أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - عن قصة الأطفال “ثابت والريح العاتية”














المزيد.....

عن قصة الأطفال “ثابت والريح العاتية”


صباح بشير
أديبة وناقدة

(Sabah Basheer)


الحوار المتمدن-العدد: 7115 - 2021 / 12 / 23 - 14:10
المحور: الادب والفن
    


عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، صدرت قصة الأطفال ثابت والريح العاتية (2014)”Thabit and the strong wind” باللغتين العربية والإنجليزية، للأديب سهيل عيساوي، وتقع في أربع وعشرين صفحة ملونة أنيقة وغلاف جذّاب سميكٍ لامع، تُحلِّيها رسومات فنية معبّرة للفنانة فيتا تنئيل، دققها لغويا الأستاذ أحمد شدافنة.
جدير بالذكر أن هذه القصة قد نالت جائزة ناجي نعمان الأدبية الهادفة، وجائزة ماري لويز الهوا لأدب الأطفال الأخلاقيّ، وذلك لرقيّ مستواها وتميّزها، وقد نُشرَت حولها العديد من الدراسات النقديّة الجادة. فمن أفق الطفل وبيئته الثقافية والاجتماعية، انطلق المُرَبي عيساوي في بناء قصته بأسلوب شاعري، معتمدا الرمزية والتجريد والصور الحالمة، دون أن يتخطى مدارك الطفل وحاجته في استيعاب الرمزية والشاعرية، فَمَيّزَ نصّه بالإحكام والجمالية، التشويق والمفاجأة، وجعله متصلاً بالواقع، وربَطَه بعناصر قابلة للإدراك في ذهن الطفل وحواسة، مضيفا إليه الحركة وبعض المكونات الواقعية، ليخاطِب وجدان الطفل وعقله بأسلوب أدبي يتناسب وقدراته الذهنية واللغوية، معتمدا الصور الفنية المبسطة، مبتعدا عن التقريرية والمباشرة.
تدور الأحداث حول الطفل ثابت، الذي استيقظ من نومهِ مذعورًا على صوتِ الضوضاءِ وتحطُّم البيوت والمنازل في ليلةٍ أسدل فيها الليل ستائره وفتح أجنحته، فغمر الأرض بظلامٍ دامسٍ، وبدأت الريح العاتية تعصف بقرية ثابت الصغيرة حتى هدمتها عن بكرة أبيها، فغدت وكأنّها أطلال بالية.
انتاب ثابت الذعر لهول ما رآه، ودَّبَّ الرُّعبُ في قلبهِ وتملكه الخوف، اختبأ تحت سَّريره وبدأت الرِّيحَ تطرق بابَ بيته بقوَّة، فأسرع وقفزَ من النافذةِ مهرولاً راكضا فَزِعاً، حتى وصل إلى مغارةٍ صغيرةٍ في أسفل الجبل ولجأ إليها، فوقفت الريحُ أمامَها وقالت: لن أمَسَّك بسوءٍ، فلم يُصدِّقها وَرَدَّ قائلا: كيفَ أثقُ بكِ وأصدِّقكِ وقد دمرتِ قريتي؟
طمأنتهُ الريح، وطلبت مِنه أن يَبتلعهَا في النهار ويُخفيها في بطنهِ، لأنها تخافُ شروق الشَّمس ونورها الساطع، الذي يوهنُ قوَّتُها وجبروتها، على أن تقوم هي في الليل بابتلاعه وحمايته مِن براثنِها وهيجانِها، وقامت بإقناعه أن في ذلك مَصلحة مشتركة لهما، وعدَته بأنّها ستطيرُ به حولَ العالم ليزور كل مكان يحلمُ به، فوافقَ وضمَّتهُ الريح حتى تَوارى في داخلِها وانطلق مسافرا معها، يجوبُ البلاد مستمتعا بالأطعمةِ الشهيّة وأطيب المأكولات، حتّى ازداد وزنَهُ وأصبحَ سَمينًا، وتغيَّرت ملامحَهُ وثَقُلَتْ حركتَهُ وإرادتَهُ، واختفتِ مِن وجههِ براءة الطفولةُ، وتمضي الأيَّامُ وتسير الأحداث، وبدأ الحنين يطويه ويشدّه إلى أرضهِ وترابها، وإلى بيته وقريتِهِ التي دمّرَتها الريح، اشتاقَ ثابت لأهله وأصدقائه، منزله وسريرهِ الدافئ، دفاترِه أقلامِهِ وألعابهِ، ندم وأدركَ حجم الورطةَ التي وقعَ فيها، وراح يُفكِّرُ في كيفية الخلاص مِن تلك الريح العابِثة المسّتَغِّلة، التي تنتهز كل الوَسائِلِ وتستخدم كل الطرق لِتَحْقِيقِ مَصالِحَها الخاصة على حِسابِ الآخرين!
لمحت الرِّيحُ أفكارَه وأحسَّتْ به، فأضمَرَت لهُ الشَّرّ وقررت الاستغناء عنه، فهي لم تعد بحاجة إليه بعد أن اشتد عودها وتعاظمَ عصفها وجمعت ما تحتاج من قوَّةٍ وعزم وطاقة، فقامت بحمله ليلا وألقتْ بهِ في صحراءَ قاحلة! استفاقَ ثابت فجرا ونظرَ بذهولٍ فوجدَ نفسَهُ وحيدا، بدأ يصرخُ وأخذ ينثر الرمل بيده متوعدا تلك الرِّيحُ وشرّها.
يبدو أن الكاتب قد راهن على طبيعة الصغير وحاجاته المعرفية، فحشد إمكاناته الفنية واستجاب لروح الطفولة وما تستلزمه من نزوع إلى الجديد، الفضول والمغامرة ومشاهِد الدهشة، فَرَجَّحَ كفة القيّم، التعليم والبلاغة القصصية، وتعامل مع الطفولة باعتبارها مرحلة ينبغي أن نتولاها بالمتابعة الرعاية والدعم، فحمَّلَ قصته رسالة رمزية عميقة مُبَطَّنةِ، ووظفَ الرّيح مشيرا إلى النكبة الفلسطينية، والواقع المكلوم بأحداثه وأبعاده الإنسانيَّة والوطنيّةِ، وإلى الاحتلال والقمع، التشريد والتهجير.
هكذا أبدعَ المؤلف في تقديم فكرته التي كتبها بلغةٍ فصيحةٍ مُموسَقةِ شجيّة، ومزجها ببعض المُصطلحاتِ اللّغويَّةِ والاستعاراتِ البلاغيَّةِ والجُملِ الشَّاعريَّةِ المُنمَّقةِ، لتصل إلى الطفل المتلقي بنجاح، فتثير نزعاته الكريمة وتعزز عواطفه النبيلة وتدفع به إلى حب الخير والانتماء للأسرة والوطن.
بقي أن أذكر أن هذه القصة لا تناسب مرحلة الطفولة المبكرة، وهي تناسب اليافعين ومرحلتي الطفولة المتوسطة والمتأخرة.
أخيرا.. أهنئ الأستاذ والمرّبي سهيل عيساوي على هذا العمل، وأبارك له نيله لجائزة ناجي نعمان، وإلى دوام التألق والتميّز والنجاح.



#صباح_بشير (هاشتاغ)       Sabah_Basheer#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -بين مدينتين- سيرة ذاتية مُبهرة للأديب فتحي فوراني/ صباح بشي ...
- من الرمال الساكنة إلى الرسم والإبداع
- صباح بشير: “نور العين” قصة إنسانية ملهمة
- لاجئة في وطن الحداد.. سيرة شعرية في أربعة فصول
- أنا من الديار المقدسة.. رواية تقدم شهادة انسانية
- عن رواية حيواتٌ سحيقة للروائي يحيى القيسي
- عن كتاب أشواك البراري لجميل السلحوت
- مع رواية -هناك في شيكاغو-
- عن رواية -مدينة الله- للروائي حسن حميد
- عن قصة الأطفال-قراءة من وراء الزجاج-
- قراءة تحليلية لقصة -زغرودة ودماء-
- حول رواية الخاصرة الرّخوة


المزيد.....




- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...
- -بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا ...
- هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - عن قصة الأطفال “ثابت والريح العاتية”