|
|
التَّبْوِيقَة *
إبراهيم رمزي
الحوار المتمدن-العدد: 6900 - 2021 / 5 / 16 - 11:56
المحور:
كتابات ساخرة
لا بد من موضوع مثير، مستوحى من شهر الصيام. يرْغب فيه الجمهور، ويشد المستمعين إلى أمواج الإذاعة .. لمَ لا يكون الموضوع: "رسالة إلى الله تعالى"؟ تأبطت وسائل العمل، ونزلت إلى الشارع أستطلع آراء الناس: ـ عفوا .. نريد مشاركتك معنا في برنامجنا "عبْر مِيكْرو الرصيف" .. إذا طُلِب منك توجيهُ رسالة إلى الله تعالى، فماذا ستقول؟ ويأتي الصمت والإعراض المرفوقان بابتسامة سخرية كبيرة وعريضة .. لم أتلقَّ أي جواب، رغم تنويع المستهدفين من الجنسين: مراهقون .. شباب .. كهول .. شيوخ .. قررت استبدال المكان، خاصة وأنني كنت قريبا من سياج يسمع من ورائه ـ بين الحين والآخر ـ نباح كلب. كما قررت استبدال صيغة السؤال وتخصيص "مجال" محدد، للإيحاء بمنطلق الجواب. عفوا .. نريد مشاركتك معنا في برنامجنا "عبر ميكرو الرصيف" .. إذا طلب منك توجيه رسالة إلى الله تعالى، فماذا ستقول له عن: ( ـ دور المنتخَبين في تخفيف أثر وباء "كوفيد 19" على الحياة الاجتماعية وتدنّي القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار/ ـ التكافل، والديموقراطية، وتسليع الإنسان، والأحداث الساخنة في العالم/ ـ التعليم عن بُعْد، وإغلاق دور العبادة، بسبب الوباء/ ـ فشل غيبيات المتبرِّكين بترويج "بضاعة" منتهية الصلاحية منذ قرون، في الحد من الوباء/) ...
وكأني أحثّ ـ كل من خاطبته ـ على الابتعاد عني، ورميي بنظرات السخرية .. وحتى الازدراء .. قررت أن أكون ملحاحا، حتى أجد سببا للإعراض. وهكذا تعقبتُ شخصا سخر مني ضاحكا .. ولازَمْته وهو يحاول الهرب مني. ـ لم لا تجيب عن سؤالي؟ ـ إما أنت "مْبَوَّقْ" كحالي، أو ترغب في "تطيير التبويقة ديالي"؟ ـ لا هذا ولا ذاك .. أريد جوابا فقط. قال: كيف تريد أن أُنْبِيءَ اللهَ تعالى ـ الذي وسع علمه السموات والأرض ـ بشيءٍ هو خالِقُه، وعارفُه، ومسيّرُه، ومطّلِع عليه، .. ألا يعلم الله ما لا نعلم؟ ألا يعلم الغيب وخائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ ألا ينبئه كل محتاج أو مصلٍّ برغباته وأمانيه، ويلتمس منه تحقيقها له؟
أرْجعتُ تجهيزات الشغل إلى حيث كانت .. وأنا أتجرع مرارة خيبتي .. وأحاول مداراة خجلي لفشلي في اختيار موضوع مثمر وبنّاء يثير التفاعل الإيجابي عبر نقاش جادّ، لا يتوسل بالخواء والاحتيال للإقناع .. خامرتني ذكريات غابرة ـ تعود لمرحلة الطفولة ـ ، حينما كانت قراءاتي، أو بعض الأفلام، تخدعني ـ بيقين مزيف ـ وتُوهِمني أن إدراك منزلة رفيعة ـ في المجتمع ـ يتم بِترسّم خطى الأولياء والمتصوفة، الحافلة حيواتهم "برياضات" صارمة، و"بكرامات" تضارع "المعجزات"،. فأغبطهم ـ ببراءة وسذاجة ـ على ما وصلوا إليه، بالتقشف والزهد، و"الذوبان خشوعاً" حين مناجاة الخالق بابتهالات وأدعية وأشعار .. مما أسلمني للتفكير والتحليل والمقارنة مع ظاهرة "تصوّف لَمْبَوَّقْ".
تخيلت هذا "المبوّق" ـ لو أتيحت له الفرصة ليتوسط حلقة من "المريدين"، فستُبهِجه السذاجة المختومة على سحنات أغلبيتهم ـ ثم يخوض مع الخائضين، يستغبي ويستحمر .. يصول ويجول .. يأمر وينهى،.. يقرِّع ويزجر .. يبيح ويحرم، .. يرقّع ما يؤمن به ويلمّع .. يحاول وضع علاماتٍ ومحدِّداتٍ لطريقٍ غارق في ضباب كثيف .. حتى إذا وصل إلى الختام بدا كطاووس ناشر لريشه عُجْبا وخيلاء، وكأنه خارج بانتصار من معركة الزلاقة أو حطين. وسينجح ـ في "مهمته" ويتخطى التعثّر، إذا كان متمكّنا من سقف معرفي، معزَّز بالكلام المنمَّق المعسول، المؤثِّر بسطحيته، الآسِر ببَنْجه المبسَّط و"هلوساته" المزوَّقة... ولا أسْهل لديه من تنويع عجائبياته، كإطْلاع النجوم في عز النهار، والشمس في عز الليل، فجِراب "الحاوي" ولاّد، لا تنقضي مفاجآته وإذهالاته عن الدنيا والآخرة ..
لم أجرؤ على سؤاله: هل ينطلق من فِطرةً عذراء، أو من ملَكَة خادعة، ليُسهِم في نشْر الإعاقة الفاضحة للعري الفكري، وتكريس التخلف الحضاري وانهياره؟ لكن عندما سألته: ما درجة إيمانكَ؟ غيّر نبرة صوته، ـ محاولا تقليد خطيب يتفصّح عبْر الشاشة الصغيرة .. ضخامة جثته لا تتناسُب وصوته الرقيق المنتمي لعالم الإناث .. يتميز بتمطيط الكلمات وإشباع المد إلى أقصى حد .. ـ وأجاب: ـ أفْضَلُ من الانشغال بالذات ورتْق الشقوق بمِلاط الأوهام، يُستحسَن أن أحدّثك عمن جَرح وما قتَل، وعمن جرَح وفَتَك، وعن منابع العداء وصباغة الجنوح للسيف أو للسلم بسند "قهري" ومسوح حربائية حسب مقتضيات كل "تجارة" ظرفية ..، وعن النفاق الملوَّث بالرشوة والدناءة في كل مكان. وأنْ أحدثك عما لا أومن به، مما يقع خارج شرنقة الجغرافيا، ولا يمت بصلة لفوضى مجذِّرة للحيرة، قطّعت شِكالها، وتجاوزتْ نطاقها، دون توقفٍ، أو نيةِ الانقلاب على أعقابها. وبَثّت الأوهام والمتناقضات "بجرأة" تتنكّر للتعقل والرشاد. تخرب المروج الخُضْر، لتخلّف التصحر والقمامة والعلل والإحباط والجمود. وأن نُعايِن ببلادة ـ أنا وأنت ـ تقديسَ التفاهة وأعلامِها، وإرخاءَ الطَّوَل خارج "الحديقة" لنماذج يعفور ونملة وهدهد .. ونقارب متاهات: المختلف والمؤتلف، والمتواتر والمتشابه، والناسخ والضعيف، ... ونعاين الشلل المتربص بالعقل في معابد الدهاء، لتعطيل الذكاء وانتعاش الغباء .. ـ تفضل وحدّثنا، فكلنا آذان صاغية. ـ "حتى نكون ساحي" (حين أكون صاحيا) .. أخذ يبتعد شيئا فشيئا، مادّاً يديه أمامه، يحرّكهما كأنه يقود دراجة، وللتحذير يقلد بصوته منبّه سيارة. يمر بين الراجلين مترنحا متمايلا ـ لتجنُّبهم ـ راسما ابتسامة اعتذار لهم، رغم عدم اصطدامه بأحد. ثم توقف، والتفت نحوي وصاح: تجنب القفز على الأوتاد لئلا يتحقق فيك ما نبّه إليه المثل**، وتذكّرْ أن القلوب تتقَلَّب، فلا تكن حطبا لأفكار ومباديء، لم يطبّقها منظِّروها، وازورّ عنها متزعِّمو التبشير بها، بعدما تفيّأوا ظلال العقلانية. غمغمت ـ وكان بودي أن يسمعني قبل أن يغيب ـ : لعلك ظننتني "فقيها" سلطانيا، ولاؤه فوق الحقيقة؟.
27/04/2021
*التبويقة ـ في الدارجة المغربية ـ تعني: درجةً من التأثر والانتشاء ـ المعتدل أو الجائر ـ المتولِّد ـ أساسا ـ عما يؤثّر في القوى العقلية (مأكولا أو مدخَّنا أو مشموما أو مشروبا أو محْقونا). **مَن طَفَرَ مِن وَتِدٍ إلى وتدٍ، دخل أحدهما في استه. (مجمع الأمثال 2/328)
#إبراهيم_رمزي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لصوص الكتابة
-
ذكريات حزينة
-
هل أشكر فيروس كورونا؟ أم ألعنه؟
-
العاملات المهاجرات (تنبيه ل: فهد الشميري)
-
وباء وغباء ورياء
-
ونُنَزِّل ...
-
مريم والسراب
-
البتول
-
طواحين الهواء والنضال
-
أولئك .. وغيرهم ..
-
زلزال إداري
-
المافيا .. وحُلُمٌ مستقبليٌّ
-
نيران النعرات الدينية
-
الزواج بجنية
-
عبرة حرَّى
-
ميلاد أخوية الغلاقات
-
الحلوى التي تحجب الغابة
-
خطاب انتخابي
-
القانون المغربي الذي ..
-
لصوص الألقاب
المزيد.....
-
ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة
...
-
-عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح
...
-
نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس
...
-
الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف
...
-
العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
-
الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ
...
-
أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب-
...
-
الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
-
الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
-
-اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا
...
المزيد.....
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
-
صديقي الذي صار عنزة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|