أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - رواية سيدة الخبز للكاتبة نور السبوع















المزيد.....


رواية سيدة الخبز للكاتبة نور السبوع


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 7024 - 2021 / 9 / 19 - 22:56
المحور: الادب والفن
    


ما يحسب لهذه الرواية أنها تتناول ما جري في الدول العربية من أحداث تحت مسمى (الربيع العربي)، ويضاف إلى ذلك أنها لا تحدد مكان الأحد اث، فيمكن أن نسقطها على كل الدول العربية التي جرى فيها التخريب والدمار والتهجير والقتل، وبما أنها تتحدث عن سلبيات النظام الرسمي العربي والنهج القمعي الذي يمارسه بحق المواطنين، فإن هذا يجعلها رواية لكل المنطقة العربية.
وبما أنها جعلت بطلة الرواية "سارة" هي مركز الأحداث، وهي الجامع لكل الشخصات فهذا يشير ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى مكانة المرأة ودورها الحيوي في التغيير، وبما أن "سارة" تمردت على سلطة الأب "ماهر الكرواتي" الذي يمثل السلطة/الدولة/"وزير داخلية ثم رئيس الوزراء، وأيضا يمثل سطوة الأب البطريقي في المجتمع الذكوري، ومن ثم تمردها على سلطة الزوج "عدنان" وتصفيته جسديا، كل هذا يمثل ردا عل كل من يدّعي أن المراة ضعيفة ويجب أن تخضع لسلطة الذكر إن كان أبا أم زوجا أم أخا، بهذه الشمولية نسطيع القول أن الساردة استطاعت أن تخترق القطرية للتحدث ضمن رؤية (قومية) فكل متلقي للرواية يشعر أنها تتحدث عن واقعه، لتشابهة النهج الرسمي العربي تجاه المواطنيين، ولتماثل الرؤية الاجتماعية للمرأة.

الواقع الرسمي العربي
إذن ندخل إلى الرواية ضمن الواقع الرسمي العربي وما فيه من فساد عم كافة نواحي الحياة، الحديث الذي جري بين "سارة" ووالدتها يتناول الجانب السياسي بما يخص العلاقة مع الغرب: " ـ إنهم يعترضون على اتفاقية تم توفيعها مع إحدى الدول الصديقة، ومنزعجزن من المبلغ الذي ستدفعه حكومتنا لأشقائنا في الخارج" ص92، طبعا هذا الأمر متعلق ببعض دول الخليج ، وما سببه الاتفاق بينها وبين أمريكيا من انكسار للمواطن، الذي تأكد أن حكامه مجرد موظفين عند الغرب، وعلى أنهم لا يملكون شيئا من زمام أمرهم.
وتتحدث عن تفشي مفهوم العشائر والقبائل، ودوره في الهيمنة على الدولة وتحديد سلوكها تجاه ضمن مفهوم القبيلة والعشيرة وليس ضمن القانون: "..هؤلاء القبائل يقفون اليوم صفًّا واحدًا يطالبون الحكومة بأكثر من اعتذار، إنهم يقفون معا من أجل حقوقهم بعد أن كانوا يتنازعون على دجاجة ويقتتلون بسبب شِجار أطفال" ص114، وهذا الأمر ينطبق على العديد من الدول التي أصبحت فيها سلطة القبيلة فوق القانون، وما لجان الإصلاح والعشائر المنتشرة هنا وهناك إلا تأكيد على ضعف الدولة، لهذا نجدها تلجأ إلى العشائر لفض المنازعات بين المواطنين، حتى أننا نبدو وكأننا في العصر الجداهلي، حيث كانت القبيلة هي من يأخذ حق الأفراد ويحميهم من اعتداءات الآخرين.
ونجد هذه المفهوم المتخلف عند الحكام والمتنفذين، الذين ينظرون إلى المجتمع مجرد قطيع من الأغنام من أن يساق ضمن رواية "ريان" التي يلخصها بقوله: "في أرض العرب ادفع المال وامنح القليل من السلطة وبث القليل من التهديد في النفوس وستحصل على ما تريد" ص120، أيضا هذا المفهوم يكاد أن يكون شامل عند كل الأجهزة التنفيذية في المنطقة العربية، خاصة من الذين يعملون في أجهزة الأمن.
وهناك صورة الشعب الجاهل الجائع الذي يجب عليه أن يبقى يركض حلف لقمة العيش، وفي المقابل يجب أن ييقى الأسياد أسياد في أماكنهم ينعمون بما فهم فيه من نعم وخير وثراء، يتحدث والد "سارة" "ماهر الكرواتي: عن هذه الفكرة بقوله: "...كلما ألهيناهم بلقمتهم أكثر، أراحوا أدمغتنا من عوائهم، عليك أن تفهمي أن هذه الأرض خلقت للنخبة من أمثالنا فقط، وعليه دعي كل شخص فيها يعيش دوره، المسكين يبقى مسكينا والعظيم يبقى عظيما، ولا تؤمني أبدا بإمكانية خلط هؤلاء معا" ص37، أليس هكذا ينتظر الحكام إلى المواطنيين؟، وإلا لماذا يبقونه فقيرا محتاجا، يركض خلف كسرة خبز.
النظام الرسمي يبقى المواطن في حالة عوز وحاجة، بينهما ينعم بالخيرات والترف الفاحش: تقدم لنا سارة صورة متناقضة عما يعيشه الحاكم وما يعيشه المواطن: "ـ البلد في حالة تقشف يا سارة. .. لا نستطيع أن نمح الأموال هكذا لأي شخص فقير في الشارع يا سارة، .. نحن نمر بحالة اقتصادية متردية.
ـ تقشف! لقد كنتم تحتسون قبل قليل نبيذا بسعر ثلاثة عشر ألف يورو للزجاجة" ص63، الفجوة الاقتصادية أحد أهم المشاكل التي يعانيها المجتمع العربي، فهناك غناء فاحش وفقر مدقع، فكيف لهما أن يعيشا معا؟.

إذا كان ما طرح في السابق متعلق بكل الدول في المنطقة العربية، فإن هناك أحداث/وقائع/أعمال تحص تلك التي تم تدميرها وتخريبها: العراق، سورية، ليبيا، اليمن، تحدثنا الساردة عن بداية التخريب بقولها: "كانت وسائل التواصل الاجتماعي تشتعل بشكل منظم قبل أن تتبع الفوضى، والحرائق التي كانت تبدأ عمدا كانت تنتهي من دون أن يستطيع أحد السيطرة عليها" ص148، هذا مطابق تماما لما جرى في الدول السابقة اضافة إلى مصر، التي استطاعت أن تخرج من عنق الزجاجة وتحافظ على أمنها وشعبها.
وتحدثنا عن التخريب، خاصة ما يتعلق بالثروة المعرفية والتاريخية: "...هناك مجهولون يدخلون المكتبات العامة فيحرقونها وكانوا يدخلون إلى المتاحف الفنية والوطنية ويدمرونها عن آخرها، وكانوا يسرقون ما يستطيعون من آثار وكنوز، ويحرقون تاريخ الأمة وكنزها الثقافي" ص180، أيضا هذا مطابق لما جرى في تلك الدول، وما حرق المكتبات الوطنية ونهب المتاحف إلا تأكيد على (واقعية) ما جرى.
أما عن حال الشوراع والاسواق: "...حتى أن الكثير من الشوارع الرئيسة بعد الحادث الأخير بدت فارغة من سكانها، ولم تجد فيها الريح إلا أكياس القمامة لتداعبها، غدا الحي الذي يقطنون فيه مدينة أشباح" ص142، إذ تحولت الحياة إلى موت، والحيوية والحركة إلى سكون، كل هذا حدث بفي الثورة وعلى يد أصحابها.
أما عن سلوك (الثوار) مع اتباع النظام السابق، فكان سلوكا متوحشا همجيا: "...ضربوهما من دون رحمة وبكل ما طالته أيديهم، ثم سحلوهما فوق الرمل والأشواك والحجارة ... وقيل إنه بعد ذلك قام بعضهم باغتصاب زوجة الكرواتي ثم أطلقوا النار على رأسها، أما هو فذبحوه بسكين جيب صغير قبل أن يتركوه في الصحراء للوحوش والضباع" ص172و173، بهذا الشكل تؤكد الساردة على أن الثورة والثوار لا يختلفون بسلوكهم ونهجهم عن سابقهم، فبما أنهم متوحشون كحال النظام الذي ثاروا عليه، فهم متماثلون معه، ولا يختلفون عنه، بمعنى: ما الداعي لوجود الثورة إذا مارست عين السلوك والنهج الذي ثارت عليه، وجاءت لتكون بديلا عنه؟!!!
وبعد انتشار أعمال التخريب باسم الثورة، أصبح الحال في تلك الدول ضمن هذا الواقع الذي ليخصه "أدهم" شقيق "سارة" بقوله: "...هذا الإعصار الذي أقامه الشعب الجاهل، هذا الشعب الذي قلبته ومن معك على النظام ليملكوا هم السلطة، إنهم رعاع ألا تفهمين، وأنت سلمتهم رقابنا وناولتهم السكين، وإنهم حتى ليسوا بشعبك يا سارة لو تعلمين" ص292، بهذه المفهوم تعامل الحاكم العربي مع الشعب، وفسر الأحداث وحللها، ولم يتناول أنه هو نفسه من أسهم في هذا الخراب بعد أن ضاع العدل وانتشر الفسادة والمفسدين، وعم الظلم والقهر والجوع وتفشى الجهل.

وهذه صورة عامة لفساد النظام الرسمي: "...فقراء ينامون تحت وطأة البرد أو الحر، الشديدين، وأسرّتهم الأرض ومراتبهم رقيقة مهترئة... أغلب الشعب فقد أحدًا من أفراد أسرته بسبب الإهمال الطبي للأمراض المنتشرة، أو فقدهم في السجون أو في الإعدامات المتكررة أو حدواث الخطف الجائرة، صديقي لم يبقى فرد في أرض العرب لم يصله أذى هذا النظام" ص248، بهذا الصورة يتم تقديم صورة الواقع الرسمي العربي وصورة المواطن، فهي صورة واقعية أو قريبة من الواقع، ولا مجال للتشكيك فيها، فالخلل في بنية النظام جعل كل مواطن يعاني أو يتعرض للأذى بهذا الشكل أو ذاك، وإن كانت نسبة الأذى متبانية.
رجال الأمن
رجال الأمن (المخابرات) هم الأشد قسوة على المواطن، لأنهم يعتبرون كل من يعارض النظام الرسمي هم خون ويجب أن يُضع لهم حد، من هنا نجد أن السارق/اللص/المجرم يمكن أن يتغاضى عن جرمه في المستقبل ويعامل كمواطن صالح، بينما من يتعاطى السياسة يبقى في دائرة الشبهات هو وأولاده إلى يوم يبعثون، تقدم لنا الساردة صورة من صورة معاملة المعارضين للحكم من خلال حدثيها عن سارة: "...لم تري شيئا بعد يا صغيرتي، ثم أمسك شعرها الكستنائي وأرجع رأسها للوراء وهو يقول:
ـ تريدين القيام بثورة إذًا. ...والله لأجعلك تتمنين لو أنك ما أتيت إلى الدنيا، هات اسمك الكامل" ص26و27، بهذه القسوة يتم معاملة فتاة لأنها احتجت على معاملة رجال الأمن لامرأة تبيع خبزها على الرصيف، فكيف سيكون الحال مع من يعارض النظام جهرًا وصراحة؟.
نلاحظ القسوة والشدة تجاه الفتاة، لكن ما أن يسمع المحقق باسمها "سارة ماهر الكرواتي"حتى ينقلب الحال، فيتغير نهجه وسلوكه حتى أنه بدا حمل وديع، وتنقلب قسوته على رجاله: "... إلا أنه نظر إلى عيون رجال الأمن الثلاثة، ثم قام وضفع كا واحد منهم على وجهه، ...تستطيعين الاتصال بوالدك ليأخذك إلى البيت بسلام" ص27 و28، هذا حال رجال الأمن، فهم متوحشون على المواطن (العادي)، وإنسانيون على صاحب السلطة والنفوذ.
القسوة التي يُعامل بها المواطن، ناتجه عن حالة إسقاط/نسخ ما يتعرض له رجال الأمن من أسيادهم، فهم يعاملونهم كآلات وليس كبشر، لهذا نجد "ماهر الكرواتي" يطلب من الضابط أن يقوم بمعاقبة رجال الأمن الثلاثة بهذه العقوبة: "والدك فصل الرجلين اللذين كانا معك في السيارة، إنهما في بيوتهما الآن يسفان التراب طعاما لهما ولأسرتيهما
ـ الثالث قطعت رقبته" ص35، بهذه القسوة يتم معامل رجال الأمن لهذا نجدهم متوحشين مع المواطنيين، فكل ما يتعرضون له من ظلم يسقطونه على المواطن، الذي بدوره يسقطه على زوجته وأولاده، لهذا نجد المجتمع العربي ـ من رأس الهرم حتى أصغر مواطن ـ يعاني من حالة القهر والظلم وعدم القدرة على مواجهة المسؤول.
من مظاهر القمع التي تمارس بحق المواطن: " ...وسأبقى أتذكر ما حييت كيف اختطفوا أخي من دون أن نزوره أو نتحدث إليه، ...كيف أعدموا أبي في تهمة ملفقة تماما ومن دون دليل، وكيف عشنا بعده في الفقر والذل والمهانة" ص74و75، هذا حال المواطن العربي في ظل الأنظمة المخابرات والقمع.

المرأة الشرقية
المرأة في الشرق تخضع لقمع مزدوج، قمع النظام الرسمي، وقمع المجتمع الذكوري، لهذا من الصعب أن تثور، وإذا ثارت تكون قد قامت بثورتين معا، من صورة واقع المراة الشرقية هذه الصورة: "أما أمها فهي تؤمن على ما يقول والدها من دون أن تنحرف عن ذلك" ص39، هذا حال المرأة الخانعة والمستسلمة للمجتمع الذكوري، الذي يمارس ساديته عليها وعليها أن تؤيد وتوافق على كل ما يقوله الذكر/الزوج/.
ولم يقتصر الأمرعلى ما سبق، بل نجده يطال حالة الزواج، فالرجل/الأب له أن يزوج ابنته بالذي يراه مناسبا لها، حتى لو فرض ذلك الزوج عليها فرضا، تصور "سارة" حالها مع "فادي" ابن رئيس الوزاء الذي تقدم لخطبتها بهذه الصورة: "دق أيها العود العربي فأنت أكثر دراية بالوجع مني، أبك على حال النساء وعلى سبايا الفقر أو الغنى لا فرق صدقني، فكلهن رهائن خلف سور واحد لا تدري واحدة عن الأخرى، يزاود الكل عليهن تحت سقف حظيرة أو فوق يخت" ص61، بهذا الشكل تؤكد الساردة على وحدة مأساة المرأة العربية، فقيرة كانت أم غنية، أبنة حاكم أم محكوم، كلهن يعاملن بطريقة دونية، لهذا نجد مشكلتهن واحدة.
المكان
قلنا أن الساردة لا تحدد مكان الحدث، وتتحدث عن المدينة، عن العاصمة دون تسميتها: "قاد سيارته مبتعدا أكثر عن طريق العاصمة" ص73، وتتحدث عن أرض العرب: "تمنت أن تعيش أرض العرب بسلام وعدل" ص137، وهذا منح المكان صفة الشمولية والاتساع، فكل متلقي للرواية يشعر أن دولته/وطنه هو المقصود، وهذا يسهم في جذب القارئ للرواية ولأحداثها، ومن ثم الانتباه والتوقف إلى ما يريد منها ومن أحداثها.
سارة
الشخصية المحورية في الرواية، حتى أن نجاح الثورة كان بسب المساعدة التي قدمتها "لعدنان" فهي فتاة ترفض الظلم بكل أشكاله، فما أن ترى رجال الأن يعتدون على بائعة الخبز، حتى تقف بوجههم، ثم يتم اعتقالها، إلى أن يعرف ضابط أنها ابنة وزير الداخية ليتم اطلاق سراحها.
بعد أن يعرف والدها موقفها من الظلم والواقع على المواطنيين يحبسها في غرفتها، لكنها تتمرد وتفر إلى "عدنان" الذي يتزوجها، وهنا تكون قد قامت بثورة على واقعها الطبقي/الاقتصادي والاجتماعي، ابنة وزير الداخلية ورئيس الوزراء تتزوج من معارض للنظام، ومن طبقة دنيا، وهذا التمرد هو الاهم في مسار الرواية.
لكن بعد أن تعرف حقيقة "عدنان" وأنه يمارس العنف والقتل بحق كل من يعارضه، كحال النظام الذي ثار عليه وتمرد، فعندما يتهم "عدنان" رجل البريد بانه هو من سرب المعلومات عنه، يحاول يصوب المسدس على رأسه، لكن "سارة" تقف امام هذا المشهد لتعلن بقوة أنها هي من سرب الملومات، وهنا تنقلب حياتها راسا على عقب، وتتحول إلى سجينة عند "عدنان" يبتزها لتحقيق مكاسب إعلامية تخدم أهدافه الشخصية، تخضع له مكرهة بعد أن هددها بقتل ولديها أمامها، ـ علما بأن عدنان أبوهما ـ بعدها يضعها في الكوخ سجينة محرومة من مشاهدة ولديها، إلى أن تنتصر الثورة وينتخب عدنان رئيسا للبلاد، وهنا تكون قد هرب من سجنها، وأتت مع طفلها ـ بعد أن قتل "عدنان" طفلته مدعيا أن من قتلها هو النظام وأعداء الثورة ليحقق مكاسب شخصية أمام الجماهيرـ وتدخل إلى منصة الاحتفال وهناك تطلق النار عليه وترديه قتلا.
بهذا تكون سارة قد مارست ثورتها وتمردها على الواقع من بداية الرواية حتى نهايتها، لهذا نقول أن هذه الرواية هي رواية "سارة" المرأة المتمردة والثائرة على الظلم بكل أشكاله، الاجتماعية واللاقتصادية والسياسية والطبقية.
عدنان
إذا كانت "سارة" تمثل المرأة النقية الثائرة، المؤمنة والمنسجمة مع مبادئها وقناعاتها، فإن عدنان يمثل حالة التناقض، التناقض بين ما يقول وما يفعل، بين ما يظهره وما يبطنه، فهو يمثل تطبيقا عمليا لرجل السياسي الذي يرى أن الغاية تبرر الوسيلة، وأنه لا يوجد أصدقاء دائمون ولا أعداء، بل مصلحة يسعى إليها، وبما أنه يعيش في المنطقة العربية، فقد استخدم عين الاسلوب والنهج الرسمي في تعامله مع خصومه وكل من يعارضه.
مع بداية الثورة عمل على استقطاب كل من يمكن أن يساعده في تحقيق منآربه، من هنا ما تعرف على "سارة" حتى وجدها كنزا ثمينا يمكن أن يخدمه ويساعده في الوصول إلى غاياته: "...بقيت خطوة واحدة يا عدنان، وستكون هذه أسرع عملية استحواذ قمت بها على الإطلاق، ...هذه فتاة تحلم بالسراب وهو شخصيا من سيقدمه إليها" ص44، فالسارد من بداية الرواي أشارة إلى انتهازيته وإلى أنه شخصية مزدوجه، يلعب الدورين، دور الثائر ودور الوصولي.
من هنا لم تكن "سارة" بالنسبة له أكثر من وسيلة، توصله/تعطيه ما يفيده ثم يتركها/يهملها: "...كان من المفترض أن يستغلها هو يعلم كل ما يحاتجه أو ينفعه من أسرار الحكومة...كانت تتحدث ولا يسمع شيئا، كان يقرر في عمق تفكيره كيف عليه أن يقطع صلته بها" ص116، لهذا لم يتفاجأة المتلقي بما يقوم به عندنان من جرائم وحشية، فقد مهدت الساردة القارئ بحقيقة هذه الشخصية، وجعلته الشخصية التي تمنو وتكبر مع الأحداث، على النقيض من كل الشخصيات الأخرى، التي حافظت على مسارها، إن كانت شخصيات سلبية "أدهم، ماهر الكرواتي"، أم إيجابية "خالد، سارة" وهذا ساهم في إظهاره على أنه الشيطان/الشرير الأكبر في الرواية.
لهذا نجده شريك "فادي" في تجارة أعضاء البشر: "...أن عدنان كان الطرف المقابل لفادي، هو من كان يقوم بإمرار البضاعة التي يوفرها فادي، بل في الحقيقة فإن الأوراق تظهر أن طلب الأعضاء ونوعها يأتي من طرف عدنان أولا" ص191، "فادي" ابن رئيس الوزراء الذي تقدم لخضبتها ورفضته وحارب أهلها بسببه، تجد أن (قائد) الثوار والثورة وزوجها هو الشريك والرجل الأول في هذه الجرائم.
وهنا قامت "سارة" بفضحه من خلال تسريب الأوراق التي تدينه، وعندما يتم تهديد رجل البريد المتهم بتسريب المعلومات بالقتل، تعرف بأنها هي من قامت بتسرب المعلومات، وهنا يظهر "عدنان" على حقيقيته، كرجل فاسد، مجرم، متوحش، سلطوي، انتهازي، لا يختلف بسلوكه ولا بنهج ولا بطريقة تفكيره عن النظام السابق، وهذه اشارة من الساردة إلى عقم الثورة التي يقودها أشخاص مثل عدنان، فهم فاسدون قبل الورة، فكيف سيكون بعدها، وهم مجرمون ولا يتوانون عن قتل أي شخص يعارضهم: "وقفت سارة هناك وهي ترى فوهة مسدس عدنان موجهة إلى رأسه، سيقتله حتما إن كان يظنه خائناً" ص206، هذا ما فعله عدنان مع رجل البريد، ويقتلون أي شخص يمكن أن يستفدوا من قتله، لهذا نجد "عدنان" يقتل طفلته ليبين للشعب أنه يدفع ثمن الثورة كغيره من المواطنيي: ...يقتل ابنته ثم يعرضها على شاشات التلفاز مقتولة على يد أعدائه، حتى يظهر للشعب أن رجال الثورة المنتشين والأحزاب الموالية لهم تعمدوا قتل طقلته لكسر إرادته، وليثبت بأنه مثلهم يضحي بالنفيس والمال والولد من أجل هذه الأرض" ص275و276، من هنا قول أن "عدنان" شخصية تتنامى سلبيا وتتضخم مع (الثورة) كلما تقدمنا في الرواية، وهي الشخصية التي تتماثل مع أفكار ميكافيلي للصول إلى السلطة والاحتفاظ بها.
شخصية بهذه الإزدواجية عليها أن تتمتع بقدارات استثنائية على أداء الأدوار، خاصة الدور الذي يظهر فيه كرجل ثورة وصاحب منطق: "كانت آلامها لا تطاق، وكان وجع قلبها مما فعله والدها لا يضاهيه ألم، تشعر بأنها رأت وجهه الذي يتحدث عنه عدنان، ورأت انعدام الرحمة التي يتحدث عنها الشعب" ص152، وهذا دعوة ـ غير مباشرة ـ من الساردة إلى ضرورة ان ينظر/يتفكر/يتوقف المتلقي في ما يجري أمامه، فليس كل من تحدث/قال منسجم مع ما يقوله، فعديد ممن يقولون لا يفعلون، ويظهرون ما لا يعلنون، فالتشكيك أحدى الوسال للوصول إلى الحقيقة، وعدم الحكم على الأفراد/الجهات/المؤسسات من خلال القول فقط.
السرد الروائي
السرد الروائي جاء بصيغة السارد العليم، الذي يعرف كل شيء عن الشخصيات والأحداث، لكن أحاينا كانت السارةو تنحاز للأنثى فيها، قتتحث عن مشاعر "سارة" وكأنها تتحدث عن نفسها: "أما هي فبقيت تجلس مكانها تنظر إليه وتعلم يقينا أنه سيخاطبها، لا يمكن أن تخطئ المرأة حدسها حين يخبرها أن رجلا ما يريد التحدث إليها" ص46، الساردة هنا لا تتحدث من خارج الشخصية، بل تتحدث على أنها "سارة"، لهذا استنتجت أن المرأة "لا تخطئ".
ولا تكتفي بهذا بل نجدها تسقط (أحلامها) كأنثى على الرجل الذي تريده، وكيف يندهش لها ويتأثر بها: "ضحكت ضحكة عفوية مجلجلة، كان يتمنى أن تضحكها مجددا حتى يحفظها غي رأسه جيدا" ص51، نلاحظ صوت الأنثى ورغباتها وميلها للرجل من خلال تكرار: "ضحكت/ضحكة" ومن خلال استخدامها "مجلجلة" التي يتكرر فيها ويتواصل بها حرفي اللام والجيم، وهذا يشير إلى أن السرده هي انثى، لهذا نجدها تستخدم ألفاظ وكلمات تشير إليها دون أن وعي أو قصد.
وإذا ما تتبعنا بقية الفقرة، نجدها أن "ضحكتها" لم تذهب هباء، فتضعتها في مكان خاص ومتميز بالنسبه لها: "يحفظها في رأسه" لكل هذا يجعل صوت الانثى حاضرا في السرد رغم (افتراض) حياديته في تناوله للشخصيات وللأحداث.
المرأة تميل للرجل وترغب به، في الصفحة 158 يتكرر اسم "عدنان" سبع مرات: "ثم إنها مع عدنان وعدنان يعرف،.... الصعبة مع عدنان، ...اتخذها عدنان، ..توقف عدنان، ـ عدنان" وهذا يؤكد إلى ميل المرأة/الانثى للرجل، لهذا نجدها لا تتوانى عن ذكر اسمه دون وعي منها، خاصة إذا علمنا ألأن رقم سبعة يحمل بين ثناياه معنى الاستمرار والديمومة والقدسية، يتأكد لنا أن الساردة (العلمية) تتحدث كأنثى غير محايدة في تناولها للشخصيات.
ونجد هذا التكرار في الصفحة 161 حيث يتكرر اسم "عدنان" ثلاثة مرات، ووضع ضمن فقرات ناعمة متعلقة بما تريده المرأة وترغب يه: "وبدت سارة اجمل جميلات العرب، بلا ثوب أبيض لكن بنعومة فائة ورفعة واضحة، لقد بدت لعدنان في ذلك الثوب الوردي أشهى امرأة في أرض العرب، شهد على زواجها الطبيب وريان صديق عدنان المقرب،...لم تكن تطمح أكثر من ذلك إنها تريد عدنان فحسب" ص161، فالأنثى كانت حاضرة في السرد، ولم (تنجح) في إخفاء صوتها ومشاعرها تجاه الرجل، فوقعت في (هواه) كما وقعت بطلتها "سارة"، فكانت ـ أحيانا ـ تتحدث بصوتها لا بصوت الساردة المحايدة، واعتقد أن هذه (الهفوة) هي من أوجد خط (أبيض) في الرواية، وأوجد (متنفسا) للمتلقي يخرجه من قتامة الأحدث ودمويتها.


عنوان الرواية
اعتقد أن عنوان الرواية "سيدة الخبز" لم يكن مناسبا لأحداثها ولا لشخصياتها، ف"سيدة الخبز" كانت هامشية ولم تكن فاعلا اساسيا في الرواية، واقتصر وجودها على بداية الرواية حينما تعرض لها رجال الأمن، ورغم أن الساردة تتدارك هذا الأمر في نهاية الرواية، وتأخذ باستخدام "سيدة الخبز" في الصفحات 322، و324، و330، 335، إلا انها لم تكن مقنعة للمتلقي، وكان يمكن ان يكون هناك عنوان آخر يتناسب وطبيعية الأحداث والشخصيات.
الرواية من منشورات دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الاولى: أيار 2021.


• كاتب وناقد / فلسطين



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين
حوار مع المناضل الشيوعي الاردني سعود قبيلات حول الحرب الروسية - الاوكرانية وابعادها سياسيا واقتصاديا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقنية الروائية في -جسر بنات يعقوب- حسن حميد
- رواية مرآة واحدة لا تكفي حسن أبو دية
- الواقع والخيال في قصيدة -الصعود إلى الشمس- جمال طرايرة
- الظاهر والباطن في -خذ قلبي ورحل- روز سليمان
- قدسية الحدث في إلى ظريف الطول ..حيثما كان- عبد السلام عطاري
- العدد والتعداد في قصيدة -ستة هم- صلاح أبو لاوي
- رواية الراعي وفاكهة النساء ميسون أسدي
- محمود شاهين وحزنه على فراق ميلينا في -رسائل حب إلى ميلينا -
- الألم وعبث الإنتظار في قصة -جسدي بين صبرا وبسمة- مجموعة رسائ ...
- الشكل والمضمون في قصيدة --أردنُّ يشفي بالهوى الأسقاما- عصام ...
- التنوع الأدبي في -الكراز- قصص قصيرة. حكايات ونصوص سعيد نفاع
- رواية الشمبر محمود عيسى موسى
- صوت الأنثى في -ذات صباح- آمال القاسم التميمي
- التعبئة الفكرية في رواية -الطريق إلى شارع يافا- عمار الزبن
- حضور المرأة في قصيدة -أيام كان الحب- كميل أبو حنيش
- محمد العمري -مرت فراشة-
- اللغة الخريفية في رواية -حنظلة- بديعة النعيمي
- الطريق إلى المرأة في قصيدة -حافي القدمين- عبد الله المساعيد
- البساطة في مجموعة -إيسولينا وعجة بالفلفل الأسود- منجد صالح
- الفانتازيا في رواية ثلاثة في الليل المتوكل طه


المزيد.....




- دنيا سمير غانم تحيي أول ذكرى لوفاة والدها
- سعد لمجرد أول فنان عربي يحقق مليار مشاهدة على يوتيوب
- ريهانا ترزق بمولودها الأول من مغني الراب روكي
- نجل الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة: والدي دخل العناية الم ...
- بوريل باللغة العربية: أهداف مشتركة تجمع الاتحاد الأوروبي ودو ...
- فيلم -مدينة الرب-.. كاميرا برازيلية لإنقاذ الإنسانية
- هايدي بوخر .. إرثٌ فنيّ زاخرٌ بالتحوّلات لم يحظ بالاعتراف ال ...
- انتقادات لاذعة لنانسي عجرم بعد ظهورها المثير في شوارع بيروت ...
- من -نصفي الآخر- إلى -متلازمة المنقذ-.. كيف قدمت لنا السينما ...
- المؤرخة غنيمة الفهد تكشف للجزيرة نت أسرار اللهجة الكويتية


المزيد.....

- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف
- أمريكا كاكا / عبد الباقي يوسف
- حنين احلام مصادرة / رواية خماسية - رواية الجزء الاول ( هرو ... / أمين احمد ثابت
- ديوان شعر ( مترائي . . الثورة المفقودة ) / أمين احمد ثابت
- حزن الشرق / السعيد عبد الغني
- حتى أكون / رحمة شاذلي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - رواية سيدة الخبز للكاتبة نور السبوع