أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سعد سوسه - صور الولاء في المجتمع العراقي 1 _ 2















المزيد.....


صور الولاء في المجتمع العراقي 1 _ 2


سعد سوسه

الحوار المتمدن-العدد: 7309 - 2022 / 7 / 14 - 11:11
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


صور الولاء في المجتمع العراقي 1 _ 2

2- الولاء للعشيرة ..
من المعلوم إن من العوامل المؤثرة على البنية السياسية للدولة والنظام السياسي هي الانقسامات ذات الطبيعة العشائرية والطائفية والعرقية والتي تكون لنا مجتمعاً تعددياً سلبياً يقابل ويضاد المجتمع السياسي المدني ( 21 ) .
والعشيرة (Clan) هي مجموعة من الأفراد والجماعات القرابية التي تدعي نسباً مشتركاً ، حقيقياً كان أو خيالياً، والعيش على ارض معينة والدفاع عنها وعن أفرادها أمام تصاعد التهديدات الخارجية, وهذا لا يعني بان الكثير من أفرادها غير منتشرين في مناطق عديدة وان قسم من أفخاذها قد انشطرت عنها, فالعشيرة إذن لها حياة فعلية وتمارس "سيادتها" على منطقة محددة، ومن ثم فهي وحدة حقيقية ناشئة من جراء التقاء عنصرين أساسيين هما : مادي وروحي، وشكل محدد للتنظيم الاجتماعي وعلاقة امتلاك خاصة للطبيعة ومصادرها ( 22 ) .
أما القبيلة (Tribe) فهي جماعة اكبر من العشيرة, وتضم عادة عدداً من العشائر التي تنتمي أو تشعر بالانتماء إلى قرابة طوطمية واحدة , وهي وحدة اجتماعية متماسكة تتمتع بدرجة من الاستقلال السياسي( 23 ) . والقبيلة هي جماعة يربط بين أعضائها صلات الدم والقرابة ونمط الإنتاج والتوزيع والاستهلاك, وان الولاء للقبيلة له مبرراته ومشروعيته إذ يظهر بصورة واضحة في المجتمعات التقليدية وفي ضل غياب الدولة الحديثة , أما القبلية فهي نزعة تعصبية تتمثل في منظومة من القيم والمعايير التي تعبر عن ولاء الفرد لقبيلته فقط (24 ) .
وكما هو معروف فإن كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية ارثه الاجتماعي والثقافي الخاص والذي يتأتى من طبيعة مكوناته البشرية أولا ومن طبيعة العادات والتقاليد التي يتوارثها أبناؤه جيلاً بعد جيل ثانيا, ويؤدي هذا الإرث الاجتماعي دورا مهما في توحيد البناءات الاجتماعية أو تقويضها, كما تلعب المنظومات الفلسفية والإيديولوجية السائدة دورا أضافيا في هذا الجانب أيضا، والمجتمع العراقي حاله حال أغلب المجتمعات العربية مازالت العناصر الأساسية المكونة له تتمثل في كل من السلطة الدينية والسلطة العشائرية القبلية وبطبيعة الحال فقد تفاوت تأثير كل من هاتين السلطتين وعلاقتهما ببعض تبعا للظروف التي مر بها المجتمع ولتطور الإحداث وطبيعة المتغيرات الإنسانية والسياسية التي مرت عليه .
إن القبيلة والعشيرة مازالت إلى الوقت الحالي تشكل إحدى مكونات البنية الاجتماعية العربية والعراقية، بل وتؤثر تأثيراً كبيراً في نظامه السياسي وعلاقاته الاجتماعية ، وسمة مهمة للتمايز والهوية، ما جعل بعض الدول العربية تكون أنظمتها السياسية في ضوء الوحدة القرابية القبلية مثل دول الخليج العربي أو أن تكون القبيلة جزءاً من التنظيم السياسي للدولة مثل اليمن ( 25 ) .
وقد شكل الانتماء العشائري أو القبلي أحد منطلقات الهوية الجماعية في العراق، فهذه الوحدة الاجتماعية المسماة العشيرة هي أقدم أشكال الجماعات البشرية ، وقد تكون أقدم مؤشر للتمايز بين الجماعات حتى قبل ظهور الأديان لاسيما في الجزيرة العربية، وهي مازالت اليوم تشكل الوحدة الاجتماعية الأقوى في العراق، وقد لا يمكننا هنا بيان عدد القبائل أو العشائر العراقية لكثرتها وتعددها وشمولها كل الجماعات الأثنية والدينية والطائفية في العراق، بيد أن العشيرة كانت أساس تدرج المكانة الاجتماعية للمجتمع ومحفزاً مُهماً للولاء تجاه الجماعة ضد الجماعات الأخرى وهو ما أطلق عليه ابن خلدون ( العصبية القبلية) ( 26 ) .
وربما يكون العراق من أكثر البلدان في المنطقة العربية وقع لقرون عديدة تحت ضغط الحضارة العشائرية , التي هي معين دائم اشتقت منه الحضارة المدنية (أي حضارة المدن) في المبادئ والقيم والتقاليد( 27 ) .
وكما في أكثر المجتمعات العشائري والقبلية, فإن البناءات العشائرية في المجتمع العراقي لها قوانينها ونظامها الذي لا يمكن للفرد أن يتجاوزها أو أن يخالفها, مع أن الكثير من هذه القوانين والسنن تكون أقرب إلى التقليدية ولا تنسجم مع توجهات المجتمع المعاصر, كما أن الكثير منها يتعارض أصلا مع طبيعة الدين الإسلامي الذي تدين وتعتقد به غالبية هذا المجتمع فضلاً عن أن القيم والأعراف العشائرية تعد كابحا ومعوقا لبناء المجتمع الديمقراطي، لكونها تكرس معايير تتصادم من حيث الجوهر والمضمون مع الوجود الديمقراطي كمؤسسة وقيم وأفكار ومعايير وبرامج مستقبلية.
وقد مر النظام القبلي العربي في العراق باختبارات صعبة عديدة وتعرض لاختراقات السلطات الحاكمة المختلفة حتى وصل مع نهاية العهد العثماني إلى حالة واضحة من الضعف وصار في العديد من المناطق ولاسيما بجوار المدن في حالة متقدمة من التحلل ولم يكن لأحد أن يخطئ في تلمس تراجع السلطة السياسية والعسكرية للمشايخ والأغوات (الأكراد) والبكوات فقد دُمرت الأحلاف والإمارات العسكرية وظهر محلها الكثير من العشائر والفروع العشائرية المتنازعة فيما بينها, وفي ولاية بغداد وحدها وكانت واحدة من ثلاث ولايات يتألف منها العراق إداريا كان هناك 110 عشائر مستقلة تضم 1186 فرعا عشائريا وكان الكثير من هذه الفروع متحررا عمليا من سلطة العشيرة الأم( 28 ) .
وكانت العشائر بالرغم من وجود تنظيم سياسي في العراق خلال حقبة الحكم الملكي تنفرد بنوع خاص من التنظيم القضائي والإداري وترتبط بعضها ببعض بأنواع مختلفة من الروابط الاجتماعية التي قد تتعدى الحدود الإدارية( 29 ) . واستمر نفوذ العشائر حتى العقد الثاني من القرن العشرين, حيث تكتب كيرترود بيل (Gertrude Bell) قائلة بأنه ماعدا ضواحي بغداد والبصرة كانت العشائر تمتلك قوة غالبة وكان قانون وعادات العشائر ساري المفعول وأعمال الأخذ بالثأر قائمة على قدم وساق ( 30 ) . وكان المجتمع العشائري قائماً على نوع من العلاقات والروابط الاجتماعية التي تدور حول وحدة الدم أو العصبية التي تفرض بعض الحقوق والالتزامات المتبادلة, والتي تعمل على توحيد وجهات النظر المختلفة وصهرها وشد القبائل والعشائر فتميز بعضها عن بعض ( 31 ) .
أن ظهور وتطور الدولة العراقية في مرحلة ما بعد الاستعمار شهد بوجه عام استمرار العشائر في الوجود واندماجها بهذا القدر أو ذاك في نظام الدولة التي أصبحت بفعل العنف, ذات طابع أثني وقبلي, ويمكن للمرء الإشارة إلى أن تاريخ العراق القريب يحوي أمثلة عن جماعات معينة أًجبرت على التحول إلى قبائل في مختلف الإحصائيات السكانية على يد دولة ساعية إلى السيطرة على السكان, أو أنها لم تجبر على هذا التحول, بل تشجعت عليه بدافع النفعية أو الخوف, لكي تضع نفسها في حماية قبيلة قوية وراسخة .
وتعد مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم المحرك الأول والأكثر بروزاً في تحريك أشكال معينة من البنى القبلية والعشائرية من خلال سياسة القوة والبطش التي أتبعتها الدولة في حينها. وكانت اللحظة التاريخية الحاسمة في ضعف الدولة المركزية بعد عام (1991م) وعجزها عن ضمان أمن السكان والوحدة الإقليمية للبلاد والذي حفز الأفراد إلى العودة إلى شرائح ما دون الدولة, وهذا ما يسميه برتراند بادي (Bertrand Badie) بالفضائيات الاجتماعية الفارغة, أي المجالات الاجتماعية التي لا تصلها سُلطة الدولة ( 32 ) .
ومن المعروف إن سياسات النظام السابق، لاسيما في مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت قد أسهمت ولو على نحو غير مباشر في تغذية القبلية والعشائرية في المجتمع العراقي(كانت العشائر ترتبط بالسلطة المركزية عبر ثلاث قنوات : مكتب شؤون العشائر الذي كان يشرف عليه صدام مباشرة مع أبنه الأصغر قصي , ووزارة الداخلية من خلال ممثليها الأمنيين , وحزب البعث من خلال شتى الأجهزة الأمنية ) ( 33 ) ، حيث أن نمط ممارسة السلطة وتجنيد عناصر النخبة قد استند بالأساس إلى معايير عائلية وقبلية، كما ازدهرت العشائرية في كردستان العراق خلال التسعينات، عندما كان الأكراد يتمتعون فيها بالحكم الذاتي ( 34 ) .
فقد حاول نظام صدام حسين كسب رؤساء العشائر بالرشاوى والامتيازات ، وسعى إلى اصطناع شيوخ ورؤساء أفخاذ بهدف استخدامهم لأغراض الدعاية لنظامه وكأداة قمعية ضد قوى المعارضة, غير أن هذه المحاولات لم تفلح في فك عزلة النظام عن العشائر أو الحيلولة من دون التصادم حتى مع عشائر كانت موالية له إلى أمد قريب مثل الجبور والدليم وغيرهما, وهي التي تعرض أبناؤها في القوات المسلحة وأجهزة السلطة الأخرى إلى الطرد والاعتقال والقتل تحت التعذيب. وكانت هبة الرمادي وتمرد أبو غريب عام (1995م) مظهراً واضحاً للشرخ الكبير بين النظام وعشائر الأنبار بعد فشله في استمالة عشائر الجنوب لاسيما بعد ما ارتكبه من أفعال بحق سكان الاهوار ومساعيه لتجفيفها وتشريد سكانها ( 35 ) .
وهكذا أضحى الانتماء القبلي والذهنية العشائرية هي التي تحكم الفرد العراقي, واثبت الانتماء للعشيرة على الرغم من هشاشته، بأنه أهم وأقدر على حماية الفرد وضمانته وفرض احترامه في المجتمع من الدولة الضعيفة، غير القادرة على حماية نفسها، كما هو حال الدولة في العراق. لكن بعضاً من هذه القوة كان يستند على محاولة النظام الدكتاتوري السابق تفعيل النظام العشائري في تسعينات القرن الماضي, وقد أدى تسييس النظام الدكتاتوري للعشيرة ودمجها في السنوات الخمس والثلاثين الأخيرة، في صميم سلطته وقوانينه وأجهزته، إلى تعطيل اندماج أبناء العشيرة في المجتمع المدني، بالقدر الذي أدى إلى عرقلة نمو هذا المجتمع وعصرنته بالشكل المفترض ( 36 ) .
وما زاد الطين بلة والأمر تعقيدا هو السياسات التي اتبعتها الحكومات العراقية بعد التغير الذي حصل في العراق عام (2003م) والذي يفترض به أن يسير بالبلد نحو دمقرطة المجتمع ومأسسة الدولة , بأن أخذت الحكومات المنتخبة ديمقراطياً بانتهاج أسلوب التقرب للعشائر وإعادة بنائها وأحيائها من جديد وبمسميات مختلفة على الرغم من الدور السلبي للعشائر في الأزمة الطائفية , فضلاً عن قيام الكثير من رجالات السياسة في العهد الجديد بتقديم الأموال والهبات إلى العشائر من أجل استمالتهم وكسب أصواتهم في الحملات الانتخابية .
ومن أغرب ما شهده العراق في العهد الجديد هو الإعلان بين مدة وأخرى عن عقد أو العزم بعقد العشيرة الفلانية لمؤتمرها التأسيسي الأول, في محاولة لإضفاء لمسة عصرية على كيانات تقليدية , وكأن هذه العشائر ولدت وتأسست في لحظة تلو الناطق الرسمي باسم العشيرة للبيان التأسيسي لها , متناسين في الوقت نفسه أن هذه العشيرة أو تلك قد يمتد عمرها إلى أكثر من ألف سنة أو لمئات السنين على الأقل .
ومع أننا لا ننكر الدور الإيجابي للكثير من العشائر والقبائل العراقية ودورها المشرف على امتداد تاريخ العراق لاسيما في ثورة العشرين الخالدة ضد المستعمر البريطاني, لكن وجودها قد يكون عاملاً معوقاً لعملية التحول الديمقراطي في العراق الجديد, كما أنه لابد أن تفرض للدولة سلطتها وسطوتها ويكون القانون هو الفيصل النهائي في جميع المنازعات والاختلافات التي تحصل هنا أو هناك (روى احد ضباط الجيش العراقي والذي كان مسئولاً عن أحدى نقاط التفتيش (السيطرة) في أحدى المناطق وفي قلب العاصمة بغداد , كيف أنه أضطُر لترك العمل في الجيش بعد أن كاد أن يتعرض للقتل ولم تنصفه أي جهة حكومية , وكل ذنبه أنه حاول أن يمنع رجال أحدى العشائر من الهجوم على بيت شخص مطلوب لهم عشائرياً , وذنب المسكين أنه طلب منهم عدم استخدام الأسلحة لأن ذلك يتعارض مع القانون الذي يمثله هو في تلك المنطقة , وبسبب ذلك كاد أن يتعرض هو نفسه للموت , والأدهى من ذلك أن رفاقه في النقطة طلبوا منه الانسحاب وعدم التدخل لأن المسألة عشائرية ولا دخل للحكومة فيها ) .
وليس من المعيب أن يحفظ الإنسان أصله وحسبه، لكن من المعيب أن يعتقد به كمعيار للتفاضل بين البشر، أو أن يجعل من ذلك سببًا للتعالي والتكبر على الآخرين، أو التفريق بين عباد الله المسلمين، وتصنيفهم إلى فئات وطبقات تفصل بينهم حواجز النسب وعوازل الحسب.
وعليه يجب أن يكون هناك حداً فاصلاً بين (صلاحية) القبيلة والمسؤوليات التي تقع على عاتق الدولة ويجب أن لا يحل أحداً مقامها (الدولة) لإبقاء الجانب الإيجابي في قيم وتقاليد العشائر والتخلص من الجانب السلبي أو تقليصه في الوقت نفسه، فالعشيرة أو القبيلة تملك حق تنظيم شؤون أفرادها الخاصة وليس العامة، مثل بعض الأمور المتعلقة بالزواج والتكافل والحفاظ على العلاقات الرحمية وممارسة دورها في الضبط الاجتماعي غير الرسمي، وفي حل بعض المشكلات التي قد تنشب بين أفرادها, أو مع أفراد عشائر أخرى شرط أن لا يتعارض ذلك مع القانون.
لكن عندما يتعلق الأمر بالقضايا العامة، تنتهي (سلطة) القبلية وتبدأ سلطة الدولة، فالجرائم الكبيرة وقضايا الملكية والتنظيم العام لحياة الأفراد، مثل قواعد الزواج والإرث، وإدارة شؤون المحافظات والدوائر الرسمية فيها.. الخ , هي أمور تقع على عاتق الدولة فقط, ولا يجوز للجانب العشائري أن يتدخل للتأثير عليها، ويشمل ذلك التعيينات في الوظائف، وتقرير كل ما يتعلق بالشؤون المالية والعقود، وتطبيق القانون, وإقرار العقوبات بمختلف أنواعها. .............. يتبع
3- الولاء للقومية
والولاء القومي هو الولاء الذي ينعقد على أساس الانتماء القومي .. والروابط القومية التي تقوم على عناصر وأسس وهي:" الجنس، والتاريخ، واللغة، والمصالح المشتركة، والأرض " كالقومية العربية، والقومية الفرنسية، والقومية التركية .. ونحوها من القوميات المنتشرة في العالم .
وملاحظ أن هذا النوع من الولاء , كغيره من الروابط والولاءات التي تقدم الحديث عنها, يغيب عنصر الدين والعقيدة من جملة اعتباراته .. إذ لا فرق في نظر القومية والقوميين بين اليهودي، والمجوسي, وغيرهم من الملل والديانات وبين المسلم ما دام كلاهما ينتميان إلى قومية واحدة .
ويكاد يجمع الباحثون وعلماء الاجتماع على التسمية التي أطلقت على القرن التاسع عشر بأنه عصر القوميات، وعدوا حقبة ما قبل ذلك عصر ما قبل القوميات، عصر الولاء للملوك وحقهم الإلهي في الولاية على البشر، عصر الولاء للكنيسة وضلال رجال الدين، عصر الولاء للقبلية وما يترتب على ذلك من امتثال لأعراف وتقاليد صارمة، وقانون اقتصادي سائد .
ويؤكد الباحثون في الفكر القومي أن هذا الفكر هو نتاج البرجوازية في أوربا، و يرجعون تاريخه إلى الثورة الفرنسية عام 1789 ليتبلور كممارسة سياسية في القرن التاسع عشر, عصر القوميات كما هو شائع و متداول. ثم في ألمانيا إثر حروب نابليون على الدويلات الألمانية فجاءت وحدتهم القومية على يد بسمارك لاحقاً كما توضحها كتب التاريخ ( 37 ) .
قد كان لبروز مفهوم الدولة القومية في أوربا أواسط القرن السابع عشر وحتى وقتنا الحالي الدور الكبير في بروز مفهوم الهوية بكونها تمييزاً بين الأمم والدول فقد حملت الهوية خطاب القومية بعد أن كانت تحمل خطاب الثقافة، بعد أن أصبحت السياسة هي الرابط الأهم بين الجماعات الثقافية، بيد أن هذه السياسة لم تستطع التخلص من الهوية الثقافية للمجتمع لاسيما بعد أن نشأ مفهوم القومية بالاعتماد على ميزة الجماعة الثقافية في اللغة أو الدين أو الأثنية، بيد أن خطاب الهوية في ظل القومية أصبح خطاباً أيديولوجياً يتماثل مع استراتيجيات العمل السياسي بعد أن كانت الهوية مجرد رابط ثقافي بين جماعة مميزة ( 38 ) .
بينما كان العرب هم آخر من قاموا بحركات قومية بعد عقود من الزمن من اليونان والأرمن والألمان والفرنسيين وغيرهم، غير أن القومية العربية تحولت من فكرة التاريخ والثقافة المشتركة وأحياناً الدين المشترك إلى قيام أحزاب اتخذت من القومية العربية محوراً لبرامج نشاطها السياسي الذي أبتعد عن التطور السياسي الحديث ومفردات مثل الحقوق الوطنية المتساوية أو المواطنة والتمثيل السياسي، فقد كان اهتمامهم ينصب نحو تشكيل دولتهم القومية الخاصة، واكتساب القوة، مما جعل كل دولة عربية تطور ممارساتها ورموزها وقوانينها المحلية الخاصة بها والتي أصبحت بدائل عن الانتماء العربي الأكبر، وهذا ما كان واضحاً في العراق ( 39 )
وفي العراق فقد كان لفكرة القومية العربية هدفاً مهماً وهو إضفاء الشرعية على العمل السياسي في العراق الملكي الذي يقوده شخص عربي وليس عراقي (فيصل الأول)، فالقومية العربية بمفهومها العام والشامل الذي يعبر عن وحدة مصالح الأمة العربية سيكون بالتأكيد مبرراً لإضفاء الشرعية على النظام السياسي في العراق آنذاك ، فضلاً عن أنه يمنح العراق هوية جماعية موحدة تختزل تنوعه الثقافي الذي كان يعد مشكلة تواجه الدولة الفتية آنذاك، فضلاً عن أن تبني مفهوم القومية العربية ونشره بين فئات المجتمع ونخبه المثقفة يمكن أن يؤدي إلى انحسار المنافسة مع الأيديولوجيات الأخرى لاسيما الإسلام السياسي أو الماركسية وغيرها كما أنها تعبر عن قومية العراق العربية في مواجهة جيرانه من القوميات الأخرى الإيرانية أو التركية ( 40 ) .
غير أن ما يميز التوجهات القومية العربية في العراق ويثير الغرابة في الوقت نفسه, هو أن أشرس القوميين العرب الذين حملوا لواء العروبة وانضموا إلى حركات القومية في العراق هم من أصول غير عربية بدءا بساطع ألحصري (من أصل تركي) الذي حمل لواء القومية العربية, بسامي شوكت (من أصل قوقازي) الذي دعا إلى صناعة الموت القومي، ورشيد عالي الكيلاني (من أصل كيلاني) الذي تزعم حركة 1941 القومية، وطه ياسين رمضان (من أصل كردي كوياني) ( 41 ) ، فضلاً عن الكثير من كبار الشخصيات والقيادات التي ترجع أصولها إلى القومية التركية أو الأوزبكية والتي كان لها الدور الأبرز في إنضاج مشروع الدولة القومية في العراق. وما يثير الحيرة والاستغراب أيضا في توجهات القوميين العرب في العراق هو محاولته تعريب المناطق الغير عربية مثل كردستان أو كركوك على الرغم من أن أهم عوامل نهوض القومية العربية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كان نتيجة سياسة التتريك التي انتهجتها الدولة العثمانية ضد الولايات العربية التي كانت تخضع لحكمها في محاولة منها لطمس كل ما هو عربي فيها, فالقوميون العرب سخطوا ونقموا على تركيا بسبب ذلك لكنهم لم يستهجنوا مثل هذه الأعمال مادامت صادرة منهم .
ويرى عبد الحليم الرهيمي أن الدولة العراقية حاولت إنشاء المشروع القومي لغرض استقطاب ولاء المجتمع وخلق هوية وطنية تتمحور حولها الجماعات العراقية بيد أنها فشلت في ذلك بسبب أنها لم تضع في حسبانها تمايز المجتمع العراقي قومياً ودينياً وثقافياً من أجل خلق مشروع وطني تقبله وتتعاقد عليه مختلف الجماعات المكونة للمجتمع العراقي فضلاً عن المسافة الكبيرة التي كانت تفصل بين المجتمع من جهة وبين الدولة بوصفها نظاماً سياسياً من جهة أخرى ( 42 ) .
فقوميات العراق تختلط مع أديانه المختلفة, حيث أن كل قومية يوجد فيها تنوع ديني أو طائفي بين الإسلام والمسيح أو اليزيدية ، كما أن هذه القوميات تنقسم طائفياً بين سنة وشيعة، أو طوائف مسيحية مختلفة ، كما أنها تحمل في طياتها أهم أشكال الولاء وهو الولاء القومي الذي كون الدول الأوربية المعاصرة في القرن التاسع عشر مثلما كون مفهوم الوحدة العربية أو الانتماء العربي .
في حين يرى ( ماريون فاروق سلوغلت) أن النزعة القومية استجلبت إلى العراق بأسلوب عشوائي حاول تجميع البلاد في وقت قصير دون أن يمنح أفراد المجتمع العراقي الفرصة في اختيار أنموذجهم السياسي أو شكل هويتهم الوطنية، أما (روجر أوين) فيرى أن هناك فرق بين القومية بوصفها حركة والقومية بوصفها أيديولوجيا، فالقومية بوصفها أيديولوجيا تدعو إلى التعبئة والمواجهة أما القومية بوصفها حركة تدعى تنظيماً سياسياً له نوع من المشروع العام وجاذبية اجتماعية وفي هذا يعتقد أن القومية العربية كانت أيديولوجياً حاول في ضوئها المسيطرون على السلطة استغلال مشاعر المجتمع العراقي المائلة نحو الاندماج العربي مما خلق نخبة سياسية تغلغلت في مؤسسات الدولة والجيش ( 43 ) .
لكن التيار القومي سرعان ما تحول من كونه انتماء قومي كحق طبيعي فطري للجماعة والأفراد إلى عقيدة للتمايز وإلغاء الأخر وذلك إما للتمادي في الاعتزاز بالعرق والعنصر أو للذود عن البعد ألقيمي للانتساب للقومية وهذا انطبق على العرب الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من أبناء العراق وعلى القوميات الأخرى التي شعرت بالتهميش وتقوت بمثيلاتها غير العراقية ( الأكراد ، التركمان ) في دول الجوار الأمر الذي ولد اتجاهات قومية متطرفة في رؤاها وسياساتها الداخلية وتبعيتها للخارج ( 44 ) .
لذا فقد فشلت التجربة القومية الحزبية بامتياز في التعامل مع مسألة الأقليات (غير العربية) لاسيما الأكراد التركمان, والمشكلة المركبة في هذا الصدد تجاوزت السياسات القامعة لأشواق الأقليات بالتمتع بحق استخدام اللغة الاقلوية, أو المعاملة على قدم المساواة مع الأغلبية, أو تشتيت تجمعاتهم لأسباب سياسية وأمنية, إلى اتهامهم دوماً بالارتباط بالخارج للتأمر على الداخل ( 45 ) .
ومنذ وصول حزب البعث إلى السلطة في العراق عام (1968م), وعلى خلفية شعارات كبرى من وزن الوحدة والحرية والاشتراكية , ومواجهة المشروع الصهيوني, والامبريالي, فقد كرست دولة الحزب الواحد من وجودها, نافية أي أهمية للمشاركة السياسية وتنويعاتها كالتعددية والديمقراطية والمواطنية, وفي ضل ذلك لم يكن ثمة أهمية حقيقية تولى للفرد(المواطن) والنظرة التي طغت هي دور وواجبات المواطن من دون الحديث عن حقوقه .
وفي ضل وجود النظرة الاستعلائية لدى الكثير من أتباع المذهب القومي العروبي على بقية القوميات والأثنيات المختلفة, والذي أخذ أبعاداً متعددة لعل أهونها اتهام بقية القوميات بقلة الذكاء, والانتقاص من إنسانيتهم ,فضلاً عن اتهامهم بالعمالة والخيانة والولاء للخارج, لا لسبب إلا لكونهم لا ينتمون إلى القومية العربية, فكان من الطبيعي جداً وفي ظل مثل هذه الأمور أن يبادر الطرف الأخر من القوميات الأخرى المتواجدة في العراق بالدفاع عن أنفسهم وشحذ هممهم ومبادلة الإساءة بالإساءة لا بالإحسان, فضلاً عن أعطائهم المبرر والحجة الشرعية للانغلاق الذاتي والبحث عن مصالحهم القومية, في ظل دولة لا تعدهم من مواطنيها الأُصلاء , وتنظر للمسالمين منهم بعين الشك والريبة .



#سعد_سوسه (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صور الولاء في المجتمع العراقي 1 - 1
- صور الولاء في المجتمع العراقي 1
- صور الولاء في المجتمع العراقي
- مفهوم الولاء
- وجهة نظر علم النفس بالتنجيم
- ماذا يعتقد الناس عن سر الحسد
- السحر Magic
- التنبؤ الخرافي
- الإيمان بالقدر والتفكير ب (لو)
- كيف تتكون الخرافات
- الخرافة في علم النفس
- الخرافة Superstition
- تشتت الانتباه 2
- تشتت الانتباه
- نظريات الانتباه ج 2
- نظريات الانتباه
- العوامل المؤثرة في الانتباه
- أنواع الانتباه
- طبيعة الإنتباه
- الانتباه


المزيد.....




- العلاقات التجارية الإسرائيلية الإماراتية: إلى أين وصلت وماذا ...
- إعلام عبري: واشنطن قدمت حلا وسطا للبنان حول الخلاف البحري مع ...
- بوركينا فاسو: إطلاق نار وارتباك بعد يوم من الانقلاب وفرنسا ت ...
- انتقد -شيطنة- الغرب لبوتين.. كيسنجر يغيّر موقفه من حرب أوكرا ...
- السعودية: الحوثيون يتعنتون بشأن تمديد الهدنة في اليمن.. وتغر ...
- شاهد.. مغنية تعزف على مزمار من الكريستال يعود لرئيس أمريكي س ...
- ضاحي خلفان يرد على مهاجمة نصرالله للسعودية.. وهذا ما قاله عن ...
- عقيد أمريكي متقاعد: استعادة أوكرانيا مدينة ليمان يمكن أن يغي ...
- السعودية: الحوثيون يتعنتون بشأن تمديد الهدنة في اليمن.. وتغر ...
- ضاحي خلفان يرد على مهاجمة نصرالله للسعودية.. وهذا ما قاله عن ...


المزيد.....

- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 9 - 11 - العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 7 - 11 / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 6 - 11 العراق في العهد ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 5 - 11 العهد الملكي 3 / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 4 - 11 العراق الملكي 2 / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 3 - 11 العراق الملكي 1 / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 2 - 11 / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - سعد سوسه - صور الولاء في المجتمع العراقي 1 _ 2