أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - مستقبل الهوية المصرية في مجتمع سلفي















المزيد.....

مستقبل الهوية المصرية في مجتمع سلفي


سامح عسكر
كاتب علماني حر وباحث تاريخي وفلسفي


الحوار المتمدن-العدد: 7088 - 2021 / 11 / 26 - 12:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


سعدنا معا بتلك السيمفونية الرائعة في افتتاح طريق الكباش المصري في الأقصر، ومن قبله حفل نقل المومياوات إلى المتحف الكبير، وعلى ما يبدو أن الدافع الذي جعل الدولة المصرية تُخرج هذين الحدثين باحتفالية (فنية) يكمن خلفه تفاصيل كثيرة من بينها رفع المعنويات الشعبية تجاه خطر الإرهاب، والثانية هي الأهم "تعزيز الهوية المصرية" المرتبطة وجدانيا بالحضارة المصرية القديمة..

ولكنني أقف هنا وقفة، فأرى ما يحدث هو آلام مخاض يدفع بقوة لخروج جنينا مصريا كاملا لا يشبهه أحد، ذلك الجنين هو الذي سيقود المنطقة في العقود المقبلة وفقا لتصورات المسئولين في مصر، ويدعم ذلك أقوال الرئيس السيسي منذ لحظاته الأولى بأنه لا ينتوي فقط الحفاظ على مصر من الإرهاب والإخوان بل سيجعلها بمصاف الدولة القوية المهيمنة التي ستعود إلى سابق عهدها ككبيرة العرب والشرق الأوسط ككل، أو هي ملجأ للمستضعفين ومحط أنظار الفنانين بعدما خُطفت العقود الماضية ودُمرت أذرعها الفنية بفعل فاعل..

وعلى ما يبدو أيضا أن الرئيس نواياه حسنة في ذلك المضمار، لكني لا أطمئن لمستقبل ذلك الجنين لعدة أسباب:

أولا: إحياء الهوية الوطنية القومية وتعزيزها شئ جيد على المستوى النظري، لكن يجب أن يسبقه دراسات اجتماعية لقياس الرأي العام على الأرض ومدى تقبلهم لتلك الهوية وألا تكون مختلطة بهوية أخرى، والمعنى أن الشعب المصري لا زال متأثرا بالوهابية ودولة الشريعة ولا زال ينظر لرجل الدين كقائد وزعيم ..والثقافة الشعبية بهذا الشكل تنظر لمن يدعو للهوية المصرية على أنهم (برجوازيون) طبقا لرغبات الشعب الكادح في دولة الشريعة الغائبة التي لا زال يُنظّر لها على المنابر ويُحبس المثقفين المنتقدين لها بشكل هزلي، ويساعدهم في رفض المشهد ككل صور الرئيس ووزرائه في الحفل الفخيم عالي التكلفة في وقت ترتفع به الأسعار وتنخفض المرتبات..

ثانيا: إضافة أن الشعب سيرى أصحاب الهوية المصرية "برجوازيون" تحت مستوى طموحاته أيضا فهو عرضة لدعايا رجل الدين ضد تلك الهوية، فالمشهور والمؤكد أن رجل الدين المسلم لا يحترم الحضارة المصرية القديمة، ويرى ملوكها فراعنة طواغيت، وأديانها وثنية تعبد الأصنام..ولا زالت تلك المُخيلة تهمين على أذهان رجل الدين بفعل التفسيرات القرآنية التي ربطت بين فرعون ومصر كدولة، حتى أن بعض المتشددين من غير المصريين دائما ما يربطون الدولة المصرية بالفرعون وسمعته السيئة في القرآن، فمن السهل إذن مرور تلك المعتقدات ليراها الشعب بوضوح ويعتنقها في وقت تعف الدولة عن تجديد الفكر الديني بشكل حقيقي ولا تساعد المثقفين ضد هؤلاء المتشددين..

ثالثا: سبب رئيسي لكراهية الشيوخ الآن لأقباط مصر ليس لأنهم مسيحيين أو مخالفين في الرأي أو لأنهم يقولون بالثالوث فقط ، هذه الأمور وجدت عند السريان والآشوريين والأرمن لكن الشيوخ لم يحرضوا عليهم فكريا كما حرّضوا على الأقباط، والسر في أن الشيوخ يعتقدون بأن (أقباط مصر) كانوا يعبدون فرعون وخصوما للنبي موسى، القبطي لديهم أي فرعوني..ولاحظ أنهم في شتائمهم وأتباعهم ضد الشعب المصري أحيانا يقولون أنهم أحفاد القبط والفراعنة الذين طردوا الأنبياء من مصر، وهذا التفسير حديثا وليس قديما، يعني أن التراث السني القديم ليس فيه ازدراء للقبط بوصفهم شعب فرعون..بالعكس كان يحض على مودتهم بوصفهم أقارب للعرب بالمصاهرة والزواج (هاجر ومارية)، ولكنه حديث من أثر صحوة الإخوان قال به ستة فقهاء هم:

الأول: الشيخ الشعراوي في تفسير سورتي القصص والشعراء
الثاني: وهبة الزحيلي في تفسيريه المعروفين بالوسيط والمنير
الثالث: أبو بكر الجزائري في تفسيره المعروف بأيسر التفاسير
الرابع: محمد علي الصابوني في كتابه "صفوة التفاسير"
الخامس: سعيد حوّى في كتابه "الأساس في التفسير"
السادس: الشيخ ابن عثيمين في تفسيره

كلهم ظهروا بتفاسيرهم في عصر الصحوة الإخوانية من السبعينات للألفية الجديدة، وكلهم أسقطوا آيات فرعون وقومه وملأه وأتباعه في القبط..علما بأن لفظ القبط هو يوناني بطلمي أطلق على المصريين في فترة ضعف واحتلال بعد قصة موسى التاريخي ب 1000 عام على الأقل، لكن هؤلاء الشيوخ تعمدوا استبدال لفظ (المصريين بالقبط) لدوافع سياسية ولكي لا يُحسَب خطابهم تحريضا على كراهية المصري ، فالمطلوب هنا مراجعة تلك المصطلحات التي يطلقها الشيوخ وقت الحرب أو الأزمات السياسية، فالتفسير الجديد لقوم فرعون أثر ذهنيا في صورة القبطي عند الجماعات الدينية التي شربت هذه التفاسير في دمائها حتى أصبحت كلمة قبطي مرادفة لكل طغيان وجبروت وظلم فرعون..

وللإضافة كتبت مقالا في شهر إبريل الماضي بعنوان "لماذا يكره رجل الدين حضارة مصر القديمة" وفيه شرحا تفصيليا عن أسباب وجذور تلك الكراهية بشكل عام..

رابعا: ما سبق يؤكد أن الشعور الديني المعادي لحضارة مصر القديمة وغير المتعاطف مع الهوية المصرية له جذور في التراث والتفاسير وتدخلات الفقهاء..فصارت الحاجة إذن لشرح ذلك الشعور ومواجهته لا إنكاره أو المرور عليه بشكل عابر، والدولة المصرية لا يمكنها إنجاز ذلك في ظل وجود قوانين الحسبة وازدراء الدين، فكل من يجتهد لرد تفاسير الفقهاء للقرآن هو متهم بالازدراء..فصارت تلك التهمة تحاصر المجددين بشكل أساسي ومانعة للاجتهاد الفكري بشكل عام، ومن ثم صارت تلك الاحتفاليات رغم روعتها هي مجرد إجراء شكلي يزول بزواله ولا تبقى له آثار سوى عند بعض النخبة المتأثرة بهذه الهوية والداعية لها ضمن صراع الهويات المتناقضة والمختلفة بالشرق الأوسط والعالم..

خامسا وأخيرا: كثرة ترديد مصطلح "الفراعنة" على حضارة مصر هو تعزيز لتلك النظرة السوداوية الدينية على تاريخ مصر وملوكها القُدامى، وهو خطأ جسيم يقع فيه الإعلام دون مراعاة للسياق الذي ظهر فيه ذلك المصطلح ومصدره، وفي السطور القادمة أختم برؤية جديدة غير مسبوقة عملا بمبادئ الاجتهاد العلمي في تفسير المفاهيم..

إن أشهر تفسير للكلمة هو (البيت الكبير) وهو مُكوّن من مقطعين (بر عا) وهذا خطأ من ثلاثة نواحي: الأولى: لا يوجد رابطا بين برعا وفرعون..فالنطق والرسم مختلفين، الثاني: لو كان وصفا للملك لاستعمله ملوك مصر جميعهم منذ أول اكتشاف له بعصر الدولة الحديثة..أقصد لفظ (بر عا) فكل الأسرات التالية لم تستعمله، واليونان والفرس والآشوريين لم يعرفوه برغم أن الآشوريين هم أولاد عمومة العبرانيين والعرب في اللغات السامية.، الثالث: المصريون القدماء لم يقدسوا قصور الملك لكي يصفوا بها الملوك أصلا، وأكبر دليل على ذلك أنه لا توجد آثار مصرية قديمة للقصور والمنازل..فقد كانوا يبنوها من الطين والخشب المعتاد في مصر والذي ظل إلى وقت قريب موروث منذ آلاف السنين قبل تحديثها بالطوب المحروق والمشهور عند الفلاحين (بالأمينة)

المصري القديم كان يبني منزله بالطين (ملوك – فقراء – وزراء – جنود..إلخ) والسبب أنه كان المتوفر والأسهل في تربة مصر النيلية، ولأنه يعزل الحرارة في الصيف فيكون المنزل باردا ويعزل الرطوبة في الشتاء فيكون المنزل دافئا..وبرغم هذه الميزة لبيوت الطين المصرية لكنها كانت ضعيفة أمام الفيضان والمطر فكانوا يعالجون ضعفها بالخشب وخصوصا خشب الجمّيز، والمشكلة لمن يفسر فرعون بالبيت العظيم أنه لا يستطيع تفسير لماذا خلت آثار مصر من قصور الملوك وحُصِرت فقط بالمعابد والقبور والأهرام والتماثيل، هذا يعني أن استخدام الحجر عند المصري كان له علاقة بالموت وفكرة الخلود المذكورة في كتاب الموتى، والحجر ملائم جدا لفكرة الخلود بشكل عام ولولا اعتقاد المصري القديم بخلوده ما بني قبوره ومعابده من الحجر وما ورثنا هذه التركة العظيمة ..

في الحقيقة ليس لدي تفسير مؤكد حول الكلمة، لكني أميل لأنها نطق (سامي) لوصف ملوك مصر القدماء منذ عصر الدولة الحديثة وأول ذكر لها كان في سفر التكوين بقصة يوسف، والآثار تقول أنها كانت لإخناتون..وبالنظر لموسوعة تل العمارنة للدكتور سيد القمني نجد أن نفرتيتي زوجة إخناتون كانت من (بدو الميدانيين) التي عاصمتهم البتراء في الأردن، بينما في سفر التكوين نجد أن التجار الذين باعوا يوسف في مصر كانوا من أهل ميديان، وبالتالي وصف فرعون في قصة يوسف متفق مع زمن إخناتون في القرن 14 ق.م، ومن هذا المدخل رأى البعض أن إخناتون هو يوسف..وهذا بحث آخر مختلف ليس عليه أدلة علمية بل مجرد تخمينات.

المهم: أن النطق السامي لفرعون شبيه بالنطق السامي لإسم (سمعان/ سيمون) وهو (شمعون) وبالتالي نطق (فرعون) كنطق (شمعون) أصوله لغوية سامية مرتبطة بالحضارة الأكدية ورثها البابليون ومنها العبرانيين والآراميين والعرب بوصفهم أشقاء للبابليين في الثقافة السامية..مما يعني بأن فرعون هو وصف وليس إسم علم..والأقرب أنه كان وصفا مقدسا للملك من طرف الساميين فقط، فإذا علمنا أن شمعون أو سمعان تعني (المطيع) ففيها معاني العبادة والطاعة وبالتالي وصف فرعون يعني (عبد لكذا) والسؤال: عبد لمن بالضبط؟..والجواب: لا أعلم والأقرب أنه للإله (رع) الذي وصفته في دراستي عن مصر القديمة منذ فترة أنه كان حاضرا في ذهن إخناتون كخالق ورب واحد، فأراد إحياء صفاته ومعانيه بإسم جديد وقتها هو (آتون) ويمكن ملاحظة أن حرفيّ (رع) يشكلون نصف المقطع الأول الصوتي (فارع) قبل أن يكسره العرب ب (فيرع) ولا زال هجاء الكلمة في اللاتينية لنفس المقطع متأثر بالنطق العبري phar

هذا مجرد اجتهاد أزعم أنه غير مؤكد مني، لكني في المقابل غير مقتنع بكل المعاني التي قيلت في السابق، وأؤمن أن المصري القديم كان يسمي ملوكه باسمهم فقط، أما الألقاب فكانت من الشعوب الأخرى تعظيما ومهابة لهم..ثم جاء زمن بعد ذلك سميت الملوك بألقاب محلية ككسرى وقيصر في الروم وفارس وروسيا، ولو عثرنا على وصف ملك مصري لنفسه بالفرعون فبرأيي لن يكون أقدم من الدولة الحديثة في عصر إخناتون الذي يعد هو أول ملك مصري يتعامل مباشرة مع الساميين القدماء ويتواصل معهم لدرجة المصاهرة..



#سامح_عسكر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لمحات أوّلية عن فلسفة التاريخ
- مشكلة الفقيه الأناني
- الفلسفة كوسيلة فهم للتاريخ
- عن تاريخانية الأنبياء
- العجل أبيس وقصة السامريّ
- أكذوبة الخمس رضعات في الفقه
- حسن حنفي فيلسوف اليسار والنوايا الحسنة
- الغباء ودوره في صناعة الكراهية..تحليل فلسفي
- عن سؤال هل القرآن كلام الله
- رحلة نقدية في تفاسير القرآن
- حامد عبدالصمد في قبضة سامح عسكر
- خطر بعض الملحدين على العلمانية
- السذاجة الإلحادية..حامد عبدالصمد نموذج
- خرافة الاقتصاد الإسلامي
- الشخصنة كمرض نفسي واجتماعي
- من تخاريف صحيح مسلم
- اليد القابضة في نسف (حديث الرويبضة)
- طالبان من المدرسة الدينية للحُكم
- أصول ما يسمى علوم القرآن
- التقية الوهابية..محمد حسان نموذج


المزيد.....




- 80 عاما على المؤتمر الذي وضع سيناريو الهولوكوست لإبادة اليهو ...
- مستشار رئيس فلسطين عن اقتحام مستوطنين المسجد الأقصى: سلوك إج ...
- ممثلة بريطانية: أنا يهودية وأرفض وجود دولة إسرائيل (فيديو)
- -العزيزة فلسطين-.. تاريخ الحرب والإبادة في رسائل الجنود العر ...
- الإعدام لباكستانية تداولت رسوما كاريكاتورية للنبي محمد عبر ...
- الملك الأردني يتلقى اتصالا هاتفيا من شيخ الأزهر
- طالبان تدعو الدول الإسلامية للاعتراف بحكومتها
- طالبان تدعو الدول المسلمة للاعتراف بحكومتها في افغانستان
- المسيحيون الروس يغطسون في مياه متجمدة احتفالا بعيد الغطاس
- طالبان تدعو الدول الإسلامية للاعتراف بحكومتها وواشنطن تجدد ا ...


المزيد.....

- كتاب صُنِع في الجحيم (1) / ناصر بن رجب
- ( ضعف البشر في رؤية قرآنية ) : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- رمزية الدائرة في المعتقدات الدينية القديمة / صباح كنجي
- ( ضعف البشر فى رؤية قرآنية ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- فصل من كتاب الإرادة الحرة بين العلم والدين / جواد بشارة
- تطور الحقل الديني المغربي في مواجهة تحدي العولمة / احمد رباص
- القرآن ككتاب مقدس / ارثر جفري
- فروقات المصاحف مصحف ابن مسعود 2 / نبيل فياض
- فروقات المصاحف مصحف أبي بن كعب 3 / نبيل فياض
- فروقات المصاحف مصحف علي بن ابي طالب 4 / نبيل فياض


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - مستقبل الهوية المصرية في مجتمع سلفي