أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=768678

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس علي العلي - سورة يوسف جمالية الأداء اللغوي وعلمية الطرح الفكري ح1















المزيد.....

سورة يوسف جمالية الأداء اللغوي وعلمية الطرح الفكري ح1


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7373 - 2022 / 9 / 16 - 18:33
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تنفرد سورة يوسف بجمالية خاصة في البناء السردي ليس من ناحية الشكل ولكن أيضا من ناحية البناء الوصفي واستخدام الإيحاءات اللغوية المعبرة عن مفاهيم محددة، دون أن تضع القارئ والمتدبر في إشكالية البلاغة وأجانسها وفنونها، لقد جاءت الصياغات فكرية عقلية بأسلوب قصصي فريد يجمع بين جزالة اللفظ وفخامة المعنى، مع إقصار متعمد بمفردات البناء اللفظي دون إخلال بالهدف ولا تضييع للدلالات، وقد جاءت منذ بداية سرد القصة بمقدمات لا تنفصل عن القصة وترتبط بالنهاية ،وكأن السورة تعرض لنا فلما سينمائيا حديثا كامل المواصفات الفنية التي تجعله أقرب قريبا من الواقع المعاش، بدأت القصة بذكر رمز كمفتاح يعبر عن أن هناك ما يلفت النظر بعيدا عن معنى الرمز (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، فالرمز هنا مشروح بالنص ويعود عليه كمفتاح بداية لآيات الكتاب وليس منفصلا عنها، ولتكون الرواية كلها بجميع تفاصيلها وأحداثها رمز تجسيدي لصراع الخير والشر، الصراع الأولي الأبدي الوجودي وتعطي عنوان يبعد النص مع حضورية الزمان والمكان، لكنه أيضا يعرض الحال خارجهما ليقول لنا أن الحكاية هي خارج مدى ما تدور في أجواءه القصة كلها.
هذه الرمزية المقصودة تشير إلى أن القادم من السرد والبناء اللفظي لا يخرج عن كونه جولة في تفكير وتعقل الإنسان وهو يمارس وجوده من خلال عالمين، عالم الواقع المعلوم والمكتشف وعالم الغيب الذي سيظهره عقل الإنسان لاحقا معتمدا على حقائق العالم الأول، وكيف أن كل منهم له تأثير محوري على الأخر من خلال الربط والمقاربة العقلية والإيمانية بين الرموز والدلالات المذكورة في ثنايا القصة، وأن على الإنسان أن يربط بين الدلالات مهما كانت صغيرة لأنها بالنهاية هي كل من مجموع متفرق لكنه متسق ويسير على طريقة واحدة.
فالكون كله عبارة عن ربط أجزاء صغيرة لتشكل عالما أخر لا ينتمي للصغير والكبير ولكن ينتمي للتجمع والتراكم والتنسيق، أو مثل جبل رهيب هو في الحقيقية عبارة عن ذرات من الرمال والحجر والطين وأشياء أخرى تجمعت فصارت هذا الكيان العظيم، من النص نرى جماليات الأداء الفتي اللغوي بطريقة هادئة شفافة تخبر عن عالم مرئي لفرد ليكون رؤية لعالم أكبر وأوسع وسيغير من التفاصيل بالواقع نحو الخلاصة من الرؤيا وهي السجود لأمر الله (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، لكن ما يجعل من الخبر به دلالة إيحائية تخالف إيمان يوسف وبعقوب هو قول "ساجدين لي"، السؤال هل كان ذلك إشارة لفعل ماضي يتصل بمبدأ الخروج والنزول من الجنة عندما أمر الله الملائكة أن تسجد لأدم ولم يأمرهم بالسجود له؟ أم أن المعنى المكتنز هنا يعود للسجود بمعنى الخضوع المستقبلي له بأعتباره موعودا به، على كل حال فالأمرين ممكنين من ناحية التدبر ولا خلاف بينهما، هذا الخبر سيكون كل محور السرد ومحور الدلالة أيضا للتفريق بين مفهوم الرؤية ومفهوم الحلم بين الواقع المتخيل وبين الخيال المتوقع، بين أن تكون حقيقة وعلم وبين أن تكون مجرد خيالات بأثر نفسي حسي غير منضبط (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ).
بعد هذه المقدمة التي ساقها النص يبدأ التقديم للقصة من خلال عنوان غيبي وكأن الغيب يقرأ والحاضر يستجيب، هنا يتوهم قليل الخبرة والدراية بالنص القرآني وكيفية تعامله مع سرديات مماثلة ويقع في عشق التتابع ويبتعد عن روح وجوهر الغائية منها أصلا، ليتابع القصة من خلال البطل يوسف ويتعاطف معه بالمأساة والملهاة وصور الغرام التي يعرضها النص بإيجاز شديد، ولكن بعرض كامل للواعج الإنسانية حين يقرر الإنسان أن يمنح روحه حرية التمرد على الواقع، بمقابل قوة الإرادة التي تناهض التمرد وتنحاز لحدود الخلق الإنساني المراقب للغيب، وليس الغيب المراقب كشعور تحرزي قائم على مجرد الخوف من السلطة القائمة، فالخلق الإنساني الذي يستشعر في داخله وظيفة المراقبة الذاتية على السلوكيات والأفكار والأعمال سيؤتي ثماره بمسمى التقوى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)، هنا يكون المراقب ليس الخوف المجرد الخوف المادي من العقوبة، لكنه الخوف الإصلاحي المستبق الوقوع في الخطأ والخطيئة (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
الجميل والفريد في الطراز من السرد هو حرصه على الجمع بين التفاصيل الصغيرة وبين إطار الكبريات التي تؤسس للمعنى، فلم يهمل النص مثلا تحديد شكل المكان ولا طريقة الأداء ولا إلى ما يشير فيه لسلسلة من الأحداث التي تتابع في المشهد، وربط هذا كله بالغاية التي يريدها ان تصل (وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) و (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا) وأيضا (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ)، هذه المفردات التفصيلية تقدم لوحة بانوراميه متعددة الوظائف والزوايا في الرؤية المتكاملة من جميع جوانبها، وبفنون الدقة والجمال في البناء توحي للقارئ أنه أمام عناصر تشويق أخاذة تسلبه من الواقع ليعيش عصر الأحداث وكأنه جزء من الحدث، هذا التشويق قد لا تتناسب مع نص يمتاز بالجدية والقداسة والإحكام عند البعض الذين يرون في النص الديني مجرد عصا من أدوات القمع التي يستخدمه الله مع الإنسان، لكن الذين لا يعرفوا منهج السرد في كتاب الله لا يفهمون من أن القرآن الكريم يتعامل مع عقول يراد لها التفاعل والإنتاج، وليس فقط تعبئة القصة ثم تحويلها إلى مفردات عباديه .
الميزة الإبداعية في النص هنا قدرته على حمل الكثير من المعاني والدلالات بالقليل والجميل من الهيكل البنائي للنص دون إطناب أو حتى ما هو طبيعي في السرد الأدبي، يختصر النص مثلا قصة أخرى تجري داخل القصة الأم ويربطها بسلسلة الدلالات من خلال بعض الكلمات، ليكون ما يسمى الصورة المجمعة وعبر مهارة فائقة لا يمكن أن نتلمسها في بنائيات لغوية أخرى مشابهة، لاحظ القصة الفرعية في نسيج القصة الأصل حينما (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ)، دلالاتها واسعة لتعطي حدث أخر كبير أيضا ولكن بكم قليل من المفردات، نعم مارس الناص التكثيف بأعلى درجة فهي مضغوطة هذه القصة للحد الذي لا يفقدها الربط الكامل لمضمونها مع مضمون السياق السردي العام، وسنرى من خلالها كيف لخصت محمل الحدث الذي أسس فيما بعد لأصل القصة، إنها مهارة تعميق النصر والرؤية من خلال العمق لنرى أيضا عمق الدلالات التي ستتلاحق نتيجة هذه القصة بالذات، حتى نصل المفصلية التي ستكون المحور الأهم بالقصة لاحقا كنتيجة للقصة المقدمة (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) ... هذا الترابط بين الأحداث بهذا الاختصار الفني ومن ضمن حبكة درامية قليلا ما نجدها تتوفر في نصوص أدبية مقاربة لها تأريخا وحتى أيضا الكثير من النصوص التي يعتقد أنها دينية.
نعود إلى النسقية السردية التي سخرها النص لخدمة الهدف وصاغها بجمالية تساعد القارئ على الاندماج والتفاعل من خلال صيغة الجملة ذاتها، فهو أعتمد الرمز ليبوح بالحقيقة وبنفس الوقت هناك جمل تبوح بالسر والحقيقة ولكنها تقصد الرمزية المتناغمة مع خلط الغيب بالحاضر والحاضر بالمستقبل، لنتأمل هذه النصوص الجميلة (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، الرؤية هنا حقيقية وليست حلما وإلا لكان النص صرح أن يوسف كان في منام، بل مؤكد الدلالة على أن يوسف وأبيه على خط واحد من الفهم بمعنى الرؤيا المشاهدة الواقع المرموز بحكايات لن تلد بعد، هذه الجمالية بالتفريق بين عالم الأحلام التي لا تعدو أن تكون أضغاث وبين الرؤية التي هي خروج من عالم الزمن الآن إلى عالم الزمن الحقيقة، في حالة عبور للواقع المحدد بالزمان والمكان والذي صرح به يوسف لأبيه عبور الرؤيا الإيحائية المنبه للمستقبل على أنه قدر وتهيئة وإعداد لأمر لاحق.
في موضع جمالي أخر تأمل معي أيضا نصا زاهيا بالفن القصصي المترف بتناغم بين رقة الإحساس وعنف الحدث أخر (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)، تعبير في غاية الدقة في تحديد مسار الحدث أستبقا ولم يقل سارع فالموضوع ليس منه وحده فقط بل من الطرفين يحاول كل منهم أن يسلف الأخر، وكأن هناك حالة من اللا متوقع من يوسف فسارع مسابقا سيدة القصر التي همت به، وتحديد عن أنتهاء المسابقة التي حدودها باب المكان حدث اللا متوقع (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ)، هذا اللا متوقع أنها أستعملت العنف بعد فشل ما نوت عليه من رغبة جامحة، لتتفاجأ هي وليس يوسف بأمر أخر وإن كان الحدث مر صعبا على الأثنين (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ)، هنا النص جاء بالواقع ليرمز للحقيقة التي ستنكشف لاحقا من خلال كيفية القد، النص ثري جدا ولكنه في حروف معدودة يجعل القارئ في سياحة حقيقة في جنة الجمال البلاغي.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ-
- قصاصات الكهنة وشعار -مت أيها الإنسان-
- ممالك وأمارات تحكمنا سقف الله وباسمه .
- حروب المعبد الفاشي
- المزاج العراقي وتوظيفه الديني.. الحسين ع إنموذجا
- حرب النجوم الإلهية
- التحول الأول .....في الدين والأخلاق ح1
- التحول الأول .....في الدين والأخلاق ح2
- الحركة في نص كل يوم هو في شأن
- تقريب أم حوار أم تنقية الخلافات بين المذاهب والأديان ح1
- تقريب أم حوار أم تنقية الخلافات بين المذاهب والأديان ح2
- تقريب أم حوار أم تنقية الخلافات بين المذاهب والأديان ح3
- المنقذ التاريخي شكية الصورة والإمكان
- المنقذ التاريخي أوهام الخلاص وظنون العقل التأملي ح2
- المنقذ التاريخي أوهام الخلاص وظنون العقل التأملي ح1
- الشيعة والسنة ومسميات الصراع بين السلطة والإيمان
- أنا وصديقي وعلي
- دراسة في بعض مرتكزات السياسة الغربية تجاه قضايا الشعوب
- الإسلام الدموي في الميزان المنطقي
- ظاهرة الوعي المؤدلج


المزيد.....




- القوات البرية الروسية تستخدم في أوكرانيا بنجاح مسيّرات استطل ...
- هنغاريا: لا لتدريب العسكريين الأوكرانيين
- اكتشاف هام عن فترة سبات المرجان في فصل الشتاء!
- إجهاد الأمهات الحوامل قد يؤدي إلى تسريع شيخوخة خلايا الأطفال ...
- منصة للحوار
- الولايات المتحدة بين أوكرانيا وتايوان: ما الأهم بالنسبة لواش ...
- الإعلان عن مقتل اثنين من المرتزقة البولنديين في أوكرانيا
- أوربان: حان الوقت لإعادة التفكير في العقوبات ضد روسيا
- بقيمة 882 مليون دولار.. صفقة أميركية لبيع 100 صاروخ باتريوت ...
- بوتين يوقع قانونا لمنع تنظيم الاحتجاجات في عدد من الأماكن ال ...


المزيد.....

- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عباس علي العلي - سورة يوسف جمالية الأداء اللغوي وعلمية الطرح الفكري ح1