أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - ” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قراءة في كتاب” كتابات يهودية”















المزيد.....



” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قراءة في كتاب” كتابات يهودية”


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 7106 - 2021 / 12 / 14 - 21:28
المحور: القضية الفلسطينية
    


ترجمة محمود الصباغ
” أتعلم! يعتقد اليساريون إني محافظة، ويعتقد المحافظون إني يسارية أو منشقة، أو الرب وحده يعلم ما يظنون بي.. وعليّ القول إني لا أهتم لكل هذا. لا أعتقد أن الأسئلة الحقيقية لهذا القرن تأتي من مثل هذا النوع من الطروحات”. هكذا قالت حنّة آرنت ذات مرة.

ولا يجعل كتاب آرنت “الكتابات اليهودية” من السهولة بمكان الوقوف على مسألة انتمائها السياسي. وتسعى آرنت، في هذه الافتتاحيات والمقالات والقطع غير المكتملة التي يتضمنها الكتاب، إلى التأكيد على المفارقات السياسية التي تكتنف الدولة القومية. فإذا ضمنت الدولة القومية حقوق المواطنين، فهذا بالتأكيد ضرورة؛ ولكن إذا اعتمدت على النزعة القومية وواصلت خلق أعداداً هائلة من الأشخاص عديمي الجنسية، فخليق بنا معارضتها دون تردد. فإذا ما تم معارضة الدولة القومية، فما الذي يمكن أن يكون بديل لها، هذا إن وجد مثل هذا البديل؟
تشير آرنت، وإن بشكل مختلف، إلى أنماط “الانتماء” ومفاهيم “النظام السياسي” التي لا يمكن اختزالها في فكرة الدولة القومية. حتى أنها صاغت، في كتاباتها المبكرة، فكرة “الأمة” المنفصلة عن كل من الدولة والأرض. حيث تحتفظ الأمة، عند آرنت، بمكانتها، على الرغم من تقلص هذه المكانة لديها بين منتصف ثلاثينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي، إلا أن النظام السياسي الذي تخيلته، حتى ولو لفترة وجيزة، هو شيء آخر غير الدولة القومية: نظام على نمط اتحاد فيدرالي يحقق مطالب السيادة القومية بجانب الفردانية الأنطولوجيّة على حد سواء. كما تستعرض في سياق نقدها للفاشية، وكذلك شكوكها تجاه الصهيونية، تلك الأشكال المتباينة من الدولة القومية التي تعتمد على النزعة القومية والتي تخلق حالة هائلة من الفقر وعديمي الجنسية. ومن المفارقات، وربما بقدر ما من الذكاء، أن المصطلحات التي انتقدت بها آرنت الفاشية استخدمتها في نقدها للصهيونية*، رغم عدم الخلط بينهما.

أوضحت آرنت في كتابها “أصول الشمولية”، الذي نُشر في العام 1951. أن مشكلة اليهود ليست في انعدام الجنسية، بمعنى أنها ليست مشكلة يهودية، بقدر ما هي تمثل من مأزق متكرر تعيشه دولة القرن العشرين القومية. ولا ينبغي أن يُنظر إلى ما حدث للشعب اليهودي في ظل حكم هتلر على أنه أمر استثنائي، بل يجب أن يُنظر إليه على أنه أسلوب نموذجي لطريقة معينة من طرق إدارة الأقليات السكانية؛ ومن ثم، اختزال “اليهود الألمان إلى أقلية غير معترف بها في ألمانيا”، وما تلى هذا من عملية طرد لليهود باعتبارهم “أشخاصاً عديمي الجنسية عبر الحدود”، وتجميعهم “من كل مكان لنقلهم الجماعي إلى معسكرات الإبادة، ومثّلت هذه العملية استعراضاً بليغاً لبقية العالم حول كيفية “تصفية” جميع المشكلات المتعلقة بالأقليات وعديمي الجنسية”. وهكذا، تتابع آرنت القول، تبين، بعد الحرب، أن المسألة اليهودية، التي اعتبرت القضية الوحيدة غير القابلة للحل، حُلّت بالفعل -أي عن طريق استعمار منطقة ثم احتلالها- لكن حتى هذا لم يحل مشكلة الأقليات ولا عديمي الجنسية، بل على العكس من ذلك، أدى حل المسألة اليهودية، مثله مثل كل الأحداث الأخرى في القرن العشرين، إلى ظهور فئة جديدة من اللاجئين، أي العرب، وبالتالي زيادة أعداد عديمي الجنسية ومنزوعي الحقوق بمقدار 700 ألف إلى 800 ألف شخص. وما حدث في فلسطين، ضمن حدود جغرافي صغير قياساً بمساحات مناطق أخرى حول العالم، سوف يتكرر في بلد مثل الهند ليشمل الملايين من الأشخاص.
ربما كانت مثل هذه الآراء، إلى جانب انتقاداتها للصهيونية في عامي 1944 و 1948 ، هي التي أدت إلى ما ذكره غيرشوم شولم من مزاعم قاسية ضد آرنت في رسائلهما المتبادلة التي تعود للعام 1963، بعد نشرها كتاب “أيخمان في القدس”. حيث يصفها شولم بأنها شخص “عديم القلب” لخلوها من العواطف في سياق تركيزها على فهم شخصية أيخمان بصفته موظف ليس إلا. لقد كان ما كتبته، في حينه، مثيراً للجدل في عدد من التوصيفات**. وثمة من اعتقد أنها أخطأت في وصف تاريخ المقاومة اليهودية في ظل الفاشية، وأبرزت، بشكل غير عادل السياسات التعاونية للمجالس اليهودية، وهناك من أراد منها تحليل أيخمان، واعتباره رمزاً للشر. علاوة على ذلك، حاولت آرنت، في وصفها لمحاكمة أيخمان، دحض التكهنات المتعلقة بدوافعه النفسية باعتبارها لا تنتمي لآليات تطبيق العدالة. وعلى الرغم من أنها توافق على قرار المحكمة الإسرائيلية بأن أيخمان مذنب ويستحق عقوبة الإعدام، إلا أنها تتعامل مع الإجراءات والأسباب التي يستند إليها هذا الحكم. كما اعترض البعض على انتقادها العلني للمحكمة، بحجة أنه من غير المناسب، أو من غير اللائق انتقاد المؤسسات السياسية الإسرائيلية. لقد وجدت آرنت في أيخمان موظفاً مهنياً، وشخصاً مرتبكاً، وذا مزاج “مرح” يبتهج بشكل غير متوقع لعمليات الترحيل المشينة التي قام بها، وهذا ما يعني، ففشلها، في إرضاء أولئك من سعوا إلى إيجاد دوافعه تتويجاً لقرون من معاداة السامية، تجسدت أخيراً في سياسات الحل النهائي [النازية]. علماً أنها رفضت جميع هذه التفسيرات (إلى جانب رفضها التفسيرات النفسية الأخرى مثل “الذنب الجماعي”) من أجل إثبات أنه، أولاً، “لا يمكن للمرء أن يستخرج أي عمق شيطاني أو وحشي من أيخمان” وأنه إذا كان بهذا المعنى “تافهاً”، فإنه لا يمكن اعتباره “مألوفاً” لهذا السبب؛ وثانياً، واستناداً إلى “تفسيرات أعمق” توصف أفعاله على أنها قابلة للنقاش، لكن “الأمر الذي لا يقبل للنقاش هو عدم إمكانية القيام بأي إجراء قضائي على أساس توصيفات الأفعال هذه”.

ويتابع شولم دحضه لدوافع آرنت الشخصية، فيقول: “يوجد، في التقليد اليهودي، مفهوم يصعب تحديده ولكنه ملموس بما فيه الكفاية، والذي نعرفه باسم حب إسرائيل אהבת ישראל بمعنى، “حب الشعب اليهودي”، وحالك يا عزيزتي حنّة، مثلما هو حال العديد من المثقفين الذين أتوا من اليسار الألماني، يمتلكون القليل من الأثر في داخلهم لهذا الحب”. وكان جواب آرنت، بعد الجدل حول ما إذا كانت من اليسار الألماني أم لا (وفي الواقع، لم تكن حنّة آرنت ماركسية): أنت محق تماماً -فأنا لا أتأثر بأي “حب” من هذا النوع، ويعود ذلك لسببين: لم أحب قط في حياتي أي شخص، أو مجموعة -لا الشعب الألماني ولا الفرنسي ولا الأمريكي، ولا الطبقة العاملة، ولا أي شيء من هذا القبيل. أنا بالفعل أحب أصدقائي “فقط” والنوع الوحيد من الحب الذي أعرفه وأؤمن به هو حب الأشخاص. ثانياً، سيظهر لي “حب اليهود” هذا، بما أنني يهودية، كشيء مشكوك فيه إلى حد ما. لا أستطيع أن أحب نفسي أو أي شيء أعلم أنه جزء لا ينفصل من شخصيتي. ودعني أخبرك، لتوضيح ذلك، عن محادثة أجريتها في إسرائيل مع شخصية سياسية بارزة كانت تدافع -وفي رأيي كان دفاعها كارثياً- عن عدم فصل الدين عن الدولة في إسرائيل. ما قالته تلك الشخصية بما معناه -فلست متأكدة بعد مضي كل هذا الوقت من حرفية كلماتها بدقة-: “سوف تفهمين أنني، باعتباري اشتراكية [والكلام هنا للشخصية السياسية الإسرائيلية- المترجم]، لا أؤمن بالرب طبعاً؛ أنا أؤمن بالشعب اليهودي”. لقد وجدت هذا تصريحاً صادماً، ولأنني مصدومة للغاية، لم أرد عليها، في ذلك الوقت. وربما لو استطعت لأجبت: تمثلت عظمة هذا الشعب لأنه آمن ذات يوم بالرب، ويؤمن به بطريقة تجعل ثقته ومحبته تجاهه أعظم من خوفه. وها نحن الآن نرى كيف أن هذا الشعب بات يؤمن فقط بنفسه؟ فما هو الخير الذي يمكن أن يأتينا من جراء ذلك؟ وإذن، بهذا المعنى أنا لا “أحب” اليهود ولا “أؤمن” بهم؛ أنا فقط أنتمي إليهم كتحصيل حاصل، وهذا أمر لا خلاف ولا جدال عليه.
تثير نبرة ومضمون حجة آرنت عدة تساؤلات حول فهمها للانتماء اليهودي. فماذا قصدت بقولها إنها يهودية بطبيعة الحال؟ بمعنى كتحصيل حاصل، دون خلاف أو جدال؟ هل تود القول إنها يهودية بالاسم فقط، أي بحكم الوراثة الجينية أو الإرث التاريخي، أم بحكم مزيج الاثنين؟ هل ترى نفسها في مكانة اليهودي من الناحية الاجتماعية؟ ولكن تجنبت اعتبار نسب القرابة عندما وصفها شولم بأنها “ابنة شعبنا”، لكنها اعترفت بانتمائها: “لم أتظاهر قط بأنني شيء آخر أو أنني لست أنا، بطريقة ما، ولم أشعر حتى بمثل هذه الإغراء على هذا النحو في لحظة ما. ومن المحتمل أن الأمر أشبه بالقول إنني رجل ولست امرأة -وهذا يعني نوعا ما حد من الجنون”.. ثم تتابع القول “أن أكون يهودية” فهذه “حقيقة، في حياتي، لا جدال فيها” وتضيف: “ثمة هناك أمر مثل الشعور بالامتنان لجود الأشياء كما هي؛ أي لما هو مًعطى وليس لما هو مكتسب. لما هو فيزيقي physei وليس لما هو مُسمى nomo “. وكونها امرأة ويهودية سواء بسواء فهذا هو المقصود بقولها فيزيقي، وبالتالي فهي تتشكل طبيعياً ولا تتشكل بوصفها جزء من أي نظام ثقافي. لكن إجابة آرنت بالكاد تحسم مسألة ما إذا كانت هذه الفئات تُعطى أم تُكتسب؛ ومثل هذا المراوغة تجعل موقفها، بالكاد، “جنونياً”. أليس هناك مُكتسب لما هو مُعطى يعقّد التمييز الظاهر بين الفيزيقي والمسمى؟ تقدم آرندت نفسها على أنها يهودية يمكنها اتخاذ، وسوف تتخذ، مواقف سياسية مختلفة، سواء كانت تتفق مع فكرة أي شخص آخر عن الآراء التي يجب أن يتبناها اليهودي أو تلك التي ينبغي أن يكونها أو لا يكونها اليهودي. وأياً كان نمط الانتماء هذا بالنسبة لها، فهو لن ينطوي على التوافق مع الآراء السياسية القومية. كما أنه من الصعب، علاوة على ذلك، قراءة ردها على شولم باعتباره أي شيء آخر غير محاولة لفهم أو إعطاء بناء معين للبناء الفيزيقي الذي هي عليه. وهكذا فقد أيدت آرنت، منذ ذلك الحين، أي ثلاثينيات القرن الماضي، فكرة أن الشعب اليهودي “أمة”، حتى أنها رفضت أولئك اليهود الذين نأوا بأنفسهم بعيداً عن هذه الفكرة، وينبغي علينا أن نتساءل، هنا: ماذا حدث لآراء آرنت عن الأمة؟ وعن أنماط الانتماء الثقافي ما بين ثلاثينيات ومنتصف ستينيات القرن الماضي؟
حاولت آرنت من خلال “الكتابات اليهودية”، أن تخوض نضالاً في ما يعنيه أن يكون المرء يهودياً دون أن يحتفظ بإيمان ديني قوي، ولماذا من المهم، على الأرجح، التمييز، كما تفعل هي، بين اليهودي العلماني واليهودي المندمج. ففي نهاية المطاف، تصنف آرنت نفسها على أنها يهودية، مما يشكل فشلاً في خطط الاستيعاب والاندماج (المهمة التي تفقد دلالتها تماماً). وتجادل، في مقال غير مكتمل مؤرخ في حوالي العام 1939، بأن عقيدتي الصهيونية والاستيعاب تنبثقان من دوغمائية مشتركة. إذ يعتقد دعاة الاستيعاب أن اليهود ينتمون إلى الدول التي تستضيفهم (كتب الفيلسوف المناهض للصهيونية هيرمان كوهين في مطلع القرن العشرين أن اليهود الألمان هم ألمان أولاً وقبل كل شيء، ويمكنهم التطور والازدهار وتلقي الحماية فقط داخل دولة ألمانية)، بينما اعتقد الصهاينة أنه يجب أن يكون لليهود أمة، لأن كل أمة أخرى يتم تعريفها بشكل مستقل عن الأقليات اليهودية. وتوجّه آرنت نقداً لاذعاً لكلا الطرفين بقولها: “كلاهما يمتلكان العيب ذاته، وكلاهما ينشآن من الخوف اليهودي المشترك من الاعتراف بوجود مصالح متباينة دائماً بين اليهود وشرائح من الناس الذين يعيشون بينهم”. بعبارة أخرى، العيش مع آخرين لديهم اهتمامات متباينة هو شرط من شروط السياسة لا يمكن التخلي عنه دون تجاهل السياسة ذاتها. فلا يشكّل استمرار “المصالح المتباينة”، بالنسبة لآرنت، أساساً لاستيعاب، أو فصل الأقليات القومية. ويحتفظ كل من الصهاينة ودعاة الاستيعاب “بتهمة الغربة” الموجهة ضد اليهود: فيسعى الاستيعابيون إلى تصحيح هذه الغربة بالدخول إلى الدولة المضيفة كمواطنين كاملين، بينما يفترض الصهاينة أنه لا يمكن أن يكون هناك مضيف أجنبي دائم للشعب اليهودي، إذ سوف يتعرضون لنزعة معاداة السامية في أي ترتيب من هذا القبيل، وأن إنشاء دولة يهودية، فقط، هو الذي يمكن أن يوفر الحماية والمكان اللازمين.

يؤيد كلا الموقفين، إضافة إلى ما سبق، منطقاً خاصاً للأمة بدأت آرنت في تفكيكه، في بادىء الأمر، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عبر تحقيقاتها حول معاداة السامية وتاريخ اليهود في أوروبا، ثم تلى ذلك، طوال سنوات الحرب، من خلال مقالات افتتاحية عن فلسطين وإسرائيل. نُشرت في صحيفة “أوفباو Aufbau “، الألمانية اليهودية، وأيضاً نقدها اللاذع للدولة القومية وإنتاج الأشخاص عديمي الجنسية في “أصول الشمولية” في أوائل خمسينيات القرن الماضي. ومن الواضح أنه سيكون من الخطأ قراءة ردها على شولم وكأنه اعتناق منها لمبدأ الاستيعاب. كانت آرنت يهودية علمانية، لكن علمانيتها لم تطغَ على يهوديتها بقدر ما حددتها تاريخياً. لقد عاشت، على حد تعبيرها، في أعقاب إيمان معين مفقود. وأعطتها تجربتها مع الفاشية، وكذلك هجرتها القسرية إلى فرنسا في ثلاثينيات القرن الماضي، ومن ثم هروبها من معسكر الاعتقال في غور Gurs والهجرة إلى الولايات المتحدة في العام 1941، منظوراً تاريخياً محدداً عن مفاهيم اللاجئين وعديمي الجنسية ونقل وتشريد أعداد كبيرة من الشعوب. ظهر نقد آرنت للقومية، على نحو جزئي من تجربة المنفى والتهجير التي أثرت بشكل خاص على اليهود في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ولكن الطرد والتهجير لم يكونا، بالنسبة لها، من المشاكل الحصرية “اليهودية”، فهي مشاكل لم تقتصر عليهم قط. وتعتقد أن هناك ثمة التزام سياسي يتطلب تحليل ومعارضة عمليات الترحيل ونقل السكان وسحب الجنسية بطرق ترفض الروح القومية. ومن هنا جاء نقدها لكل من الصهيونية والاستيعاب. ومن هنا، أيضاً، أتت تسميتها الظاهرة الواضحة لملاحظتها على كلام شولم بأنها لا “تحب” اليهود أو لا “تؤمن” بهم، ولكنها “تنتمي” إليهم فقط. وهنا يتم وضع كل من “الحب” و “الإيمان” بين علامتي اقتباس، ولكن أليس هذا يقع أيضاً ضمن عمومية، “اليهود”، التي تعترض عليها؟ ففي النهاية، نراها تقول إنها لا تستطيع أن تحب “الناس”، بل يمكنها أن تحب “أشخاصاً” فقط.

ما الخطأ في فكرة محبة الشعب اليهودي؟

جادلت آرنت، في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، بأن الجهود المبذولة “لتحرير” اليهود في أوروبا القرن التاسع عشر لم تُستثمر في تقريرهم لمصيرهم بقدر ما استثمرت في مبدأ معين للتقدم، وهو مبدأ يتطلب اعتبار اليهود مجرد فكرة مجردة: ( كان يبغي لفكرة تحرير اليهود أن تشمل ليس فقط اليهود الذين قد نعرفهم أو لا نعرفهم، ليس البائع المتجول المتواضع أو المرابي الذي يقرض مبالغ كبيرة من المال، ولكن كان عليها أن تشمل “اليهودي بشكل عام”). تماماً مثلما جاء يهود استثنائيون، مثل موسى مندلسون ، ليدافعوا عن “اليهود بشكل عام”، كذلك جاء “اليهودي” ليقف مع تقدم حقوق الإنسان. كان التأثير، وفقاً لآرنت، هو فصل المبدأ عن الشخص: “قولبت التنويرية التقدمية، ببراعة، في معارضتها لمعاداة السامية اليهودي العادي على أنه ضار في الوقت عينه الذي دافعت فيه عن حقوق اليهود بشكل عام. لذلك عندما ترفض آرنت حب “الشعب اليهودي”، فإنها ترفض تكوين ارتباط مع فكرة مجردة وفرت مقدمة وحجة لنزعة معاداة السامية.

يعتبر توبيخ شولم، لآرنت، إشكالياً، لاسيما، لأنه يكتب من إسرائيل في العام 1963 ويعترض على رواية آرنت القاسية لإجراءات المحكمة الإسرائيلية أثناء محاكمة أيخمان. ويتهمها ليس فقط بعدم محبة الشعب اليهودي، ولكن بتشكيكها فيما إذا كانت إسرائيل ومحاكمها -وربما أيضاً استراتيجياتها في الشيطنة- تسير وفقاً لطرق مشروعة. فعندما يشير إلى الشعب اليهودي، فهو يستبعد يهود الشتات أو غير الصهاينة، وبالتالي يعيد إنتاج الانقسام داخل الثقافة والسياسة اليهودية بين محبي الذات وكارهيها.

ومن الواضح معارضة آرنت للقومية اليهودية القائمة على افتراضات علمانية. لكنها لا تجد نظاماً سياسياً قائماً على أسس دينية يمكن قبوله بصورة أكثر من تلك القائمة على الافتراضات العلمانية. فعلى النظام السياسي العادل توسيع دائرة المساواة ليشمل جميع المواطنين وجميع الجنسيات: هذا هو الدرس الذي تتعلمه، آرنت، من معارضتها للفاشية. فهي تشعر بقلق صريح بشأن انتقال اليهودية من مجموعة من المعتقدات الدينية إلى هوية سياسية قومية، وكتبت بهذا الخصوص: “أولئك اليهود الذين لم يعودوا يؤمنون بإلههم بطريقة تقليدية ولكنهم يستمرون في اعتبار أنفسهم ( مختارين) بطريقة أو بأخرى لا يمكن أن يقصدوا، بإيمانهم هذا، سوى أنهم، بطبيعتهم، أفضل أو أكثر حكمة، واكثر تمرداً أو أنهم ملح الأرض. وهذا سيكون، كيفما قلبناه على أوجهه المختلفة، ليس سوى نسخة من الخرافات العنصرية. وزعمت في لحظة ما أن” بؤسنا القومي “بدأ عندما تخلى اليهود عن القيم الدينية:” فمنذ ذلك الحين أعلنا أننا الوجود في حد ذاته، كشيء ذي قيمة -بدون أي محتوى قومي أو، عادةً، بدون محتوى ديني-“. على الرغم من أنها تتفهم النضال من أجل البقاء على أنه جانب لا غنى عنه لكون المرء يهودياً في القرن العشرين، إلا أنها تجد أنه من غير المقبول أن “البقاء نفسه” قد تفوق على مُثُل العدل والمساواة أو الحرية.
اعتقدت آرنت، في أواخر ثلاثينيات وأوائل أربعينيات القرن الماضي، أن اليهود قد يصبحون أمة بين الأمم، وجزءً من أوروبا الفيدرالية؛ وتخيلت أن جميع الدول الأوروبية التي كانت تناضل ضد الفاشية يمكن أن تتحالف مع بعضها البعض، وأن اليهود قد يكون لديهم جيشهم الخاص الذي سيحارب الفاشية إلى جانب الجيوش الأوروبية الأخرى. لذلك ارتكز جدالها، آنذاك، من أجل تحقيق أمة بلا أرض، أمة لا معنى لها إلا في شكل فدرالي، والتي سوف تكون، بحكم التعريف، جزءً أساسياً من التعددية. غير أنها فضّلت، لاحقاً، اقتراح دولة يهودية عربية فيدرالية كبديل للفكرة الراسخة بأن دولة إسرائيل يجب أن تقوم على مبادئ السيادة اليهودية. وسوف تكون “السيادة اليهودية”، في الواقع، خطأً فادحاً لدعاة الاقتراح الثاني، لأنها سوف تعني ائتلاف أمة واحدة في الدولة بطرق من شأنها أن تؤدي حتماً إلى ظلم هائل للأقليات. وقد كتبت في العام 1943: “لا يمكن إنقاذ فلسطين كوطن قومي لليهود إلا إذا دمجت (مثل الدول والجنسيات الصغيرة الأخرى) في اتحاد فيدرالي”. ورغم أن هذا الطرح يمثل حلاً سياسياً علمانياً، إلّا أنها ذكرت في العام 1941 الأساس المنطقي له بالإشارة إلى مثل ديني، فكتبت “نريد نحن، كيهود، أن نقاتل من أجل حرية الشعب اليهودي، لأنه ( إذا لم أقاتل من أجلي- فمن سيقاتل من أجلي)؟،ونريد، بصفتنا أوروبيين أن نقاتل من أجل حرية أوروبا، لأنه (إذا كنت أنا نفسي فقط -فمن أنا؟)” هذا هو السؤال الشهير لهليل، الشارح اليهودي من القرن الأول. وتعتمد آرنت، هنا، وفي أماكن أخرى، على التقاليد الدينية اليهودية لصياغة مبادئ سياسية قادرة على تنظيم المجال العلماني للسياسة (وهو شيء آخر غير إرساء السياسة العلمانية على المبادئ الدينية). لا تقتبس آرندت من هليل عندما تكتب إلى شولم بعد نحو 22 عاماً -فهناك، في مراسلاتها تلك، ترفض طرح صياغة دينية لهويتها- ولكن يمكن سماع صدى هليل في الكلمات التي تستخدمها: “لا أستطيع أن أحب نفسي أو أي شيء أعرفه باعتباره جزء لا ينفصل من شخصيتي؛ والآن، إذا كان هذا الشعب يؤمن فقط بنفسه؟ فما هو الخير الذي يمكن أن يخلقه هذا الإيمان”؟ إنها لا تستطيع أن تكون لنفسها فقط، فمن تكون هي حينئذٍ؟ ولكن إذا لم تكن لنفسها، فمن ستكون؟

قصدت آرنت غير اليهودية بالطبع، في ثلاثينيات وأوائل أربعينيات القرن الماضي، العشيرة الأوروبية. وسوف تبذل، لاحقاً، بعض الجهد للتفكير فيما قد يعنيه “الانتماء” لليهود والعرب الذين يسكنون الأرض عنها، لكن وجهات نظرها طوال هذه الفترة المبكرة سوف تتمحور حول أوروبا بطريقة لا لبس فيها. وليس أدلّ من ذلك، إصرارها في كانون الأول (ديسمبر) 1941 عل القول: “نحن ندخل هذه الحرب كشعب أوروبي”، بانحراف واضح عن تاريخ اليهودية من خلال تهميش السفارديم والمزراحيم (الذين تشير إليهم باسم “اليهود الشرقيين” في كتاب ” أيخمان في القدس”). كما يطغى أيضاً، في الكثير من كتاباتها اللاحقة، الافتراض حول التفوق الثقافي لأوروبا، ويتجلى ذلك في انتقاداتها الشديدة لـ [ فرانز] فانون، وفضحها لتعليم اللغة السواحيلية في[ جامعة] بيركلي، ورفضها لحركة قوة السود في الستينيات. ومن الواضح أنها لا تضع الأقليات العرقية في الاعتبار عندما تفكر في من يعانون من انعدام الجنسية والطرد. ويبدو، أيضاً، أنها فصلت الأمة عن الدولة القومية، ولكن حين يقتصر مفهوم “الأقليات” على الأقليات القومية، فإن “الأمة” لا تتفوق على “العرق” كفئة فحسب، بل تجعل العرق أمراً غير محتملاً. وتتابع على نفس المنوال، بأنه إذا كان اليهود “أمة” بدون دولة قومية، فهل يسمح ذلك بنشوء مفهوم يحمل طابع التشتت العرقي والجغرافي للتراث اليهودي بما يشمل السفارديم والمزراحيم؟
كان للانتماء القومي، في ثلاثينيات القرن الماضي، قيمة مهمة لدى آرنت، لكن القومية لم تكن مفيدة. ثم تأرجحت آراءها، خلال السنوات العشر التي تلت ذلك. فأشادت، في العام 1935، بمارتن بوبر والمشروع الاشتراكي للكيبوتسات. ودعمت، في أوائل الأربعينيات***، الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين، ولكن بشرط أن يقاتل اليهود أيضاً من أجل الاعتراف بهم “كأمة” داخل أوروبا؛ ونشرت في الوقت ذاته العديد من الافتتاحيات التي طالبت فيها بفصل فكرة الأمة عن فكرة الإقليم. وهو الأساس الذي جعلها تدافع عن اقتراح إنشاء جيش يهودي، وانتقدت بشدة علاقة الحكومة البريطانية “الملتبسة” باليهود، كما يتضح من خلال مضمون الكتاب الأبيض الشهير للعام 1939 الذي حد من عدد اللاجئين اليهود المسموح لهم بدخول فلسطين. غير أنها كتبت أيضاً، لكن في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، أن “إفلاس الحركة الصهيونية الناجم عن واقع فلسطين هو إفلاس في الوقت عينه لوهم إنشاء سياسة يهودية مستقلة ومعزولة”. وانتباها القلق، في العام 1943، من أن الاقتراح الذي يقول بأنه لا يمكن الحفاظ على دولة ثنائية القومية في فلسطين إلا من خلال تعزيز اعتماد فلسطين على بريطانيا والقوى الكبرى الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. كما عبرت عن قلقها في أحيان أخرى أيضاً، من أن قيام [دولة] ثنائية القومية سوف تعمل لصالح السكان العرب فقط، وضد مصالح اليهود. وجادلت في مقالتها “إعادة النظر في الصهيونية” (1944)، بأن مخاطر إقامة دولة على مبادئ السيادة اليهودية يمكن أن تؤدي إلى تفاقم مشكلة عديمي الجنسية التي ازدادت حدتها في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية. وحتى، أوائل خمسينيات القرن الماضي، كما جادلت بأن إسرائيل تأسست من خلال الاحتلال الاستعماري بمساعدة القوى العظمى، وعلى أساس متطلبات المواطنة المعادية للديمقراطية. ونظرت بقلق، في ثلاثينيات القرن الماضي، كيف زاد عدد اليهود عديمي الجنسية. وهكذا دفعها تهجير الفلسطينيين، في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الماضي، إلى التفكير بضرورة العمل على تقديم وتطوير تقريراً أكثر شمولاً عن عديمي الجنسية.

تصف آرنت في “إعادة النظر في الصهيونية”، “سخافة” فكرة إقامة دولة يهودية في “مجال مصلحة” القوى العظمى، لأن مثل هذه الدولة سوف تعاني من وطأة “وهم الأمة”: “فقط السياسة الحمقاء هي التي يمكن أن تملي نوع من الممارسات السياسية التي تحمل في طياتها الثقة في حماية قوة إمبريالية بعيدة، بينما تنفر من حسن نوايا الجيران.” وتبدو آرنت أنها حريصة، من ناحية، على إيجاد سبل لإسرائيل / فلسطين من أجل البقاء؛ كما تتنبأ، من ناحية أخرى، بأن الأسس المقترحة للنظام السياسي سوف تؤدي إلى الخراب. فتقول: “إذا تم الحصول على الكومنولث اليهودي في المستقبل القريب.. فسوف يكون ذلك بسبب المساعدة السياسية لليهود الأمريكيين”. لكن إذا تم إعلان الكومنولث اليهودي ضد إرادة العرب وبدون دعم شعوب البحر الأبيض المتوسط​​، فلن تكون المساعدة المالية وحدها ضرورية فحسب، بل ثمة ضرورة لتأمين دعم سياسي لفترة طويلة قادمة. وقد يتضح أن هذا أمر مزعج للغاية بالنسبة لليهود في هذا البلد، الذين لا يملكون، في النهاية، سلطة توجيه المصير السياسي للشرق الأدنى”.

وتوقعت آرنت، في العام 1948، بعد أن فرضت الأمم المتحدة عقوبات على دولة إسرائيل، أنه “حتى لو انتصر اليهود في الحرب [الاستقلال]، فإن نهايتها ستدمر.. إنجازات الصهيونية في فلسطين..” وسوف يعيش اليهود المنتصرون محاطين بسكان عرب معادين لهم تماماً، ومعزولين داخل حدود مهددة دائماً، ويتم امتصاصهم، بمعنى إضعافهم، من خلال تكريس حياتهم للدفاع المادي عن النفس إلى درجة تُغمر فيها جميع المصالح والأنشطة الأخرى. وصرّحت ذات مرة، أن التقسيم لا يمكن أن يكون حلاً، بل أن الحل الأفضل هو قيام “دولة فيدرالية”. فمثل هذا الاتحاد الفيدرالي سوف يكون له، من وجهة نظرها،” ميزة منع إقامة السيادة[ لعلها تقصد السيادة القومية لطرف على طرف- المترجم] التي يكون حقها السيادي الوحيد هو الانتحار”. واستند استثمار أرندت في فكرة الاتحاد الفيدرالي على أنه الأمل في تقويض النزعة القومية ومعالجة مشكلة عديمي الجنسية. فإذا لم يكن النظام السياسي الذي يضمن الحقوق هو نظام الدولة القومية، فالبديل، عندئذ، إما اتحاد فيدرالي يتم فيه التراجع عن السيادة من خلال توزيع سلطة النظام السياسي، أو إطار لحقوق الإنسان يكون ملزماً لمن أنتجوه جماعياً. ولا تنتمي الحقوق إلى الأفراد، من وجهة نظر أرنت، ولكنها تُنتَج بالتنسيق من خلال ممارستها. ووجهة النظر ما بعد الميتافيزيقية هذه مناسبة لفكرة الفدرالية ما بعد القومية التي تخيلتها ليهود أوروبا في أواخر الثلاثينيات، ولهذا السبب يمكن للجيش اليهودي أن يمثل “أمة” اليهود دون أي افتراض بوجود دولة أو إقليم. وهذا أيضاً ما تخيلته في العام 1948 لليهود وللفلسطينيين، على الرغم من تأسيس دولة إسرائيل على أسس قومية ومزاعم سيادة يهودية. قد يكون من الممكن توجيه اللوم لآرنت على سذاجتها، ولكن لا يمكن لومها على بصيرتها في التنبؤ بتكرار حالات عديمي الجنسية واستمرار العنف الإقليمي. ويمكن القول إن آرنت تبنت سياسة الشتات، التي لم تتمحور حول الوطن اليهودي ولكن على حقوق عديمي الجنسية. ولقراءتها الآن يجب أن نتذكر بعض المقاطع الواردة في كتاب إدوارد سعيد “فرويد وغير الأوروبيين” حيث يقترح أن اليهود والفلسطينيين قد يجدون قواسم مشتركة في تاريخهم المشترك في المنفى والاقتلاع، وأن الشتات يمكن أن يصبح أساساً مشتركاً لنظام حكم في الشرق الأوسط. ويرى سعيد أن أساس التضامن، يمثل جزئياً، “طابع شتات الحياة اليهودية المتنقلة غير المحسومة”، مما يجعله “في عصرنا الزاخر بالتحركات السكانية الواسعة” بوجود أفواج من “لاجئين ومنفيين ومغتربين ومهاجرين”****. فإذا كانت آرنت تدافع، أحياناً، عن الوطن والانتماء (على الرغم من أنها تفعل ذلك بشكل أقل مع مرور الوقت)، فلا ينطلق دفاعها من الدعوة إلى قيام نظام حكم مبني على روابط الولاء الراسخة. فقيام النظام السياسي يتطلب القدرة على العيش مع الآخرين على وجه التحديد عندما لا يكون هناك نمط واضح للانتماء. هذه هي هزيمة حب الذات -حركة الابتعاد عن النزعات النرجسية والقومية- التي تشكل الأساس لقيام سياسة عادلة من شأنها أن تعارض النزعة القومية وتلك الأشكال من عنف الدولة التي تعيد إنتاج حالة انعدام الجنسية ومعاناة من يمثلوها.
تمثل معارضة آرندت لعمليات الاقتلاع ونزع الملكية التي طالت أي وكل أقلية انحرافاً عن التفكير اليهودي في العدالة. وموقفها هذا لا يعمم اليهودي، لكنه يعارض معاناة عديمي الجنسية بغض النظر عن الوضع القومي. ومن الواضح أن “الأمة” تستمر في تقييد مفهومها عن الأقلية المحرومة، وتترك مجموعة من الأسئلة المهمة دون إجابة: هل هناك من هو “خارجي” لكل نظام حكم فيدرالي؟ هل يجب أن يتولى الاتحاد الفيدرالي “السيادة” في سياق العلاقات الدولية؟ هل يمكن تنظيم العلاقات الدولية على أساس السياسة الفيدرالية، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن للاتحادات الدولية أن تفرض قوانينها دون اللجوء إلى السيادة؟

لقد اعتدنا خلال السنوات الأخيرة على الحجة القائلة بأن الدساتير الحديثة تحتفظ بوظيفة سيادية وأن الشمولية الضمنية تعمل كمبدأ مقيد داخل الديمقراطيات الدستورية. تولي قراءة جورجيو أغامبين لكارل شميت اهتماماً خاصاً لممارسة السلطة السيادية لإنشاء حالة استثناء تعلّق العمل في الحماية الدستورية وحقوق الاندماج للسكان المعينين في الأنظمة الديمقراطية القائمة. وتقدم كتابات آرندت في “كتابات يهودية” منظوراً مضاداً قيماً. على الرغم من أن أغامبين مدين بشكل واضح لحنّة لآرنت في كتابها “الشرط الإنساني The Human Condition “ في شرحه لـ “الحياة المجردة” (الحياة التي تم نبذها من قبل الحاضرة polis والمعرضة للقوة الغاشمة)، فإن ما تركز عليه آرنت هو الدولة القومية، وليس السيادة في عملها على النزعة الشمولية. من خلال الإصرار على أن انعدام الجنسية هو الكارثة السياسية المتكررة للقرن العشرين (وهي تتخذ الآن أشكالاً جديدة في القرن الحادي والعشرين)، وترفض آرنت إعطاء شكل ميتافيزيقي لـ “الحياة المجردة”. لقد أوضحت، في الواقع، في “أصول الشمولية” أن “الحالة الطبيعة” المزعومة التي ينتقل ​​إليها الأشخاص النازحون وعديمي الجنسية ليست طبيعية أو ميتافيزيقية على الإطلاق، ولكنها اسم لشكل سياسي محدد من العوز.
اقترحت منظمة عدالة، “المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل”، مؤخراً “دستوراً ديمقراطياً” لا يبدأ بسؤال “من هو اليهودي؟”، ولكن بسؤال “من هو المواطن؟” وعلى الرغم من إنها لا تسعى إلى الحكم على ما يؤسس المنطقة الشرعية لهذه الدولة، فهي تقترح فصلاً منهجياً بين الأمة والدولة، وبالتالي فهي تتماشى مع سياسة آرنت ونهجها. إن فكرة آرنت عن نظام حكم فيدرالي ليست هي نفسها التي تتمثل في الأنماط التعددية السائدة للتعددية الثقافية، غير أنها تطرح طريقة حياة سياسية، وليست مجرد مجموعة منقسمة من الهويات الثقافية السيادية، ولكنها تشتت السيادة والقومية والفردية على حد سواء في أشكال التعايش الاجتماعي والسياسي.

من المأمول، وربما من السذاجة، ولكن ليس لهذا السبب يمكننا الاستغناء عما هو مأمول بشكل دائم -على الأقل ليس بدون العنف الإقليمي المستمر الذي حذرت منه أرنت.

ملاحظات المترجم

*لاشك أن الصهيونية التي انتقدتها آرنت تختلف عن الصهيونية الحالية التي تجاوزت، يفعل عوامل كثيرة، ظروف نشأتها ومخاطر أن تصبح ” شبحاً حباً وسط أنقاض عصرنا” على حد قول آرنت نفسها، للمزيد انظر”Zionism Reconsidered,” Menorah Journal, vol. 23, no. 2 (October-December 1945), p. 172.

** لم يكن غرشون شولم وحدة من تعرض لآرنت بالانتقاد اللاذع لموقفها من محاكة أيخمان، ففي مذكرات الكاتب والناقد الأمريكي إدمون ويلسون يذكر أنه زاره الفيلسوف ومؤرخ الأفكار البريطاني ( من أصل روسي) إشعيا برلين زاره في أواخر العام 1966 ودار جدل بينهما ابدى فيه برلين “تحيزاً عنيفاً، وأحيانًا غير منطقي ضد الناس” ويقول ويلسون أن تحيز برلين ضد حنّة أرنت على خلفية ما تبته عن وقائع محاكمة إيخمان كان لافتاً للنظر، على الرغم من أنه لم يقرأ ما كتبته عن المحاكمة، علماً أن كتابها هذا أثار زوبعة من الجدل، ربما مستمرة حتى يومنا هذا، بين المهتمين بالأمر على اختلاف مشاربهم وفي ذات الوقت مازال يمثل نقطة جذب للقراء أيضاً، وليس خفياُ على المطلعين أن انهيار الاتحاد السوفييتي -ومن خلفه الشمولية السياسية كنظام حكم، في أوروبا ساهمـ إلى حد ما، في تجدد الاهتمام بأعمال آرنت ” لاسيما كتاباتها عن محاكمة أيخمان.
*** دعمت آرنت، في الواقع، قبل العام 1944 فكرة إقامة وطن يهودي في فلسطين أثناء الحرب ( علينا أن لا ننسى أنها كانت، قبل ذلك، تلميذة متحمسة للزعيم الصهيوني الألماني كورت بلومنفيلد والذي يعرف عادة بأبي صهيونية ما بعد الاستيعاب)، ، واعتبرت الصهيونية بأنها “حركة تحرر قومي للشعب اليهودي”، وسوف يكون بمقدور اليهود كسب العرب إلى صفهم في سبيل تحقيق مشروعهم القومي . كانت تعتقد أن اليهود سيكونون قادرين على كسب العرب إلى صفهم وكانت ترى أن الحل ينبغي أن يكون على أساس دولة ثنائية القومية، أي وجود أمة واحدة من قوميتين: “عرب ويهود” متساويتين في الأصوات والتمثيل والحقوق ولذلك عارضت بشدة قرار التقسيم 1947 . ودعمت دعم وصاية الأمم المتحدة التي سمحت بهجرة اليهود كإجراء مؤقت. رغم أنها انتقدت بشدة فكرة “الدولة اليهودية” في مقالها “إعادة النظر في الصهيونية” باعتبار مثل هذا لطرح يمثل رداً تضليلياً على مزاعم معادة السامية، ومثلما هو واضخ من قراءة جوديث بتلر هنا، كانت آرنت ترى في “اليهودية” هوية أوروبية، وبالتالي فإن إقامة أي “دولة يهودية” خارج أوروبا سوف يمثل محاكاة للمشروع الاستعماري الأوروبي حول العالم “غير الأوروبي”

****الاقتباسات الموجود مأخوذة من النسخة العربية لمحاضرة إدوارد سعيد فرويد وغير الأوربيين، التي نشرتها دار الآداب اللبنانية على هيئة كتاب في العام 2004 ، وللمزيد انظر ص 75 وما بعدها من النسخة العربية.

هوامش:

العنوان الأصلي: ‘I merely belong to them’

المؤلف: Judith Butler

المصدر: Judith Butler · ‘I merely belong to them’: Hannah Arendt · LRB 10 May 2007



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحدود الحرجة للتاريخ -الجديد- للرأسمالية: قراءة في كتاب -عص ...
- أرض رأس المال، تاريخ الولايات المتحدة كتاريخ الرأسمالية: قرا ...
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ...
- رواية -الرئيس والضفدع-: ماذا يعني أن تكون لاعباً سياساً جيدا ...
- -الحب في زمن الحرب: سنواتي مع روبرت فيسك-
- مجرم حرب يموت
- مسائل التاريخ: لماذا علينا الاعتراف بمطالب الفلسطينيين
- ثقافة الحاجز وتقنيات الهيمنة
- لماذا تحتاج النيوليبرالية إلى الفاشيين الجدد
- تقلبات المكان المقدس: بناء وتدمير وإحياء ذكرى المشهد الحسيني ...
- الفيلم الفلسطيني بين السردية والواقعية المفرطة والإيديولوجية ...
- الفيلم الفلسطيني بين السردية والواقعية المفرطة والإيديولوجية ...
- الفيلم الفلسطيني بين السردية والواقعية المفرطة والإيديولوجية ...
- دور بريطانيا في الحرب في سوريا
- سياسة بريطانية القديمةالجديدة: لا لدولة فلسطينية مستقلة
- 11/9 إلى الأبد
- فلسطين والفلسطينيون والقانون الدولي
- كيف نتحدث عن فشل منظمة التحرير الفلسطينية
- محو فلسطين لبناء إسرائيل: تحويل المناظر الطبيعية وتجذير الهو ...
- قصة لورنس العرب الحقيقية


المزيد.....




- تفاعل على تغريدة بلينكن بذكرى مقتل خاشقجي.. خديجة جنكيز ترد ...
- تفاعل على تغريدة بلينكن بذكرى مقتل خاشقجي.. خديجة جنكيز ترد ...
- انتخابات البرازيل: لولا وبولسونارو يواجهان جولة إعادة في الا ...
- زيلينسكي يعلن استعادة مناطق أخرى ويعد بالمزيد وروسيا تؤكد إح ...
- الرئيس الفرنسي يتعهد السعي مع شركائه في أوروبا لفرض -عقوبات ...
- البرازيل تتوجه نحو جولة ثانية من الانتخابات بعد تقارب النتائ ...
- البرازيل.. جولة ثانية في انتخابات الرئاسة لعدم حصول أي من ال ...
- لاتفيا.. حزب رئيس الوزراء يفوز بالانتخابات البرلمانية
- الكونغو الديمقراطية.. مصرع 14 مدنيا في هجوم مسلح شرق البلاد ...
- اليمن.. مسؤولون بالحكومة يشنون هجوما على الحوثيين


المزيد.....

- نحو رؤية وسياسات حول الأمن الغذائي والاقتصاد الفلسطيني .. خر ... / غازي الصوراني
- الاقتصاد السياسي للتحالف الاميركي الإسرائيلي - جول بينين / دلير زنكنة
- زيارة بايدن للمنطقة: الخلفيات والنتائج / فؤاد بكر
- التدخلات الدولية والإقليمية ودورها في محاولة تصديع الهوية ال ... / غازي الصوراني
- ندوة جامعة الاقصى حول أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية / غازي الصوراني
- إسرائيل تمارس نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) ضد الفلسطينيي ... / عيسى أيار
- كتاب بين المشهدين / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية / سعيد العليمى
- ” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قر ... / محمود الصباغ
- بمناسبة 54 عاماً على انطلاقة الجبهة الشعبية التطورات الفكرية ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - ” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قراءة في كتاب” كتابات يهودية”