أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيحاء السامرائي - تلك هي الأيام















المزيد.....

تلك هي الأيام


فيحاء السامرائي

الحوار المتمدن-العدد: 7420 - 2022 / 11 / 2 - 02:32
المحور: الادب والفن
    


راح مساء خفيض يلعق زجاج جدران المقهى بنهم.. وجدت نفسي عند طاولة منعزلة في ركن قصي، لوحدي.. عجبت حين رأيت انعكاس وجهي على النافذة، هل هذا الكهل المتجهم هو أنا حقاً؟.. كان بالإمكان أن يكون أمامي ومعي الآن وجهاً أليفاً باسماً كما كان ذات يوم.

ذات مرة وفي المكان نفسه، وعند الطاولة نفسها، أخرجتْ ورقة وقلم من حقيبتها وهمستْ مبتسمة، اكتب ومضة شعرية عن الأجواء والمكان.. لا أتذكر ماذا كتبتُ، أخذت الورقة وكتبتْ على صفحتها الأخرى شيئاً جميلاً نسيته اليوم أيضاَ.. الذي أتذكره يومها هو اننا ضحكنا كثيراً وأكلنا سمكاً مقلياً شهياً.. حقاً، أول العشق أحلاه، للبدايات دهشة لذيذة، ولهفة حارقة.

ساد صوت مغني أجنبي على أفكاري: ( طاولة وحيدة لشخص واحد، في غرفة مزدحمة وناصعة، وفي الوقت الذي تبدأ فيه الموسيقى، أشربُ نخب الذكريات في أجواء العتمة والكآبة)

" لا تفسد العلاقة وتضطرني لهجرك، لا تفعل ذلك".

كلماتها تعشعش في أذني، كأي امرأة، كل ما كانت تريده هو الاهتمام، وأنا حسب رأيها، لا أجيد الاهتمام بها، لم أرتق الى حالة الحب الذي توقعته ولم أرع بذرته الصغيرة لكي تنمو.. أصمت حائراً، كيف أفعل ذلك؟ لا أعلم لليوم.

مال نظري نحو امرأة فاتنة جلست عند طاولة مجاورة وهي ترشّ حولها رذاذ أنوثة تمطر فتنة وسنى، أبهرتني انحناءات جسد مصقول، صدراً عامراً وساقين مكتنزتين، زادهما إغراءً جوارب سوداء شفافة تحت فستان أحمر قصير.. تذكرت مقطعاً من أغنية لعبد الوهاب( أفَحَتْم عليّ إرسال دمع، كلما لاح بارق في محيّا).. نسيت لبرهة ما كنت أفكر به قبل لحظات، غير أن صوتاً ألفته عاد الى صندوق تفكيري، " الجمال يجعلنا ندير رأسنا لا إرادياً، أنت مصوّر فوتوغرافي محترف، وقد يبهرك الملحوظ لا الجوهر وتشغلك اللقطة لا ما تحتها وما بداخلها".

كنت أبوح لها بأمنيات قاسية ذاكراً لو انها كانت تملك مثلاً مؤخرة كبيرة، أو جسماً يشبه العرموطة وخصراً نحيلاً مع بطن مسطّحة، لكانت تكون المفضلة لدي والأقرب الى رغباتي الحسيّة..ما أغباني وإن كنت صادقاً، لا أذكر اني أمتدحتها يوماً رغم انها كانت تبذل جهداً لا بأس به في تجميل نفسها واختيار ثيابها كلما تلقاني.. شحيحاً كنت في التعبير عن عواطفي وفي الثناء عليها وإطرائها بكلمات تسعدها، لا بل كنت أشير الى نواقصها دائماً، ما هذا الذي بين حاجبيك وكانه رقم 11، حاولي أن تتخلصي من تكوّر بطنك، وذلك العطر الذي تضعينه، يزعجني، يشبه رائحة التراب، ثم أبعدها عني.. لم أجهد نفسي لكي أسعدها! ما معنى ذلك الهذيان؟

"الإمرأة التي تحبك، تعاملك في البداية كما تتمنى أن تعاملها أنت، ولو أسعدتها سترضيك قطعاً، لكن ما أن تسيء معاملتها، ستنقلب الصورة، ضع ذلك في بالك، كلما أستاء منك، يهبط مؤشر الحب".. صارت تنتقدني بالمثل.. تبرر ماتفعله بانها تبيان أخطاء يمكنني تجنبها حفاظاً على العلاقة وليس بغرض الانتقاد كما أفعل أنا.. لا أحد يتغير فجأة وبالكامل، وعلى وجه الخصوص من وصل الى عمري.

تعلو ضحكات مرحة من جالسين على طاولة بعيدة، يغلّفها صوت عذب لمغنّية( وكانت تلك الأيام أصدقائي).. سيزداد عدد رواد المقهى كلما أوغل المساء في إرتداء ظلامه، يحضر المزيد من الأصدقاء والعشاق سوية، وأنت جالس هنا عند هذه الطاولة، تحتسي كأسك لوحدك، تقنط، تقطّب حاجبيك وتلوذ بالهموم، لوحدك، مثل مثقف نموذجي استعصت عليه قصيدة.. نعم أنا وحيد، تعتصرني الوحدة ويتقدم بي العمر، بل أنا كئيب ومسنّ.

يُقال، لا تدخل في علاقة وأنت تشعر بالوحدة، ستكون مثل الذي يذهب للتسوق وهو جوعان، لأنك ستختار الشيء الخطأ.. هل كانت رغبة تلك التي ربطتني بها؟ كانت تريد حباً شاملاً آسراً، تريد منّي أن أكون ملاذاً يجعلها تحسّ بالأمان والطمأنينة، غير أني عجزت عن منحها شعور الرضا عن نفسها.. أنّى لي أن أتفاعل معها وماذا عليَ أن أفعل؟ لا علم لي.. اعتقدت اني كنت مصيباً لأسعى الى علاقة مريحة.. ليست لي علاقات حب حقيقية غير الحب الأول، كلها كانت جسدية وعابرة، من لدية الطاقة لذلك؟ الحب الذي أخذنا فكرة عنه في الصغر زال رونقه اليوم، لم يعد يغرينا بعد أن شاخ كيوبد بداخلنا وأصبنا بالملل من الأغاني الرومانسية المكررة.

"عليك أن تبذل جهداً في الحفاظ علي، أن تعمل ما في وسعك كي أكون لك وأسعدك".. لماذا نبذل الجهد من أجل الحب، هل تتطلب علاقة بين رجل بإمرأة كل ذلك العناء لدرجة تضطره الى تغيير نمط حياته وطريقة تفكيره وتصرفاته وماجبل عليه؟ ليس لدي أجوبة.. في الواقع، كنت أفكر بأن أجعلها مثل قطعة حلوى أتناولها كلما أشتهيها من حين لإخر دون التزامات.. سيبقى وجهي غير المكترث وهيأتي المطفأة عقبتين في طريقينا رغم انها كانت تستميت لكي ترى وهجاً في عيني حين لقائي بها، كدليل على الحب.
"تزهد المرأة بالدنيا وتكتفي بحنان من تحب، انا أريد أن اعطيك كلّي، فلمَ تعطيني بعضك؟".. تتسائل دائماً.

ماذا يمكن أن يحدث لو بقيت وحدي؟ كثير منا لوحده وكلنا سنرحل يوماً ما.. أمس غادر الحياة صديق لوحده، مات في غربته من دون وجود قلب رؤوف عند سريره أو لمسة يد حانية.. عبثاً أتخلى عن طبائعي وأغيّر من نفسي في سبيل أن يبقى أحد ما بجواري وأنا أرحل.
"فكر باللحظة لا غير، نحن كبرنا وآن أوان استمتاعنا بما تبقى لنا من عمر، احضن يدي بين يديك ودعني أضع ذراعي بين ذراعك، الصحبة هي ما نأمله من علاقة مثل علاقتنا، يكفي أن أسمع منك تفاصيل يومك وأحكي لك عن تفاصيل يومي".

لم تتقبلني كما أنا وتترك لي مساحتي التي اعتدتها، لم تتعلم اتقان فن المسافات بينها وبين الآخرين، تريد الذوبان فيّ وتذيبني فيها بالوقت نفسه.. جئت متأخرة أيتها المرأة الشقية.

"قررت أن أكون معي، راضية بوحدتي ومتصالحة مع نفسي، الأسى إهدار للوقت وللعمر.. لن تراني ثانية"

لا تهرب أيها العبثي الكبير، أنت تحتاج إليها أكثر مما هي بحاجة اليك، لأن تكون معها في حيّز حيوي من هذا العالم المتعب لتخلقا ديمومة حياة مريحة متوازنة.. ابتلع أساك ولا تضرب عن الحياة لانك إن لم تفعل ذلك أيها العجوز الكئيب ستبقى عند هذه الطاولة وحيداً منتظراً لا شيء، ستظل في صمتك حتى تنبعث منك رائحة قبر، يموت ضوؤك ثم تنطفئ.. ربما اشمئزت منك الطبيعة فقررت إنهاءك، كم وافتك الحياة وأنت تقيم في جثتك أيها الوحيد الأبله.. أعلم أن الموت لا يخيفك بقدر ما تخيفك الوحدة والوهن والفراغ الذي حولك وفي داخلك.

ها أنت بلا صاحب ولا أنيس أيها الكهل، سيرفع كلب الزمن فخذه ويتبول على عشبة يأسك ومرارتك، لقد فقدت فرصتك الأخيرة في أن يكون شخص ما بقربك أو أن تحبك إمرأة.

لا تبق عند هذه الطاولة وغادر هذا المكان.. مالك سوى أن تُخرج يداك من جيب وحدتك وتحتضن جسد الليل.



#فيحاء_السامرائي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تباريح مياه متيبسة
- تباريح مياه متيبسة
- رواية -رجال ما بعد منتصف الليل- وعالم المدينة الداخلي
- ألوان في سماء قاتمة.. قراءة في رواية - أجنحة في سماء بعيدة-
- زيارة الى أبي لهب
- فوق (العاقول) مشّاني زماني... (على ضوء حوار الاستاذ سعدون مح ...
- مسرّة صغيرة
- رواية -مولانا-.. بين عنصر التشويق وزحمة الأفكار
- رقصة الصيادين
- يا لون الرحيل !
- ثرثرة في ساونا
- من أدب الرحلات.. الصين
- ني هاو تشاينا
- عالم سائل
- الحصير والهجير
- هجير وهجران
- دومينو عراقية
- نار (هلي) ولا جنتك
- العراق عام بعد مئة عام من التغيير، قصص خيال علمي
- فصل فيسي


المزيد.....




- هتستمتع بمسلسلات و أفلام و برامج هتخليك تنبسط من أول ما تشوف ...
- وفاة الفنان المصري المعروف صلاح السعدني عن عمر ناهز 81 عاما ...
- تعدد الروايات حول ما حدث في أصفهان
- انطلاق الدورة الـ38 لمعرض تونس الدولي للكتاب
- الثقافة الفلسطينية: 32 مؤسسة ثقافية تضررت جزئيا أو كليا في ح ...
- في وداع صلاح السعدني.. فنانون ينعون عمدة الدراما المصرية
- وفاة -عمدة الدراما المصرية- الممثل صلاح السعدني عن عمر ناهز ...
- موسكو.. افتتاح معرض عن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا
- فنان مصري يكشف سبب وفاة صلاح السعدني ولحظاته الأخيرة
- بنتُ السراب


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فيحاء السامرائي - تلك هي الأيام