أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد إدريس - أليس فيكم رجل رشيد، يا فُقهاء و أئمة الإسلام ؟















المزيد.....


أليس فيكم رجل رشيد، يا فُقهاء و أئمة الإسلام ؟


أحمد إدريس

الحوار المتمدن-العدد: 7331 - 2022 / 8 / 5 - 19:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(عزيزي القارئ : المقال الذي أقترح عليك قراءته كُتب في ظروف عسيرة جداً، و استغرق إنجازه شهراً أو رُبما أكثر، لذا أتمنى من صميم قلبي أن تقرأه بإهتمام حقيقي أي بتجرُّد و تركيز، و أن تُشاركه على أوسع نطاق… لا أُخفيك أني آمُل أن يقرأه الكثيرون من مُفكري و مُثقفي الأُمة، و خصوصاً المشايخ و المرجِعيات الدينية الكُبرى في هذه الأُمة. بَدءاً بشيخ الأزهر.)


« أكبر المَوانع في سبيل العقل "عبادة السلف" التي تُسمى بالعُرف، و الإقتداء الأعمى بأصحاب السلطة الدينية، و الخوف المُهين من أصحاب السلطة الدنيوية. و الإسلام لا يقبل من المسلم أن يُلغي عقله لِيَجري على سُنة آبائه و أجداده، و لا يقبل منه أن يُلغي عقله خُنوعاً لِمَن يُسخِّره بإسم الدين في غير ما يُرضي العقل و الدين، و لا يقبل منه أن يُلغي عقله رهبةً من بطش الأقوياء و طغيان الأشداء، و لا يُكلِّفه في أمر من هذه الأمور شَطَطاً لا يَقْدِر عليه ؛ إذ القرآن الكريم يُكرِّر في غير مَوْضع أن الله لا يُكلِّف نفساً ما لا طاقة لها به، و لا يطلب من خَلقه غير ما يستطيعون. » (عباس محمود العقاد، "التفكير فريضة إسلامية"، 1962)

« البعض لا يُصدِّق حكايات ألف ليلة و ليلة لمُجرد أنها خالية من السند و العَنعنات، و لو كانت مُسنَدة لصدقها بكل أرْيَحِية، فمِعيار القَبول و الرفض عنده ما قال فلان عن فلان، و ليس ما ينسجم مع العقل و المنطق. » (عقيل ناظم عبد الهادي)

« أُمة "الحديث" باتت حديثاً تَلوكه أفواه العالَمين، صِرنا أشبه بمجرم توَفَّرت كل أدلة إدانته و مع ذلك يتوقَّع أن يصدُر حكم ببراءته. أنا بهذا التصريح لا أُعلن الحرب على أُمتي و لا على ديني، و لكِني أرجو رجاء يائساً أن يغيِّر الله، بمعجزة ربانية، ما بِنا رغم أننا نرفُض كُلِّياً فكرة التغيير بل على العكس، نُصِر على أن يَجرِفنا طوفان ماضينا إلى حيث لا وِجهة و لا مُستقَر. » (أسماء هاني)

« إذا فكرنا و سألنا كيف تحوَّلت دعوة كانت في مبدئها ثورية تقدُّمية عصرية، إلى أداة حَجْر على الفكر و تجميد للمجتمع، هدانا تفكيرُنا إلى عِلتَيْن لم تكونا في الإسلام الأول، بل ظهرت كِلتاهُما في عصور انحدار الحضارة الإسلامية، ثم رسختا و توطَّدتا حتى خُيِّل للناس أنهما من أصول الدين الإسلامى. إحداهما بروز طبقة تحتكر تفسير الدين، و تدَّعي أن لها وحدها حق التحدُّث بإسمه و إصدارِ الحكم فيما يُوافِقُه من الآراء و المذاهب و ما لا يُوافِقُه، أي أنها طبقة كهنوتية و إن لم تتَّسِم بهذا الإسم صراحة. و ثانيتُهما اعتقاد تلك الطبقة أن ما ورد في المصادر الدينية السابقة من تشريعات و أجوبة و حلول هي تعاليم ملزمة يُفرَض اتباعُها، و لا يجوز تعديلُها أو تغييرُها في كل الأمور. » (محمد رشاد النويهي، "نحو ثورة في الفكر الديني"، 2010)


يقيناً و بكل تأكيد يوجد في أُمتنا مخزون عظيم من النُّبل و الطيبة الإنسانية و شتى صُنوف الخير، لكنَّ هذا لا يكفي لإخراجها من ضيق وضعها الراهن إلى الفضاء الإنساني و الحضاري الواسع. لِكَيْ تنصلح الأمور و الأوضاع عندنا، يجب أولاً أن تنصلح العقول و الأفكار… أقصد بالدرجة الأولى الأفكار في المجال الديني. فكرُنا الديني المُتداوَل إنْ لم يتجدَّد، فإن أحلامنا بمستقبل أفضل ستتبدَّد. كم هو مؤسف و محزن أن التفكير قد تحوَّل، لدى جمهور العاكفين بَيْن ظَهرانَيْ أُمتنا على عبادة السلف و ما ورِثناه عن السلف في شكل تصوُّرات و مُمارسات حازت بالقِدَم قداسة، تحوَّل من فريضة مُؤكَّدة إلى جريمة مُنكَرة ! مشكلة هؤلاء المُغيَّبين عن نداء العقل و المنطق هي نِسيان أو إغفال حقيقة أنه عدا القرآن، بالنسبة لِمن يقول عن نفسه إنه مُسلم، مجموع ما يُسمَّى بالتراث بإعتباره إفرازاً لتجارب إنسانية تاريخية ليس وحياً من قِبَلِ الله. التوظيف الكارثي لأجزاء من التراث غيرُ خاف على أحد بدءاً بالمشايخ و المرجِعيات الدينية، و هذا يفرض غربلتَه بدِقة و التحييدَ لمقولاته المسمومة بحزم ؛ أعني تلك التي تتناقض تماماً مع المبادئ الأخلاقية و الروحية الأساسية المُتفق عليها عالَمياً أو تُصادم بوضوح حقائقَ علميةً ثابتةً مقطوعاً بها أو هي ضد العقل المحض أو تُخالف صراحة الروح العامة للقرآن و حتى حَرفِية بعض نصوصه المُحكَمة ؛ القيام بهذه المُهمة واجب إنساني و حضاري و إلى جانب ذلك فهو يقيناً فريضة دينية، أداؤُها على النحو الأمثل أمر أكثر من مُلح و غير قابل إطلاقاً للتأخير… و ذلك لِكَيْ تنفتح من جديد و بقوة في هذه الأُمة أبوابُ التفكير، التفكير الذي بدونه ستظل مُغلَقةً أمامها و للأبد أبوابُ المستقبل !

و عليه فكُل ما بُني و أُسِّس على مُعطَيات أو تأويلات خاطئة باطلة فهو باطل بالضرورة و مآلُه الحتمي و المُؤكَّد هو الزوالُ عاجلاً أو آجلاً. قاعدة قُرآنِيَّة قاطعة : "فأما الزبد فيذهب جُفاءً، و أما ما ينفع الناس فيمكُث في الأرض." إذاً الزبد يذهب و يبقى ما ينفع الناس. ما ينفع الناس في تُراثنا و تراث غيرنا سيبقى بِلا أدنى شك ؛ ما لا ينفع الناس في تراثنا و تراث غيرنا سيندثر دون رَيْب : سيندثر لا محالة ! الأمر محسوم قرآنياً. فلسنا إذاً مُطالَبين و لا ينبغي علينا قَبول كل ما وصلنا تحت مُسمَّى الإسلام. إذ بالتأكيد ليس كل ما تلقَّيناه ضِمن ما يُمكن تسميته بـ"صندوق الإسلام" شرعاً سماوياً مُلزِماً للبشر في كل الأحوال و الأزمنة. توجد فيه أمور هي مُضادَّة تماماً للقرآن الكريم ؛ يوجد فيه ما كان مناسباً لمكانه و بِيئته و زمانه و ظُروفه فإذا تغيَّر كل ذلك تغيَّر ما بُني عليه و هذه فَحوى كلام أحد كِبار مشايخ وقتنا الحاضر ؛ توجد فيه أشياء لا يقبلُها بأية حال العقل السليم. فضلاً عن أخرى مُعارضة و مُنافية و مُناقضة للفِطرة الإنسانية. هذه جميعُها أمور و أشياء غير نهائية. و هذا يعني أنها ليست فوق النقاش أو النقد أو الإعتراض… إضافة إلى كل ذلك هناك أمور في المَوروث "الديني" تقِف عائقاً في وجه التطوُّر الإنساني الرشيد. بالتالي هي تدخُل في خانة الباطل. و الباطل لا يصير حقاً بكثرة المُستمسكين به بل إن زواله حتمي… شاء مَن شاء و أبى مَن أبى : "إن الباطل كان زَهوقاً" (قرآن). زوالُه أمر واجب الحدوث اليوم أو غداً، و لو كَرِهَ الكافرون بالعقل و الفِطرة و المنطق، و لو كَرِهَ الرافضون بالكامل للتجديد و التغيير، مِمَّن غرقوا في عبادة التراث و السلف ! هذا بلاغ لِمَن يُعرفون في دُنيانا هذه تحت إسم "المسلمون" : "مَن كان يعبُد السلف، الذين أحسنوا و أساؤوا و أصابوا و أخطؤوا، فإن السلف قد مضوا و بادوا و ماتوا ؛ و مَن كان يعبُد الله، الخالقَ الأزلي المُتفرِّد بالرُّبوبية و قَيومَ السماوات و الأرض، فإن الله حي لا يموت." لَوْ لم يتخلل المسيرة الطويلة لهذه الإنسانية العجيبة أفرادٌ قلائل لا يكتفون بتقليد الأسلاف، بل لديهم الشجاعةُ للخروج على المعروف المألوف المُتوارَث فيجتهدون لإبتكار أشياء جديدة و يظهر إبداعُهم في شتَّى مجالات الحياة و هم بالطبع بشر يُخطئون و يصيبون و نجِدُهم في الغالب أبعدَ الخَلق عن ادِّعاء امتلاك الحقيقة المُطلَقة و احتكارها أو الإعتقادِ بذلك، لَوْلا هؤلاء ما كُنا لِنَنعم اليوم بالهاتف و السَّيارة و الإنترنت و لَظل العرب يئدون البنات !


« إن كل تديُّن يُجافي العلم و يُخاصم الفكر، و يرفُض عَقْد صُلحٍ شريف مع الحياة، هو تديُّن فَقَدَ صلاحيَّته للبقاء. » (محمد الغزالي)

« لماذا لا نُصغي بصدق و مَوضوعية إلى ما يقوله لنا، أو يقوله عنا، أو يُحسُّه نَحوَنا غيرُنا ؟ لماذا لا نُحاول أحياناً أن نرى أنفسنا بعيون الآخَرين، أو نُحاكم أنفسنا بمنطق الآخَرين (…). فإذا كان عِند بعضهم خطأ صحَّحناه، و إذا كان عند بعضهم قصد سَيِّء تبيَّناه و بيَّناه، و إذا كان هنالك حق إستفدناه. إن الإصغاء إلى الآخَرين و أنت عارف بِما عِندك، مُتمكِّن مِما عندك، يُوَسِّع أُفق النظر إلى الأمور، و يُساعد على التحرُّر من النَّواقص و الأخطاء، و على تقويمٍ للمسار كُلَّما استبان لك صواب. » (عصام العطار)

« تتجمَّد الثقافات و تفقِد الأذهان فاعِليَّتها إذا لم تتعرَّض لِلْمُواجهة بأفكار مُعارِضة. » (إبراهيم البليهي)


مِن أين أتى و كيف استقر في الوعي العام و العقل الجَمعي لِمَن يُسَمَّوْن بالمسلمين، الإعتقادُ الوهميُّ بالصفاء الكامل و المُطلق لِمَجموع ما وَرِثوه تحت مُسمَّى الإسلام ؟ فعلى سبيل المثال كُتب الحديث النبوي المُعتمَدة و المُتداوَلة زاخرة بالفوائد القيِّمة الجليلة و الكنوز، هذا أمر لا يقبل الإنكار و ما ينبغي أن يُستهان به، لكنها أيضاً تحوي أشياء شائنة تعاف الأنفس السَّوية ذِكرَها و لا تتناسب بأية حال مع قدْر الرسول… شخص مُختار و مبعوث من السماء لِيَكون للعالَمين المُرشد و الأُسوة بامتياز، و الهادي إلى صِراط مستقيم، قالوا و زعموا بشأنه و هذا بالرَّغم من عِظَم بل جلال و قداسة مَقامه، أنه و هو في عِز الكُهولة تزوَّج طفلة ! هذه القضية الغريبة لعبت دوراً كبيراً بل رئيسياً و مركزياً في تشويه سُمعة الإسلام، و كانت و ما زالت مثارَ جدلٍ واسعٍ كما أنها سبَّبَت ضرراً مَعنوياً بالغاً لأُمة الإسلام. و ما عندي شك أنها تُشكِّل غُصة في حلوق حتى المدافعين من أُمتنا عن كَون القِصة صحيحة. مصدر هذا الخبر الذي انتشر في جميع أرجاء الكَون - و صار مادة خِصبة للطعن و السُّخرية و الإنتقاص من الإسلام - هو رِواية منقولة في أغلب كُتب الأحاديث الصحيحة : لكنْ مَن قال أن كل ما رُوي في الصِّحاح نستطيع الوثوق به و أعينُنا مُغمضة ؟ و هل كَوْن حديث ما قد حُكم بصِحته يجعلُه مِن اليقينيات القطعِيَّة و المُسلمَّات ؟ لم يقُل بهذا الأعم الأغلب مِن شيوخ الإسلام و مُفكِّريه المرموقين عَبْر العصور. و ما قالوه و قرَّروه هو أن الحديث المحكوم بصحته بِحسب قواعد علم الحديث يُفيد الظن الراجح لا أكثر. هذا يعني بِبساطة أنه ليس بالضرورة مُطابقاً و مُوافقاً لِواقع الحال، أي لا يُمكننا أن نُقرِّر على وجه القطع و اليقين أنه صحيح بالفعل. و أما مَن يجزِم حاسماً قاطعاً حازماً بِعكس ذلك فإنني أطلب منه أنْ يُقسم بالله أمام الجميع أنَّ ما يراه و يُنادي به هو الحق المُبين الذي ما بعده إلاَّ الضلال… أعود لتلك الرواية التي استَقَيْنا منها خبراً في مُنتهى الغرابة، مضمونُه أن النبي و هو في عِز و أَوْج الكهولة تزوَّج طفلة. بمرارة و توَجُّع، أتساءَل مُندهِشاً : لماذا إذاً و لصالح مَن تُروَّج و تُؤكَّد و تُسوَّق حتى الآن هذه الرواية ؟

هذه الرواية الحديثية المُسيئة للنبي و المُحرجة لنا حقاً قد تم دَحضُها على أيدي باحثين مُقتدِرين - جزاهم الله خيراً - و مع ذلك ما زال الكثيرون من عَبَدَة و مُؤلِّهي التُّراث مُستمسكين بها و عاضِّين عليها بالنَّواجذ. و ذلك حُباً في النبي كما يزعُمون. الذين يُحبون بهذا الشكل رسول الله هم فِعلاً بحاجة إلى علاج نفسي. تشبُّث جِد مُتحمِّس و مُستميت و فعلاً مُحيِّر بالباطل، لدى قوم يدَّعون توحيداً خالصاً لإله من أسمائه الحق… لسان حالهم يقول "الله ثالث ثلاثة" و هم لا يشعرون : لأنهم عملِياً ألَّهوا صحيحَيْ البخاري و مسلم. و العُقلاء كافةً يعرِفون و يفهمون و يُدركون أن لسان الحال أبلغُ و أبْينُ من لسان المقال بكثير و أشدُّ تأثيراً على القلوب و النفوس. عبارة قرأتُها على الإنترنت، في مقالة كتبها سلفي بالتأكيد : "لسان الحال أبلغ من لسان المقال في الدلالة على ما في القلوب من الزيغ و الضلال." سُبحان الذي سخَّر صاحبنا السلفي - عَبْر مقالة تعُج بكلمة "الكفر" و بألفاظ مُشتقة منها - لخدمة مشروعنا من حيث لا يشعر ! الرواية المُشار إليها غَيْض من فَيْض، إذ ما أكثر مثل هذه الطامات الحديثية : أعني روايات لو أمعن أي كائن عاقل النظرَ في مضامينها بتجرُّد و نزاهة و حِياديَّة، لَوجدها باطلة و غير مقبولة بكل المقاييس، و انتهى إلى أنه من المُحال و لا يُعقل إطلاقاً أن تكون قد صدرت عن مِشكاة النُّبوة. سُئل شباب تركوا و هجروا دين الإسلام، عن سبب فِعلهم هذا، مُباشرة و دون تفكير أعطوا هذا الجواب : "تركنا دين الإسلام بِسبب نبي الإسلام". كيف و لِمَ يُلامون و حديث مَروي في صحيح البخاري يُنْبِئهم أن هذا الرسول قد هَمَّ بإغتصاب إمرأة ؟ و الله هذا مَوْجود في الكتاب المَوْصوف بأنه أصح كتاب في الوجود بعد القرآن. و مع الثورة المعلوماتية الهائلة و الجبارة التي وصلتْ إلى أقاصي الأرض و بَلَغتْ كل بَيْت، الحصولُ على هذه المعلومة و غيرِها صار اليوم مُتاحاً بسهولة للجميع و في مُتناوَل أي كان : هل فهِم و استَوعب الفقهاءُ و المشايخ، بالشكل المُناسب و كما ينبغي، هذا الوضعَ غيرَ المسبوق في التاريخ ؟ الأدهى و الأمَر بخصوص الحديث الذي تُوحي مُلابسات ما يَرويه بأن النبي بالفعل قد هَمَّ بإغتصاب إمرأة، هو في كل تلك التفسيرات و التمييعات و التبريرات و التلطيفات و التسويغات الواهية التافهة، التي يُقدمها مُقدِّسو و عَبَدَة و مُؤلِّهو التُّراث مُظهرين قدرة على النفاق و اللف و الدَّوَران عالية و غير عادية. لَعَمْرِي هذا انتهاك بشع لحُرمة العقل، الذي هو أشرف و أنفسُ ما خَلَقَ الله. بصراحة الإستخفاف بالعقول بهذا الشكل مُستفز للغاية… إلى متى هذه الخصومة مع العقل ؟ هل حقاً هذا ما ترغبون يا مَن تُسمَّون بالمسلمين، بأن تعُم بركاتُه الدنيا و يعتنقَه جميع سُكان الكَون ؟ ما أساء أحد في دنيا البشر لسُمعة و شخصية الرسول، كالأُمة المحسوبة عليه و التي كثير من أبنائها عطَّلوا عقولَهم و وَضعوها في ثلاجة، بدءاً بأفراد منها يعتبرون أنفُسهم بجِدِّية ورثةَ الرسول : أليس فيكُم إذاً رجلٌ رشيد، يا مشايخ و أئمة الإسلام ؟


« أيها المُسلمون ! الفِتن و البلايا مُنبِّهات و موقظات، تحمل الأُمم الحيَّة على العودة إلى نفسها و القيام بمراجعة مواريثها العلمية، و مواقفها العملية، و مسيرتها الحضارية بِجد و مصداقية، و صراحة و شفافِية. » (صالح بن عبد الله بن حميد، عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية، في خطبة دينية عنوانُها "الأحداث الكبرى دعوة إلى مراجعة الماضي"، تجدون نصَّها الكامل هنا : https://al-maktaba.org/book/32591/258)

« لا تتمسك بأفكارك الخاطئة لِمُجرَّد أنها أفكارك، فالتخلي عن قُمامة العقل أفضل من التخلي عن المبادئ. » (فاطمة عبد المنعم)

« لا بُد من إعادة تقديم الدين في أصوله النقية، و بلُغة عالَمية عصرية تخاطب الكل في كل مكان، و ليس بلغة طائفية مُنغلقة متعصِّبة. لا بد من تقديم الدين في روحه و جَوهريَّته و ليس في شكلياته : الدين كتوحيد و خُلق و مسؤولية و عمل بالدرجة الأولى، الدين كحُب و وعي كَوني و علم و تقديس للخير و الجمال. » (مصطفى محمود، "نار تحت الرماد"، 1979)

« يا مُسلمون، استرِدوا دينكم بالوعي الحقيقي و بالإنسانية الحقة. » (عدنان إبراهيم)


متى نُفيق من سُباتنا العميق و نُولي اهتماماً جاداً لقضايا و مسائل يتوقف عليها مستقبلُ هذه الأُمة و حتى مصيرُ دينها - دينها الذي تعتز به و تعتقِد في مُجملِها أن الخَلق قاطبة مُطالَبون بإعتناقه فَوْراً و إلاَّ فلن تكُف أبداً عن مُناداتهم بالكفار ؟ يا لها من مُفارقة : أبعدُ الخَلق عن الحِرص على التَّواصي بالحق، يَصِمون السواد الأكبر من سُكان الدنيا بالكفار… ثُم نراهم يَشكُون بحُرقةٍ و ألمٍ من الإسلاموفوبيا. سؤال أُوجِّهه لمشايخ الأُمة : يا مشايخ ماذا لو فجأة صار غيرُنا يصِموننا كُلَّنا بلفظ "الأوغاد" عِلماً بأن هذا الأخير هو في وِجداننا و بالنسبة لنا أهونُ بكثير في سَلبِيَّته و قُبحه من وصف "الكفار" الذي نُطلقه عليهم بشكل متواصل و دونما أدنى تحرُّج : هل كُنا سنرضى أو نقبل بذلك و نجدُه لائقاً و مُستساغاً و منطقياً للغاية، يا مَن تتباهون دَوماً بأن ديننا مُتوافق في كُل تعاليمه مع المنطق السليم ؟ وقاحتنا مُذهلة و لم تعُد تُحتمل : كم هو عسير و مُؤلم و شديد على الكثيرين من بَيْننا الإقرارُ بحقائق مَرئية، محسوسة مشهودة ملموسة، و مع ذلك نَصِم بالكفر ناساً لا شأن لهم قَطُّ بما هو بالنسبة لنا حقائق غَيبية… وقاحتُنا مُذهلة و مُرعبة بالفعل : كم هُم كُثر بين ظَهرانَيْ غيرنا مَن يسعون في هذه الحياة ليكونوا رحمة لِمَن حولهم و لكافة الخَلق و ذلك بأداء دَورهم و رسالتهم فيها على خير ما يستطيعون، مُتخطِّين الصعاب و الشدائد و باذلين الغالي و الرخيص و مُكابدين المشاق و المِحن، و تأتي أُمة هي تنتحر يومياً و غارقة في ثقافة الموت و ضائعة مُشتَّتة و فاشلة و مُفلِسة على كل المُستويات لتقول بشأن هؤلاء البشر المُبارَكين إنهم كافرون… أناس حياتُهم كُلُّها شهادة، و لكننا نقول عنهم بِبَلاهة : تَنقُصهم فقط الشهادة ! عالَمنا غارق في المآسي و الآلام… و ها هي رسالتنا لسُكان هذا العالَم : "جنة الآخرة لنا حصراً. كل مَن سوانا مآلُهم الحتمي في الدار الآخرة، لا فرق في ذلك بين مُحسنهم و مُسيئهم بإعتبارهم قاطبةً كافرين، نار أبديَّة لأننا وحدنا المُؤهَّلون لدخول الجنة !" القرآن في وَصفِه لهذه الجنة المَوْعودة، يقول بأن عرضَها السماوات و الأرض، و أُمتُنا تَجزِم أنها لها بصورة حَصرية. هذا يعني أننا نعتقد أن الأغلبية الساحقة من الذين خَلَقهم "الرحمان الرحيم" سَينتقِلون من ضيق و عناء الحياة الدنيا إلى تعاسة الأبد : إقامة مُؤبَّدة في نار أهوالُها تفوق الخيال… أنا تقريباً على يقين أنه لا مُبالغة فيما أقول على الإطلاق، و إن كان هناك طبعاً أفراد واعون مُستنيرون - عَدَدُهم في تزايُد مستمِر و هذا أمر يَسُر القلب -، ليس لديهم هذه الرؤية التي هي عندنا مَوضِع شِبه إجماع. نحن أيضاً نعتقد جازمين أننا شعبُ الله المُختار و ليس بمقدورنا إنكارُ ذلك. كفانا ادعاءات فارغة و لنفعل ما تُمليه الحكمة : الإعتراف الشجاع و الصريح بالأخطاء، فتلك هي ‫الخُطوة الأولى نحو الإنفراج. أُمتنا تتخبَّط فِعلاً في قدر هائل من الأزمات و المشاكل، و للأسف غفلنا في غَمْرتها عن حقيقة في غاية البداهة : المشاكل لا يُمكن حلُّها باستخدام نفس طريقة التفكير التي أَوْقعت في هذه المشاكل… قناعتي هي أنه لا مَناص من مراجعة جادة و جذرِيَّة و تمحيص دقيق لما هو سائد بَيْنَنا من مفاهيم و تصوُّرات و قِيَم في إطارِ عمليةِ تقويمٍ و تجديدٍ كامل شامل لِمَوْروثنا الديني، ذلك هو حجر الأساس لأي مشروع تحرُّري نهضوي حقيقي في أوطاننا و ضمانُ إسهامنا الفعَّال في بناء حضارة الخير و الحُب و السلام التي تهنأ في ظِلها جميع مخلوقات الله.

اللهم إني بلَّغت، اللهم فاشهد.



#أحمد_إدريس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما اضطُررت لفعله قبل فترة في سعيي لكي ينتصر التنوير
- و لَسَوف تعرفون الحقيقة…
- من الأَوْلى بِوَصف كافر : الذي ينكر غيبيات أم الذي ينكر مرئي ...
- أنا موجوع يا الله !
- هذه هي قِصتي
- جريمة عُظمى ارتُكِبتْ بحق الإسلام : تشريع فُقهائه السابقين ل ...
- المسلمون سيظلُّون على وضعهم الحالي المُؤسف ما داموا ينعَتون ...
- يجب أن تتغيَّر نظرتُنا للعالَم، لِنُسهم فِعلاً في خلاص العال ...
- خلاصة القول
- بدون الحقيقة لا خلاص للبشرية
- حتى نكون رحمة للعالَم، أو حتميَّة إعادة بِناء مفهوم الكفر في ...
- أغبى أمة أُخرجت للناس
- ضرورة تمجيد و تفعيل ثقافة التسامح و المحبة
- لا بد من ثورة فكرية يحمل لواءَها رجال دين !
- الخطوة الأولى على طريق الإصلاح
- مَن هو المُتديِّن الحق ؟
- تشغيل العقل فريضة دينية
- المنبع الأول للإرهاب التكفيري
- ألا قاتل الله هذا الفكر !
- المعتقد الذي عليه ألقى الله…


المزيد.....




- المسيرات الايرانية الحاشدة هل وصلت رسالتها الى أعداء الجمهور ...
- الطلاب ورجال الدين يدلون بأصواتهم في زابوروجيا
- مسيرة مليونية بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الرسول الأكرم (ص) ...
- مراسل العالم: المشاركون في مسيرة -أمة رسول الله (ص)- يعبرون ...
- قصر بكنغهام ينشر الصور الأولى لمثوى الملكة إليزابيث الثانية ...
- يضمّ سترة صدام حسين وبندقية أسامة بن لادن.. -سي آي إيه- تكشف ...
- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى ويؤدون طقوسا تلمودية و ...
- الاحتلال يوظف الأعياد اليهودية لتحقيق المزيد من اطماعه الاست ...
- شاهد: من ضمنها بندقية بن لادن.. متحف للـ-سي آي أيه- يعرض تذك ...
- الفرق الذي أحدثه حب الأتراك للنبي محمد صلى الله عليه وسلم


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد إدريس - أليس فيكم رجل رشيد، يا فُقهاء و أئمة الإسلام ؟