أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية يأتي القرد من أجل جمجمته.. يوري دومبروفسكي














المزيد.....

رواية يأتي القرد من أجل جمجمته.. يوري دومبروفسكي


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 7306 - 2022 / 7 / 11 - 22:41
المحور: الادب والفن
    


أثناء قضاء عقوبة الحبس الانفرادي في كازاخستان، كتب الكاتب السوفييتي يوري دومبروفسكي رواية غريبة بعنوان ليس أقل غرابة، "يأتي القرد من أجل جمجمته" The monkey comes for his skull. تدور أحداث الرواية في بلاد تشبه فرنسا، التي لن تطأها قدما الكاتب أبدا. تصف الرواية التفكك التدريجي للحضارة في مواجهة الهمجية. الصحفي الشاب هانز ميزونيي يلتقي بالصدفة بعد سنوات قليلة من الحرب العالمية الثانية، غاردنر، العميل النازي الذي تسبب في فقدانه لوالده. بعد الإفراج عن غاردنر لأسباب صحية، سيستعد للعودة إلى مهامه الحكومية. يدين ميزونيي في صحيفته هذا الإفراج المبكر الذي أدى بشكل غير طوعي، إلى وفاة غاردنر عميل الجستابو، الذي اغتيل بعد أيام قليلة من نشر مقال الإتهام. على الرغم من أن هذا النص يبدأ كرواية بوليسية، إلا أنه ليس تحقيقا جنائيا. دفعت وفاة غاردنر بالفعل الشاب ميزونيي للعودة إلى الأحداث التي أثرت في عائلته قبل خمسة عشر عاما.
يوجد قلب الرواية هناك، في الأشهر الأولى من الإحتلال النازي، عندما تحاول الأجهزة الخاصة الألمانية الحصول على دعم لقضيتها من خلال محاولتها كسب ولاء عالم الحفريات ليون ميزونيي. يعارض العالم المعترف به دوليا، التأكيدات الخاطئة التي يروج لها النازيون عن طريق علم الحفريات. ويهب فريقه، المكون من باحثين لامعين، لنصرته في هذه المعركة الفكرية.

من أجل كسب دعم ميزونيي لقضيتهم، استخدم النازيون أكثر الوسائل وحشية: لقد أخافوا وعذبوا وقتلوا. تأخذ الرواية شكل كاميرا مرعبة.
في مواجهة عودة الهمجية، ما قيمة الشهادات والأبحاث والمعرفة؟ كما يقول الناجي الوحيد من الفريق، الذي سينقذه جبنه. ففي مواجهة هذا العدوان، لا يوجد ملاذ متاح.
العالم الذي يعتقد الباحثون أنهم يعرفونه قد تبدد. تغيرت شروط المعادلة. لو كانوا في عالم يمثل فيه العقل والحجة والمعرفة أعلى قيمة تبادلية، لأمكنهم أن يقاتلوا - ويسودوا - بأسلحتهم الخاصة.
سيتعين على ميزونيي وهانكا ولانيت، لأن الأحداث تركز عليهم، الكفاح من أجل بقائهم - ماديا وأخلاقيا - في عالم لا يتقنون أي قواعد فيه.
بالنسبة لمبعوثي نظام الاحتلال، هناك هدف واحد، وهو أن ينكر الأستاذ ميزونيي جميع أعماله السابقة، التي لا تتفق مع المثالية العرقية النازية. لديهم ورقتان، التصميم الحديدي ل غاردنر والعلاقات الأسرية للبروفيسور ميزونيي مع أحد وكلائهم، كورتزر.
سيعمل الرجلان على تحجيم معهد علم الإنسان القديم تدريجياً إلى أن يجعلاه صَدَفَة فارغة. إنها هزيمة الثقافة وانهيار الفكر الذي يتعامل معه دومبروفسكي. إن حجاب الاتفاقيات المتحضرة يظهر الطبيعة الحقيقية لهؤلاء الرجال من لحم ودم.

إذا كان دومبروفسكي قد جعل الجلادين - بقصد أم بغير قصد - في الرواية يشبهون بعضهم البعض، قردة متوحشة وقاسية، فإنه قد قدم الضحايا بكل تعقيداتهم. مثل شخصية هانكا، الذي يعاني من نوبات الهستيريا، والذي يفقد التواصل مع نفسه أثناء سجنه. فالأمر لا يتعلق بالجلوس على كرسي من أجل إعلان شجاعتك وعزمك وأخلاقك، مثلما يناقش المرء الصداقة بين جوته وشيلر، مثلا. يجد هانكا نفسه - دون أن يكون مستعدا - مواجهة بعيوبها الخاصة، التي كانت مدفونة في زمن السلم تحت مجارف التقاليد الإجتماعية.
أما لانيت، فواضح، بل شديد الوضوح، يتخلى على الفور عن كل أمل ويفضل التضحية بشرفه من أجل بقائه. وقد أوضح للبروفيسور ميسونيي أن "ألف أخيل ميت لا يساوون هاربا على قيد الحياة".
في مواجهة الوحوش التي تغزو زمانه، يختبئ عاجزا عن مواجهتها جسديا ومعنويا. إنه يخون، ومع ذلك فإن دومبروفسكي لا يحكم عليه. لأنه عندما نواجه استجوابات كاستجوابات مفوضية الشعب للشؤون الداخلية، والحياة تحت حكم ستالين والاعتقالات، فإننا أقل عرضة للمانوية هههههه(أقصد أنه سيكون لنا خيار واحد فقط).

أخيرا، فضل ميسونيي، الذي كان هدفا لكل الإهتمام الألماني، أن يسمم نفسه، بدلا من الاستسلام للبرابرة.
يُبرز دومبروفسكي الإضطراب العام، من خلال طريقة كتابة تلمح أكثر مما تصرح. الصمت، الأشياء التي لم تقل. إن الفضاء الخالي من كلامه كاشف أكثر من كل الخطب. فمثلا، يبدو أن كورت، البستاني الغريب لعائلة ميزونيي، الغجري الهارب، فأر تجارب النازيين السابق، يتقن خيوطا لم تخمن وجودها أي شخصية من الشخصيات الرئيسية. وفقط حكمة القارئ هي التي ستلقي الضوء على الطبيعة الحقيقية للشخصية.

لقد تغيرت قواعد اللعبة، والكلمات نفسها أصبحت خالية من معناها. تفقد الحوارات دقتها تدريجيا، يجب أن يتوافق عالم العلماء الثرثارين مع عالم جديد وأن يوجِز قدر الإمكان.

مع تقدم الرواية، يحتكر النازيون شيئا فشيئا الكلام. القرود ذوو العناكب السوداء - هكذا يتحدث دومبروفسكي عن الصليب المعقوف - يخطبون، يشرحون. إنهم السادة. تستجيب الشخصيات الأخرى لهم بنصف صمت، بكلمات محجبة، بتلميحات. لقد انعكس ميزان القوى. البرابرة ثرثارون، ولن يصمتوا إلا بعد هزيمتهم. ليس من قبيل الصدفة أن ينهي الشاب ميزونيي حياة غاردنر بمقال صحفي مثير. كما لو أنه بعد إجبار العالم على الصمت، كان على القرود أن تخضع ليقظة الكلام.

إن رواية يأتي القرد من أجل جمجمته، ليست رواية تاريخية. فإذا كانت الدولة التي وصفها دومبروفسكي مشابهة لفرنسا، فإن ظروف الإحتلال تشبه إلى حد بعيد ما كانت عليه على الجبهة الشرقية. ليس هذا ما أود مناقشته. المهم أن سيف الجلاد مصلت على الرقاب، والحضارة تتعثر، والأساسات ليس بإمكانها أن تقاوم أكثر. يتراجع العالم إلى العصور البدائية، وعلى الجميع الاستجابة قدر استطاعتهم لهذا التحدي الذي يتجاوزهم.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية قلوب وحيدة.. نثنائيل ويست
- مسرحية وحيد القرن.. أوجين يونسكو
- رواية ربيع الجمال.. بيب فينوجوليو
- الربان وورس.. ألكسندر كيلاند
- عن صحيفة العرب اللندنية
- رواية هارلم.. إيدي إل هاريس
- أشيتا نو جو.. عندما يغير الكرتون الواقع
- كلمات متجولة.. إدواردو غاليانو
- أشياء تتداعى.. تشينوا أتشيبي
- المكسيك الشغل الشاغل لأوكتافيو باث
- بيدرو بارامو.. خوان رولفو
- كاثلين ني هوليهان.. ييتس مثال سيء عن القومية
- زاما -دونكيشوت- انطونيو دي بينيديتو
- عالم كارلوس فوينتس
- رواية أكسفورد.. خافيير مارياس
- رواية حياة أرسينيف.. إيفان بونين
- العدالة ضحك على الذقون
- عودة المواطن.. توماس هاردي
- ديوان *لسنا شعراء.. إنّه الحُبّ*
- كَمَا العَنقاء


المزيد.....




- لبنان.. إخلاء سبيل الفنان فضل شاكر بكفالة مالية واستئناف -مل ...
- لبنان.. المحكمة العسكرية توافق على إخلاء سبيل الفنان فضل شاك ...
- روسيا توسّع مزايا -بطاقة بوشكين- لتشمل عروض السيرك وترفع قيم ...
- مشاهدة أكثر من 200 حلقة مقابل -صفر- نتائج.. نواب بريطانيون ي ...
- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...
- الراب يربح الرهان.. -آيس جيرجيرت- النجم الأكثر شعبية في روسي ...
- تساؤلات حول شرعية التمثيل... الناخبون أقلية في كانتون بازل- ...
- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية يأتي القرد من أجل جمجمته.. يوري دومبروفسكي