أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمود الصباغ - قصة لورنس العرب الحقيقية















المزيد.....



قصة لورنس العرب الحقيقية


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 6999 - 2021 / 8 / 25 - 21:14
المحور: سيرة ذاتية
    


الحرب العالمية الأولى بعد 100 عام: قصة لورنس العرب الحقيقية
سكوت أندرسون*
ترجمة وإعداد: محمود الصباغ
يقال أن غارات لورنس العرب الجريئة في الحرب العالمية الأولى جعلت منه أسطورة، لكنها لم تمنع من تحوله إلى مجرد إرث محارب صحراء مكتوب بالرمال في الشرق الأوسط اليوم

يلوّح الشيخ خالد سليمان العطّون، المواطن المعروف وزعيم أحد العشائر في جنوب الأردن، بيده نحو الخارج، لجهة الشمال، ويقول: "هل تعلم أن لورنس أتى من هنا، من هذه الجهة"، وكان الشيخ العطّون بجلس في خيمته في بلدة المدوّرة وهو يحتسي الشاي ويشرب سجائر L&M بشراهة واحدة إثر الأخرى، وبتابع حديثه بالقول "لقد أتى لورنس عدة مرات، لكن أهمها كانت في كانون الثاني (يناير) من العام 1918، جاء برفقة بريطانيين آخرين في سيارات مصفحة وهاجموا الحامية التركية هنا، لكن الأتراك كانوا أقوياء للغاية، فما كان من المهاجمين إلا التراجع". ثم سحب نفساً عميقاً من سيجارته وأضاف، بمسحة من الفخر المدني: "أجل، لقد مرّ البريطانيون بأوقات عصيبة هنا". ويبدو، في واقع الحال، أنه بينما كان الشيخ محقّاً في جملته الأخيرة بشأن قدرة ومرونة الحامية التركية في المدوّرة، البؤرة السكنية المعزولة التي بقيت صامدة في وجه المهاجمين حتى الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، فإن مجاز القول عن تلك الزيارة الأسطورية التي يصفها الشيخ العطّون بأنها " أهم أوقات لورنس" مازالت موضع سجال، ففي رواية لورنس نفسه، يقول أن تلك الحادثة وقعت في أيلول - سبتمبر 1917، عندما قام هو وأتباعه العرب بالهجوم على محطة القطار جنوب المدوّرة مباشرة، فدمروا القاطرة وقتلوا حوالي 70 جندياً تركياً. كانت مدينة المدورة، الواقعة في أقصى جنوب الأردن، متصلة بالعالم الخارجي عن طريق هذه السكة الحديدية، وهي ما كانت تعتبر أحد أعظم المشاريع الهندسية في مستهل القرن العشرين. لقد كان مشروع خط الحجاز محاولة من السلطان العثماني لدفع إمبراطورتيه نحو الحداثة وربط أجزاء مملكته المترامية الأطراف.
كانت الفجوة الوحيدة المتبقية في الخطـ بحلول العام 1914، تقع في سلسلة الجبال واقعة في جنوب تركيا. وكان من الممكن، نظرياً، وعندما تم الانتهاء من أعمال حفر الأنفاق، السفر من العاصمة لعثمانية القسطنطينية إلى المدينة المنورة في شبه الجزيرة العربية على بعد حوالي 2000 كلم، دون أن تطأ الأقدام الأرض. ولكن حساب الحقل لاينطبق على حساب البيدر، كما يقال،، إذ وقع خط الحجاز فريسة الحرب العالمية الأولى على مدار عامين تقريباً، حيث هاجمت فرق التفجير والهدم البريطانية، بالتعاون مع حلفائها من المتمردين العرب، بشكل منهجي الجسور والمستودعات المعزولة التابعة لخط الحجاز، معتبرةً أن السكة الحديدية هذه تمثل نقطة ضعف و"كعب أخيل" العدو العثماني، باعتبارها خط الإمداد الذي يربط الحاميات العثمانية المعزولة بقلب تركيا.
كان من بين المهاجمين، ومن أكثرهم نشاطاً، ضابط شاب في الجيش البريطاني يدعى "توماس إدوارد لورنس". ووفقاً لإحصاءاته، قام لورانس شخصياً بتفجير 79 جسراً على طول مسار خط السكة الحديدية، وأصبح بارعاً للغاية لدرجة أنه أتقن أسلوباً في التفجير بجعل الجسر كتلة محطمة خارج الخدمة فعلاَ من "الناحية العلمية، رغم بقائه قائماً، وهذا ما كان يصعّب مهمة أطقم الصيانة التركية التي كانت تستهلك وقتاً طويلاً في تفكيك الاشلاء قبل بدء الإصلاحات. كانت الأضرار التي لحقت بالسكك الحديدية، مع اقتراب نهاية الحرب، واسعة لدرجة أنه تم التخلي عن جزء كبير منها. ويمتد الخط في الأردن اليوم من العاصمة عمان إلى نقطة تقع على بعد حوالي 65 كلم شمال بلدة المدوّرة، حيث ينحرف النتوء الحديث إلى جهة الغرب. وكل ما تبقى حول المدوّرة عبارة عن الساتر والحصى المرتفع من قاع السكك الحديدية، إلى جانب بقايا القنوات ومنازل المحطات التي تعرضت للدمار قبل نحو قرن من الزمن. ويمتد مسار الخراب هذا جنوبًاً على بعد حوالي 1000 كلم إلى المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية. ولايزال ،هناك في الصحراء العربية، العديد من عربات القطار التالفة، مهجورة وصدئة وتتآكل ببطء. ويبدو أن الشيخ العطّون أحد الذين يتأسفون على هذه الخسارة، وفي الوقت الذي يقوم فيه أحد أولاده البالغ من العمر نحو 10 سنوات بملء فناجين القهوة لنا باستمرار في خيمة الاستقبال، يقوم الشيخ بوصف بلدته المدوّرة باعتبارها منطقة فقيرة ونائية ويتابع: "لو كانت السكة لا تزال موجودة، لكان الأمر مختلفاً تماماً، سوف نكون على تواصل اقتصادي وسياسي مع الشمال والجنوب، ولكن ها نحن كما ترى، سوف تبقى المدوّرة على الدوام مكاناً غير ذي شأن، ويعاني من نقص التنمية"
كان الشيخ العطّون على دراية أن شكواه تحمل في طياتها نوع من التهكم والسخرية، بالنظر إلى أن جده كان يعمل إلى جانب لورانس في تخريب السكة الحديد. ويقول الشيخ خالد بأسى: "بالطبع، اعتقد جدّي، في ذلك الوقت، أن هذا التدمير كان مسألة مؤقتة بسبب الحرب. لكنه أصبح في الواقع أثراً دائماً".
واليوم، لايزال لورنس أحد أكثر شخصيات مستهل القرن العشرين شهرة، وكانت سيرة حياته موضوعاً لثلاثة أفلام على الأقل، أحدها يعتبر من أعظم الأفلام السينمائية، فضلاً عن حوالي 70 سيرة ذاتية له والعديد من المسرحيات والمقالات والدراسات والأطروحات الجامعية والأكاديمية التي لا حصر لها. كما تُرجمت مذكراته عن الحرب " أعمدة الحكمة السبعة Seven Pillars of Wisdom "، إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة، بعد ما يقرب من قرن كامل من نشرها لأول مرة. كما أشار الجنرال إدموند أللنبي، القائد العسكري البريطاني الرئيسي في الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الأولى، كان لورانس الأول من بين أنداده ويؤكد أنه: "لا يوجد رجل آخر أعرفه، كان بإمكانه تحقيق ما فعله لورانس".
وبالنظر إلى قصة لورنس، فالأمر يتعلق بذلك الجزء الساحر المستديم الناتج من عدم إمكانية التصور المطلق لهكذا حكاية تتحدث عن شاب بريطاني متواضع وجد نفسه بطلاً لدى شعب مضطهَد، فاندفع صوب الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ. يضاف إلى ذلك رحلته المؤثرة، التي تم تقديمها ببراعة في فيلم دافيد لين بعنوان" لورنس العرب"، سنة 1962، والتي تتحدث عن رجل تحاصره الولاءات المشتتة، وهو بعيش حالة من التمزق بين خدمة الإمبراطورية التي كان يرتدي زيها العسكري وبين كونه صادقاً مع أولئك الذين يقاتلون ويموتون إلى جانبه.. إن هذا الصراع هو الذي يرفع ملحمة لورانس إلى مستوى مأساة شكسبيرية، لأنها انتهت في نهاية المطاف بشكل سيء لجميع المعنيين: للورنس، وللعرب، وللبريطانيين، في سياق تدهور بطيء للتاريخ، للعالم الغربي بأسره. في حين يبقى لورنس هناك، مرتدياً عباءةً فضفاضةً مثل شبح حزين لما كان يمكن أن يكون لو فقط تم الإصغاء إليه.
ساعد الشيخ العطّون، على مدى السنوات العديدة الماضية، علماء الآثار من جامعة بريستول في إنكلترا الذين يقومون بإجراء مسح شامل للحرب في الأردن، في إطار مشروع الثورة العربية الكبرى (GARP). واكتشف، مؤخراً، جون وينتربيرن، أحد الباحثين في بريستول، معسكراً منسياً للجيش البريطاني في الصحراء على بعد حوالي 30 كلم من المدوّرة. ويبدو أن المعسكر لم يعبث به أحد منذ ما يقرب من قرن - حتى أن وينتربيرن استطاع جمع زجاجات الجن القديمة- وتم وصف الاكتشاف في الصحافة البريطانية على أنه اكتشاف "معسكر لورانس المفقود". ويقول وينتربيرن عن اكتشافه: "نحن نعلم أن لورانس كان في ذلك المخيم، ولكن، لنقل هذا على نحو أفضل، ربما مكثف يوماً أو يومين فقط. ولم يكن من بين الرجال الذين مكثوا هنا لفترة أطول، لذلك أصبح "معسكر لورنس".
بالنسبة لمعظم المسافرين، يوفر الطريق الرئيسي السريع 15، الذي يربط بين شمال وجنوب الأردن، رحلة مملة عبر صحراء عديمة الملامح إلى حد كبير تربط عمان بأماكن أكثر إثارة: مثل آثار البتراء وشواطئ العقبة على البحر الأحمر. وبالنسبة إلى نيكولاس سوندرز، المدير المشارك لمشروع الثورة العربية الكبرى، يعتبر الطريق السريع 15 كنزاً دفيناً بحد ذاته. ويشرح ذلك قائلاً: "معظم الناس ليس لديهم أدنى فكرة عن أنهم يسافرون عبر واحدة من أفضل ساحات القتال المحفوظة في العالم، فكل ما حولهم يذكر بالدور المحوري الذي لعبته هذه المنطقة في الحرب العالمية الأولى". يحدثنا سوندرز من مكتبه المزدحم في بريستول، حيث تتناثر أكوام الأوراق والكتب والتي تمثل بقايا استكشافاته الخاصة على طول الطريق السريع 15: مثل أغلفة الرصاص، حلقات الخيام المصنوعة من الحديد الصلب. تولى سوندرز منذ العام 2006، رئاسة حوالي 20 عملية تنقيب حفر تابعة لمشروع الثورة العربية الكبرى في جنوب الأردن، وحفر كل شيء تقريباً، بدءً من معسكرات الجيش التركي وأعمال الخنادق، وصولاً إلى معسكرات الثوار العرب ومهابط الطائرات الملكية البريطانية القديمة. وما يوحد هذه المواقع المتباينة -وهو الدافع نحو إنشائه أصلاً- هو خط السكة الحديد أحادي المسار الذي يمتد على طول الطريق السريع 15 لمسافة حوالي 400 كلم، أو ما يعرف بخط الحجاز القديم. وكما أوضح لورنس ذلك لأول مرة، لم يكن الهدف قطع شريان الحياة الجنوبي للأتراك بشكل دائم، ولكن بالأحرى الحفاظ عليه بالكاد يعمل ضمن الحدود الدنيا. وهو ما يعني أن على الأتراك الاستمرار في تكريس وقتهم لإصلاح السكة الحديدية، وبالتالي سوف تتقطع السبل بحامياتهم المتناثرة التي تتلقى إمدادات بالكاد تسد رمقهم وتبقيهم على قيد الحياة. وفي حين تظهر مؤشرات هذه الاستراتيجية في كل مكان على طول الطريق السريع 15 ؛ فلا تزال العديد من الجسور والقنوات الصغيرة الأصلية، التي شيدها العثمانيون للتنقل في الممرات المائية الموسمية في المنطقة، في مكانها، ويمكن التعرف عليها على الفور من خلال أقواسها الحجرية المزخرفة - والكثير منها عبارة عن بناء حديث من العوارض الفولاذية، مما يدل على مكان تفجير الأصلية أثناء الحرب.
أسفرت حملات مشروع الثورة العربية الكبرى عن نتائج غير مقصودة. لطالما تعرضت المواقع الأثرية في الأردن للنهب من قبل اللصوص -وقد امتد هذا الآن إلى مواقع الحرب العالمية الأولى. ويندفع السكان المحليون بسرعة نحو أي موقع يعلن عن اكتشافه حديثاً ويعود لزمن الثورة، حاملين المعاول بأيديهم حيث تعشش في أذهانهم ذاكرة فولكلورية تصوّر سفر القوات التركية والثوار العرب محملين بكميات كبيرة من العملات الذهبية -وزع لورانس نفسه عشرات الآلاف من الجنيهات الإنجليزية من الذهب كرواتب لأتباعه-. يقول سوندرز: "نحن، بالطبع، جزء من المشكلة". يضيف سوندرز بسخرية: "يرى السكان المحليون كل هؤلاء الأجانب الأغنياء وهم يحفرون بعيداً، جاثين على أيديهم وركبهم طوال اليوم في الشمس الحارقة، فيفكر السكان بينهم وبين في أنفسهم: "مهام يكن الأمر، من المحال أن ما يبحث عنه هؤلاء مجرد بضع قطع معدنية قديمة؛ إنهم هنا من أجل الذهب".
نتيجة لذلك، يظل علماء الآثار في مشروع الثورة العربية الكبرى في الموقع إلى أن يقتنعوا بأنهم عثروا على ما هو مثير للاهتمام، وبعد ذلك، بعد الحصول على إذن من الحكومة الأردنية، يأخذون كل شيء معهم عند إغلاق الموقع. وهم يعرفون، من تجاربهم السابقة، أنهم من المحتمل أن يكتشفوا أ، أكواماً من التلال سويت بالأرض عند عودتهم.
تقع قرية كركميش وسط تلال بنية متموجة تتناثر بين بساتين أشجار البرتقال والفستق، وتتمتع بإحساس رائع تشترك به مع العديد من المدن الريفية في جنوب تركيا. يحدق أصحاب المتاجر، في شارعها الرئيسي المتهدم قليلاً، بلا مبالاة من أمكنتهم على الأرصفة المهجورة، بينما يلعب الرجال العاطلين الدومينو أو الورق في ساحة صغيرة مظللة بالأشجار. إذا كان هذا يبدو مكاناً غريباً حيث بنى لورنس الشاب لأول مرة رؤيته وإدراكه للعالم العربي، فإن الإجابة تكمن في الواقع على بعد أقل من 2 كلم شرق القرية. فهناك، على نتوء فوق مخاضة نهر الفرات، توجد أنقاض مدينة كركميش القديمة. حيث سكن الإنسان على قمة التل قبل نحو 5000 عام، كانت الرغبة في كشف أسرار الحيثيين، الحضارة التي وصلت إلى ذروتها في القرن الحادي عشر ق.م، هي التي جذبت، للوهلة الأولى، لورانس البالغ من العمر 22 عاماً وأتت به إلى هنا في العام 1911. حتى قبل كركميش، كانت هناك ثمة إشارات على أن العالم سوف يتعرف على لورانس بطريقة ما. وهو المولود في العام 1888. وترتيبه الثاني من بين خمسة أولاد، لعائلة بريطانية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا، وكان خجله الشديد يخفي عقلاَ لامعاً ومسحة شرسة من الاستقلال.
قرر لورانس دراسة القلاع الصليبية في سوريا، في إطار الإعداد لأطروحته عن التاريخ في أكسفورد، ولذلك قرر السير على أقدامه لوحده، وفي ذروة صيف الشرق الأوسط الوحشي، قطع لورنس/ مشياً، نحو ألفي كلم تنقل خلالها بين قرى لم يزرها قبله أوروبياً قط، أو غير أوروبي منفرداً بكل تأكيد، وهو الذي كان بطول لا يتجاوز 165 سم، كان في رحلته تلك يبدو كأنه برفقة 15 شخصا. كانت هذه الرحلة بداية افتتانه بـ "الشرق". وكتب لورانس لاحقاً بعد عودته إلى الوطن، عن رحلته هذه: "سأجد صعوبة بالغة في أن أعود إنكليزياً من جديد"، كان يبدو مثله مثل أي طالب جامعي حديث في رحلة دراسية خارج البلاد؛ لكن الاختلاف هنا أن تقويم لورنس عن نفسه أثبت أنه دقيق تماماً. وتأكد هذه التحول في شخصيته، عندما شارك، بعد تخرجه من أكسفورد، في رحلة استكشافية أثرية برعاية المتحف البريطاني متوجهة إلى كركميش. وبصفته مساعداً صغيراً في تلك الحفريات، وواحداً من اثنين فقط من الغربيين الموجودين في الموقع بشكل دائم، اهتم لورانس بواجباته العلمية -في المقام الأول تصوير الاكتشافات وجردها- لكنه طوّر اهتماماً أكبر بفهم طبيعة المجتمع العربي.
عندما تعلم اللغة العربية، أخذ يسأل أعضاء طاقم العمل المحلي عن تاريخ عائلاتهم، والانتماءات العشائرية والقبلية المعقدة في المنطقة، وغالباً ما كان يزور العمال في منازلهم ليتعرف على حياتهم عن كثب. وبقدر ما كان هؤلاء العمال قد تعاملوا مع الغربيين من قبل، فقد كان التعامل يقوم على قاعدة سيد- خادم؛ لمقابلة شخص لديه اهتمام حقيقي بثقافتهم، انضم هؤلاء إلى تسامح لورانس غير الغربي للغاية مع المشقة والعمل الجاد، وجذبهم إلى الشاب البريطاني كروح عشيرة. كتب لوالديه من كركميش: "يأتي الأجانب إلى هنا دائماً للتدريس، بينما كان الأفضل لهم لو تعلموا أكثر". امتدت أعمال الحفر في شمال سوريا إلى أربعة أعوام، وهي التي تم تمويلها في الأصل لمدة عام واحد فقط. وكتب لورنس إلى صديق له في العام 1913، يشيد بحياته المريحة في كركميش، أنه ينوي البقاء طالما استمر التمويل ثم ينتقل إلى "شيء آخر لطيف". انتهت هذه الخطة فجأة مع بداية الحرب العالمية الأولى في آب- أغسطس 1914، ولن يتمكن لورانس، الذي عاد إلى إنجلترا في إجازة، من رؤية كركميش مرة أخرى. طوّر لورنس، منذ فترة إقامته في سوريا، رؤية واضحة، وإن كانت مبسطة، عن الإمبراطورية العثمانية -الإعجاب بالعرب المتحررين، والاشمئزاز من فساد وعدم كفاءة المشرفين الأتراك- وتطلع إلى اليوم الذي يزال فيه "نير" العثمانيون جانباً. جاءت تلك الفرصة، وفرصة لورانس للعب دور، عندما دخلت تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر. وبسبب خبرته في المنطقة، تم إرساله، بصفة ملازم ثان في المخابرات العسكرية، إلى مصر، قاعدة العمليات البريطانية للحملة القادمة ضد الأتراك. وعلى الرغم من حقيقة أنه وأعضاء آخرين في فرع المخابرات حثوا بريطانيا على تشكيل تحالفات مع مجموعات عربية مستعدة للثورة ضد الأتراك، بدا الجنرالات في القاهرة عازمين على خوض نفس الحرب الهجومية الأمامية التقليدية التي أثبتت بالفعل أنها كارثية للغاية في أوروبا. وكانت النتيجة الأكثر وضوحاً هي فشل غاليبولي في العام 1915، حيث تكبد الكومنولث البريطاني ما يقرب من ربع مليون ضحية قبل أن يعترف أخيراً بالفشل. وما جعل الأمر أكثر إيلاماً للورنس، الذي كان يعمل في المكتب، هو الموت المتالي السريع لاثنين من إخوته على الجبهة الغربية. وكان قد كتب لأحد أصدقائه: "كانا كلاهما أصغر مني، ولا يبدو أنه من الصواب، بطريقة ما، أن أستمر في العيش بسلام في القاهرة". وهكذا، وجد لورنس نفسه محشوراً في مصيره، في تشرين الأول - أكتوبر 1916، أي بعد عامين من وصوله إلى مصر.
الاقتراب من شبه الجزيرة العربية عن طريق البحر هو دعوة مغرية لمعايشة أحد أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للقلق، تلك اللحظة التي يصطدم فيها الهواء المبرد بالبحر فجأة مع الهواء القادم من الصحراء، حيث يمكن أن تقفز درجة الحرارة بمقدار 20 أو 30 درجة في ثوان. ربما لم يصف أحد هذا أفضل مما كتبه لورنس، حين يتحدث عن لحظة اقترابهم من مدينة جدة المطلة على البحر الأحمر صباح يوم السادس عشر من تشرين الأول - أكتوبر 1916: "إن حرارة الجزيرة العربية هبت علينا مثل سيف مسلول فأصبنا جميعاً بالصمت".
كان وجوده هناك عن طريق الصدفة تقريباً. وقبل أربعة أشهر من ذلك، وبعد مفاوضات سرية مطولة مع السلطات البريطانية في القاهرة، أعلن الأمير [الشريف] حسين، حاكم منطقة الحجاز وسط الجزيرة العربية، ثورة عربية ضد الأتراك. سارت الأمور في البداية على ما يرام. وأصاب الثوار الأتراك على حين غرة، فاستولوا على مكة وجدّة، لكن الثورة توقفت هناك. وحتى تشرين الأول- أكتوبر، كان الأتراك مازالوا يحكمون قبضتهم بشدة على المناطق الداخلية في الجزيرة العربية، بما في ذلك المدينة المنورة، وبدا أنهم على استعداد لسحق المتمردين. وعندما علم لورانس أنه تم إرسال صديق له في القاهرة إلى الجزيرة العربية لتقدير الأزمة، رتّب إجازة مؤقتة من وظيفته المكتبية ليرافقه. وتمكن لورنس، خلال تلك الزيارة التي استغرقت عشرة أيام، من التعمق بشكل كامل في قضية المتمردين العرب، وكسب ثقة القائد العسكري لحسين، ابنه الثالث فيصل. وخلال وقت قصير، تم تعيين لورانس منسق الاتصال المؤقت للجيش البريطاني مع فيصل، وهو المنصب الذي سرعان ما أصبح دائماً. أدرك لورنس بصورة حدسية، مستفيداً من فترة إقامته السابقة في كركميش ودراسته البنية العشائرية للمجتمع العربي، عملية التفاوض الدقيقة اللازمة لكسب زعماء القبائل في قضية المتمردين. علاوة على ذلك، دارت الحرب في الجزيرة العربية في أوائل القرن العشرين حول ذات القضايا الأساسية -حيث قد يجد الجيش المتنقل الماء والأعلاف لحيواناته- مثل حروب القرن الرابع عشر في أوروبا التي درسها لورانس بدقة في أكسفورد. وتوصل فيصل، بسرعة فائقة، إلى اعتبار الضابط البريطاني الشاب أحد أكثر مستشاريه الموثوق بهم، حيث تولى لورانس، مرتدياً رداء شيخ عربي، منصباً شرفياً في الجلسات الاستراتيجية القبلية. واستولى العرب، بمساعدة البحرية البريطانية، على سلسلة متوالية من البلدات التي تسيطر عليها تركيا على طول ساحل البحر الأحمر، بينما نظم لورانس غارات حرب العصابات ضد سكة حديد الحجاز في الداخل.
لكن ضابط الاتصال الشاب هذا الذي يعمل تحت أمرة فيصل كان يخفي سراً جديراً بالذنب. فمنذ أن كان في القاهرة، كان لورانس على علم بالوعود المبالغ فيها التي قدمتها الحكومة البريطانية للأمير حسين من أجل قيامه بالثورة العربية: الاستقلال الكامل للعالم العربي بأكمله تقريباً. ما عرفه لورانس أيضاً هو أنه بعد شهور فقط من إبرام هذه الصفقة مع الأمير حسين، دخلت بريطانيا في اتفاق سري مع حليفها الرئيسي في الحرب، فرنسا. بموجب اتفاقية سايكس بيكو، تسمح بقيام دولة عربية مستقلة في أراضي شبه الجزيرة العربية، في حين أن جميع المناطق ذات القيمة -العراق وسوريا الكبرى- ستخصص لبريطانيا وفرنسا. وكلما كان لورنس يجند قبائل أكثر لقضية الاستقلال العربي في المستقبل، كلما أصبح يتأثر بتأنيب ضميره بسب الوعود التي كان يقطعها والتي كانت "حبراً على ورق"، حتى وصل، في نهاية المطاف، إلى حافة الانهيار. فقام بما يشبه الفتنة -والخيانة بكل المقاييس- بإبلاغ فيصل بوجود اتفاقية سايكس بيكو. ثم كان أن استولى على مدينة العقبة وهو ما سوف يؤدي إلى أكبر انتصار في حياته المهنية. ومع حلول ربيع العام 1917، اكتسب الحديث عن هبوط برمائي بريطاني فرنسي مشترك في ميناء الصيد الصغير في العقبة دعماُ كبيراً بين قيادة الحلفاء في القاهرة. كانت العقبة آخر بؤرة استيطانية للعدو التركي على البحر الأحمر وبوابة طبيعية -على الأقل هكذا ظهرت على الخريطة- إلى الروافد الجنوبية لسوريا، قلب العالم العربي. لم تكن العقبة في ذلك الوقت أكثر من حصن حجري صغير بالقرب من الكورنيش المطل على البحر الآن، حيث يقع متحف صغير من أربع غرف تأكله الغبار مغبر من أربع غرف. ربما تكون السيطرة على الساحة الصغيرة أمام المتحف هي المعلم الأكثر غرابة في العقبة ( حيث تنتصب الآن سارية للعلم الأردني بارتفاع نحو 130 متراً -ثاني أعلى سارية علم قائمة في العالم، وفقاً لمكتب السياحة المحلي). في هذا المكان بالضبط، وفي صباح يوم السادس من تموز - يوليو 1917، كان لورانس وأتباعه المتمردين المبتهجين يجتاحون الشوارع للاستحمام "بحمام النصر" في البحر.
وقبل الهجوم ببضعة أشهر كانت مصادفة غريبة قد حكمت زيارة لورنس للعقبة، وقد عرف من خلالها أن هذه المدين سوف تكون "البوابة" إلى سوريا. وكان لأتراك قد حقروا الخنادق وأقاموا الحصون لصد وإبادة أي قوة تتقدم من الساحل عبر مضيق جبلي متعرج طوله حوالي 30 كلم. أدرك لورنس أيضاً وجود فخ سياسي هنا. فإذا سيطر البريطانيون والفرنسيون على العقبة، فيمكنهم بشكل فعلاً كبح جماح وطموح حلفائهم العرب واحتواء تمردهم وحشرهم في شبه الجزيرة العربية. وسوف لن يكون صعباً عليهما كلما تمكنتا من التوغل في سوريا -الموعودة للفرنسيين بموجب اتفاقية سايكس بيكو- وبالتالي يمكنهما التراجع عن الوعود التي قُطعت لحسين دون أن يهتز ضميرهما.
ونظراً لأن أي تقدم داخلي من العقبة سوف يكون قاتلاً، كان حل لورانس هو الاستيلاء أولاً على الخانق ثم على الميناء. ولإحباط المخططات الإمبريالية لدولته، فقد احتفظ بخطته لنفسه. وهكذا انطلق لتنفيذ خطته في رحلة على ظهر الجمال لمسافة حوالي 1000 كلم عبر الصحراء ليسقط على العقبة من الخلف، لم يعرف أحد من زملائه الضباط البريطانيين عن وجهته أو عن نيته عندما وصل هناك. كان برفقته 45 متمرداً فقط في رحلة شاقة استمرت شهرين عبر أحد أقسى المناظر الطبيعية في العالم، وتزود كل رجل بالماء فقط ومؤونة كيس يزن 20 كغ.
تشكل النقطة المركزية الدرامية في فيلم "لورنس العرب" اللحظة التي شن فيها لورانس وفرقته المتمردة هجومهم المفاجئ على العقبة من الخلف. والذي لعب فيه بيتر أوتول دور لورنس المنتصر مرتدياً يرتدي الزي الأبيض، يضغط المتمردون على الأتراك الذين أخذوا على حين غرة. في الواقع، وقعت المعركة الحاسمة في العقبة على بعد حوالي 60 كلم إلى الشمال، في وادي أبو اللسن "المفقود[؟]". علم لورانس أن قوة إغاثة تركية كانت تسير في اتجاهه. حتى لو أن جيشه من المتمردين -الذي تضخم إلى ما يقرب من 1000 مجند- استمر في السير نحو العقبة، حسب لورنس، فإن قوة الأعداء سوف تلحق به قريباً. ولذلك لم يكن هناك من خيار سوى القضاء على هذه القوة أولاً. وصل لورنس إلى وادي أبو اللسن حيث تعسكر القوة التركية ليلة الفاتح من تموز 1917، وما تلى ذلك من معركة، ليست أقل من مذبحة. تم القضاء فيها على القوة التركية المكونة من 550 جندياً تقريباً في حين خسر المهاجمون قتيلين فقط. وهكذا تمكن لورنس ورجاله من الاندفاع نحو العقبة، التي استسلمت حاميتها التركية بعد إطلاق يضع رصاصات.
يشق أبو عناد طريقه فوق التلال، وهو يرتدي صندلاً بالية ويرفع حاشية رداءه لتجنب الشوك. لا يمكن، بالنسبة للعين غير المدربة، تمييز وادي أبو اللسن عن آلاف الوديان الأخرى التي تعصف بها الرياح في جنوب الأردن، لكن دراوشه، وهو مزارع وراعٍ يبلغ من العمر 48 عاماً، يعرف أسراره. وقد أشار، عند الوصول إلى نتوء صخري، إلى هيئة من أرض مستوية في الأسفل: خمس أو ست دوائر من الأرض الخالية، يبلغ عرض كل منها حوالي ثلاثة أمتار ومحددة بحلقات من الصخور الكبيرة. الدوائر التي تشبه حفر النار الضخمة، هي آثار لمعسكر للجيش التركي، حيث قام الجنود بتسوية الأرض ونصبوا خيامهم المستديرة المميزة. في العام 2014 ، كان عمر هذا المخيم قرناً تقريباً -97 عاماً ، على وجه الدقة.
جمع دراوشه والقرويون الآخرون من وادي أبو اللسن المخلفات العسكرية -الرصاص والأزرار والقطع المعدنية من أحزمة الخيول- وهو ما يكفي لمعرفة أن القوة التركية كانت كبيرة. وهم يعرفون أيضاً أن الأمر انتهى بشكل سيء بالنسبة للأتراك. يشير دراوشة، من حيث يقف على النتوء الصخري، إلى حوض الوادي، ربما على بعد حولي 60 متراً. يقول: "في الأسفل وجدنا الجثث". " لم تكن أجساد كاملة، بل عظام. عندما كنت صبياً، كنت آخذهم إلى المدرسة لأريهم أصدقائي". يحدق دراوشه في خطوط التلال المحيطة ويقول "هذا مكان مات فيه الكثير والكثير من الأتراك". يضحك دراوشة بنوع من الطرافة والخفة، أثناء مرافقتي له سيراُ عبر ساحة المعركة، ويقول: "الآن بعد أن أصبحت هنا، ربما يمكنك أخيراً أن تبين لنا أين دفن الذهب"، وهو يقصد أن يكون كلامه مزاحاً، لكنها مزح ذات ميزة. فمما بات معروفاً أن الأتراك في تلك الفترة غالباً ما كانوا يحملون كمية صغيرة من الذهب، أما لورنس، وخلال عامين من وجوده في جبهات القتال، كانت قوافله تضم في في كثير من الأحيان العديد من الجمال التي تستخدم لنقل العملات الذهبية لدفع رواتب مجنديه. ونتيجة لذلك، نشأت الأسطورة الحضرية -أو بالأحرى الريفية-، معتبرة أنه من المحتمل العثور على أكياس من الذهب مخبأة في أي مكان يصطدم فيه الطرفان المتحاربان.
لقد جرد "الكناسون" وادي أبو اللسن فعلياً من جميع مخلفات الحرب. وفي هذا الركن الفقير من الأردن، تعد أصغر قطعة معدنية لها قيمة. خلال أكثر من ساعة من البحث في الأرض، لم أجد سوى غلاف رصاصة تركية والجزء العلوي من حصص الإعاشة القديمة للجيش البريطاني بعبارة "اثقب هنا". ويقودني دراوشة، قرب نهاية مسيرتنا، إلى حفرة معينة لصيادي الذهب تقع بعيداً عن الآخرين. وبمسحة من الإحراج، عرض أن "أحد الجيران" قد حفر الحفرة قبل عام أو عامين بحثاً عن الغنائم، لكنه عثر بدلاً من ذلك على هيكل عظمي لجندي تركي مدفون. يقول دراوشه: "لقد وُضِع على جنبه ويداه مطويتان تحت رأسه". "كان الأمر كما لو كان نائما." وأشار إلى الحفرة. "لذلك قمنا فقط بدفنه احتياطياً. ماذا يمكننا أن نفعل غير ذلك؟"
بينما تعتبر حملة العقبة واحدة من أعظم الإنجازات العسكرية في أوائل القرن العشرين -لا تزال تدرس في الكليات العسكرية اليوم- سرعان ما تبعها لورانس بضربة رئيسية ذات عواقب أعظم. سارع إلى القاهرة لإبلاغ القيادة العليا البريطانية بما أنجزه، اكتشف أن القائد العام البريطاني السابق، الذي لم يكن أبداً مؤيداً قوياً للثورة العربية، قد تم فصله بعد هجومين أماميين فاشلين ضد الأتراك. كان بديله جنرالاً في سلاح الفرسان، يدعى أللنبي، الذي حلّ محل القائد السابق منذ أسبوعين فقط، عندما استدعي لورانس الهزيل وحافي القدمين إلى مكتبه. وبدلاً من الحديث عن أخار لورنس المثيرة حول العقبة، لم تكن لدى الضابط الشاب أدنى فكرة عن سبب عدم إبلاغ رؤسائه بمخططه، ناهيك عن العواقب السياسية المحتملة لتلك المخططات، لقد رأى لورنس أن نجاحه الكبير سوف يمنحه احتمالية نوعا ما للفوز على أللنبي قليل الخبرة.
أجرى لورنس، خلال مسيرتهم عبر الصحراء، رفقة اثنين فقط من مرافقيه مهمة استطلاعية رائعة عبر سوريا التي يسيطر عليها العدو. هناك، كما أخبر أللنبي، كان قد قرر أن أعداداً كبيرة من العرب السوريين على استعداد للانضمام إلى المتمردين. لقد بالغ لورنس أيضاً إلى حد كبير في كل من قوة وقدرة هؤلاء المتمردين المسلحين بالفعل لرسم صورة مغرية للحشد العسكري البريطاني الذين يتقدم في الساحل الفلسطيني، بينما أخذ العرب القتال إلى الداخل السوري. كما روى لورانس في أعمدة الحمة السبعة: "لم يستطع أللنبي أن يكتشف كم كان أدائي حقيقياً رغم ما يكتنفه الكثير من الدجل، كان ثمة مشكلة ما تحوم أمم عينيه لكني تعمدت أن أتركه دون مساعدة لحلها ". لكن أللنبي, توصل إلى حل، ووعد بمنح المتمردين كل ما في وسعه من مساعدة واعتبرهم شركاء متساوين. وسوف ينضم الجيش البريطاني، من الآن فصاعداً، وفقاً لتقدير لورانس، رفقة المتمردين العرب، ليصبح الفرنسيون على الهامش. وإذا ما تمكن المتمردون من الوصول إلى دمشق أولاً، فقد يتمكنون من انتزاع سوريا من الفرنسيين تماماً. أو هكذا يأمل لورانس.
بعد تناول الشاي في خيمة الاستقبال الخاصة به، اصطحبني الشيخ العطون في سيارته القديمة ذات الدفع الرباعي إلى نتوء يطل على المدورة. تطوق قمة التل بقايا من الخنادق التي قام الأتراك من خلالها بصد الهجمات البريطانية على البلدة مراراً وتكراراً. يقول الشيخ: "حتى مع سياراتهم المدرعة وطائراتهم، واجهوا مشاكل كبيرة". "الأتراك هنا كانوا مقاتلين شجعان جداً". تلمح كلمات العطّون إلى المشاعر المعقدة التي يثيرها إرث الحرب العالمية الأولى، والثورة العربية في هذا الجزء من العالم العربي: فخرٌ بتخليصهم من العثمانيين بعد 400 عام من الحكم، وحزنٌ طويل لما حلّ مكانهم. يشير الشيخ إلى مجموعة من المنازل المطلية باللون الأبيض، ربما على بعد 15 كلم. هذه هي المملكة العربية السعودية. لديّ عائلة والعديد من الأصدقاء هناك، لكن إذا كنت أرغب في زيارتهم -أو قاموا بزيارتي- يجب أن أحصل على تأشيرة وأمر بالجمارك. لماذا ؟ نحن شعب واحد، العرب، ويجب أن نكون أمة واحدة، لكن بدلاً من ذلك انقسمنا إلى - 22- دولة مختلفة. هذا خطأ. يجب أن نكون جميعاً يد واحدة". ومن المفهوم تماماً أن الشيخ العطون يلوم السلام الذي فرضته القوى الإمبريالية الأوروبية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وهو السلام الذي حاول لورانس منعه بشدة.
على الرغم من اختراقه الخط التركي في جنوب فلسطين والاستيلاء على القدس في كانون الأول- ديسمبر 1917، توقف الجيش البريطاني حيث تم سحب قوات أللنبي إلى الجبهة الغربية. واصل لورنس، الذي كان يعمل من المقر الجديد للعرب في العقبة، شن غارات على سكة الحديد وفي منطقة التلال غربي البحر الميت، لكن هذا لم يكن الهجوم الضخم المشل الذي وصفه لأللنبي. استمرت الطبيعة العشوائية للحرب خلال صيف عام 1918. لكن شيئاً ما حدث للورنس في هذه الأثناء. فأثناء قيامه بمهمة استطلاعية سرية في مدينة درعا الاستراتيجية للسكك الحديدية في تشرين الثاني- نوفمبر 1917، قبض عليه الأتراك لفترة وجيزة، ثم تعرض للتعذيب والاغتصاب، مثبت ذلك بالأدلة الكافية، على يد الحاكم التركي المحلي. استطاع لورنس الهرب إلى حيث مواقع، لكن ما حصل له في درعا جعله يظهر أكثر تشدداً، بل حتى بلا رحمة. بينما تعامل فيلم لورنس العرب بشكل غير مباشر مع محنة لورنس في درعا، كان أحد الجوانب التي تم التقاطها بشكل رائع هو اختلاله التدريجي في هذا المجال. فقد أمر لورنس أتباعه، في إحدى معاركه ضد الأتراك، بألا يحتفظوا أسرى، كما طلب قتل جميع من أصيبوا بجروح بالغة تعيقهم في تحركهم. رغم أنه، في حالات أخرى، واجه مخاطر انتحارية تقريباً، فقد هاجم قطاراً عسكرياً تركياً على الرغم من نقص الأسلحة، لدرجة أن بعض رجاله لم يتمكنوا إلا من إلقاء الحجارة على العدو. إذا كانت هذه التصرفات لها علاقة بما حصل له في درعا، فيبدو أنه كان مدفوعاً، على الأقل، بالاعتقاد اليائس بأنه إذا كان بإمكان العرب الوصول إلى دمشق أولاً، فإن الأكاذيب والأسرار المذنبة التي كان يخبئها منذ قدومه إلى شبه الجزيرة العربية قد يتم تصحيحها بطريقة ما.
تقع آثار أم قيس اليونانية الرومانية القديمة على نتوء صخري على بعد 25 كلم إلى الغرب من الرمثا شمال الأردن قرب الحدود مع سوريا. ويمكن، في يوم صاف، رؤية ما يقع في أقصى الشمال مثل مرتفعات الجولان وبحيرة طبريا. لم تكن هذه المناطق البعيدة، في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، هي التي جعلت من أم قيس استراتيجية حيوية، بل ما جعلها مذلك قربها من وادي اليرموك المتعرج الواقع أسفلها مباشرة. عندما شن الجنرال أللنبي هجومه على الأتراك في فلسطين في أواخر أيلول- سبتمبر 1918، سرعان ما تحول الاشتباك إلى هزيمة. وعملياً، كان لمنفذ الوحيد الذي ترك مفتوحاً للأتراك هو عبر نهر اليرموك باتجاه خط سكة حديد درعا. لكن لورنس كان هنا بانتظارهم، بمجرد صعودهم من الوادي، يرافقه آلاف الجنود العرب المتمردين. وهكذا بعد عام واحد من حادثة درعا تلك، عاد لورانس إلى مكان عذابه وها هو الآن ينتقم بشكل رهيب.
نشأت قلعة الأزرق الحجربة في وقت من الأوقات قبل نحو 2000 عام، وتبرز في الصحراء الأردنية الشرقية مثل نصب حجري ضخم بارتفاع 20 متراً. انهارت الطوابق العلوية والأسوار في زلزال هائل في العام 1927، لكن المبنى لا يزال مثيراً للإعجاب بما يكفي لجعل السياح يأتون إليه من عمان البعيد حوالي 80 كلم إلى الغرب، وأول ما يرغب السياح في رؤيته هنا، حجرة صغيرة فوق البرج الجنوبي الذي لا يزال سليماً، و يشير إليها المرشدون ببساطة باسم "غرفة لورانس". وهي غرفة ذات سقف منخفض، باردة ورطبة، ذات أرضيات حجرية ونوافذ ضيقة تطل على الصحراء. مكان يشعر المرء بأنه مناسب أن يلوذ به هرباً، وفي الواقع، كانت هذه الغرفة هي التي أوت لورنس بعد محنته في درعا، على بعد حوالي 100 كلم إلى الشمال الغربي. كما إنها كانت المكان الذي عقدت فيه مؤامرة اللحظة الحاسمة للحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط، بالتخطيط للهجوم الشامل للجيش العربي على القوات التركية في المناطق الداخلية من سوريا. وكان من المقرر أن يتم تنسيق هذا الهجوم مع اكتساح أللنبي شمالًا لفلسطين. كانت مهمة لورانس قطع انسحاب الأتراك في أكثر مناطقهم هشاشة: مفترق السكك الحديدية في درعا. وقد بدأ لورنس وأتباعه، في الصباح الباكر من يوم 19 أيلول- سبتمبر 1918، في الخروج من قلعة الأزرق متجهين إلى المدينة التي تعرض فيها لورنس للتعذيب.
وصل لورنس إلى بلدة طفس في 27 أيلول - سبتمبر، إثر مذبحة بحق السكان نفذها الجنود الأتراك الفارون، أمر لورانس رجاله بـ "عدم إبقاء أي جندي على قيد الحياة". استمرت المعركة طوال اليوم تقريباً، استطاع خلالها جنود لورنس من تشتيت طابور منسحب يتألف من 4000 جندي تركي، وذبحوا كل من وقع بقبضتهم، ولكن عندما عاد لورانس مرة أخرى بعد ظهر ذلك اليوم، اكتشف أن إحدى الوحدات قد عصت أوامره وأخذت 250 تركياً وألمانياً أسيراً. وأشار في تقريره عن ساحة المعركة، "لقد وجهنا مدفعنا الرشاش هوتشكيس Hotchkiss إلى السجناء، وقمنا بوضع حد لحياتهم". كان لورانس أكثر وضوحاً بشأن أفعاله في ذلك اليوم في " أعمدة الحكمة السبعة": "في جنون ولد من رعب طفس قتلنا وقتلنا، حتى رمينا في مهب الريح رؤوس القتلى والحيوانات، وكأن موتهم وسيل الدم قد يطفئ من عذابنا".
مضى لورنس مسرعاً إلى دمشق، وشكّل حكومة عربية مؤقتة برئاسة فيصل. ولكن بعد وصول أللنبي إلى المدينية، بعد يومين، استدعى لورانس وفيصل إلى فندق فيكتوريا لإبلاغهما، كما أوضحت سايكس بيكو، أن المدينة ستوضع تحت الإدارة الفرنسية. لم يكد فيصل المهزوم يغادر الغرفة حتى توسل لورانس أللنبي أن يعفيه من عمله. لكن لورانس لم ينته من القتال بعد. فمع اقتراب الحرب في أوروبا من نهايتها، سارع إلى لندن لبدء حشد الدعم للقضية العربية في مؤتمر باريس للسلام القادم. بصفته الوكيل الشخصي لفيصل، ومارس ضغوطاً شديدة على رؤساء الوزراء والرؤساء للوفاء بالوعود المقطوعة للعرب ولمنع السلام المفروض على غرار ما نصت عليه اتفاقية سايكس بيكو. حيث كان من المقرر تقسيم سوريا "الكبرى" إلى أربعة كيانات سياسية -فلسطين وشرق الأردن (من نصيب البريطانيين ولبنان وسوريا (من نصيب الفرنسيين)- . أما بالنسبة للعراق، فقد خططت بريطانيا لضم الجزء الجنوبي الغني بالنفط فقط، ولكن مع اكتشاف المزيد من النفط في الشمال، طالبت به أيضاً. بحث لورنس عن حلفاء أينما وجدهم. وكان من أبرزهم ، بكل تأكيد، حاييم وايزمان، رئيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي. فقام لورنس، في كانون الثاني- يناير 1919، عشية مؤتمر السلام، بوضع اتفاقية بين فيصل ووايزمان. يضمن فيها الدعم الصهيوني لقيام دولة في سوريا بقيادة فيصل، مقابل دعم هذا الأخير للهجرة اليهودية المتزايدة إلى فلسطين، معترفاً ضمنياً بدولة يهودية مستقبلية في المنطقة. سرعان ما أحبط الفرنسيون الاتفاقية. لكن أكثر ما يمكن أن يكون مؤثراً هو الموقف الأمريكي. لقد شكك الرئيس وودرو ويلسون في المخططات الإمبريالية لشركائه الأوروبيين في باريس، فأرسل لجنة لتقصي الحقائق إلى الشرق الأوسط. وقامت لجنة كينغ كراين، طيلة ثلاثة أشهر، بجولات في سوريا ولبنان وفلسطين، وكان ما سمعوه واضحاً: أرادت الغالبية العظمى من كل مجموعة إثنية ودينية الاستقلال أو، إن لم يحصل ذلك، أن يكونوا تحت ظل الإدارة الأمريكية. ومع ذلك، كان ويلسون مهتماً بإخبار الدول الأخرى عن الكيفية التي يجب أن تتصرف بها أكثر من اهتمامه بزيادة المسؤوليات الأمريكية. وهكذا، عندما عادت اللجنة إلى باريس بنتائجها غير المريحة، بقي تقريرها في طي الكتمان حبيس الأدراج. أنتجت جهود لورنس مفارقة قاسية. في نفس الوقت الذي أصبح فيه معبوداً في بريطانيا، بفضل محاضرة خيالية حول مآثره ألقاها الصحفي الأمريكي لويل توماس، كان كبار المسؤولين البريطانيين ينظرون إليه بشكل متزايد على أنه العدو الداخلي، الساخط الذي وقف في الطريق. وكانتا بريطانيا وفرنسا المنتصرتان قد بدأتا ف اقتسام غنائم الحرب. ومُنع، في النهاية، لورنس - المقدم الجشع فعلياً- من حضور مؤتمر السلام ومُنع أي اتصال آخر بفيصل. بعد أن تحقق ذلك، كان الطريق إلى الوفاق الإمبراطوري -والخيانة- باتت واضحةً.
سرعان ما ظهرت تداعيات الأحداث خلال أقل من عام، فاشتعل الشرق الأوسط، حيث ثار العالم العربي، غاضباً من رؤية أسيادهم العثمانيين يحل محلهم أسياد أوروبيين. وكان لورانس المتمرد صاحب بصيرة خاصة فيما يتعلق بالعراق حين توقع/ في العام 1919 حدوث تمرداً هناك : إذا لم نصلح أساليبنا"، وبحلول آذار- مارس 1920 وقع تمرد كبير ضد الحكم العراقي كان نتيجته انتفاضة أيار- مايو 1920 التي ذهب ضحيتها نحو 10 آلاف قتيل عراقي وحوالي ألف جندي وإداري بريطاني. كان وزير المستعمرات البريطاني الجديد، ونستون تشرشل، المكلف بالتخلص من الكارثة، هو من مساعدة لورنس، الرجل الذي رُفضت تحذيرات، واستطاع لورنس تصحيح بعض الأخطاء في مؤتمر القاهرة في العام 1921، حيث سيوضع فيصل، الذي خلعه الفرنسيون في سوريا، على عرش جديد في العراق الذي تسيطر عليه بريطانيا. وسوف تظهر إمارة الأردن من المنطقة العازلة الواقعة شرقي الأردن التي كانت تسيطر عليها بريطانيا بوضع عبد الله، شقيق فيصل، على رأسها. لكن فكرة الأمة العربية الموحدة ذهبت إلى الأبد. كما اختفت، أيضاً، روح لورنس للقتال أو الرغبة في القيادة. ومع اقتراب تعاونه مع تشرشل من نهايته، قام بتغيير اسمه بشكل قانوني وقدم التماساً لإعادة تجنيده في الجيش البريطاني بصفته جندياً خاصاً. وكما أوضح لأحد أصدقائه، لم يرغب قط في أن يكون في موقع المسؤولية مرة أخرى.
على جانب طريق ريفي في مقاطعة دورست بجنوب غرب إنجلترا، ثمة منزل من طابقين تحيط به شجيرات الوردية، مساحته أقل من 200 متر مربع، ويتكون من غرفتين صغيرتين في كل طابق متصلتين بدرج شديد الانحدار ومتهالك، تفوح منه رائحة الجلود والكتب القديمة. الغريب أنه لا يوجد به مطبخ ولا مرحاض. يعرف المنزل باسم كلاودز هيل. كان هذا آخر منزل عاش فيه لورانس. ولا يعني هذا أن هذا هو ما كان يعرفه جيرانه عنه؛ كان الجندي لورنس منعزلاً ونادراً ما يُرى، إلا عندما كان يقوم بجولة على دراجته النارية.
أمضى لورنس، بعد عودته إلى الجيش البريطاني في العام 1921، معظم السنوات الـ 14 التالية في مناصب عسكرية متواضعة وفي قواعد متناثرة حول بريطانيا. وأثناء تواجده في دورست سنة1929، اشترى كلاودز هيل كمكان يلجأ إليه للقراءة والاستماع إلى الموسيقى. غير أنه لم يستطع التخلص من صورة الرجل المحطم والوحيد.
عانى لورنس بعد الحرب مما يعرف اليوم باسم اضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب خيبة الأمل من رؤية حلمه للعالم العربي يتلاشى. وعانى، طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، من نوبات اكتئاب، وقطع الاتصال بالجميع باستثناء عدد قليل من الأصدقاء القدامى. وقرر، في العام 1935، وهو في سن الـ 46، التقاعد من الجيش -"الأسرة" الوحيدة التي عرفها منذ 20 عاماً- لكنه قرار أصابه أيضاً برعب معين، لم يكن متأكداً كيف يملأه، فبدت الأيام غير مرتبة، كما كتب إلى صديق في 6 أيار- مايو 1935، بينما كان يستقر في كلاودز هيل بشكل دائم: "في الوقت الحالي، الشعور مجرد حيرة. أتخيل أن الأوراق يجب أن تشعر بهذا بعد سقوطها من شجرتها وحتى موتها. دعونا نأمل ألا تكون هذه حالتي المستمرة ". لم يطل به الأمر كثيراً، فبعد هذه الرسالة بأسبوع بالضبط، تعرض لورانس لحادث دراجة نارية مميت بالقرب من كلاودز هيل.
قال عنه ونستون تشرشل حين علم بوفاته: "أعتبره أحد أعظم الكائنات الحية في عصرنا. لا أرى نظيراً له في أي مكان آخر. أخشى أنه مهما كانت حاجتنا فلن نرى مثله مرة أخرى". أما في العالم العربي، فذكراه لورنس مختلطة بدرجة أكبر. في الواقع، تؤكد النظرة المتغيرة له هناك المرارة المستمرة التي يمكنك أن تلمسها بشأن السلام المفروض منذ ما يقرب من قرن من الزمان. ويتضح ذلك -لي- عندما سألتُ الشيخ العطون في خيمة ضيوفه في المدورة كيف ينظر إلى لورانس اليوم. في البداية، حاول تجنب الإجابة على السؤال بلباقة وقال: "يعتقد البعض أنه كان يحاول حقاً مساعدة العرب، لكن آخرين يعتقدون أن ذلك لم يكن سوى خدعة، كان لورانس يعمل بالفعل لصالح الإمبراطورية البريطانية طوال الوقت". وعندما ضغط أكثر ليقول رأيه، بدت عليه ملامح الإحباط قليلاً وقال: "هل يمكنني التحدث بصراحة؟ ربما لا يزال بعض كبار السن يعتقدون أنه كان صديقاً للعرب، لكن الجميع تقريباً، يعرف الحقيقة. حتى جدي، قبل وفاته، كان يعتقد أنه تعرض للخداع ". لقد كان تعليقاً بدا وكأنه يلخص المأساة النهائية لكل من لورانس والشرق الأوسط -ولكن هناك توضيحاً أكثر بكثير لتلك المأساة. يمكن العثور عليه في كركميش، حيث جاء لورانس أولاً ليحتقر استبداد تركيا العثمانية، ولتخيل أمة عربية مستقلة مع سوريا في قلبها.
..................
المصدر: https://www.smithsonianmag.com/history/true-story-lawrence-arabia-180951857/?all
*سكوت أندرسون: مراسل حربي سابق، ومؤلف ويكتب في نيويورك تايمز، إسكواير، جي كيو، مينز جورنال وفانيتي فير.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار مع هيفاء بيطار: في معنى الشعور بالانتماء
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا: العثور على أورشليم مثا ...
- قوة الحزب: الحزب الشيوعي الصيني في مئويته
- مطارح العقل: عالم إدوارد سعيد
- شظايا كتاب: ما لم تنهه حنّة أرنت عن كارل ماركس
- أوروبا والذبح الحلال: كيف أصبح الغذاء هدفاً للسياسات المناهض ...
- يهود الجزائر وجرائم فرنسا الاستعمارية اللامنسية
- -الإمبراطورية-, ماهي؟ وكيف نفكر بها. حوار مع أرونداتي روي
- العدوان بلسانهم: محنة غزة وجحيم ال F-16
- كيف لا نتحدث عن غزة
- إسرائيل والقانون الدولي: التوظيف والتلاعب
- اختيار العنف: حين يكون خيار الحرب جنوناً نعيشه


المزيد.....




- موسكو تشنّ غارات في دونيتسك وكييف تفاوض الغرب بشأن الصواريخ ...
- صحيفة روسية: الأوكرانيون لن يصبحوا سوريين جددا في الاتحاد ال ...
- قتيلان وعشرات الإصابات في زلزال يضرب شمال غرب إيران
- زلزال بمنطقة حدودية بين إيران وتركيا.. 3 قتلى ومئات المصابين ...
- أوكرانيا تنفي نيتها الحصول على 24 طائرة مقاتلة من الحلفاء
- انفجار في مصنع للذخائر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في أصفها ...
- طعن شاب عشريني في متجر هارودز بلندن
- أوكرانيا تفاوض حلفاءها للحصول على صواريخ بعيدة المدى
- بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعهد برد -سريع- بعد ...
- 3 قتلى وأكثر من 440 جريحا في زلزال ضرب مدينة خوي شمال غرب إي ...


المزيد.....

- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري
- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني
- ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية / جورج كتن
- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمود الصباغ - قصة لورنس العرب الحقيقية