أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - رواية مرآة واحدة لا تكفي حسن أبو دية















المزيد.....


رواية مرآة واحدة لا تكفي حسن أبو دية


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 7017 - 2021 / 9 / 12 - 01:13
المحور: الادب والفن
    


رواية مرآة واحدة لا تكفي
حسن أبو دية
ليس من السهل اقتحام عالم الرواية، وذلك لأنه يتسم بإتساع المكان والأحدث، ويحتاج إلى تفنية فنية تقنع المتلقي بأنه أمام رواية حقيقية تجمع عناصر الرواية، بعد أن ارسلي لي الصديقي الروائي حسن أبو دية روايته "مرآة واحدة لا تكفي، لم أكن أتوقع أنها ستكون رواية استثنائية، خاصة في ظل زحمة النشر وكثرة الكتابة الروائية، فقد استهلت الرواية بمقاطع أدبية تتسم بالهدوء الأدبي وتختزل ما يراد تقديمه في الفصول، فالسارد استطاع جذب القارئ بهذه الاستهلالات ومهده لما يريد طرحه، وهذا الشكل من التقديم يحسب للرواية التي افتتحت فصولها بستة عشر استهلال، وفي كل فصل هناك شيء جديد يضف معلومة جديدة، ويعرف القارئ أكثر على مجريات الأحداث وطبيعة الشخصيات.
فاتحة الرواية
أن تبدأ الرواية بالحديث عن الأنثى فهذا يعد عامل جذب للمتلقي لما له من أثر أيجابي عليه، وإذا علمنا أن صوتها جاء متعلقا بالحب والقاء الحبيب، فإن هذا كان بمثابة (طعم) من السارد استخدمه ليجذب القارئ إلى شباك الأحداث المؤلمة.
إذن الفانحة تعد من المكونات الجمالية للعمل الأدبي، فإما تجذب القارئ أو تنفره، وفي هذه الرواية كان السارد موفقا في فاتحتها التي بدأت: "همست بعد تنهيدة ولهى: كم أنت رائع! أتدري، كنت أحس أنفاسك وهي تمر على جسدي ريشة فنان ترسم لوحة الوجود، كنت فنانا حقيقا، أدواتك الحب والشوق المتجدد، كانت أحيانا شفتاك لا تلمساني، لكنك كنت تشعل جمر الجسد" ص7، إذا ما توقفنا عند هذا المقطع سنجده صوت أنثى حقيقية، لما فيه من صفاء وبياض، فالألفاظ المستخدمة بمجماها تحمل النعومة والهدوء، والتي تتماثل مع فكرة الحب ولقاء الحبيب، وهذا ما يجعل المقطع مطلق البياض، تتشارك فيه الألفاظ والفكرة في خدمة المضمون.
لغة الشخوص
وهذا يأخذنا إلى لغة الشخوص/السرد، التي جاءت مقنعة، فالشخصيات هي من يتحدث لنا وليس السارد، وهي شخصيات حرة ومستقلة فيما تقول، ولم تتعرض للتدخلات (خارجية) أو أقحمات فرضت عليها، وهذه إحدى جماليات الرواية، ولتبيان أن الأصوات كانت مستقلة وتتناسب وطبيعة الشخصية المتكلمة، يقدم لنا السارد صوت "سامي" بهذا الشكل:
"...هل تقدمت أنا، أم رجعت؟! لست أدري، و أظنك تدرين، كل ما نعرفه أننا بدأنا معزوفةعشق غامر، لا ندري كيف بدأت جملتها الأولى أو كيف كانت الأخيرة، كيف بدأت تلك الشرارة الصغيرة وأشعلت حريقا عم جسدينا؟! الحرائق الكبرى تبدأ بهدوء، ولكنها إذ تستعر تصعب السيطرة عليها، كان حريقا لم نخرج منه بهدوء، بل ربما ما زالت الجمرات التي خلفها تتقد بين ضلوعنا حتى الآن، ما نعرفة أننا ـ في تلك الليلة ـ كنا بغاية الامتنان لتلك الحمى الطارئة التي دفعتك لتكوني ممرضي المتطوعة" ص9، في هذا المقطع نجد الكثير من الألفاظ القاسية المتعلقة بالنار: "الشرارة، وأشتعلت، حريقا (مكررة)، الحرائق، تستعر، الجمرات، تتقد" وهذا ما يؤكد على أن هناك رجل يتحدث، فرغم أن المشهد يتحدث عن الحب واللقاء إلا أن اللغة الشدة والألفاظ النارية تشير إلى وجود رجل خلفها، وهذه اللغة تتباين مع تلك السابقة، لغة "لندا/فاطمة" الناعمة والهادئة التي وجدناها في فاتحة الرواية.
وتحدثنا "زينب" أخت "سامي" بهذه الغة: "كنت في أعماقي أرفض فكرة أن سامي استشهد، ولكن لا شيء بين يدي يثبت عكس ما تناقلوه، لا سيما بعد أن قابلت أمي رفيقه الذي أكد إصابته، وأكد بطريقة غير مباشرة شهادته، كان عندما جاء من الجزائر طلب لشهادة البكالوريا الخاصة بسامي، استنفرت كل حواسي، لكنهم خدروا هذا الاستنفار بتأكيدهم أن الشهادة فقط لتثبت راتبه من مؤسسة أسر الشهداء، لم أنبس بكلمة، وكأن الجرح فتح من جديد، بكيت طوال الليل، وشيء ما في داخلي يأبى التصديق" ص89، بهذا نكون أمام ثلاثة أصوات متميزة، لكلا منها طبيعته وألفاظه الخاصة، فنجد لغة "زينب" فيها مشاعر الأخت المتعلقة بأخيها، فداخلها يرفض ما يعرض أمامها من (شروحات) متعلقة باستشهاد "سامي"، فالقوة الروحية/العاطفية تجاهه جعلتها تتشبث ببقاءه حيا، لهذا استخدمت ألفاظ الجمع غير المعرفة لمن تناولوا وقالوا باستشهاده: "تناقلوه، خدروا، بتأكيدهم" فعدم تسمية من قاموا وقالوا باستشهاد "سامي" يشير إل نفروها منهم، لهذا تجاهلتهم وجعلتهم (نكرة).
كما انها تحدثنا عن التغييرات التي حدثت في المتطقة العربية بعد المد الديني وأثره على المجتمع، بلغة دقيقة وبما يفهمه المجتمع الذكوري الذي يفرض سطوته على النساء: "...عندما أطلق زوجي لحيته، وبدأ ب: قال الله قال رسوله، أحسست بالضرة في بيتي، فالرجال بعد الركعة الأولى لا يتذكرون إلا: (مثنى وثلاث ورباع، الرجال قوامون على النساء، وللذكر مثل حظ الانثيين"، ألله وكيلك، بهذا الثالوث يخنصر الرجال كل الدين، فوجدت أن أمشي كما يهوى لءلا يتهمني بالنشوز" ص71، نلاحط دقة اللغة والمعاني التي تحملها المرأة في ظل المجتمع الذكوري الديني، فهناك تغييرات سلبية حدثت بعد المد الديني الذي يرى الدين فقط متعلق بما يخدم سطوة الذكور على الأناث والمجتمع، لهذا نجده تتحدث بحرقة المرأة التي تعاني من هيمنة الذكر، والتي عليها أن تحمل (جهلة وتخلفة) لأنها مغلوب على أمرها.
ولو افترضنا أن هذا الكلام جاء على لسان رجل، لكانت الفكرة باهتة وغير مقنعة للمتلقي، فقد يشعر أن المتحدث منحاز سياسيا لجهة ما، لهذا يتعارض مع موقفه مع الاتجاه الديني، لكن بما أن المتحدثة هي امرأة وتعاني من هذا الفكر وحامله، فكان أثرها ووقعها على القارئ أكبر وأكثر، وهذا ما يؤكد على حسن اختيار السارد لمن يروي الأحداث، والدقة التي استخدمها في توزيع الأحديث بين الشخصيات، فكل شخصية تملأ مكانها وتطعيه حقه كاملا دون نقصان أو زيادة.
وهناك صوت الرواي، كان له مكان في السرد، فالسارد وضع لنفسه مكان في الرواية من خلال سرد مقاطع من الأحداث، فبعض المقاطع كانت تسرد بصورة خارجية مثل: "كان ذلك بعد أن هدأت الاشتباكات بين الفادائيين والجيش الأردني ذات أيلول، لم يكن يعرف آنذاك معنى الحرب، والآن بعد مرور السنين ما زال غير قادر على معرفة أسبابها، أي الطرفين كان محقا؟!
الفدائيون من جهتهم كانوا أناسا طردوا من وطنهم وحملوا السلاح طريقا للعودة، والحكومة الأردنية رأت أن من حقها أن تدافع عن وجودها وسيادتها على أرضها، لم تكن حربا بين جبهتين، هي حرب خلقت جبعتين، عبر التاريخ كانا شعبا واحدا لا يعرف إلا ما هو شائع في المجتمعات العربية من تفرقة بين مدني وبدوي وفلاح، لكن هذه الحرب أوجدت شرق الأردن وغربه زنقتله إلى مكان جديد فيما بعد أن اسمته "مخيم اليؤموك.. أناس جدد، وبيت جديد، ولهجة جديدة، أنها الغربة" ص72و73، القيمة المعرفية لهذا المقطع تتوازى/تتماثل مع الشكل الأدبي الذي قدمت به، فالسارد يعي حساسية أيلول وما حدث فيه، لهذا ارتأى أن يقدمه بصورة المحايد/المراقب، لهذا لم يجعل "سامي" أو غيرة يتحدث عن أيلول، لأنه سيكون منحازا لفلسطينيته، ومتحاملا على الدولة الأردنية، فكان لا بد من وجود (شخص) محايد، يتحدث بعمومية وحيادية عما جرى، فكان السارد موفقا تماما في (تنصيب) نفسه متحدثا عن أيلول.
الأحداث
السارد يتناول مجموعة أحداث تعرض لها الفلسطيني، ومما تناوله حرب المخيمات، التي جاءت على لسان "زينب": "ماذا حدث بعد خروجكم من بيروت! كل شيء تغير، وعندما حدث الانشقاق زاد الطين بلة، كانت المعارك تدور بينهم في لبنان، ودخانها يعمينا هنا، ما أبشعنا تجاه بعضنا البعض يا أخي! ما أبشعنا! أتتخيل أن البسطاء كانوا أكثر وعيا لما يحدث، لا شك أنك تابعت كيف كان أهالي مخيم عين الحلوة يقيمون باجسادهم سدا بين الأخوة المتقاتلين، لكن، وتنهدت قائلة: لم ينفع شيء" ص 68و69، وهذا الشكل من الطرح يأخذنا إلى لغة السرد، وكيف أن السارد كان يعي أهمية فتح المجال أمام الشخصيات لتروي الأحداث، فعندما أ راد أن يتحدث عن أيلول وما فيه من حساسية، دخل السارد على الخط وتحدث عنه بحيادية، لكن عندما أراد أن يتحدث عما هو فلسطيني، قدم أحدى النساء "زينب" وجعلها تروي كفلسطينية تنظر إلى الكل بعين المسافة، ولا تميل لطرف على حساب الآخر، وهذه اشارة إلى حيادها السياسي، من هنا نجدها استخدمت لفظ "الأخوة" لتعبر عن موقفها من المتقاتلين، وأيضا لتبين حجم المأساة التي وقعت في المخيمات، كما نجد امتعاضها مما حدث من خلال (تنكير) المتقاتلين، "المعارك تدور بينهم" فجاء حديثها يحمل الألم والوجع، وفي الوقت ذاته الحسرة على من سقطوا في تلك المعارك.
في المقابل يتحدث "سامي" للندا/فاطمة"عن الانشقاق بطريقة أخرى، تتباين تماما مع الطريقة التي تناولهتا "زينب"، يقول: "لا أريدهم أن يعرفوا من أنا، لا تتعجبي من ذلك، فبعد بيروت حدث انشاقا في حركة فتح، وكانت الحكومة السورية تدعم المنشقين، وعندما عاد الخيار لطرابلس شارك الجيش السوري في حصاره، حتى كان الخروج الثاني، وهنا تعرض من لم ينشق للمداردة والقتل أحيانا، لدرجة أن القيادة أصدرت تعليمات للبعض أن يعلن انشقاقه حفاطا على حياته" ص38 و39، الموقف هنا مناحز لحركة فتح وللختيار( أبو عمار)، على النقيض من الموقف السابق المحايد، الذي تناول الأحداث بحسرة وألم ودون أن يعلن ولأوه مع من، وهذا ما يؤكد على لغة الشخوص تتباين في مواقفها، وأيضا على أنها تتحدث بما (تراه) يخدم فكرة الرواية وجماليتها وفنيتها، فتوزيع الأدور بينها كان متقن ومتوازي، بحيث أن القارئ يمكنه أن يأخذ من هذا القول أو ذلك دون أن يُفرض عليه رأي بعينه.
المرأة
الشخصيات النسوة كانت أكثر عددا من الرجال، فهناك "فاطمة" زوجة "سامي"، و"لندا" التي غيرت اسمها لفاطمة تحببا من "سامي" ولتلك الزوجة التي فقدها في مجازر صبرا وشاتيلا" وهناك اخته "زينب"، في المقابل كان هناك فقط "سامي" وحيدا أمام النسوة الثلاث، فدور الأب والأم و "اسماعيل" جاء بصورة هامشية، ولم يكن لها الفعالية كهذا الشخصيات الأربعة الرئيسية، وعندما افتتح الرواية بصوت "لندا/فاطمة" أراد السارد أن يشير إلى انحيازه لها، وإلى حاجته إليها، لهذا قدمها متحدثة لتفتتتح أحداث الرواية.
يحدثنا "سامي" عن دور المرأة وأثرها عليه وحاجته لها بقوله: "ما زالت همساتك تملأ أذني..ما دمت بجانبي فلن أموت هكذا ببساطة، لن تقوى كل سجائر الدنيا على سلبي إرادة الحياة التي تملئيني بها!. اليوم شربت الحليب، قررت أن أكون مطيعا، أو ربما أردت إبعاد الموت عني وأنت بعيدة، أحببت الحياة، فربما يجمعنا الزمن مرة أخرى، ولا أريدك أن تجديني عجوزا، أريد أن ألقاك وأنا كما عرفتني، في حيوية الشباب" ص 12، رغم عمر "سامي" (الكبير)، نجد "لندا" تقدمه من حالة الشباب، لهذا نجده يتشبث بالحياة ويريد المزيد منها، وهذا بفضل وجود "لندا" وأثرها الإيجابي عليه، فبدا وكأنه (طفل) مطيع لما تأمره به أمه، وهذه الطاعة والأنصياع ما كانت لتكون دون قوة حضورة "لندا".
وللافت في هذا المقطع اللغة الشبابية والبسيطة التي نجدها في الفكرة وفي الألفاظ، بحيث يمكن للمتلقي أن يصل إلى المضمون من خلال الألفاظ المجردة.
ونجد التغيير في لغته عندما يتعلق بالامر بالمرأة: "...هي امرأة طويلة، طويلة جدا، أرى وجهها كأنه في السماء، شعرها كأنه شلال ماء، أكثر من مرة كنت أمسك بشعرها أريد أن أتسلق لأرى ملامح وجهها، لكنها كانت تنزلني برفق، ثم تطلب مني أن أغمض عيني، وتقبل جبيني وتختفي" ص51، في هذا المقطع نجد البياض المطلق، حيث تجمتع الفكرة الجميلة مع الألفاظ لخدمة المضمون المراد تقديمه، وهذا يؤكد على الأثر الإيجابي الذي تحدثه المرأة في عملية سارد الرواية.
بناء الرواية
من الضرورة أن تكون الأحداث الروائية متماسكة ومترابطة، فهذا الأمر يشير إلى قدرة السارد على السيطرة والتحكم بمجيرات الأحداث وتوزيع أدوار الشخصيات، في رواية "مرآة واحدة لا تكفي" نجد هذا التكامل والتماسك، ففاتحة الرواية التي جاءت بصوت "لندا": "همست بعد تنهيدة ولهى: كم أنت رائع! أتدري، كنت أحس أنفاسك وهي تمر على جسدي ريشة فنان ترسم لوحة الوجود، كنت فنانا حقيقا، أدواتك الحب والشوق المتجدد، كانت أحيانا شفتاك لا تلمساني، لكنك كنت تشعل جمر الجسد" ص7، نراها بصور أخرى، يحدثنا سامي عنها بقوله: "كنت أقف وراءها وهي تجلس إلى طاولة المكتب، لم يعد يضايقني أن تكتب عني، ضممتها وطبعت قبلة على رقبتها، تململت قائلة: يا لك من بارع في التحرش بنزقي! نهضت، ألقت بقلمها فوق الأوراق ثم قفزت تحيط رقبتي بذراعيها، وهي تقول: كأنك تشم رائحة شهوتي إليك!" ص86، فرغم تباعد المسافة ، الأول في بداية الرواية والثاني في تهايتها ـ إلا أنهما يتحدثان عن مشهد بعينه، الأول رأيناه بعين "لندا" والثاني نراه بعين سامي، وهذا ما يشير إلى أن هناك تكامل وسيطرة على مجريات الأحداث ومتابعة الشخصيات، فما كان للسارد أن يترك الأحدث تجري دون معرفته وسيطرته على مجرياتها.
المكان
هناك ذكر لأكثر من مكان "بيروت، دمشق/مخيم اليرموك، عمان/مخيم الوحدات،" فالأماكن العامة جاءت متعلقة بما تعرض له الفلسطيني من تشرد وتهجير، لهذا نجده يتشبث بوطنه من خلال نسب الفرد إلى بلده الأصلي: "أبو محمد الياسوري، أبو عبد الله العجوري، والأرملة أم محمد الغزاوية، وهكذا ..." ص91، فالمكان بالنسبة للفلسطيني يمثل مرحلة من تاريخه وما تعرض له من أذى، إن كان من النظام الرسمي العربي أم من العدو المحتل، فالمكان له حضوره وأثره وفاعليته: "...كان الفدائيون في الجنوب اللبناني يستنشقون عبق حقولهم القادم عبر الأسلاك، فيدغدغ أمل العودة بين ضلوعهم ويبقيه مورقا، وإذ تنجح إحدى المجموعات في التسلل إلى أوطانهم لتنفيذ مهمة ما، كان الأمل يزداد، فتعم الفرحة في أزقة المخيم البائسة، لكن الخروج من بيروت أورثهم جزءا هائلا من القنوط، ما أصعب أن ترى حلمك يبتعد، وربما يتبخر !
وبدل أن يفصلك عنه السلك الشائك ونقاط مراقبة من الجنود، أضحت الجغرافيا عدوا رئيسا في المعادلة" ص36و37، فكرة المقطع واضحة، لكن ليس العبرة في الفكرة، بقدر وجودها في الألفاظ المجردة، فنجد البادية والمتعلقة بالجنوب اللبناني الملازم لفلسطين جاءت الألفاظ فيه ناعمة: "يستنشقون، عبق، حقولهم، فيدغدغ، أمل، يبقيه، حيا، تنجح، الأمل، يزداد، فتعم، الفرحة" فهذا البياض جاء نتيجة ملاصقة الجنوب للوطن، فنعكس جمال الوطن على الألفاظ المجردة، مما جعل المقطع يبدو أقرب للبياض والهدوء منه إلى الصخب والعنف.
في المقابل وبعد أن استخدم لفظ "الخروج" وجدنا ألفالظ الألم والقسوة هي المهيمنة على المقطع: "القنوط، أصعب، يبتعد، يتبخر، السلك الشائك، مراقبة، الجنود، عدوا" وهذا يعكس علاقة الفلسطيني بالمكان، فعندما كان يتحدث عن قربه من الوطن، وجدناه يتحدث بفكرة الأمل وبألفظ ناعمة وجميلة، وعندما ابتعد عنه وأمسى لا يراه، وجدنا أثر هذا البعد في الألفاظ القاسية والمؤلمة، وهذا ما يشير إلى أن الرواية لم تكن ولادة حماس أو حالة عابرة، بل جاءت بعد أن اختزل السارد همومه شعبه ووطنه في روحة وعقله، وأخرجها بصورة تجمع بين بين حالة الوعي وحالة اللاوعي.
الأسماء
اللافت في الرواية (لعبة) الاسماء، فنجد سامي بأكثر من صفة/حالة/مكانة، تحدثنا "لندا" عن استغرابها من هذا الأمر بقولها: "..الذاكرة، وتتذكر اسمك (سامي مصطفى)، والاسم الذي تذيل به كتاباتك (سامي اليافي) .. آه من الذاكرة، يخرج من التأوه دون شعور، ما بك يا سامي" ص37، هذه الاسماء متعلقة بحالات/بالشخصيات/بالمواقف التي يقوم بها سامي، فلكل اسم مكانه وموقفه وحالته الخاصة، كما أن له دوافعه: "الدم ورائحة البارود، الموت والخوف...كل هذه تملأ أنفاسي، وأمي تمسكني بيدها، وتشدني وتدفع بي إلى سيارة أرسلها أبي لتقلنا إلى اليرموك بعد أن سبقنا ذذات مساء في جنح الليل، واستأجر ما يمكن أن يسمى بيتا، هناك ولد "سامي اليافي" وهنا كان "سامي مصطفى" الحرب تغير أشياء كثيرة في أعماقنا، وربما تطال يدها لتعبث بأسمائنا" ص48، إذن الأحداث لها دور في (تحديد) الأسم، كما أن الدور الذي يلبعة سامي مرتبط بالأسم: "وهل ستقبل هي بسامي اليافي الكاتب، أم سامي مصطفى أستاذ الفلسفة، أم سامي الفدائي، أم سامي فحسب" ص63، وإذا ما توقفنا عند تعدد الاسماء التي أطلقت على سامي سنجدها متوزاية مع عدد النسء ومساوية، اليافي/مصطفى/الفدائي/الكاتب، مقابل اسماء "زينب، كفاح، لندا/كفاح" وكأن السارد أراد بهذا التوازن الاشارة إلى الطبيعة الإنسانية التي تتكون من ذكر وأنثى، وإلى أن الأنثى/المرأة الفلسطينية تدفع ثماكحال الرجل الفلسطيني، من هنا نجد موت كفاح، ومن ثم ظهور "لندا" التي حاولت أن تأخذ مكانها، وهناك "زينب" التي تحملت زوجها والطريقة المتخلفة التي أخذ يفكر بها بعد أن تأثر بالفكر الديني.
أما اسماء النساء فلم يتم تغييرها بها باستثناء "لندا التي غيرت اسمها إلى كفاح، الذي تم ذكره في أكثر من موضع في الرواية: "...وإذا ما انطلقت الثورة بدأت أسماء جديدة تنتشر، مثل: كفاح، ونضال، وجهاد.. اضافة لأسماء قادة الفصائل، فليس غريبا أن يكون اسم زوجتي "كفاح" وهو وكثير من الاسماء نطلقها على الجنسين" ص18و19، فالاسم لم يأتي بشكله المجرد بل جاء ليخدم حالة/مرحلة/موقف/فكرة، لهذا تم التركيز على اسم "كفاح" فهو يمثل النضال، الثورة، والتمرد على ما حصل للفلسطيني: "...سألتي أمي ـ وهي متدينة ـ لماذا غيرت اسمك إلى "كفاح" هل اعتنقتي الإسلام؟!، فأجبت: وهل كنت مسيية حتى أصبح مسلمة؟!، الأسماء لا دين لها، يمكن أن أكون كاترينا المسلمة، أو كفاح المسيحية، أو كلاهما بلا دين...كانت زوجتي "كفاح" قد عادت لتمشي معي في طرق المخيم" ص 41و42، فالاسم له مدلول ومعنى، نلاحظ أن الاشخاص هم من يختارون اسماءهم، "سامي، لندا"، وكلاهما يحدد اسمه وباختياره بعيدا عما ألصقه الأهل بهم وهم في بداية الحياة: "...أتتزوجيني "لندا"؟ أرجعت جسدها قليلا ونظرت في عينيب مباشرة: بل "كفاح" قالت، وأعادت رأسها إلى صدري، لم تنبس بكلمة" ص46، وهذا يأخذنا إلى حالة التمرد على ما أراده الآخرين أن يفرضوه على أبطال الرواية: "سامي، لندا" فهم من حددوا أسمائهم واختاروها.
كما أن للأسماء تاريخ/ماضي، من الصعوبة نسيانهم أو تجاهلهم أو القبول بغيابهم والتسلم بفقدانهم: "...بعد أن أمسكت بيد "كفاح": اسمعيني، كم أنا بحاجتك الآن! أحس بقلبي يكاد يخرج من مكانه، لا أعرف مذا أقول لك! كل ما أعرفه أني سأفعل معك ما لم أفعله مع المرحومة. انتبهت لأول مرة أني انتعت "كفاح" بالمرحومة" ص54، وهذا ما يجعل هناك فرق بين "الكفاحين" كفاح الأولى والثانية، لكن أيضا هناك تواصل بينهما وتكامل، لهذا أراد "سامي" أن يكمل مشواره/دوره كعاشق مع "كفاح" الجديدة.
وبما أن "كفاح" له/ا أكثر من مدلول/معنى نجد "سامي" يوشومه على أخمص البندقية: "...نقشت على الأخمص خارطة فلسطين، وفيما بعد أضفت داخلها اسم "كفاح"، كان قدر "كفاح" أن تبقى لي ما دمت البندقية بيدي" ص83، بهذا الشكل لم تكن الاسماء مجرد اسماء، بل هي جزء من الكيان/النفس/الشخصيات/المكان/التاريخ، فتم التعامل معها على أنها جزء من المرحلة/الحالة التي تمارسها الشخصية.

عنوان الرواية ونهايتها
يتم ذكر المرآة في أكثر من مكان في الرواية، لكن الذكر المطابق للعنوان جاء بصوت "لندا/كفاح" المنقول عما قاله "سامي" لها: "...كم مرآة نحتاج لرؤية الصورة كاملة؟! ما أروعك يا سامي عندما قلت ذات مساء: مر آة واحدة لا تكفي للرؤية" ص94، وهذا القول يجعل "لندا/كفاح" بمثابة صوت/صدى لما قاله "سامي، وبما أنها كانت (صورة) أخرى لكفاح الشهيدة، فإن قولها يؤكد على تماثل معنى العنوان مع شخصية "لندا/كفاح"، بمعى استمرار الكفاح بصورة وهيئية جديدة.
وهذا يأخذنا إلى آخر فقرة جاء في الرواية: "نظرت في عينيه، وهمست: جملتك مخطوءة أيها الأستاذ، عليك أن تقول: أن تبق، فلا ينبغي لليافي ولا لكفاحه أن يغادر المخيم إلا للوطن!
وعانقته من جديد وبكيا" ص95، إذن الأسماء تدعو إلى استكمال النضال وعدم التوقف، وهذا ما يؤكد علىأنها لم تكن أسماء مجردة، بل ذات معني وأفعال وتاريخ، فلا يمكننا أن نتخلى عنها أو نتركها.
الرواية من منشورات الآن ناشرون، الأردن، عمان، الطبعة الأولى 2019.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الواقع والخيال في قصيدة -الصعود إلى الشمس- جمال طرايرة
- الظاهر والباطن في -خذ قلبي ورحل- روز سليمان
- قدسية الحدث في إلى ظريف الطول ..حيثما كان- عبد السلام عطاري
- العدد والتعداد في قصيدة -ستة هم- صلاح أبو لاوي
- رواية الراعي وفاكهة النساء ميسون أسدي
- محمود شاهين وحزنه على فراق ميلينا في -رسائل حب إلى ميلينا -
- الألم وعبث الإنتظار في قصة -جسدي بين صبرا وبسمة- مجموعة رسائ ...
- الشكل والمضمون في قصيدة --أردنُّ يشفي بالهوى الأسقاما- عصام ...
- التنوع الأدبي في -الكراز- قصص قصيرة. حكايات ونصوص سعيد نفاع
- رواية الشمبر محمود عيسى موسى
- صوت الأنثى في -ذات صباح- آمال القاسم التميمي
- التعبئة الفكرية في رواية -الطريق إلى شارع يافا- عمار الزبن
- حضور المرأة في قصيدة -أيام كان الحب- كميل أبو حنيش
- محمد العمري -مرت فراشة-
- اللغة الخريفية في رواية -حنظلة- بديعة النعيمي
- الطريق إلى المرأة في قصيدة -حافي القدمين- عبد الله المساعيد
- البساطة في مجموعة -إيسولينا وعجة بالفلفل الأسود- منجد صالح
- الفانتازيا في رواية ثلاثة في الليل المتوكل طه
- الرواية الكاملة -خوف- خالد خضر
- السواد في رواية -رائحة النوم- مازن سعادة


المزيد.....




- كاميرون دياز تعود للتمثيل بعد الاعتزال
- المستشارية الثقافية الايرانية في لبنان تكرم السفير بانتهاء م ...
- الخارجية السودانية تحتج على الممثل الأممي بسبب تصريحاته
- قصة -أطفال الكهف- في فيلم جديد من إنتاج أمازون.. بعد 4 أعوام ...
- عودة -الأخ الكبير- في عالم -أورويل-.. محاولة لإحياء نشاط الم ...
- فيكتوريا وبولينا يتعلمان اللغة الألمانية في دورات مكثفة.. من ...
- بالفيديو.. الفنانة المصرية آمال ماهر تطمئن جمهورها بعد اختفا ...
- مكتبة البوابة: -الأرض بعد طوفان نوح- شريف سامي
- أكثر البلدان الأوروبية تشددا تجاههم.. متحف جديد في الدانمارك ...
- مصر.. فنان مشهور يخضع لعملية خطيرة بعد إصابته عام 2020


المزيد.....

- قراءة في رواية - نخلة وبيت - / هدى توفيق
- دمع الغوالي / السعيد عبد الغني
- كلنا سجناء / رباب السنهوري
- مزامير الاكتئاب وثنائي القطب / السعيد عبد الغني
- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف
- أمريكا كاكا / عبد الباقي يوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - رواية مرآة واحدة لا تكفي حسن أبو دية