أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد.















المزيد.....

إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد.


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 7070 - 2021 / 11 / 7 - 13:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كون الأحزاب ليس لها مشاريع حكم. كونها ضعيفة. كونها أخفقت في التأسيس للديمقراطية داخلها، وأخفقت في مساعدة المواطنين على المشاركة، وعلى قيم التعايش والتداول السلمي على الحكم. كونها لا تحترم القانون. وكونها انتهكت مبدأ حياد الإدارة واستقلال القضاء. كونها أحزاب هرمية بعيدة عن شعبها، ولا تزال متشبّثة بأساليب التّسيير الفوقية البالية ... هذا صحيح. ويجب الإصرار على تصحيح كل هذه الأمور. ولكن، في نفس الوقت، يجب الإقلاع عن فكرة التخلص من الأحزاب، أو الاستغناء عنها، لأنّه لا توجد حياة سياسة بلا أحزاب، ولا يوجد استقرار ولا ديمقراطية، ولا حتى ديكتاتورية. بل فوضى وخراب.
يعني الفارق بين رفض المظاهر السلبية في الأحزاب، وبين رفض الأحزاب في حدّ ذاتها، هو الفارق بين الهدم والبناء.

سيّدي الرّئيس،
الناس لا يولدون منظّمين في مجتمعاتهم. بل يولدون مختلفين بالآراء وبالأفكار وبالتصورات وبالمعتقدات وبالمذاهب وبالمصالح. ولكي يتنظّموا بما يجعلهم يجتمعون مع بعضهم البعض، ويجعل منهم قوة تشتغل وتتعاون كفريق، وكمجموعة بشرية تُؤمّن مصالحها وتُؤمّن معيشتها، يحتاجون إلى عمل جبّار.
من الذي يُنظّمهم؟
تنظمهم المدرسه، حيث تعلمهم كيف يقفون في الصفّ. ومتى يخرجون من الصف. وكيف يجادلون بعضهم، وكيف يجادلون معلمهم وذويهم والناس من حولهم. تُنظّمهم المؤسسات. تنظمهم النّخب التي تدير المؤسسات. تنظمهم الأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات وسائر الهيئات الأهلية. يعني تعلّمهم جملة من القيم المُستبطنة تساعدهم على التّفاهم والتضامن وعلى الوعي بأن نجاح كل فرد مرتبط بالنجاح في الارتقاء بحياتهم كمجتمع. وهذا هو المعنى العميق لتشكّل الوطنية وتكوين شعب وأمّة.
ولعل أهم دور يمكن للدولة أن تلعبه، هو تهيئة الأوضاع المادية والمعنوية لتشجيع مواطنيها على العيش المشترك، على التعاون، على إدارة عملية الإنتاج، على الحوار فيما بينهم لتوحيد رؤيتهم لكيفية تحسين أوضاعهم وتيسير مصاعب بلادهم.
أما إذا انحرفت السّلطة بهذا الدور، وامتنعت أو اعترضت على القيام بكل هذه الأمور خشية أن يتفاهم الناس ضدّها. فإنّ هذا الخوف سيدفعها لإثارة المشاكل عوض تطويقها. والتناقضات الصغيرة يتمُّ تكبِيرها، والكبيرة يتمّ تفجيطرُها لتكسير التفاهم عوض بنائه. وتقسيم المجتمع بدل توحيده. وتدمير كل هذه العناصر المؤسِّسة لقيام مجتمع متماسك وطبيعي. ومن هنا تتحول السلطة إلى كيان مُستمرّ بالبطش والعنف، يُسمّيه العلماء "الدكتاتورية".

سيّدي الرّئيس، أصلح القضاء. وهنالك مجموعات محدودة العدد ومعلومة، وأشخاص معيّنون يعرف الجميع ضلوعهم في ارتكاب جنايات خطيرة، وجرائم اقتصادية ثقيلة خرّبت البلد. هؤلاء يُحاكمون، وينظر في شأنهم قضاء سيّد مُستقلّ.
ما عدا هؤلاء، جمّع شعبك من خلال تجميع الأحزاب والمنظمات الوطنية والشخصيات ذات الاعتبار الثقافي والعلمي الأكاديمي، لكي يساعدوك على مواجهة الأوضاع، فالبلد منكوب نكبة كبرى.
سيدي الرئيس، أخرج من هذه العزلة التي وضعت نفسك فيها. ودعك من الشعار الهُلامي الغامض: "الشعب يريد". ففي وضع بلادنا الراهن، ليس لهذا الشعار أيّ معنى، لأنّ الشعوب تنتفض حين تشعر بالخديعة، ولمّا تثور تستطيع إسقاط أيّ نظام مهما كان عنيفًا. ولكنها لا تستطيع بناء أي شيء. لا تستطيع بناء الدّول، ولا حلّ الأزمات، ولا ترسيخ الديمقراطية. البناء مهمّة النّخب سيدي الرئيس. وليست مهمّة الفلاح وسائق التاكسي وبائع الخضر.
ثمّ، رجاءً تواضع قليلًا سيدي الرّئيس. فلست نبيًّا مُرسلًا حتى تعتقد أنّك النّظيف الوحيد في تونس. المعذرة سيدي الرّئيس، فالفاسدون هم الأقلّية. وليس العكس.

التّواضع حكمة.
تونس لا يمكنها تبشير الإنسانية بنظام جديد وغير مسبوق في التاريخ "بديلًا عن الديمقراطية التمثيلية المأزومة في العالم". هذا الادّعاء يفوق الطاقة الواقعيه لبلادنا.

الأفكار الكبرى المُلهمة عبر التاريخ، حملتها قوى عظمى. صحيح ارتكزت على ثقافة قوية، تحمل قيما كونية جذابة للآخرين. مثل الإسلام الذي جاء بالعدل الربّاني والقيامة والجنّة والنّار. مثل فكرة الحرّية التي حملتها دول تأسست على الثورة الصناعية ونشأة الرأسماليّة. مثل فكرة الاشتراكية وفكرة المجتمع العادل الخالي من الطبقات التي حملتها دولة نووية.
وصحيح أن تلك الأفكار السياسية الكبرى في التاريخ، ارتكزت على سياسة طُبِّقت بإخلاص في الداخل، حتى رآها الآخرون في الخارج مشروعة، لأنها قائمة على فكرة أخلاقية. وبذلك تحوّل روّادها إلى سلطة معنوية لبقية الشعوب.

ولكن كل هذه الأمور، رغم قيمتها، لم تكن كافية لكي تفرض دولة معينة نموذج تنظيمها السياسي الإداري والثقافي داخل حدودها، ثم تصدِّره خارج حدودها. بل تطلّب ذلك، منذ عهد الإمبراطوريات القديمة إلى اليوم، تحكّم دولة الأفكار الملهمة في التجارة والطرق البحرية، وفي نسبة مهمة من اقتصاد العالم ومن أرباحه في التجارة والفلاحة والصناعة. وتطلّب تأثير ثقافي غير محدود يصل إلى حد سيطرة نمط العيش، ونمط الاستهلاك على مختلف بلدان العالم وشعوبها. وتطلّب تفوُّقًا وعسكريًّا كونيًّا، حيث تنتشر قواعد وأساطيل (تلك الدولة الراغبة في قيادة العالم، أو التي ترى نفسها مؤهلة لذلك)، مختلف مناطق الأرض. وهذا جعلها حتما ترتبط باتفاقيات عسكرية مع عدة دول حليفة.

بناء على ما تقدّم، المختصّون الذين درسوا تاريخ الإسلام، يُجمعون على أن الرّسالة المحمدية ما كان لها أن تنتشر في الجغرافيا وعبر التاريخ لولا أسباب القوّة التي توفّرت للمسلمين ومكّنتهم من الفتوحات الكبرى.
والذين درسوا تاريخ القرن العشرين، مّجمعون على أن المُعسكر الاشتراكي ما كان ليقوم ويحتل شطر آسيا وشطر أروبا، لولا اكتساب الاتحاد السوفياتي للقنبلة النووية.

يعني اليوم، في هذا العصر، يمكن لتونس أن تقترح على البشرية نظامًا سياسيًا جديدًا مُلهما، شريطة أن تكون للدولة ثلاث منظومات أساسية عملاقة ومندمجة: المنظومة الاقتصادية المالية، والمنظومة الاعلامية الاتصالية، والمنظومة السياسية العسكرية القادرة على ردع أي قوة في العالم. ذلك أن عملية الإلهام الثّقافي، تاريخيا، كانت عملية هيمنة، لا تتحقق إلا في اطار تضافر كلّ عناصر القوّة، على أن تكون بقية شعوب العالم خاضعة لتحولات دولية تقودها تونس، ولا طاقة لبقية الدول على تعديل اتجاهها.

يهديكم، نحن بلادنا غارقة، وتختنق، وميزانية الدولة فارغة. وغايتنا العليا، هي النجاح في الخروج من الهاوية، والشروع في إصلاح الدولة وإصلاح القوانين. وعلينا أن نتواضع قليلا، لأنّنا لسنا في موقع قيادة فتح عالمي جديد. فالعالم مُهتمّ بنا باعتبارنا شعب فقير، وبلد منكوب، ودولة شبه فاشلة. فقط.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاتحاد العام التونسي للشغل جزء من النظام العام ومحور توازن ...
- ما دخل اتّحاد الشغل بالسياسة؟
- الخيار الوطني في مواجهة جماعات الاحتياط الكولونيالي
- -الأمّة الإسلامية- فكرة مُتخيّلة، ومفهوم فضفاض.
- الواقفون خارج الأحداث
- تونس تنتصر.
- أنا الشعب ماشي، وعارف طريقي!
- 25 جويلية ثورة دستورية، وليس انقلابا على الدستور.
- أحزاب مُفلسة تقف خارج نطاق الخدمة
- يجب نزع المسمار
- الذين حكموا البلاد بعد 14 جانفي هم الكارثة، وليست الثورة
- الإسلام السّياسي وُلِدَ لِوقف تحديث الدّولة
- الدّيمقراطيّة في قبضة وَرَثَة الاستبداد!
- حركة النهضة في قَدَمِ البلاد.
- نهايات الإسلام السياسي في تونس
- حركة النّهضة، وخدعة -الكتلة التّاريخية-.
- موقفنا من الاستقلال.
- نحو انتفاضة شبابيّة تحرّرية واعدة
- سقوط حركة النّهضة المحتوم
- رثاثة الطبقة الحاكمة في تونس


المزيد.....




- أمريكا تعلق على إعلان أوكرانيا التقدم بطلب عاجل للانضمام إلى ...
- الولايات المتحدة تنشر مدفعية ثقيلة في لاتفيا
- مسؤول ومحللون: زعماء إيران في -تخبط- ويكافحون لتوحيد موقفهم ...
- أملا في إنعاش السياحة... المغرب يلغي إبراز جواز التلقيح للوا ...
- عودة الأراضي لروسيا: شعب تخلت عنه كييف يقرر مصيره
- نيبينزيا: الولايات المتحدة لا تكترث بأن أوروبا ينتظرها شتاء ...
- العراق.. الإعلام الأمني ينفي انتشار مسلحين مجهولين في مناطق ...
- السلطات الصومالية: مقتل قائد شرطة بتفجير إرهابي
- البيت الأبيض يقول إن بايدن ما زال يؤمن بالتسوية الدبلوماسية ...
- إيطاليا.. جورجيا ميلوني: لم أتواصل مع والدي منذ عقود


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد.