أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي الجنابي - ( نُزهَةُ المَحرُومِ )














المزيد.....

( نُزهَةُ المَحرُومِ )


علي الجنابي
كاتب

(Ali . El-ganabi)


الحوار المتمدن-العدد: 7020 - 2021 / 9 / 15 - 20:25
المحور: الادب والفن
    


إستَجدَى قلمي حَرفاً مِن وَحيِّ سَفرةٍ مُلغاةٍ في مدرسَةِ إبتدائيةٍ وإجتباهُ.
سَفرةٌ سَارَ موكبُها من بغدادَ مجْرَاهُ بيدَ أنّهُ بادَ عندَ مُرْسَاهُ،
تَبَسَّمَ فاهُ قلمِي وكأنّهُ في ذكرياتهِ تاه، إذ يروى الحرفَ الذي إستجداهُ وإصطفاهُ؛

أتَعلَمُ يا صاحُ أنّي ما سَألتُ أبي قَطُّ عن ثمنِ سَفرةٍ مَدرسيةٍ لفَقْرٍ فينَا ألفنَاهُ وإلتَحَفنَاهُ، فَعِلْمي بِحالهِ أغنَاهُ عن سُؤالي إيَّاهُ وكَفاهُ،
بَيدَ أنّهُ وَهَبَني مَرّةً بلا سُؤلٍ أجُورَ سفرةٍ، ومتاعٌ كانَت يَدا أمّي سَلَقَتاهُ، مِن بيضِ دَجاجتنا وخُبزٍ وتَمرٍ، وَتَغشَاهُم حُزمَةٌ مِن بَصَلٍ أخضرٍ لا يُحمَدُ لآكِلِهِ عُقباهُ.

طَارَ فُؤاديَ فَرحَاً ولن يَصبِرَ حتّى يَسمُو الصّباحُ بِسَناهُ، فَتَحَايَلتُ على الشّمسِ بِتُميراتٍ لِتَستعجِلَ شُروقَها إيَّاهُ، لكنَّها أَبَت فكانَ ذاكَ اللّيلُ على خافقي الغَضِّ طويلاً مَسراهُ، كانَ أشبهُ بليلِ قَيس إذ هوَ هائمٌ في شجونِ لَيلاهُ!

وَجهةُ سَفرتِنا قضاءُ(المدائنَ) وخُضرَتُهُ وبهاهُ. قضاءٌ عراقيٌّ جنوبَ شرق بغدادَ وعلى ضِفافِ دِجلةَ تَتَبسَّمُ ثَنَايَاهُ،
وكانَ في غابرٍ زمنٍ مَقَرَّاً للعَجمِ قبلَ أن تَصهلَ خَيَّالَة الإسلامِ بِعزّتِهِ وعُلاهُ، فَبَنى العَجمُ فيهِ إيواناً إسمَوهُ (كسرى) المَهينُ ذكراه، إذ إنشَّقَ الإيوانُ يومَ وَلِدَ الهُدى صَلّى وسَلّمَ عليهِ ربُّهُ اللهُ. شَقُّ الإيوان ظاهِرٌ حتّى اليومِ في بقاياهُ، يَشُّعُ بِنُورِ الهُدى وبعظيمِ نهجهِ وهُداهُ.

يرقُدُ في "المدائنَ" الصَّحبُ "سلمانَ الفارسيّ، حذيفةُ بن اليَمانِ وعَبداللهِ بن جِابر" بِسَلامٍ في ثراهُ، وكلٌّ منهمُ آمنٌ من غَضبِ الإله،
ومُستَبشِرٌ بِلِقاءِ النَّبيِّ وصحباهُ، وبِنعيمِ فردوس وهناهُ.
لآلِئٌ ثلاثٌ عَطَّرَت "المدائنَ" وأنَارَت ثَرَاهُ،
بيدَ أنَّ حُذيفةَ وعَبدَالله كانا يرقدانِ على شَفَا جُرفِ نهرِ دجلةَ ومَجراهُ،
وروايةُ نقلِ جثمانَيهِما إلى جوارِ سَلمانَ دلالةٌ على أنوارهم وبهاهُ. روايةٌ عجبٌ وتَضرِبُ صَفحَاً بقرطاسِ الأسبابِ ودعواهُ،
فقد رَوَى في ثلاثينيات قرن منصرم خادمُ مرقدِ سَلمانَ رؤياهُ، بأنَّ حذيفةَ زارَهُ في المنامِ بِشَكواهُ، وأنَّ النّهرَ كادَ أن يَبتلِعَ بَدَنَهُ الزّكيِّ بمجراهُ،
فزارَ الخادمُ قبرَهُما فَوَجَدَ الإنجرافَ مُنهمِكاً في مَسعاهُ،
فأبلغَ من فورهِ مُفتي الديارِ العراقيةِ برؤياهُ، فأبلغَ المُفتي مَلِكَ العراقِ "غازي" بتَعَدّي الماءُ وطَغواهُ،
فأصدرَ الملكُ أمراً فورياً بنقلِهِما الى جوارِ سلمانَ القريبُ مِنهُما في المدينةِ ليُجاوراهُ ويُسامراهُ.

حَضَرَ الملكُ مراسيمَ فتحِ القبرِ والتشييعِ والدّفنِ بِتَوقٍ ولهفاهُ، حيثُ جَرى تَشيعُهُما بِمَوكبٍ ملكيٍّ عسكريٍّ مهيبٍ وبحضورِ مُفتي الديارِ وكبارِ العلماءِ وحشدٍ من مواطني أهلِ القضاءِ إيّاهُ.

ويقولُ أحدُ شيوخِ المدائنَ مِمَّن حضرَ التشييعَ فيما فحواهُ:

لقد شاهدَ الحضورُ الصحابيينِ الخالدُ ذِكرهُما عبرَ الزّمانِ ومداهُ،
أنّهُ عندَ فتحِ القبرينِ كانَ جسدُ كلٍّ منهُما طرياً جداً ومازالَ محتفظاً بهناهُ، وكأنّهُ دُفِنَ للتَّوِّ ورائحتُهُ زكيَّةٌ وعنبرٌ كان شذاهُ!
وكانَ في ساعِدِ أحدِ الجَسدينِ جُرحاً جَليّاً رأيناهَ، وصاحبُ الجُرحِ بِقطعةِ قماشٍ لَفَّهُ وغَشَّاهُ،
وكانَ الدّمُ عليهِ يَتلألأُ بِصفاهُ، ولسانُ حالِ دجلةَ يَلهجُ " أنَا البَحرُ في أحشائِهِ الدُّرُّ كامِنٌ فهل سَألوا الغَوّاصَ عن صَدَفاتي" في حَناياهُ،
ولمّا إبتغى الجَمعُ رفعَ القماشِ فاحَ أريجُ دمِ الجُرحِ بمِسكٍ في فناهُ.

عَوداً لأحداثِ سَفرتي الى القَضاء إيّاهُ...

إنطلقَت حافلَتُنا صُبحاً تَحتَ دبكاتِ التّلاميذِ بأطرافِهِم والجِباه، كدبكاتِ ثَورٍ تَحَرَّرَ من حَبلهِ فإنفلَقَت رَقصَاتُهُ كما يشاءُ هَواهُ.

وَصَلْنا المدائنَ فَنزَلنا من حافلَتِنا العَجوزِ بشوقٍ وبإنتباه،
وما إن نَزلنا إنقلَبَ النَّوءُ بريحٍ صَرٍّ تَفَتَّحَت لها الأفوَاهُ، وبِمَطرٍ ثَرٍّ تَلَفَّحَت منها الأفئدةُ بالواهِ والآه.
إنتظَرنا تَحَسُّناً ولكن هيهاتَ يا أمّاهُ، فقد كانَ مقدّرَاً ليَ تناولُ تُمراتِكِ والخبزِ مَعكِ أمّاهُّ.

أشعُر يا أمّي؛ " لَكأنّي سُنبُلَةُ قَمحٍ تُسحَقُ بينَ زوايا سكونِ الكوخِ وحوايا ظنونِهِ في رُحاهُ؟ ها نَحنُ في عَرَصَاتِ كوخِنا فَخُذي يا أمّاهُ...

خبزةً شهيّةً لكِ، وخبزةٌ لي بإِكراه، وتُميرَةً بهيّةً لكِ وتُميرةٌ لي تَبغَضُها الشّفاهُ..

قالَت أمّي إذ تَلوكُ تمرتَها مواسيةً بِحنانٍ لن أرى مُنتهاهُ؛

ويلاهُ يا كبدي! قُلِ الحَمدُ لله، فعَسى رَبُّنا أن يُبدِلَكَ سفرةً خيراً منها مباركةً ويُذهِبَ عنّكَ الأوّاه.

وقد أبدَلَني ربِّي بخيراتٍ أصفى وأوفى نَزَّلَها من سماه.

طوبى للآلئ الثلاث بِسفرتِهم من "يثربَ" لقضاءِ "المدائنَ" ورُباهُ، موصولةٍ بسفرةٍ للفردوسِ عقبىً لهمُ من ربِّهمُ ولنعمَ العقبى عقباه،
وحيثُ لا جرفاً هارٍ، ولا ريحاً صرّاً ولا مطراً ثَرَّاً بِخيراتِهِ أو بِبَلاهُ.

رضيَ اللهُ عن آلِ رسولِ الله، وعن صحابةِ رسولِ الله، ومَن تَبِعَ مِنهاجَهُ ومَن والاهُ وعلى كلِّ موحدٍ غير مشركٍ بالله.



#علي_الجنابي (هاشتاغ)       Ali_._El-ganabi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كُلُّ مَن عَليهَا نِسنَاسٌ، إلَّا..
- هَل في الصَّحافةِ حَصَافةٌ؟
- تَسَاؤُلَاتٌ مَدفونةٌ غَيرُ مَأذُونة
- حُبَيْبَاتُ ” نَظَريَّةِ المُؤامَرة “
- الفَرحُ والسعادة
- (قَالَتْ نَمْلَةٌ)
- خَدُّ الشَّمسِ -
- مَسارِحُ اللَّيلِ
- (هَلَّا من مؤسسةِ نشرٍ أو ناشرٍ مكينٍ أمينٍ مُتَرَفِّع)؟
- تهنئةٌ لمناسَبةِ عيدِ الأضحى المبارك
- قَلائِدٌ مِن كَبَاب
- في المطعمِ: أنا وصديقتي النّملة
- مُزحَةُ دِلدِل
- وقائعُ جَلسةِ مُحاكمةِ النّملةِ:دِلدِلُ
- دِلْدِلُ .. أختُ عَنْبَسَة
- أَجَل: هَكذا تُورَدُ الإبِلُ ياغَزَّةَ
- رِحْلَةُ الفِنْجَانِ
- إعترافٌ مِن وَالِد
- حكايةُ *كَسَّار*مع حُقنَةِ الحُمّى
- مفهومُ السَّكينةِ بين (مَكَّة) و (لاس فَيغاس)


المزيد.....




- ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط ...
- -جزء من الثقافة الجماهيرية-.. خبير روسي يعلق على دعوات حظر م ...
- شاهد.. في غزة كتب ناجية من الحرب والأنقاض تغدو مكتبة في خيمة ...
- تطورات جديدة في قضية إيجي إرتيم.. تقرير أولي يستبعد العنف وا ...
- البالالايكا.. كيف تحوّلت آلة الفلاحين إلى أشهر رموز الموسيقى ...
- تفضيلات الموسيقى في روسيا تتغير.. ما النوع الفني الذي تضاعف ...
- العثور على جثة تيكتوكر عراقية داخل منزل فنان شهير
- سناء الشعلان: سيرةٌ لا تُختزل في هوامش -قراءة في مشوار امرأة ...
- بميزانية 250 مليون دولار.. ملحمة -الأوديسة- تستعد لاجتياح ال ...
- نقابة الفنانيين الأردنيين: قرار شطب صبا مبارك نهائي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي الجنابي - ( نُزهَةُ المَحرُومِ )