أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - عصمت منصور - بخطى طليقة - تحويل الأسر الى ظاهرة خلاقة















المزيد.....

بخطى طليقة - تحويل الأسر الى ظاهرة خلاقة


عصمت منصور

الحوار المتمدن-العدد: 7450 - 2022 / 12 / 2 - 22:45
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
    


قادت مجموع التجارب الاعتقالية الفردية والجماعية الى نشوء ظاهرتين متلازمتين تكمل إحداهما الأخرى: تحسن ملموس على ظروف الاعتقال وشروط الحياة داخل السجون، وتشكُّل جسم منظم متماسك ذي ملامح إنسانية ومنظومة قيمية وأخلاقية تتماهى وتجسد الدور الكفاحي الذي يؤديه الأسرى من جهة، والاهداف النبيلة والقيم السامية التي يناضلون من اجل تحقيقها.
انعكست هاتان الميزتان على الحياة الداخلية للأسرى الذي تنظموا ضمن تراتبية هرمية صارمة، وتحت منظومة قوانين مشددة ومرجعيات راسخة، وعاشوا في غرف أو زنازين أصبحوا يطلقون عليها اسم "خلايا"، وفي بعض السجون أصبحت تسمى قلاعا، بحيث لم يعد السجن مجرد مكان للاحتجاز المؤقت او الطويل لمجموع المقاتلين، تمارس فيه ضدهم سياسات تنكيل وقمع ممنهجة بهدف كسر إرادتهم، وردعهم عن مواصلة المسار الذي انطلقوا به، بل حاضنة لنخبة منظمة وطليعة مناضلة، تنتمي لقضية شعبها، وتعد امتدادا طبيعيا لحركة تحرر وطني تخوض نضالا عادلا ضد احتلال عسكري.
هذه الروح التي تمثلت قيم الحرية والعدالة والتضحية بالنفس من أجل الهدف العام، تم تجسيدها بشكل ملموس من خلال اللوائح التي نظمت حياة الأسرى الداخلية ومن خلال سلوكهم اليومي وأولوياتهم ولغتهم.
شدد الأسرى على أن تكون القيمة العليا التي تعلي من شأن الاسير الفرد او تخفض مكانته هي التضحية والمساهمة النضالية داخل السجن وخارجه، والنقاء الأخلاقي والوطني والسمعة الحسنة والسلوك الاجتماعي القويم، وليس القوة العضلية او النفوذ الاجتماعي والمالي، وهو ما خلق واقعا شبه مثالي، تحارب فيه ظواهر الأنانية والتنافس السلبي والتخاذل وتغليب الذات.
على المستوى الجماعي أرسى الأسرى نمط حياة ديمقراطي تشاركي يعطي الشرعية والقوة لمن يتم انتخابه بشكل دوري، ووفق برنامج إداري ومالي ونضالي يتقدم به المرشح لمجموع زملائه الأسرى.
اعتمد الأسرى نظام الانتخابات الشفافة والنزيهة والدورية كأساس وحيد لاختيار ممثليهم في داخل هيئات التنظيم الواحد، وهؤلاء الاعضاء المنتخبون من الفصائل السياسية الموجودة في السجن يشكلون معا المرجعية الوطنية لكافة المعتقلين ويقومون بتوزيع الصلاحيات فيما بينهم وإدارة شؤون المعتقل بشكل جماعي، كما انهم ينتخبون من بينهم ممثلا عن الأسرى امام إدارة السجن.
لم يكن الأسرى عبر ديمقراطيتهم الاعتقالية يصنعون نموذجا عمليا لإدارة شؤون حياتهم الداخلية وصراعهم مع الاحتلال فقط، بل كانوا يرون في هذا الأسلوب الحياتي نمطا تربويا يهذب الفرد ويصقله لينخرط بشكل أوسع في النضال الاعتقالي، وأيضا أرادوا له أن يكون النموذج الحضاري والعملي لشكل دولتهم القادمة التي حرموا منها ويناضلون من اجل بنائها.
أراد الاسرى وبشكل واعٍ ان يكونوا النقيض القيمي والأخلاقي والسياسي لعدوهم وان يتماهوا مع أنبل ما انتجته التجربة البشرية من قيم وروح تسودها العدالة والتسامح والشراكة الحقيقية.
حوّل هذا النمط الحياتي الأسرى الى خلايا نحل دائبة العمل على تطوير ذاتها، وساهم في تطورهم سلوكيا وفكريا ونضاليا، بحيث أصبحوا ادوات فاعلة ومؤثرة ومنتجة، تنتج الادب والثقافة والمعرفة، وتساهم في إغناء تجربة شعبها النضالية وتمدها بنموذج فريد من الإدارة الجماعية الخالية من الفساد والقادرة على احتضان الأسرى الجدد وتوفير المناخ والأرضية الخصبة أمامهم للإبداع والتطور والصمود ومواجهة ظروف الاعتقال القاسية، وانتج ظاهرة خلاّقة وحالة من الإبداع الجماعي والتفاعل المنتج وتراكم الخبرات والمعارف التي أتاحت لهم أن يكوّنوا وجدانا جماعيا حيا، وبنية صلبة شدت من لحمتهم الداخلية وروحهم المعنوية وطريقة تفكيرهم ما مكنهم من التعالي على الواقع اليومي الكئيب والقاتل والاحتفاء بإنسانيتهم والتفوق أخلاقيا وسلوكيا على جلادهم.
من الموقع المرتفع إنسانيا وأخلاقيا أطل الأسرى على حياتهم اليومية، وواجهوا القوانين الصارمة التي كانت تفرضها مديرية السجون ضدهم، وصاغوا فلسفة وجودهم التي أكسبت هذا الوجود معنى وقيمة تتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة للسجن لتربطهم بروح ونسق الثورات العالمية وتجارب الشعوب منذ فجر التاريخ وصولا الى المستقبل الواعد الذي حلموا به.
لم تكن هذه أحلاما طوباوية، أو شطحات خيال جامح يحتال بها الانسان على واقعه المرير، بل إعادة اكتشاف للقانون الجوهري الاول الذي يربط بشكل عضوي بينهم وبين كل ثائر ومقاتل حرية عبر التاريخ، وهو قانون النضال من أجل العدالة والحرية وتحدي الظلم والاستعباد.
يروي الأسرى تجاربهم الحياتية اليومية داخل زنازينهم التي كانوا يقضون فيها ما لا يقل عن 20 ساعة يوميا، وكيف كانوا يتسابقون في خدمة بعضهم البعض والسهر على من يصيبه المرض بينهم، وكيف يعلّم أحدهم الآخر القراءة والكتابة، او كيفية تقسيم اعباء التنظيف والخدمة فيما بينهم بشكل متساوٍ، لتكشف هذه الحكايات الحقيقية والتفاصيل البسيطة أن هناك روحا عظيمة وإرادة جبارة نمت وتطورت عبر النضال لدى هؤلاء الاسرى وجعلتهم أكبر من السجن وأصلب من ان يفتك بهم السجان.
اعتبر الأسرى ان النشاط البدني والذهني أدوات للصمود وعوامل لبناء الأسير الجديد المتفوق على سجانه وظروف اعتقاله، فكان نهارهم يبدأ من الساعة السادسة وينتهي عند إغلاق الزنازين عند السادسة مساءا دون ان تجد لحظة فراغ واحدة.
النهار يبدأ بالرياضة، ومن ثم إفطار جماعي، ونظافة وترتيب للزنازين وجلسات تثقيفية وقراءة ذاتية وفترات استراحة وسط النهار (قيلولة) وحتى برامج التلفاز والراديو كانت منتقاة وتعطي الأولوية للبرامج المفيدة.
التثقيف أيضا كان موجودا وحاضرا بقوة واحتل مكان الصدارة في أولويات الأسرى الذين اعتبروه سلاحا إضافيا في معركة البقاء والانتصار الحقيقي الذي يبدأ بالانتصار على الذات وقتل الفراغ، بحيث سجلت معدلات الأمية مستوى صفريا في كل السجون وكانت تحارب بشكل صارم وإلزامي، ومن ثم يتم تثقيف الأسير بتاريخ شعبه وقضيته وتاريخ الحركة التي يواجهها (الصهيونية) ومن ثم الثورات العالمية وتجارب الشعوب الأخرى لينطلق بعدها في عملية تثقيف ذاتي وفق اهتماماته وميوله، والتي كان يعبر عنها في كتابات كانت تنشر في مجلات ثقافية وحزبية واعتقاليه تصاغ بخط اليد ويتم اختيار أسماء لها تعبر عن توجهاتها واختصاصها وخلفية الجهة التي كانت تصدرها(يسارية أو قومية أو دينية) ولا يتم إغفال الرسومات او الأطر الجمالية الفنية في تصميمها.
هذه العملية الدؤوبة والأصيلة، والتفاصيل اليومية الصغيرة والعادية هي التي أغنت حياة الاسرى الداخلية وعززت من لحمتهم وخلقت هويتهم المتميزة وقدمت للعالم تجربة فريدة وممتدة تفوقت على جلادها، والتي من خلالها فقط تمكنوا من اجتراح هذه المعجزة الحية، وليس من خلال الشعارات والخطابات والمبالغات والعيش على الذكريات والأساطير والبطولات الفردية.
ان كل تجربة خلاقة وممتدة تنجح في اجتياز امتحان الواقع انما هي في الواقع عبارة عن سلسلة تجارب فردية ومجموع حيوات وعيش يومي وحركات بسيطة تسير بقناعة وتناغم نحو غاية واحدة بروح وثّابة وارادة جماعية.



#عصمت_منصور (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بخطى طليقة- غرف العار
- بخطى طليقة - إضراب البسكويت
- بخطى طليقة - تجربة بيت ليد
- بخطى طليقة - الأمن
- بخطى طليقة- التبادل
- بخطى طليقة- الاوائل
- بخطى طليقة - الرعيل الأول
- بخطى طليقة - المخاض
- خطى طليقة مرحلة الإنفلاش
- بخطى طليقة - إضراب
- بخطى طليقة.. أزمة التكيف.
- التنافس على ضمّ آيزنكوت في الانتخابات الإسرائيلية القادمة
- حقول الغاز الإسرائيلية اللبنانية المشتركة: فرص ومخاطر
- معايير صفقات تبادل الأسرى وفيديو هشام السيد
- محاولات قتل الشهود في قضية شيرين أبو عاقلة
- إسرائيل والتعامل مع نتائج التحقيقات في اغتيال شيرين أبو عاقل ...
- شيرين ابو عاقلة واختراق الجدار الحديدي
- وهم الفصل بين الساحات
- تهديد الطائرات المُسيّرة وأثرها على المواجهات القادمة
- قانون تجنيد المتدينين مشكلة ائتلافية أم أزمة مجتمع؟


المزيد.....




- لبنان.. مصرع ثلاثة أطفال سوريين غرقا قرب مخيم للاجئين شرقي ا ...
- السيول تودي بحياة 3 أطفال لاجئين سوريين في لبنان
- ارتفاع عدد المهاجرين الأوكرانيين إلى 9 ملايين
- اختتام أعمال الدورات التدريبية للعاملين في القطاع الصحي ونشط ...
- الاحتلال ينفذ حملة اعتقالات بالضفة والاستخبارات الأميركية تر ...
- -معاريف-: اعتقال شابين خططا لعملية تفجيرية بحافلات جنود إسرا ...
- منظمة حقوقية تنشر مقالا لمعاناة سجناء الرأي بالبحرين
- النزاهة تستقدم قائممقام قضاء خانقين إثر فقدان 900 كرفان في م ...
- اعتقال متهم بتزوير المستمسكات في بغداد
- حماس: إعلان الخارجية السودانية سيوفّر للاحتلال الغطاء لارتكا ...


المزيد.....

- في الذكرى 103 لاستشهادها روزا لوكسمبورغ حول الثورة الروسية * / رشيد غويلب
- الحياة الثقافية في السجن / ضرغام الدباغ
- سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مذكراتي في السجن - ج 2 / صلاح الدين محسن
- سنابل العمر، بين القرية والمعتقل / محمد علي مقلد
- مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار / اعداد و تقديم رمسيس لبيب
- الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت ... / طاهر عبدالحكيم
- قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال ... / كفاح طافش
- ذكرياتِي في سُجُون العراق السِّياسِيّة / حـسـقـيل قُوجـمَـان
- نقش على جدران الزنازن / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - عصمت منصور - بخطى طليقة - تحويل الأسر الى ظاهرة خلاقة