمدَّتهم بكل أسباب العيش والسّكينة والأمان في بيئةٍ بدا كلُّ ما فيها قاسيًا وباعثًا على الخوف.

علينا بعد هذا كله تصوُّر مقادير الحسرة التي تعصر القلب حين نمرّ أمام بقايا غابات النّخيل، وهي تعلن – من علياء شموخها – موتها الاحتجاجيَّ على زمنٍ، أعمى فيه رنينُ الذّهب العيونَ والقلوب!

(مقتطف من كتابي - ترميم الذّاكرة -)



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بنفسج بيرم وبنفسج مظفر
- فرنسا إلى أين؟
- (عدالة) محلّ شبهة
- الذي حوّل الغرب شمالًا
- الأمم النّابهة والأمم الخاملة
- النساء في يومهن
- فيروز في الخليج العربي
- المسرحية التي أبكت غوركي
- هل تترهل الثقافة؟
- تسليع الصحة
- هل للتاريخ وجع؟
- أكان تفاؤل شرابي في محله؟
- أوكرانيا وتجّار الحروب
- (معطف) غوغول وقناعه
- غضب الطبيعة وجنون البشر
- كذبة القرن الأمريكية
- التفاؤل أم التشاؤم
- (بي.بي. سي) ذاكرة أم تاريخ؟
- الفنون أيضًا تُرَحّل عن أوطانها
- الوطن من وراء الزجاج


المزيد.....




- لحم خنزير على الطاولة.. مسلسل تركي يخسر جمهوره بعد عشاء مثير ...
- الملوخية.. طبق الملوك الذي يجمع الموائد العربية بين الأصالة ...
- ألمانيا تستدعي منظمي مهرجان برلين السينمائي بعد اتهامات بالت ...
- علي البرّاق.. صوت رمضان الغائب الحاضر في كل بيت تونسي
- 9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو ...
- فرنسا: رشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة -للتفرغ للانتخابات ...
- الشاعرة هدى عزّ الدين :نموزج للإنحياز الكامل للكتابة وأسئلته ...
- طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
- حكاية مسجد.. -المنارتين- يجمع العبادة والمعرفة في المدينة ال ...
- وفاة الممثل روبرت كارادين عن عمر يناهز 71 عاماً


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - ذاكرة النّخيل