أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - علم الآثار التوراتي في إسرائيل: حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن















المزيد.....



علم الآثار التوراتي في إسرائيل: حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 7231 - 2022 / 4 / 27 - 06:10
المحور: القضية الفلسطينية
    


في هذا الجزء من العالم -أي الشرق الأوسط عموماّ، وفلسطين خصوصاً- حيث يلتقي القديم والحديث في إطار خطاب سياسي يومي عن الفكرة ونقيضها، ينظر "إسرائيل فنكلشتين"* إلى نفسه بكل ثقة كـ "حارس صهيوني وفي" ومحافظ شديد الإيمان بحق لشعب اليهودي في دولة ووطن في أرض إسرائيل التاريخية، على الرغم من إصراره الشديد على التذكير بانتمائه ليسار السياسة الإسرائيلي، ولاينفكُّ يردّدُ القول أنه "على استعداد لمبادلة الأرض مقابل السلام مع الفلسطينيين". وباعتبار أن ذخيرة جهده تنصب في الدفاع عن "حق الوجود لدولة يهودية في أرض الكتاب المقدس"، فمن الواضح أن أكثر ما يثير فزعه عندما يجلس على أريكته في بيته يتابع ما يعرضه التلفزيون من مشاهد وصور "مرعبة" عن الاضطرابات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (وليس ما يقوم الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة على كل حال) وردة فعل الحكومات الهشة هناك. ويزداد شعوره بالقلق حين يجد نفسه عاجزاً عن "تقديم العون" لهذا الجزء من العالم المليء بالمخاطر (في الحقيقة لم يحدد كيف ومتى ومن سوف يساعد لو قيض له ذلك، لكنه لن يعم وسيلة ليذكّرنا بأن تلك الاضطرابات تشعره بأن تراثه التاريخي مهدد).
طيب.. ماذا لو قيض لأحدنا أن يطل على المشهد الفلسطيني في القرن العاشر ق.م؟ ماذا ومن سوف يشاهد؟ من هم السكان هناك؟ ماهي المدن الكبرى، وماهي العاصمة أو العواصم؟ كيف كان حال طرق التجارة و أنماط الزراعة و الرعي و اشهر المحاصيل و الموانىء؟ كيف هو شكل وثقافة العبادة وطقوسها؟.. أي إله أو آلهة كانوا يعبدون؟ وهل كان دين القرية يختلف عن دين المدينة؟
إن مشروعاً تاريخياً-آثارياً لإعادة رسم فلسطين في تلك الحقبة سيكون بلا شك منشغلاً بالاهتمامات السياسيّة التي نعيشها الآن. وسوف ينطلق مثل هذا المشروع من الألفية الثالثة الميلادية لكتابة تاريخ منطقة صغيرة من هذا العالم بالعودة لأكثر من أربعة آلاف سنة تقريباً. لاشك أنها مهمّة صعبة للغاية، بيد أنها غير مستحيلة، فيما لو عزلنا الأجندات السياسية و التوجهات الإيديولوجية المرافقة و التي سوف تسيء بلا ريب لأي عمل بحثي مهما كانت براعة القائمين عليه وموضوعتيهم سواء كان هذا التوجه ديني (يهودي، مسيحي، إسلامي) أو قومي-إثني ( إسرائيلي، عربي). إن إعطاء الماضي قالب سياسي بخلفيات معاصرة يتيح استخدام أسماء وردت في نصوص كتابية أن تتحول إلى أسماء تاريخية بوجود حقيقي "مفترض نصيّاً"، فاسم الكنعانيين، مثلاً، يُستحضر-في الكتاب المقدس- كاسم شعب له قيم معينة وهوية وتراث كما تصفهم نصوص العهد القديم، ومثل هذا الافتراض يجعل من السهولة بمكان لمحرر نصوص العهد القديم أن يحول "المجاز الأدبي" على حقيقة وأن يرسم " الإسرءيليين" و"الكنعانيين" كفرعين من عائلة يتمتعان بوظيفة أدبية فعّالة وأساسيّة لمجاز ما يدعوه توماس طومسون "الشعوب الأصلية" و"أصل كل شيء" و"أسبقية شعب على شعب" و"أحقيّة" شعب بالأرض على حساب شعب آخر، حيث يتم تعريف "الأرض الموعودة" توراتياً باعتبارها "أرض إسرءيل". فيقف الإسرءيليون في مواجهة سكان الأرض الأصليين الذين يتميز سلفهم كنعان بلعنة نوح القديمة، وحالما تصبح كنعان أرض إسرءيل، يُختزل الكنعانيون إلى شعب مطرود من الرحمة.
إن أجندة علم الآثار الإسرائيلية المتمثلة في تبني سياسة القرار المسبق باستخدام "الكنعانيين" الإسرءيليين" كعلامات تاريخية لم تحدد فقط إرث [ أرض إسرءيل]، بل طرحت أيضاً على الفلسطينيين تراث العصر البرونزي وميّزتهم باعتبار ليس لهم إرث في الأرض: أي هم ليسوا سوى ورثة كارثة إبادة جماعية وتاريخية بمباركة إلهية ومجازية بلاغية، وبالطبع لن يفيد أي نقاش حول أولويّة الاسم هنا، سواء في اللغة والأدب والنصوص، أو في أي نقش ظهر في عملية النقد البناء للأفكار المطروحة في هذا السياق، فإذا لم يكن "الكنعانيون" أمّة ولا شعب، بل مجرد سكّان عاشوا في بقعة معينة من الشرق القديم، فهذا يستلزم بالضرورة أن لا يكون هناك وجود تاريخي لمن هم "إسرءيليين" ولن يكونوا -إن وجوا حقاً- أكثر من قبائل سكنت يوماً ما في مرتفعات فلسطين الغربية.. وإذن لا يمكن- عقلانياً- القبول بأنهم سوف ينشؤون لاحقاً مملكة تعرف باسم يهوذا أو سواها، وسوف تكون جميع سلاسل النسب وقوائم الشعوب التوراتية و الكيانات السياسية المنبثقة عنها عبارة عن شكل أدبي يتخذ صفة العظة الدينية ليس إلا.
كان، ومازال، فنكلشتين، وعلى مدى العقود الماضية أحد أهم من قاد الدراسات والبعثات الآثارية الميدانية والأكاديمية في فلسطين المحتلة، مسترشدا بهدي ما يعرف بين أهل الاختصاص بـ " علم الآثار التوراتي أو الكتابي"، غير أن نشاط فنكلشتين يتسم بصبغة "تجديدية" تقف بصرامة إزاء المحاولات التي ترمي إلى اعتبار ما ورد في نصوص العهد القديم وثيقة تاريخية تتمتع بمصداقية وراهنية معرفية، وهو يجادل-بذكاء يحسد عليه حقاً- بأن التاريخ التقليدي للعديد من الاكتشافات واللقى الآثارية المتعلقة بالأحداث الكتابية إنما ترجع دراستها وتصنيفها وتأويلها إلى فترة لا تزيد عن قرنين فقط، ويرى أن مفتاح التعامل مع علم الآثار الكتابي وتاريخ نشأته بطريقة مناسبة يكمن في فهم ما يجري في كواليس الأبحاث الكتابية اليوم. وهذا يعني أن الاطلاع على البحوث الآثارية الكتابية وقراءتها لاينبغي له أن يتم بالطريقة التي تقرأ فيها الجريدة، فمثل هذه النظرة السطحية تدل على عدم الاعتراف بتعقيد النص وعدم احترام الجهود المبذولة من قبل العلماء والباحثين، فضلاً عن أن مثل هذا النمط من القراءة، لا يأخذ بعين الاعتبار المسائل الإيديولوجية واللاهوتية التي رافقت نشأة هذا الفرع من علم الآثار. ولكن هذا لايعني، في المقابل وكما يزعم فنكلشتين، الغوص عميقاً، حيث تكمن -في مثل هذا التعمق- مخاطر الإفراط في التحليل والتأويل، فالبساطة هي دلالة الحقيقة كما يقال. فإذا كانت قصص الخروج من مصر والتيه وانشقاق البحر وغزو أرض كنعان ليست قصصاً تاريخية حقيقية، فهي بالنسبة للمؤمنين إعجاز معطى من الرب لشعبه لك أن تصدقها أو أن ترفضها، لكن لا يمكنك رفض إيمان من يؤمنون بها وعدم اعتباره حقيقة، لأن الإيمان بها يقع خارج نطاق وظيفة ومهمة علم الآثار، أو حتى علم التاريخ لإثبات أن هذا الأمر حدث فعلاً أو لم يحدث. فإذا كنا مقتنعين بعدم وجود أسئلة غير مشروعة، بل يوجد فقط أجوبة غير مشروعة سواء عند المؤمن أم غيره، فليس من الأهمية بمكان، إذن، للباحث التمسك بالمفهوم الإيماني لتفسير "ظاهرة طبيعية" مثل الجفاف أو انشقاق البحر أو انهيار أسوار مدينة بشكل مفاجئ أو لماذا وعد الرب شخص بعينه ولس سواه بأرض ليست أرضه، ليس هذا فحسب بل سوف يرثها أحفاده ما بقيت الحياة على الأرض.. إلخ من المعطيات الإعجازية التي يتطرق إليها النص الديني.
ولكن هل لعلم الآثار سبيل لتقديم إجابات "مشروعة" لتلك الأسئلة "المشروعة"؟
يرى فنكلشتين بأن الإجابة أو الإجابات لا تكمن في النص أو بمعنى أدق، لا تكمن في النص وحده على الأقل، نظراً لأن هذه مهمة المؤرخ الذي يقع على عاتقه فرز ما هو تاريخ وماهو ليس تاريخ. بل يمضي أبعد من ذلك حين يرى ،كآثاري، بضرورة الحفر عميقاً تحت كل صخرة وفي جوف كل وادي وفي قمة كل تلة وبين أنقاض كل خربة كي نرى ما إذا كان " بنو إسرائيل" قد خرجوا من مصر فعلاً وتاهوا في سيناء ثم غزوا كنعان وفتحوها وهدموا أسوار أريحا وأقاموا مملكتهم. ليترسب كل ما هو غير ذلك في نطاق الفرضيات مثل الزعم بأن رعمسيس الثاني هو "فرعون الخروج" والربط بين الهكسوس والإسرءيليون كما فعل المؤرخ اليهودي القديم يوسيفوس فلافيوس استناداً إلى نصوص مانيتو. والأسلم هنا-بالنسبة لفنكلشتين- [ لعل هذا يأتي من باب الحفاظ على توازنه النفسي وشرعيته الحالية وشرعية مزاعم نصه المقدس] القول بأن تقاليد الخروج تمثل تراكماً لإرث وذكريات موغلة في القدم تم تضمينها في الكتاب المقدس لخلق سردية رئيسية يلتف حولها الشعب، ومن الممكن أن تكون هذه السردية القديمة تعتمد على جزئية طرد الكنعانيين من دلتا النيل في القرن السادس عشر ق.م، حتى بوجود طبقات أخرى لاحقة، يمثّل الوصف الجغرافي لمنطقة دلتا النيل على سبيل المثال-كما يظهر في النص- معرفة المؤلفين لوقائع القرنين السابع والسادس ق.م (فترة حكم الأسرة الصاويّة في مصر). من ناحية أخرى، يظهر تقليد الخروج بالفعل في نبوءات القرن الثامن ق.م عند هوشع وعاموس مما يزيد من تعقيد تحديد الإطار التاريخي لحدث الخروج، وكما يرى دونالد ردفورد، تشكّلت الطلائع الأولى من الإسرءيليين [ثمة إصرار عجيب وغير مبرّر من الجميع على وجود "تاريخي" لهؤلاء القوم] من بدو الشاسو في جنوب كنعان، وعابيرو العصر الحديدي الأول الذين استقروا في المرتفعات عقب انهيار حضارات العصر البرونزي في كنعان وانسحاب مصر من بلاد الشام بصورة عامة. وقد اختلط مع مجاميع العابيرو والشاسو بقايا المزارعين الذين اضطروا لهجرة أوديتهم الخصبة بسبب الجفاف أو الغزو (شعوب البحر؟) والتمركز في الهضاب الآمنة نسبياً، وثمة نصوص تشير إلى وجود إله باسم يهوه في أرض الشاسو، مما يوحي، عرضاً، بتواصل ما مع مناطق جنوب كنعان، ويرد ذكر الإله يهوه هذا بعض النصوص التي تعود لأوائل القرن الثامن ق.م التي عثر عليها في كونتيلة عجرود ويعرف باسم يهوه تيمان، أي يهوه الجنوبي أو الجنوب، كما أن العديد من الملوك الكتابيين "سواء من المملكة الشمالية أو الجنوبية" حملوا أسماء ترتبط بالإله يهوه ابتداءّ من القرن التاسع ق.م. ويرد ذكر يهوه في نصوص مصرية تعود للقرن الثالث عشر ق.م. وهذا يعني- بحسب فنكلشتين- أنه كان ضمن مجمع آلهة، ولم يصبح الإله الوحيد الحقيقي إلّا بعد العام 586 ق.م "تاريخ سقوط أورشليم" لاعتبارات أخرى غير دينية قطعاً.
لكن السؤال ليس حقيقياً حول تواجد جماعة أو قبائل "عابيرو أو شاسو" أطلق قسم منهم على نفسه اسم "إسرءيل"، إنما السؤال يأخذ منحى أو مظهر إقليمي أوسع، بمعنى حقيقة وجود كيان سياسي يسمي نفسه إسرءيل ويرى سكان هذا الكيان أنفسهم على أنهم إسرءيليين وأن إلههم هو يهوه، كما هو مدوّن في قصص التاريخ التثنوي**
يقرّ فنكلشتين، هنا، بعدم قدرته على إثبات تاريخيّة ما سبق، غير أن هذا لا يجعله يمضي إلى ما هو أبعد من ذلك، كأن يقول علناً، وعلى سبيل المثال، في محاضراته بعدم الوجود التاريخي لأشخاص مثل يوشع أو إبراهيم أو موسى أو داود أو سليمان.. إلخ، بل هو يرى فيهم (وفي سواهم) رموزاً قوميّة له ولشعبه. رموزٌ تأتي من عمق الماضي ويتم استحضارها لدواعٍ مختلفة، ليس دينية فقط، كلّما دعت الحاجة، أي نداء وظيفي على هيئة بروباغاندة قومية-دينية تؤدي أدواراً سياسيّة و إيديولوجيّة ولاهوتيّة بآن معاً. وبناء على ذلك، يرى فنكلشتين نفسه بعيداً عن النظر أو البت في المسائل الإيمانية اللاهوتية، لأن هذا، بطريقة ما، شأن الأفراد وليس شأن "الأكاديميا"، حتى لو حاول هذا الآثاري أو ذاك لعب دور القابلة، فلن يقدر على تقديم إجابات مقنعة تعكس حقائق أو وقائع عصر مضى عليه آلاف السنين، فحتى مقارنة أسماء الأشخاص والأماكن لا يمكنها أن تمدّنا بفهم واضح عن شخصية محدّدة بعينها مثل إبراهيم عاشت أو عاصرت الأحداث المذكورة في نصوص العهد القديم.
لا يمكن، في الواقع، لعلم الآثار إعادة خلق إبراهيم أو غيره من الرموز الدينية ( أقصى ما يمكن فعله في هذا الصدد هو تأويل مروياتهم، وحتى هذا يبقى موضع خلاف) التي يختلط فيها التاريخي بالأسطوري، بيد أنه في الوقت ذاته لا يمكنه، أي علم الآثار، أن ينكر بصورة قطعيّة عدم تاريخيّة هذه الشخصية وأنها عاشت في عصور موغلة في القدم، غير أنه من غير المتوقع العثور على لقى تعود أو تنتمي لهذه الشخصية، وإذن لا يمكننا الجزم بما يمكن إرجاعه إلى إبراهيم بصورة شخصية، فهذا ضرب من المحال والخيال سواء بسواء، فحتى النص الديني، بصورته الحالية النهاية التي وصلتنا، والذي يحظى بمصداقية وإجماع عند المؤمنين لا يمكنه تقديم معلومات وافية وصلبة عن جماعة تدعى إسرءيل عاشت في حدود الألفية الثانية ق.م في مكان ما من الشرق القديم، جنوب بلاد الشام، فما يقدمّه النص الديني ليس سوى شذرات مبتسرة وذاكرة واهية غير واضحة ومحددة المعالم ولا تحظى بدعم من خارج النص الذي يعكس، بصورة أساسيّة وقائع عصره لحظة تدوينه كتعبير منطقي عن احتياجات الأفراد الذين عاشوا في تلك الفترة، أما التوصيفات المعنيّة بأحداث أقدم فهي مطمورة، في واقع الحال، بين ثنايا النص الأحدث.
تبرز الصعوبات من خلال التأويل النصي المتحيز للقى الآثارية، فالآثاري لا يتعامل مع النص كبنية أثرية، بل أن جلّ ما يهمّه الثقافة المادية المندثرة التي سوف تتجسد لاحقاً، ربما، في نص مدوّن أحدث، ووفقاً لهذا يمكننا إعادة بناء "المادة التاريخية" عن مدنٍ مثل حاصور ولخيش وجازر ومجدّو وغيرها، بعيداً عن تفسيرات يغال يادين الإيديولوجيّة القوميّة المحافظة والتي ترى، على سبيل المثال، أن تدمير حاصور يعود إلى "فترة الغزو التوراتي" (افتراضياً حوالي 1225 ق.م) حسب الإصحاح 11 من سفر يشوع "10 ثُمَّ رَجَعَ يَشُوعُ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ وَأَخَذَ حَاصُورَ وَضَرَبَ مَلِكَهَا بِالسَّيْفِ، لأَنَّ حَاصُورَ كَانَتْ قَبْلًا رَأْسَ جَمِيعِ تِلْكَ الْمَمَالِك". بينما يميل الباحثون اليوم إلى فهم "الغزو" المذكور في سفر يشوع على أنه بناء إيديولوجي يعود لعصر الملك يوشيا ويراد منه العظة ليس إلّا، وبالتالي لم يعد بالإمكان النظر أحداث سفر يشوع كتوصيف تاريخي حقيقي، أو على الأقل كتوصيف لحقيقة ما حدث فعلاً في حاصور، ويمكن القول هنا أن سقوط المركز الحضارية الكنعانية كانت عملية طويلة، ولم تحدث فجأة بين ليلة وضحاها، بل استغرقت نحو قرن ونصف كما تشير الدلائل الآثارية المتوفرة في مواقع حاصور ومجدّو ولخيش وغيرها من المدن الكنعانية، ابتداءً من دمار حاصور في منتصف القرن الثالث عشر ق.م، وصولاً إلى تدمير لخيش ومجدّو في حدود 1130 ق.م. وهذا ما تؤكده السجلات التاريخية والنصوص غير الكتابية. ويتفق العلماء على أن دمار حاصور يقع ضمن سلسلة أحداث شملت الساحل الشرقي للمتوسط بأكمله في نهاية العصر البرونزي. وحتى لو أبدينا بعض التفاؤل بالقول بأن الجماعات السكانية المسؤولة عن هذا الدمار استقرت لاحقاً في هضاب ومرتفعات فلسطين الوسطى، بهدف عقد الصلة بين حاصور وطلائع الإسرءيليين، فلن يكون هذا سوى تصوّر باهت يزخرفه المخيال الديني القومي، فلا يوجد، بين أيدينا، ما يؤكد على وجود جيش بالحجم الذي تذكره النصوص الكتابية تحت إمرة قائد واحد استطاع أن "يفتح كنعان" ويدمّر المدن المحصّنة، وهو من عانى قبل ذلك تيهاً في صحراء قاحلة لمدة تقل عن نصف قرن بقليل، فضلاً عن معاناته قبل وصوله لمشارف كنعان وموت نبيّه وملهمه الأول هناك!
وللتخلص من هذا المأزق، يلجأ البعض، ومنهم يادين نفسه، إلى المنطق الدائري على قاعدة أن "غياب الأثر أو الدليل لايعني غياب الحدث"، فاليهود، على سبيل المثال، يحرمون أكل لحم الخنزير، ولذلك حين يتم العثور على عظام خنزير سوف يكون من الصواب القول أنها موجودة في موقع غير إسرءيلي- يهوذي. فماذا لو عثرنا على عظام خنزير في مكان يعتقد أنه إسرءيلي؟ هنا يتم التأويل الدائري، كما فعل يادين بالضبط، حين عثر على عظم خنزير في الموقع المفترض أنه قلعة مصعدة "متسادا" فتم اعتبارها أضحيات قدّمها الرومان المسيطرين على المنطقة، وحين عثر من بين اللقى على عظام شخص مدفون بطريقة طقسية، تم الاسترشاد بما ذكره يوسيفوس في "حروب اليهود" كدليل على تاريخية الحدث، وهذا في الحقيقة ليس سوى تفكير مرغوب فيخ يسقط ما هو موجود في النص على ما هو موجود في الحقل على ما هو موجود في الذهن والخيال. وذات الشيء يمكن أن يقال عند مطالعتنا تاريخ مدينة مجدّو، التي كانت تعتبر أكبر المواقع المحصنّة في العصر البرونزي بمساحة تصل إلى حوالي 60 هكتار، (يعد تاريخ المدينة في الواقع إلى حدود الألفية الرابعة ق.م).
إن وجود مدينة بحجم مجدّو يستلزم وجود عدد لابأس به من السكان للقيام بالمهام المتنوعة، بالإضافة إلى تصريف معيشهم اليوم، إذ لا يعقل أن يقوم 400 أو 500 شخص مثلاً ببناء صروحها، وعلى هذا لابد أن مجدّو كانت تتمتع بصلات قويّة مع الريف المحيط بها و القريب منها، بل وحتى الهيمنة عليه وجلب العمّال المهرة للقيام بأعمال التحصينات والصيانة والدفاع عن المدينة عند الزوم. وتدل المعطيات الأثرية أن المدينة ازدهرت في العصر البرونزي المتأخر(1550-1150 ق.م)، فيما يصطلح عليه "مجدّو الكنعانية"، ثم تعرضت للدمار في القرن الثاني عشر ق.م، ولايمكن الجزم بهوية من دمرّ المدينة، هل شعوب البحر؟ هل بفعل جيش كنعاني آخر؟ أم بسبب غزو أتى من بعيد أو من مملكة مجاورة؟ ومهما كانت الإجابة، فعلى الأغلب لن يكونوا الإسرءيليون القدماء هم الفاعلون، إذا لا يمكن الجزم بوجودهم في تلك الفترة أو حتى التعرف عليهم كجماعة سكانية، سواء بمطابقتهم مع العابيرو أو الشاسو أو أيّا يكن من سكان القرن الثاني عشر ق.م.
في ظل هذه التناقضات -بين نفي وإثبات- يفضّل فنكلشتين وضع، أو تصنيف، نفسه كعالم آثار، ضمن معسكر الوسط، في خضم الجدل الدائر بين أوساط الباحثين الكتابيين، فيقول: "اعتبر نفسي باحثاً يقف في مكان ما في الوسط بين معسكر المحافظين والمعسكر النقدي، لاشك أنه عملٌ صعبٌ للغاية أن تكون في الوسط، في المركز. فأينما كنت تقف، على أحد الجوانب، فسوف تتم مهاجمتك من هذا الجانب فقط، ولكن إن كنت في المركز، فأنت عرضة للهجوم من جميع الجوانب.. في بعض الحيان يتهمني بعض الأصدقاء من الجانب الأكثر تحفظاً بأنني أنتمي إلى مقاربة أكثر عدمية (أو إلى النهج النقدي) الذي ينكر وجود المملكة المتحدة. ولكن الأمور ليست بهذه البساطة، فأنا-لأسبابٍ كثيرةٍ- لا أنفي وجود داود وسليمان (قد يكون نقش تل دان أحد هذه الأسباب)". ويتابع:" ثمة معطيات على شكل ذاكرة كانت موجودة بالفعل في القرن التاسع ق.م ترى بأن مؤسس السلالة [الملكيّة] في عاصمة يهوذا كان يدعى داود. أنا لا أنكر وجود داود وسليمان في التاريخ، ينبغي أن يكون كلامي هذا واضحاً [هنا]، بيد أنه لدي، التأكيد، وجهة نظر مختلفة حول مدى وطبيعة الكيان الذي كان محوره مدينة أورشليم في القرن العاشر ق.م، لنقل، كان ثمة شيء هناك في تلك الفترة، ولكن ما هو هذا الشيء بالضبط؟ هنا يكن السؤال الكبير، ولكي نجيب عليه، يتوجب علينا العودة إلى مسألة التحقيب التاريخي لمدينة القدس ذاتها..".
وإذن لا يبدو فنكلشتين-من موقعه هذا- مغالياً في تأويل حرفية النص الكتابي لتتبع التاريخ القديم لإسرءيل من الأقدم للأحدث لترتيب معطيات الحدث التوراتي كما هو حال العديد من الآثاريين التوراتيين من أتباع مدرسة أولبرايت الذين يطلق علهم في الحقل الأكاديمي تسمية الأصوليين maximalists ولا هو أيضاً من جماعة الاتجاه التصحيحي minimalists المقابل للأصوليين الذين يميلون لإنكار "تاريخية" الكتاب المقدس بشكل عام، ويرفضون الإملاءات النظرية التي تمهد لهذا، كما هو حال أبحاث نيلز بيتر لامكه وتوماس تومسون ممن يعرفون بـ "جماعة كوبنهاغن" أو فيليب ديفز وكيث ويتلام الذين يبدون شكوكاً قاطعة فما يتعلق بـ "الإرث الكتابي"، على الرغم من مساهمة كلا الاتجاهين في تقديم الدراسات والبحوث الأكاديمية الآثارية والتاريخية في إطار ما يعرف بمجال "الدراسات الكتابية". ويرى فنكلشتين أن الجانب الذي ينتمي له بات له الآن أنصارٌ كثر، ولديهم رؤية ينبغي أن تحظى بذات القدر من الدراسة والاهتمام، فالحديث عن اليمين واليسار هنا كتصنيف يقود إلى ترتيب نتائج تأويل النص الكتابي (ويشمل هذا بطبيعة الحال "تاريخ إسرءيل") حيث يتبع الأصوليون في تأويلهم وصف الكتاب المقدس لتاريخ إسرءيل القديمة من منطلق إيمانهم بحدود هذا النص كما يعبّر عن ذلك عالم الآثار الفرنسي، الأب رولاند دوفو: "إذا لم يكن الإيمان التاريخي بإسرءيل موجوداً في التاريخ، فهذا الإيمان خاطئ، أي أن عقيدتنا خاطئة أيضاً". وفي الحقيقة، تدين رؤية فنكلشتين حول "علم الآثار الكتابي" كثيراً لرؤية الأب دوفو في المبالغة على الطابع الإثني المركز لدور إسرءيل، فيهمل إلى حد كبير، مثل دوفو، وجود "بنية مستديمة غير إسرءيلية" في فلسطين خلال العصر الحديدي***، حتى عندما يسلّم، على سيل المثال بوجود توجّه فينيقي لفلسطين الساحليّة (من عكا حتى دور- الطنطورة) وبوجود روابط ثقافية آرامية للجليل والأغوار الشمالية، بما في ذلك بيسان-بيتشان وتل العريمة- قنريت وتل القاضي - تل دان والكثير من مواقع شمال شرق الأردن.
يستند فنكلشتين أيضاً إلى نقش ميشع لتوضيح وجهة نظره في مؤاب في القرن التاسع ق.م والتي كانت تعيش حالة صراع وتنافس مع بيت عُمْري-إسرءيل وآراميي دمشق و مجدّو وتعنك للسيطرة على سهول الجليل -يزرعيل. وكانت هذه المناطق موضع نزاع في تلك الفترة، ولكن من الصعوبة بمكان القول أنها كانت إسرءيلية. ورغم ذلك يزعم فنكلشتين وبعبارات لا لبس فيها عن عظمة إسرءيل التي لامثيل لها(1)، حين يقول بإمكانية تفسير توسع أورشليم نحو التلال الغربية في وقت ما من القرن السابع ق.م، عن طريق استقراء حدوث هجرة جماعية للاجئين من السامرة المحاصرة آنذاك والتي سرعان ما سقطت في الربع الأخير من القرن الثامن ق.م. غير أن مثل هذا الاستنباط يضعنا أمام عدة تساؤلات -عندما نضع في الحسبان الضغط الذي يمارسه فنكلشتين بلا كلل على هذا الزعم ذو التوجه الكتابي- لماذا كان على أولئك اللاجئين -إن وجدوا حقاً- أن يسعوا أو يجدوا الأمان في أحضان من هم أكثر غدراً بهم من بين أعدائهم؟، لا يمكننا هنا-كرمى لعيون فنكلشتين وغيره- أن نغض النظر عن التناقض العميق والمثير للشفقة والسخرية بآن معاً، الذي رسمه فنكلشتين وسيلبرمان في كتابهما الشهير[ التوراة مكشوفة على حقيقتها، العنوان حسب الترجمة العربية] بين الأدلة الأثرية التاريخية المحددة لمملكة يهوذية قبل القرن الثامن ق.م والقصة الكتابية للمملكة المتحدة لداود وسليمان. ويتوجب علينا، ربما، الإشارة إلى أن سردية سفري الملوك، التي أطلقت القصة التراجيدية عن جنون سليمان، إنما تكمن خطوط حبكتها الأساسية في إطار ثيمة معروفة في تراث وأساطير الشعوب القديمة، أي: الوحدة والانقسام كما قرأها توماس تومسون(2). إن جزئية العظمة -سواء للملكة أم لملوكها أم لشعبها- لا تشكّل محلاً هندسياً قابلاً للسحب مع قصة داود مثلما هو الحال في القصة المأساوية لصعود سليمان وسقوطه. وتتطرق قصة داود إلى ما هو أبعد من مسار وثيمات الاستلاء على السلطة كما هي في سفري الملوك، لاسيما الجزئية التي تعزز "عذاب الماضي" كصورة نمطية يعثر عليها في ثيمة " شهادة الملك الطيب" و "المستبد العادل". ويوحي، كل هذا، بالتناقض مع ما يشغل فكر فنكلشتين عند مقارنته بأدلة التوطن المحدودة في مرتفعات "يهوذا" خلال القرن العاشر ق.م وأوائل القرن التاسع ق.م، مع التوطن الواسع في الهضاب التي دعمت في وقت مبكر حاضرة بيت عُمري. ويجادل التصحيحيون، في المقابل، بأن معظم أو جميع المواد الكتابية هي من إنتاج الحقبة الفارسية أو الهلنستية (القرنين الرابع والثالث ق.م)، ولا علاقة لها بما يمكن أن يكون "تاريخاً حقيقياً لإسرءيل المبكرة"، وبالتالي ليس لهذا النص قيمة تاريخية لفهم تاريخ إسرءيل في العصر الحديدي. وبين هذا وذاك يحشر فنكلشتين أنفه في مكان حيث لا يضع الراقي أنفه، -لا يرى نسفه وحيداً هناك على كل حال- فيقول إن مادة النص كانت مكتوبة في المراحل المتأخرة من "الحقبة الملكية للإسرءيليين القدماء" لتعكس، بذلك، حقائق ذلك العصر المتأخر (أي القرن السابع و ربما الثامن ق.م)، يتخللّها نصوص تعبّر عن ذكريات وتقاليد تعود لفترات سابقة تسرّيت إلى النص، ووفقاً لهذا الرأي، فإن أقرب نص مدون من الكتاب المقدس العبري لابد أن يكون قد وضع في النصف الأول من القرن الثامن ق.م، وحدثت ذروة "الإسقاط" للنصوص الكتابية [ في يهوذا في أواخر العصر الملكي وبعد تدمير أورشليم] ربما بشكل رئيسي في بابل، كما أن هناك العديد من النصوص التي تنتمي فعلياً لوقائع القرن الثاني ق.م. وكما أثبتت العديد من الحفريات- ولكن ليس جميعها- أن تأويل النص إيمانياً ومعول الآثاري كلاهما يشيران إلى اتجاهات مختلفة في طريق إعادة بناء الماضي وبالتالي إعادة بناء وكتابة التاريخ، والتمييز بين ما هو "تاريخي" وبين ما هو حكايات وأساطير شعبية متواترة ذات مغزى وقصص ديني تحمل طابع العظة. ولكي لا يكون الكلام منحازاً، فإن إعادة التفكير في النصوص الدينية استناداً للمعطيات الآثارية لايعني بطبيعة الحال نهاية الإيمان، بل ربما يعني أن الإيمان بات أكثر نضجاً. وإذا كان المؤرخون يكذبون، كما يقال، فعلماء الآثار يمتازون عنهم، بالإضافة إلى الكذب، بالخيال الخصب الذي يسمح للواحد منهم بسرد قصة رومنسية كما يحلو له وهو يتأمل قطعة فخارية وأن ينطق الحجر قبل البشر على طريقته الخاصة، ويرى فنكلشتين أن اعتماد تقنية الكربون المشع**** لتأريخ البقايا العضوية في المواقع الأثرية سيكون له دور حاسم في تقديم مصدر مستقل عن المصدر الكتابي أو غير الكتابي فيما يتعلق في السجال التاريخي السائد في الوسط الاكاديمي، في سياق فرز ما هو "تاريخي" وماهو "غير تاريخي" من نصوص الكتاب المقدس. وسوف يكن لعلم الآثار الدور الحاسم وربما النهائي في عملية بناء و| أو إعادة بناء السردية التاريخية عن إسرءيل القديمة، حيث يفترض من علم الآثار تقديم التأويل القريب إلى الصحة عن فترة تاريخية معينة أكثر من النص نفسه، نظراً لأن النص هو نتاج مرحلة تالية لتلك الفترة ويعكس التوجّه الإيديولوجي لصاحبه أو لكاتبه أو لمن طلب كتابته، في حين أن اللقى الآثارية يمكنها أن تعبر ذاتها دون تدخل خارجي. [أحد الملاحظات المشروعة على استخدام تقنية الكربون المشع لإثبات تاريخية خشبة ما استخدمت في سقف قصر أو معبد لا تعني تاريخ البناء بقدر ما تعني تاريخ قطع هذه الخشبة من الشجرة]، غير أنه من الواضح أيضاً أنه لا يمكن لعلم الآثار أن يقدّم التصوّر والحكم النهائي على تلك السردية وذلك لأسباب عديدة تعود لبنية علم الآثار ذاته، لاسيما مقارباته المنهجية، وهنا يطرح فنكلشتين تساؤلاً هاماً، بالنسبة له، في سياق رؤيته للإسرءيليين عن السبب الذي يجعلهم يظهرون كمجموعة متميزة في كنعان، هل كان ذلك بسبب التوحيد؟ ليجيب بالنفي فالتوحيد أتى لاحقاً، ونصوص العهد القديم لا تنكر وجود آلهة أخرى إلى جانب إله الإسرءيليين، مما يعني أن هناك آلهة أكثر أهمية من غيرهم، ويعتقد فنكلشتين أنه لا يمكننا الحديث عن التوحيد حتى في حدود نهاية القرن السادس ق.م (586 ق.م، التاريخ المفترض لتدمير أورشليم)، ويمكن وصف ديانة المملكة الجنوبية "يهوذا" في ذلك الحين أنها توحيدية. فالتوحيد الذي نعرفه الآن هو نتاج الحقبة الفارسية، وإن شئنا الدقة أكثر هو نتاج الحقبة التي تلت، أي الهلنستية، فالتوحيد الإسرءيلي لم يحدث إلا في عصر الحشمونيين، كما يقول فنكلشتين. وحتى في مراحل لاحقة، تحديداً العصور المسيحية الأولى [مرحلة العهد الجديد] كان الناس يعبدون آلهة أخرى. ألم يتهم المسيح بعض الإسرءيليين بعبادة البعل؟ كما أن الملك عُمري دعى، كما تخبرنا نصوص العهد القديم، إلى عبادة البعل (انظر الإصحاح 11 من سفر الملوك الأول الذي يشير أيضاً إلى بناء سليمان مذبحاً لكمّوش إله مؤاب شرقي أورشليم: "33 لأَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَسَجَدُوا لِعَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَلِكَمُوشَ إِلهِ الْمُوآبِيِّينَ، وَلِمَلْكُومَ إِلهِ بَنِي عَمُّونَ، وَلَمْ يَسْلُكُوا فِي طُرُقِي لِيَعْمَلُوا الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيَّ وَفَرَائِضِي وَأَحْكَامِي كَدَاوُدَ أَبِيهِ.34 وَلاَ آخُذُ كُلَّ الْمَمْلَكَةِ مِنْ يَدِهِ، بَلْ أُصَيِّرُهُ رَئِيسًا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ الَّذِي حَفِظَ وَصَايَايَ وَفَرَائِضِي.") ويرى نص العهد القديم أن سليمان و عُمري عملا الشر في عيني الرب، وتشير العديد من الدراسات أن معبد سليمان تم بناءه وفقاً لنموذج معبد عين دارا السوري-الحثي الذي كان مكرّساً لبعل وعشتار والذي يعود تاريخه إلى العام 1300 ق.م تقريباً.
ولذلك يمكن لقارئ النص الديني، أو من يؤمن به، أن يتبنى قراءة انتقائية تساعده على فهم وتأول النص، في حين يدلّنا بنيان المعبد وأسلوبه على نمط عيش الناس في الزمن الحقيقي وليس في الزمن المفترض، أي طريقة عيشهم كما هي فعلاً وليس كما هي موجودة في ذهن محرر النص، ولهذا أتى الإصحاح 11 من سفر الملوك الأول ليوضح السلوك الخاطئ لأنبياء عظام مثل داود و سليمان وما فعلوه من شرور في عيني الرب. فهل كان المقصود هنا السلوك اتجاه يهوه إله بني إسرائيل أم توجيه نقد لاذع لحياة الترف و البذخ التي تصورها نصوص العهد القديم لداود و سليمان على حد سواء، ويستمر النقد وصولاً لعهد عُمري و أحاب، آخذين بعين الاعتبار التأويل السياسي هنا، أي وجهة نظر محرر النص اليهوذي الجنوبي وموقفه من ملوك المملكة الشمالية "الإسرءيليين".
يحاول فنكلشتين التأكيد على " تاريخية" التسمية، أي إسرءيل، من خلال تأويله لما ورد في نصب مرنبتاح الذي اكتشفه السير ويليم بيتري في العام 1896، فيقول بأن هذا النصب يشير إلى جماعة تدعى إسرءيل، عاشت في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر ق.م. وفي الواقع، لا يقدم النصب معلومات حقيقية عن حجم هذه الجماعة وموقعها، مما جعل البعض من أهل الاختصاص يضعها في مكان ما من شرق الأردن، بينما اختار البعض الآخر مكان لها في مرتفعات غرب الأردن. لكن السؤال الكبير -كما يردد فنكلشتين- هو كيف تطورت هذه الجماعة لاحقاً وكيف أعطت اسمها لمملكة إسرءيل [أي المملكة الشمالية] التي ظهرت في أواخر القرن العاشر ق.م؟ أي بعد حوالي 250 عاماً من حملة مرنبتاح، ويضاف لهذا التساؤل عدم وجود نصوص ذات صلة تنتمي لتلك الفترة التي تفصل بين حملة مرنبتاح وظهور المملكة الشمالية. وهنا يؤكد فنكلشتين ما قاله أعلاه عن أهمية ودور علم الآثار في تقديم الإجابات الأكثر إقناعاً أو الأكثر قبولاً، بمعنى أنه يجب البحث عن إسرءيل التي ذكرها مرنبتاح بين الجماعات التي استقرت في المرتفعات الغربية والشرقية لوادي الأردن ابتداءً من أواخر القرن الثالث عشر. هذه الجماعات أنشأت في وقت لاحق الممالك الإقليمية للعصر الحديدي، ومن بينها إسرءيل، كما يزعم فنكلشتين الذي يطرح هنا مثالاً واضحاً على تلك القراءة الانتقائية لنصوص العهد القديم بالطريقة التي تم فيها تفسير اللقى التي عثر عليها في موقع "خربة قيافة" والتي كانت موضع نقاش حاد بين المختصين، فما تم تقديمه ن تفسير أصولي لاكتشافات خربة قيافة ليس سوى عملية إحياء لمنهج أولبرايت الذي لم يعد يصلح لتفسير نصوص العهد القديم، نظراً لأن علم الآثار قدّم إسهامات حاسمة في الكشف عن خطأ المقاربة الأولبرايتية لتاريخ ونصوص ونقوش الشرق القديم التي تربطها بالعهد القديم وقصص أنبياء وملوك وآباء بني إسرائيل، والتي أتت ربما ردّاً على فرضية يوليوس فلهاوزن(3) في نقده لمصادر نصوص العهد القديم، وما هجوم أولبرايت على فلهاوزن إلّا نموذج من نماذج عديدة عن حرف البحوث الآثارية والكتابية والتاريخية عن مسارها الصحيح. وقد ظهر هذا الاتجاه بأشكال مختلفة، وإن بشكل متقطع في السنوات الأخيرة باستخدام علم الآثار كسلاح لقمع تطور البحوث النقدية. وليس خربة قيافة إلّا مثال حديث لجهة الرغبة في هزيمة هذه الاتجاهات النقدية الحديثة عن طريق البحث عن كشف أثري إعجازي، فالموقع مثير للاهتمام حقاً من نواحٍ كثيرةٍ، نظراً للرغبة العميقة لأصحاب المنهج الأصولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث الآثاريات الكتابية بخصوص تاريخ إسرءيل القديمة. ويشير مخطط الموقع إلى أن أصل السكان يعود لمنطقة الهضاب الوسطى، إلا أن هذا لايعني الإشارة بالضرورة إلى توسع يهوذا في بداية ظهورها. وتشير بعض اللقى إلى إمكانية ربط الموقع بالمرتفعات الشمالية. بعبارة أخرى، المكتشفات، وليس النص، هي ما يمكنها أن تلقي مزيداً من الضوء عل التكوين الإقليمي للمرتفعات الشمالية في القرن العاشر ق.م أكثر من علاقة هذا التكوين بيهوذا في فترة تكوين السلالة في القرن التاسع ق.م. ويرى الآثاري الإسرائيلي غارفينكل، الذي قاد عمليات الحفر في الموقع، إن ما عثر عليه هناك هو قصر الملك داود، ووفقاً لتقديراته فقد بلغت مساحته نحو 1000 م2. غير أن فنكلشتين يشكك بهذا ويشير، بصورة غير مباشرة، إلى الباحثة الإسرائيلية إيلات مزار التي زعمت قبل عدة سنوات أنها وجدت قصر الملك داود في القدس: "هذا يذكرني بخرافة الفتاة الصغيرة التي صرخت تستنجد من الذئب. فيوم أمس وجدوا قصر الملك داود في القدس، واليوم في قيافة، وغداً سوف تجد أنه .. من يدري أين. هذه البيانات تسترعي انتباه الجمهور". وربما ستكون الخطوة التالية إذن الزعم بانتماء الملك داود للمدينة، طالما هناك قصر فيها، وبالتالي، فمن الواضح [ لغارفينكل] أن " الملك داود نام هنا عندما جاء لزيارة هذه التلال". غير أن ما هو أكثر إثارة هنا يتمثّل في عثور بعثة غارفينكل على عدة كسر فخارية عليها نقوش أثارت أحدها نقاشاً حاداً، فالنقش مكتوب بلغة ما قبل كنعانية التي تطورت منها الأبجدية الفينيقية. وتشير عدة مقالات إلى أن النقش قد يكون من أقدم النقوش "العبرية"، ويمثل المرحلة التي سبقت تحوّل النص ما قبل الكنعاني إلى نص فينيقي نموذجي كما يقترح ذلك غارفينكل في محاولة منه لتحديد لغة سكان خربة قيافة "العبرية" القديمة. في حين يرى فنكلشتين أن النقش لم يكتب بلغة عبرية من أي نوع، ويؤكد أن جميع النقوش ما قبل الكنعانية المتأخرة عثر عليها تقريباً في السهول الساحلية الجنوبية، لاسيما قرب مدينة "غات" الفلستية. كما تم العثور على نقوش هيراطيقية مصرية تعود لحقبة العصر البرونزي المتأخر الثالث في المنطقة عينها، وبصورة خاصة حول مدينة لخيش. ونظراً لأن المنطقة كانت مركز الإدارة المصرية في كنعان في العصر البرونزي المتأخر، فقد عكست النقوش ما قل الكنعانية المتأخرة أثر التقاليد الإدارية والثقافية القديمة.
يجادل ألبرت غلوك بأنه لا يمكننا دراسة تاريخ فلسطين "القديم" بصورة وافية ما لم يتم تحرير علم الآثار في الشرق الأوسط من "الأسطورة الكتابية"(4). ويستنتج بأن العديد من القصص الكتابية هي محض قصص خيالية، فلم يحدث أن خرجت جماعة بشرية تسمى إسرءيل من مصر ولا يوجد ثمة دليل على أن شخصاً يدعى يوشع حاصر و- أو احتل مدينة أريحا، ناهيك عن سقوط اسوارها بالطريقة التي يصفها العهد القديم، ولم يوجد في أي مرحلة أو عصر ملك عظيم اسمه داود فتح أورشليم(5) وجعلها عاصمته وأورث حكمها من بعده لابن له يدعى سليمان الذي قام بدوره ببناء معبد-هيكل للرب على تلك الرابية في أورشليم، وليس هناك ما يجزم بوجود هذين الملكين، فضلاً عن مملكتهما المتحدة التي كانت عاصمتها أورشليم في كنعان في القرن العاشر ق.م حيث وصلت حدودها إلى مشارف حماة وميناء عصيون جابر الذي كان يضاهي موانئ العالم القديم اتساعاً ونشاطاً كصيدا وصور. وفي أحسن الأحوال لم يكن داود وسليمان -إن وجدا- سوى شيوخ قبيلة صغيرة رعوية تتجول في السهوب الصحراوية أو على حواف الصحراء وتخوم الحواضر، فنص العهد القديم - كما يراه فنكلشتين- ليس سوى ذاكرة تضخمت وتأسطرت في القرن السابع ق.م لتخدم أجندات سياسية وعسكرية معينة.
إن ما يشكل جوهر كتابة التاريخ "الجديد" هو هذا الهوس، بالأحرى السعار المحموم، لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني (الذي بدأ يستحوذ في الوقت الحاضر على عقول الكثيرين) "بدءً من إسرءيل القديمة". لقد فشل المشروع الآثاري الكتابي في فلسطين، لأن باحث الكتاب المقدس لا ينتمي إلى فئة علماء الآثار. "إن استخدام الإرث الكتابي كمصدر أساسي لتاريخ أصل إسرءيل، أشبه بتكريس وضع يائس للمؤرخ الذي يريد أن يكتب تاريخاً نقدياً، وليس تاريخاً عفى عليه الزمن"(6). وإذا كان الماضي غير قابل للاستعادة، كما يقول فوكو، فإننا على الأقل نستطيع تمثله، وهذا يعني، من بين أشياء عدة، فشل آخر تعاني منه البحوث الكتابية التي خلقت وهماً اسمه " إسرءيل القديمة"، فواقع المجتمع الفلسطيني القديم الذي يمكن التعرف عليه من مصادر مختلفة غير كتابية لا يتلاءم بأي حال مع الصورة الكتابية لـ "إسرءيل القديمة". وفي الحقيقة لا توجد طريقة يمكنها التوفيق بين صورة إسرءيل الكتابية والماضي التاريخي (الحقيقي) للمنطقة كما يؤكد ذلك نيلز بيتر لامكه. فإذا كان هذا هو الحال، فينبغي على علم الآثار الكتابي أن يتخلى عن الأمل المخادع في أن يتمكن من إعادة بناء التاريخ للحقبة ما قبل الهلنستية على أساس مرويات العهد القديم. لأن أي تاريخ يتم كتابته وفقاً لذلك سوف يكون تاريخاً مختلقاً مخترعاً لعدد قليل من الإشارات المعزولة عن سياقها تتحدث عن " أشياء" ما ربما حدثت حقاً أو كانت موجودة. أو ربما لم تحدث، ولم تكن موجودة أصلاً، فـ "إسرءيل القديمة"، من وجهة نظر المؤرخ الموضوعي "مخلوق" شاذ، "شيء" انبثق من خيال مدرسة " النقد التاريخي" وانتشر كالنار في الهشيم بين مؤرخيها الكتابيين و خلفياتهم الحديثة، خلال المئتي سنة الماضية.
ملاحظات
* إسرائيل فنكلشتين (1949) عالم الآثار الإسرائيلي، يعمل أستاذاً فخرياً في جامعة تل أبيب، ورئيس كلية الآثار والثقافات البحرية في جامعة حيفا. يعتبر فنكلشتين، حسب كتالوغات التعريف على مواقع الإنترنت، أحد أهم علماء الآثار الأحياء وأنشطهم في الشرق الأوسط ومن المهتمين في "إعادة" بناء التاريخ الكتابي. ومن أوائل الباحثين الذين استفادوا من العلوم الأخرى في أبحاثهم مثل العلوم الدقيقة والكيمياء وعلم الحياة والأحياء وتقنية التأريخ الدقيق بواسطة الكربون 14 وتحليل الحمض النووي DNA ومعالجة الصور التي يمكنها فخص اللقى الفخارية التي يزيد عمها عن 3000 سنة.. وغيرها من التقنيات الحديثة والحاسوبية في إعادة البناء الأثري والتاريخي. قاد ، ومازال، الحفريات الحالية في موقع مجدو (الموقع الرئيسي لدراسة العصر البرونزي والعصر الحديدي في جنوب بلاد الشام- فلسطين). لفنكلشتين عدد كبير من المؤلفات ( سواء مفردة أو بالتشارك مع آخرين) ويعرفه القارىء العربي من خلال الكتاب المشترك مع نيل آشر سيلبيرمان " التوراة مكشوفة على حقيقتها". وقد عملت على ترجمة بعض مؤلفاته مثل: "المملكة المنسية" و"البحث عن إسرءيل القديمة، "و البنى الآثارية للاستيطان الإسرءيلي في فلسطين في العصر الحديدي" ونشرتها رقمياً على المواقع المختلفة
**التاريخ التثنوي تعبير اصطلاحي يشير إلى "المادة التاريخية" المبثوثة في أسفار التثنية ويوشع والقضاة وسفري صموئيل وسفري الملوك.
*** يتردد صدى مشاعر دو فو عند ويليام أولبرايت، عميد علم الآثار الكتابي، الذي يصر على أن "الصورة في سفر التكوين هي صورة تاريخية بشكل عام، وليس هناك أي سبب يدعو للشك، عموماً، في صحة تفاصيل السيرة الذاتية التاريخية". ومن الواضح أنه من غير الممكن قراءة مرويات “الآباء والخروج و الغزو” التي تصف التاريخ التكويني “لشعب إسرءيل” باعتبارها، أي المرويات، وصفاً تاريخياً مباشراً وسرداً تسلسلياً من الأقدم للأحدث، إنما يجب أن يتم فهمها من منظور الحقبة التي دونت فيها. ويجادل كل من جون فان سيترس وتوماس طومسون، بأن اختيار وترتيب القصص يعبر عن رسالة واضحة من قبل محرري الكتاب أثناء جمعه أكثر من كونه يحفظ وصفاً تاريخياً موثوقاً للأزمنة المبكرة، حتى لو كانت النصوص المتأخرة تحتوي على بعض التقاليد المبكرة .ومن المحتمل أن العديد من هذه القصص تحفظ ذكريات قديمة، وحكايات فلكلورية، وأساطير وحكايات سببية. وتبدو هذه المرويات كأنها إطار جامع للقصص الكتابية التي تصف ظهور المملكة الداوودية والسليمانية (سرديات الآباء والخروج، التي اندمجت بسرديات السبي وما بعده). علاوة على ذلك، تفضح الطريقة التي تم فيها تجميع هذه السرديات هدفها في خدمة الأهداف الإيديولوجية لمؤلفيها في العصر الحديدي الثاني المتأخر. ولعل هذا ما دفع الآثارية الألمانية هيلغا زيدن إلى القول: "في كل مرة نتحدث فيها عن فلسطين يرفعون في وجهنا توراتهم.. إن علم الآثار التوراتي سبّب الكثير من الدمار والضرر في دراسة تاريخ المنطقة العربية، وكل إسرائيل قائمة على التوراة، ويكررون دون ملل أنهم جاؤوا إلى فلسطين لأن التوراة قالت ذلك، وهذا غير ممكن ولا يمكن القيام بذلك تحت أية ذريعة أو توهم".
**** استخدام الكربون المشع في تحديد عمر قطعة أثرية: يوحد عنصر الكربون في المواد العضوية فقط أي المواد والمتعضيات سواء كانت حية أو ميته, ولا يوجد في المواد غير العضوية كالمعادن والحجارة.. والكربون 14 هو نوع من الكربون غير مستقر ومشع. ونسبته في الجو ثابتة تقريباً ( مقابل 98.89% من الكربون 12 و1.108% من الكربون 13) لأن الكربون 14 ينتج من اصطدام قذائف من الجسيمات الكونية بنوى ذرات الكربون 12 الموجود في طبقة الستراتوسفير المنخفضة من الجو. وهذه القذائف متوافرة باستمرار وتأتي من أعماق الكون. وتحتوي المادة العضوية (أثناء حياتها) على أنواع الكربون الثلاثة. يقدر نصف العمر المتبقي من الكربون المشع 14 5568 سنة. فإذا علمنا أن النبات طالما هو حي فهو يعمل على امتصاص الكربون من الهواء، حيث تكون نسبة الكربون المشع فيه 1,9 %. وتبدأ كمية هذا الكربون المشع في التناقص بعد موت النبات، بينما تبقى كمية الكربون العادي ثابتة. ومع مرور الوقت تتغير نسبة الكربون المشع C14 إلى العادي C12 بسبب انخفاض كمية الكربون المشع وثبات كمية الكربون العادي. وهذا التغير هو المفتاح لمعرفة عمر القطعة.. ولتحديد عمر قطعة أثرية عن طريق الكربون المشع يشترط أن تحتوي على مادة عضوية؛ مما يعني وجود نوعي الكربون المذكورين؛ وحيث أننا نعرف أن الكربون المشع بعد 5568 سنة يفقد نصف كميته. فيمكن بعد تحليل المادة العضوية على القطعة الأثرية التوصل الى معرفة نسبة الكربون المشع الى العادي. ومن هذه النسبة ومعرفة نصف العمر نتوصل إلى معرفة عمر القطعة، على افتراض أن المادة العضوية عليها قد ماتت حين صنعت. وبدأ الكربون المشع بالتناقص.
هوامش
1- يقول فنكلشتين حول الفصل بين البحث والتقاليد والمعتقد أي الإيمان: " أنا مؤمن بدرجة كبيرة في الفصل التام بين التقاليد والبحوث، أنا شخص يحتفظ في بقعة دافئة في قلبه الكتاب المقدس وقصصه الرائعة. ولا تستمع لبنتاي اللتان تبلغان الحادية عشر والسابعة من عمرهما خلال عيد الفصح أي كلمة عن عدم وجود خروج من مصر، ولكن سوف نقول لهما قصة مختلفة عندما تبلغان سن الخامسة والعشرين. الاعتقاد- الإيمان والتقاليد والبحوث هي ثلاثة خطوط متوازية يمكنها أن تتواجد في وقت واحد، ولا أرى تناقضاً جسيماً في ذلك". يؤمن فنكلشتين أن قصة الملك داود المذكورة في نصوص العهد القديم، على سبيل المثال، تمثل بالنسبة لليهود "معنى السيادة الإقليمية على الأرض، مثلما تمثل أسطورة الإمبراطورية بالنسبة للمسيحين، فضلاً أن داود بالنسبة للمسلمين نبي صالح جاء قبل محمد ويرتبط ارتباطاً مباشراً بيسوع والمسيحية، وبالتالي فقصة هذا الملك العبراني ليست هي الأهم في الكتاب المقدس فحسبـ بل هي الأهم في "ثقافتنا".للمزيد انظر، Lori, Aviva (2005) ‘The Greatest Spin in History’, Haaretz.co.il (26 February). English version [‘Grounds for Disbelief’] available at http://www.haaretz.com/grounds-for-disbelief-1.10757.
2- انظر، Thompson (1974), 57 ”A Testimony of the Good King: Reading the Mesha Stele”, Ahab Agonistes: The Rise and Fall of the Omri Dynasty, ed. Lester L. Grabbe (London: T&T Clark 2007), 236-292 Biblical Narrative and Palestine’s History: Changing Perspectives 2 (Sheffield: Equinox 2013).
3- وضع يوليوس فلهاوزن في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ما يعرف بالفرضية الوثائقية في مؤلفه المعروف "المقدمة النقدية لتاريخ إسرءيل القديمة", وتنص فرضية فلهاوزن على أن البنيان الأدبي للأسفار الموسوية (التناخ أو الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم) يتكون من أربعة مصادر مختلفة تعود لعصور مختلفة، وكان يرى في اليهودية -كدين خلقته المؤسسة الكهنوتية في فترة الهيكل الثاني- منظومة عقائدية مؤلفة من وصايا وطقوس، وهي، برأيه، مرحلة متدنية من دين "الإسرءيليين القدماء واليهوذيين والملكية (الدولة)". للمزيد انظر، Wellhausen, Julius (2013 [1878]) Prolegomena to the History of Ancient Israel (New York: Cambridge University Press).
4- انظر، Glock, A. 1995 Cultural Bias in the Archaeology of Palestine. Journal of Palestine Studies, 24(2): pp.55. شكل اغتيال الدكتور ألبرت غلوك، المفجع، صدمة لكل دعاة التوجه العقلاني لجعل تاريخ فلسطين الآثاري تاريخاً مستقلاً عن الهيمنة الكتابية والمفاهيم التوراتية السائدة. كما عبّر -اغتياله بتلك الصورة الفظة والسهلة بآن معاً- عن عدم تحلّيه بالحنكة السياسية وافتقاره للوصول للمعنى الحقيقي الكامن في فعالية البحوث الأثرية والمخاطر الناجمة عنها .لقد فهم غلوك، وهو على حق، أن المضامين السياسية لعلم الآثار, لاسيما بنزعته القومية، تشكّل عواقب خطيرة من شأنها تقويض بنيانه كتخصص يراد له ومنه تأويل الماضي. وتكاد تنحصر التحيزات المعرفية هذه في معالجة الصلات التي تربط آلية عمل البحوث الأثرية ومناهج البرامج السياسية والدينية المتمركزة إثنيا. ولعل ما يحدث في فلسطين هو أكبر مثال على معنى هذا الاضطراب الديني-القومي بشكله السياسي والذي يتم التعبير عنه من خلال النقاشات المتكررة بشأن الأثر القوي للبحوث الأثرية؛ وكان لغياب علم آثار "إسلامي" موازٍ لعلم الآثار الكتابي دور في تشكيل أحد المداخل الهامة لهيمنة رؤية واحدة على آثاريات المنطقة. ونظرا لعدم وجود بحوث آثارية تحاول إثبات التفسيرات الحرفية للقرآن، فإن المقاربات الآثارية التي قدمها غلوك (كما هو مبين في المقالة المذكورة) طوال فترة إقامته في فلسطين وحتى موته تسعى لتلبية مثل هذه الاحتياجات؛ وعلى وجه الخصوص لمجتمع الفلاحين الفلسطينيين المهمشين. ورغم ذلك ؛ فإن تجربة الدكتور غلوك في تعاطيه مع المآزق الفكرية لعلم آثار كتابي يستنسخ تقاليده المعرفية من مفاهيم عنصرية تتمثل في الاستبعاد والتحيز وتدمير الطبقات الإثنية الآثارية غير المرغوب فيه كانت بلا شك تجربة محكوم عليها بالفشل.
5- يصف الكتاب المقدس كيف استولى الملك داود على حصن صهيون الصغير حيث كان يقيم اليبوسيين وحوّله إلى عاصمة دولته وهي المكانة التي ظل فيها هذا الحصن محتفظاً بها طيلة فترة المملكة المتحدة الكتابية، أي القرن العاشر ق.م تقريباً، وبعد وفاته ارتقى سليمان "ابنه وخليفته" إلى العرش، فبنى، والكلام على ذمة العهد القديم، عدة قصور ومعبد فخم، ويستمر النص في وصف المدينة بالقول أنها كانت جميلة وعاصمة إمبراطورية عظيمة وغنية جعلت ملكة مثل بلقيس تحبس أنفاسها عند زيارتها ومشاهدة غنى وثراء سليمان.. ولكن ماذا تقول اللقى الآثارية؟ في الواقع، لم يعثر في المدينة الحالية، القدس، أورشليم المفترضة، على أي من المباني الموصوفة، فلا قصور ولا هيكل ولا بيت مستدير كما يذكر محرر سفر صموئيل الثاني في الإصحاح الخامس: " 9 وَأَقَامَ دَاوُدُ فِي الْحِصْنِ وَسَمَّاهُ «مَدِينَةَ دَاوُدَ». وَبَنَى دَاوُدُ مُسْتَدِيرًا مِنَ الْقَلْعَةِ فَدَاخِلًا". على الرغم من أن علماء الآثار يفترضون أحياناً أنهم عثروا على بعض المباني، غير أن هذا لا يعني أنه لم توجد المدينة، فربما اختفى كل شيء وتآكل، وربما هي في مكان آخر غير المكان الذي يبحثون فيه عنها. قد لا نجد مدينة العهد القديم الفخمة التي تعود للقرن العاشر ق.م، وذلك لأنها ببساطة لم تكن موجودة قط. أو ربما كانت مدينة أكثر تواضعاً بكثير مما يصفه النص، فما تم العصور عليه من لقى تعود لتلك الحقبة هي عبارة عن مبانٍ عامة وتحصينات فقط. كانت القدس مجرد بلدة صغيرة، ربما لا تزيد مساحتها عن 12 هكتار، ولم يكن يسكنها اكثر من 2000 نسمة فقط، ناهيك عن "تاريخية" و"صحة" اسمها المفترض "أورشليم" الذي هو بحث آخر بحد ذاته. للمزيد انظر، Margreet L. Steiner 2009 The “Palace of David” Reconsidered in the Light of Earlier Excavations,2009:http://www.bibleinterp.com/articles/palace_2468.shtml
6- انظر، Thompson, T. L. 1987: The Origin Tradition of Ancient Israel. Journal for the Study of the Old Testament. Supplement Series 55. Sheffield Academic Press, Sheffield
المصادر
http://asorblog.org/2016/05/02/the-role-of-biblical-archaeology-in-exegesis-an-interview-with-professor-israel-finkelstein
http://individual.utoronto.ca/mfkolarcik/jesuit/finkelstein.html
http://archaeology.tau.ac.il/internationalma/?p=3324
https://www.newyorker.com/magazine/2020/06/29/in-search-of-king-davids-lost-empire
..

https://www.yarmoukcamp.net/%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%ab%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d8%ba%d9%85/



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زكريا الزبيدي في عيون صديق
- التآكل الخفي لهيمنة الدولار: عوامل التنويع النشطة وصعود احتي ...
- لماذا تقلق موسكو من حلم زيلينسكي بأن تصبح أوكرانيا -إسرائبل ...
- -إمسك حرامي- : استيلاء النخبة على أموال المساعدات والقروض: أ ...
- ما هو هذا النظام الدولي القائم على القواعد؟
- تخيل أوكرانيا، قراءة في كتاب أليسا فاليس - ذكريات ستاروبييلس ...
- البنى الآثارية للاستيطان الإسرءيلي في فلسطين (3)
- حول سبب مسؤولية الغرب بشكل أساسي عن الأزمة الأوكرانية
- بوتين مجرم حرب - وكذلك كانت مادلين أولبرايت
- مطعم فرانز كافكا في أورشليم: أمنية لم تتحقق
- طريق حورس الحربي أو طريق -الفلستيين-: تأملات آثارية
- عرين الأسود: الصهيونية واليسار من حنّة أرنت إلى نعوم تشومسكي ...
- ” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قر ...
- الحدود الحرجة للتاريخ -الجديد- للرأسمالية: قراءة في كتاب -عص ...
- أرض رأس المال، تاريخ الولايات المتحدة كتاريخ الرأسمالية: قرا ...
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ...
- رواية -الرئيس والضفدع-: ماذا يعني أن تكون لاعباً سياساً جيدا ...
- -الحب في زمن الحرب: سنواتي مع روبرت فيسك-
- مجرم حرب يموت
- مسائل التاريخ: لماذا علينا الاعتراف بمطالب الفلسطينيين


المزيد.....




- السعودية.. مواطن يحاول حرق 3 سيارات في الرياض والشرطة تكشف د ...
- السعودية.. مواطن يحاول حرق 3 سيارات في الرياض والشرطة تكشف د ...
- بعد إطلاقه مشروع الطاقة الكهروضوئية.. الأسد يحدد أوجه الشراك ...
- طالبان تطلق النار في الهواء لتفريق تجمع لنساء دعماً للمتظاهر ...
- مهسا أميني: تواصل الاحتجاجات في إيران والرئيس رئيسي يحذر من ...
- شاهد: الإعصار إيان يضرب فلوريدا ويقطع الكهرباء عن مليون مسكن ...
- مسلحون مجهولون يتمكنون من تهريب سجين في ميسان
- إسقاط طائرة إيرانية مسيرة بنيران -مقاتلة أميركية-
- الاحتقان سيستمر بجامعات إيران.. أكثر من 200 أستاذ يحذرون
- أول تحرك عراقي رسمي بشأن القصف الإيراني الأخير


المزيد.....

- نحو رؤية وسياسات حول الأمن الغذائي والاقتصاد الفلسطيني .. خر ... / غازي الصوراني
- الاقتصاد السياسي للتحالف الاميركي الإسرائيلي - جول بينين / دلير زنكنة
- زيارة بايدن للمنطقة: الخلفيات والنتائج / فؤاد بكر
- التدخلات الدولية والإقليمية ودورها في محاولة تصديع الهوية ال ... / غازي الصوراني
- ندوة جامعة الاقصى حول أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية / غازي الصوراني
- إسرائيل تمارس نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) ضد الفلسطينيي ... / عيسى أيار
- كتاب بين المشهدين / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية / سعيد العليمى
- ” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قر ... / محمود الصباغ
- بمناسبة 54 عاماً على انطلاقة الجبهة الشعبية التطورات الفكرية ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - علم الآثار التوراتي في إسرائيل: حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن