أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - أبي حبيبي














المزيد.....

أبي حبيبي


صباح بشير
أديبة وناقدة

(Sabah Basheer)


الحوار المتمدن-العدد: 7157 - 2022 / 2 / 9 - 14:41
المحور: الادب والفن
    


“حبيبتي” تلكَ الكلمة التي كانَ يردُدها عليَّ والدي كلّما هاتفته، وبفرح طفلة كنت أبتهج بها وأطير غبطة وسرورا، عاش معنا بحب وشغف، أهدى إلينا عالمًا من القيّم وأوصانا بحفظ ما استطعنا منها، ها هو وهج الذّكريات يحملني إلى عالم التذكر، وإلى تلك الأيام التي أحاكت ما أنا عليه الآن وما سأكون.
غادر أبي الحياة، ودَّعنا إلى عالمِ النُّورِ الأرحبِ، تسللت روحه كنسمة خفيفة تاركةً لنا الذّكريات والصور، تلك التي سألوذ إليها كلّما شدّني الحنين، كان دائم التّشبث بكلّ اللّحظات التي يقضيها معنا، وباهتمام وفرح كبير يستمع إلينا محاولا اقتناص الوقت بصحبتنا، يقول ويكرّر: سيكون هذا ملجأكم الوحيد، حين يشفّكم الشوق، الوجد والحنين.
كان دائم التخيّل والتصور كيف سيكون الأمر بعد حين، بعد أن يغادرنا إلى ذلك العالم الغامض المجهول، غير المرئي! كان يفكر بالموت كل يوم وكل دقيقة، يتأمل نفسه هناك ويكتشف أعماقه، يستدعى أحلامه التي كانت والتي ستكون، وحاضره الذي وقف على الصراط المُنْبَسِط ، من أول الماضي السَحِيق إلى آخر المستقبل النّائي البعيد، لم يخف من الموت يومًا لكنه لم يحبه، غادر بإيمان مطلق وعَبَرَ إلى الضفة الأخرى بهدوء وسلام.
لا يمكن لأيّ منّا أن يكتشف عمق نفسه بمعزل عن التأمل، فما نحن إلا عابرين، نوغل في الزمن والذكرى والحزن، وبعد مسيرة طويلة من البهجة والفرح، الحزن و الشَّجَن، الأحداث وتدافع الأيام، استقبالها وانسكابها على أرواحنا، تلك المشرّعة على كل شيء، يأتي الموت كحقيقة صادمة، كفيلة بأن توجعنا، نشتبك معها فتسحبنا إلى عمق دواخلنا المعتمة، المتخمة بالخيبة والإحساس المُرّ، بأن الشمس قد اِستَلَّت نورها من قلب عزيز لنا ولم تبقِ له غير الظلمة، وتركتنا نلملم الأحزان، نستعيدها ونبعثرها هنا وهناك!
وفي وحشة الموقف نشعر بالضآلة والعجز، يسترجع الموت وغموضه الشرس كل الأسرار والمواقف، تأتي الذكريات الحميمة وتأخذنا إليها، فننسحب من واقع مؤلم إلى عالم بعيد مظلم ومشاعر مبهمة عميقة تنتشر في كل خلايانا، فتلك الذكريات تبعثُ فينا إحساسًا وحنينا غريبًا إلى أشياءَ كثيرة، ربَّما هي لحظات أصيلة في وقتٍ منسيّ، ربَّما هي أشواق لأمور لا نفهمُها، تبعثُ فينا ألفة الأشياء المخبَّأة.
حمل أبي في قلبه دفئا ولينا وتسامحا، حبا وحنوا، كلّما لامستْه روحي انبعثت فيّ الطفولة من جديد، العَبَث واللعِب والضفائر الطويلة، فيحضرني الزَّمن الجميل والرجل الأجمل، كيف لا وأنا الطفلة المدلّلة في حضرتِه؟
صوتُه المميز، النصح والإرشاد الدائم، ساعته الأنيقة، شعره الأبيض، ابتسامته المشرقة التي كانت تضيئ علينا البيت كله، حبُه الأبدي لنا ولوالدتي وهو يتأمّل تفاصيلنا عن قرب، عشقه المشعُ لأحفاده، إخلاصه في العمل ومتابعة طلابه، لم يُلهِهِ انشغاله بالاتّصالاتِ الهاتفيّةِ والعمل الاجتماعي يوما عن متابعتنا، كان داعما وسندا، أمانا حقيقيّا يخيّمُ علينا وعلى قلبي كلّما نظرته، هكذا وبلحظة لا تطاق ولا تحتمل، رحلَ كلُّ هذا!
أيعقلُ بأنَّ والدي لم يعرف بأنَّي ما زلتُ طفلةً تنتظرُه أمام بيتنا الواسع الجميل؟ هلْ ظنَّ أنّي كبرتُ بما يكفي لئلا انتظره؟ِ أم تراه ما عادَ يراني طفلة بضفائر تطاردُ أحلامَها بين الأيام والأحداث، هل اعتقدَ بأني نَضَجت بما يكفي لأحتمل خبر موته الصادم!
موجع هذا الرحيل يا أبي، ها أنا اليوم وقد بلغت منتصف النهار من العمر، أشعر أنني لم أكبر بما يكفي لأكفَّ عن انتظارك، وأني لم أعش بما يكفي لأصحو على ألم الفقد والخسارة، ما زلت أنتظرُ حكاياتك المخبّأةَ في جيب الأيام، لم أتركُ زاوية في بيتنا إلّا وحاولت رؤيةَ ظلالك فيها، والبحث عن ألفتك المفتَقَدة، تلك التي تلوحُ هناك بين الجدران والنوافذ، وتفوحُ منها رائحتك الطيبة، رائحةُ الشَّوق المَخْفيّ وعبقه الكامن، ها أنا أجلس بانتظار وصبر، لتطلَّ عليَّ منها ملامحك التي طالما أحببت.
ثمّةَ وقت طويل للاستماعِ إلى حكاياتك وضحكاتِك المدوّيةِ، ثمّةَ وقت كبير لنقرأ معًا، ونجلس في الحديقة لشرب قهوتنا الصباحية، أليس كذلك؟ ستعود إلينا حاملًا معك الذّكريات الجميلة، تبعثرها في دروبِنا وتفردها علينا دفئا وحبا، فتتبدّد الوحشة وتصدح الأغنيات والقبلات. لروحِكَ الطَّيِّبةِ السكينة والسَّلامُ، ولك الرَّحمةُ والرضوان.
سأظلُّ بانتظارك، أقفُ على بابِ البيت، سأتّصلُ بك يوميا؛ وأنتظر سماع صوتك المشبّع بالوقار والحنان، والمتسّم بالصفاء والصدق، لكنْ أرجوك، لا تبقَ صامتًا وقلْ كلمتك الأحبّ إلى قلبي: “حبيبتي” !



#صباح_بشير (هاشتاغ)       Sabah_Basheer#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بين الكاتب والناقد والنص.
- همسات وتغاريد والحسّ الإنساني
- عن رواية “الجرجماني” للأديب حسن حميد
- عن قصة الأطفال “ثابت والريح العاتية”
- -بين مدينتين- سيرة ذاتية مُبهرة للأديب فتحي فوراني/ صباح بشي ...
- من الرمال الساكنة إلى الرسم والإبداع
- صباح بشير: “نور العين” قصة إنسانية ملهمة
- لاجئة في وطن الحداد.. سيرة شعرية في أربعة فصول
- أنا من الديار المقدسة.. رواية تقدم شهادة انسانية
- عن رواية حيواتٌ سحيقة للروائي يحيى القيسي
- عن كتاب أشواك البراري لجميل السلحوت
- مع رواية -هناك في شيكاغو-
- عن رواية -مدينة الله- للروائي حسن حميد
- عن قصة الأطفال-قراءة من وراء الزجاج-
- قراءة تحليلية لقصة -زغرودة ودماء-
- حول رواية الخاصرة الرّخوة


المزيد.....




- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - أبي حبيبي