أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (9)















المزيد.....


الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (9)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6896 - 2021 / 5 / 12 - 15:35
المحور: الادب والفن
    


بقع الدم مازالت تلطخ بعض الشوارع رغم مرور بضعة أيام على إعلان حالة الطوارئ وهي بقع غير واضحة المعالم ولا بلا هوية، كانت الأيام السابقة وخلال الساعات الأولى من ولوج حالة الطوارئ قد شهدت مواجهات عاصفة وقد اختلطت الأحداث وتداخلت بقع الدم وسالت من أجساد الأفراد بلا تمييز، كانت الاضطرابات متداخلة والغبار الدامي ظلل سماء البلد وامتزجت المواجهات في بؤرة دامية كآلة الرحى التي لا تميز بين حبات القمح التي تطحنها، سادت السماء موجة من لونٍ رمادي غير مألوف وانعكست بظلالها على النفوس عامة فبدت الوجوه يعلوها الوجوم كقباب مغبرة تركت السنون عليها بصمة القدم، في هذا المناخ الذي يفترض بحسب الفصول أن يكون ربيعياً، تغيرت ألوان الطبيعة وبسطت الغازات الغامضة غربالها على الشفق واحتشدت المشاعر بالقنوط من هذا المناخ الكئيب وهو يطبق على الجميع.
عندما تلقى حمد رسالة في هاتفه لم يعلم مصدرها تعلن القبض على زهرة، هرع إلى الشارع على غير علم بما يمكن أن يفعله سوى الخروج من الدار وقطع الشوارع بسيارته وتدخين السجائر بإفراط عشوائي ساقطاً في سرادق الأفكار المظلمة التي ما كاد يخرج منها لبضعة أيام مرت حتى يعاود السقوط فيها بهذا الخبر الذي تلقاه من هاتف مجهول لم يعرف مصدره، عرج على شوارع القرى ومر بطرق تملؤها حواجز الأمن وتعرض لأسئلة رجال الأمن حول وجهته وكانت تعذبه أفكاره السلبية التي راحت تنهش في رأسه كأسنان المشط وهي تنسل في خصلات الشعر توقظه من هدوئه المصطنع الذي اخترعه لنفسه محاولاً التغلب على الخيالات السوداء وهي تحفزه على الولوج في دوامة من الضياع.
عاد سريعاً عند منتصف الليل وبحث عن يعقوب إلى أن عثر عليه في إحدى المقاهي متسمراً أمام شاشة التلفاز الذي كان يبث برنامجاً محلياً حول الأحداث ومن حوله تحلق عدد من الرجال انغمسوا في العاب شعبية وبعضهم راح يدخن الشيشة فيما اكتفى البعض بالجلوس ومراقبة السيارات والمارة، وحينما لمح يعقوب شقيقه الذي لم يستطع إخفاء اضطرابه نهض متوجساً وسار نحوه وأخذه جنباً وبادره قلقاً..
- ما من داعٍ للقلق أريدك فقط أن تكلم بومحمد ..
- وجهك ينبئ بالقلق.. خير ماذا حدث؟
التقط حمد نفسه وأطلق تنهيدة وبدا متردداً ما زاد من توتر الآخر..
- ماذا جرى؟ هل الخ.....
فأسرع حمد مقاطعاً..
- لا.. الخال بخير، الموضوع قد يزعجك ولكنه يريحني.
- تكلم.
- أريدك أن توسط العم سعد بن ناصر في ...
بدا متعثراً بالكلمات وراح ينضح بالعرق حتى أمسكه يعقوب من كتفه وألح عليه بقوة ..
- أمسكوا بفتاتك؟
هز رأسه ثم التفت حوله وقطب جبينه وخر في صمت مطبق.
- لقد جلبت لنا العار، هل هذا وقت مناسب لمثل هذا الطلب؟ هل تريدني أن ادلق ماء وجهي أمام الرجل الذي احتضننا وأسندنا ولولاه لضعنا جميعاً؟ ماذا أقول له؟
أخذ نفساً وأمعن في وجه شقيقه الذي تقلصت ملامحه وتجمد الدم في بشرته التي أبرزته أكبر من سنه الحقيقي ثم استأنف الكلام بحدة ويأس.
- اذهب الآن للدار وسألقاك هناك.
هذه المرة الأولى في حياته التي لم يناطحه فيها بالكلام أو يتجرأ على رفع صوته في وجهه رغم كل مناكفاته في الماضي والتي كان يبدو من خلالها غير عابئ بأي رد فعل من شقيقه الأكبر، فقد أحس بأنه تحت رحمته وبحاجة لدعمه ومن غير اللائق مماحكته في أعقد موقف يمر به.
غادر المكان محطماً القلب خاوياً من المشاعر، قطع الطريق بسيارته لا يرى من الشارع سوى ظلالٍ وأشباحٍ تتراقص وسط أضواء الأعمدة التي بدت كأنها غابة تتلاشى من حوله منزلقاً في هاوية من ضربات القلب فيشعر به كما لو سينكسر كطبق من شدة التمزق بداخله.
- ماذا سيحدث الآن؟
خاطب ذاته بيأس وانحرف بالسيارة من الشارع العام، دلف بطريق ضيقة وخطف نفسه نحو منزل أحد أصدقائه واستعار منه زجاجة ويسكي ثم عرج على مطعم للمشويات وطلب وجبة وانتهى في غرفة السطح بمنزل الخال القديم، خلع ثوبه واستحم بسرعة ثم سكب لنفسه كمية في كأسه وألقى بجسده الواهن على الكنبة وابتسم متلاشياً كأنه فوق غيمة سابحة بكبد الفضاء.
- ماذا سيحدث أكثر مما حدث؟
بعد كأسين من الشراب انتفض وراح يحدث نفسه مرة أخرى.
- الخال..هو وحده من سيتفهم موقفي.
ارتدى ثوبه، رشف كأسه وطار إلى الخال، ليفاجئ هناك بوجود يعقوب في الصالة الذي ما أن رآه حتى نظر إلى ساعته.
- أين كنت منذ ساعة وأنا انتظرك هنا، لقد قاربت الساعة على الثالثة والربع، لماذا لا تخلع ثيابك وتنام وفي الصباح تتبدل الأمور.
- هل الخال مستيقظ ؟
- لا تحشر الخال في الموضوع، أنت أعلم بصحته.
كان الوقت مطوق بالسكون حينما كسره أذان الفجر فجأة بعدها سمعا خطوات عائشة في الخارج كعادتها بهذا الوقت حيث تنهض وتعد القهوة والشاي لتقدمهما لشقيقها الذي يصحو مبكراً ويتناول وجبة خفيفة مكونة عادة من بضع حبات من التمر وعلبة زبادي يشترط فيها أن تكون كاملة الدسم بالرغم من تحذير الجميع له من تناول الأطعمة الدسمة والسكرية إلا أنه ضرب عرض الحائط بكل تلك التحذيرات وانغمس في كل ما تتطلع نفسه فيه، انتهى صوت الأذان ومازال حمد منكفئ في زاوية من السرير وعيناه مفتوحة تتأمل محتويات الغرفة بلا تركيز مع فوضى الأفكار الخيالية السوداء تتزاحم في رأسه ومشاهد لصور الحبيبة التي قد تكون في هذا الوقت من الفجر في ركن صغير بارد غارقة في ضغينة مغلفة بالوحدة والخوف يحاصرها غبار الدوار الذي كانت تحلق في فضائه كفراشة النار حتى آخر الليل تسبح مع الأجساد والأصوات الدامية في دوامة الثورة، تخيلها وهي مركونة بين جدران ضيقة ومن حولها يحوم الذعر والعزلة، تخيلها وهي تتذكره كطيف عابر مر في بالها ومضى، سبح مع سكون الليل حتى فاجأه صوت خطوات والدته وهي تقتحم المكان وتدعوه للنهوض والصلاة.
رد عليها.
- هل أخوك يصلي؟ أذا هو صلى فسأصلي أنا معه.
في اليوم التالي تصاعدت الشائعات في البلد فظللته الشكوك بشأن زهرة فأعاد الاتصال بالرقم الذي جاءت عليه الرسالة فوجده مغلقاً فضاعف من مرارته التي ألمت به ولا تكاد تفترق عنه، ظل يراقب باب المنزل ليحظى برؤية سعد بن ناصر في زيارة للخال وبنفس الوقت يلاحق شقيقه يعقوب بنظرات الترجي، اختزل الكون كله في باب المنزل ولم يفارق المكان مما جعل والدته تشفق عليه وتضمه إلى صدرها وعيناها تدمع.
- يا ضناي لا تحرق قلبك وقلبي.
- كلما تيقنت من أن الدنيا بخير حدث الأسوأ.

2023

(فلاش فورورد)


صعد حمد الطائرة وبيده حقيبة سوداء وراح يتفحص المقاعد إلى أن أشارت عليه المضيفة بمقعده فجلس وأخذ ينظر من نافذة الطائرة إلى حركة المطار الأرضية، كانت هناك عربة كبيرة مستطيلة تنقل الحقائب إلى أسفل الطائرة فيما عدد من العاملين يقومون بحفص أجزاء من الطائرة حتى حان موعد إغلاق الأبواب، اضطرب للحظة ثم ما لبث أن أغمض عينيه وسبح مع قطع الغيوم المتناثرة في السماء حينما توغلت الطائرة داخل قطع السحب إلى أن غادرت طبقة الغيوم وأعلن بدء الرحلة إثر خروج المضيفين إلى الممرات وتفحص الركاب وتسجيل الطلبات، فتح عينيه ونظر من نافذة الطائرة فرأى كتل الغيوم الضخمة مكدسة أسفل الطائرة بلا حركة ثم أولى وجهته للمضيفة التي وقفت فجأة أمامه وناولته قائمة الطعام وهي تبتسم.
عند نزوله مطار دبي توجه مباشرة إلى السوق الحرة واشترى زجاجتي ويسكي ماركة شيفاز ثم توجه لركن العطور وأشترى ست زجاجات عطور شانيل نسائي وخرج متوجهاً لفندق النجوم بإحدى ناطحات السحاب المطلة البحيرة الصناعية وكان في استقباله أحد الموظفين وأنهى بسرعة فائقة إجراءاته وودعه موضحاً له بأن ثمة سيارة تحت تصرفه بأي وقت يريد الخروج.
في المساء بعد أن استحم وارتدى ملابسه التي كانت عبارة عن قميص أزرق فاتح وجاكت أسود مع سروال جينز أزرق قاتم، توجه نحو البار الذي دأب على ارتياده في كل مرة ينزل فيها دبي وبدا ليلته بإجراء مكالمة جاءت على أثرها فتاته التي اعتاد عليها كلما جاء إلى دبي، اعتقد في بداية العلاقة أنها روسية فظهرت من أوزبكستان وشاركته منذ يومها الفراش لأنه قرر ألا يبدل النساء في كل مرة.
قضى الليلة معها حتى بعد منتصف الليل عندما غادرا وتوجها نحو غرفته التي رتب مع أحد المسئولين بالفندق على مشاركته الغرفة من دون اعتراض من رجال أمن الفندق بحسب ترتيب مسبق مع احد معارفه، من غرفته طلب قائمة طعام من خدمة الزبائن واستلقى على قفاه وتنفس الصعداء فيما دخلت المرأة الحمام وخيم الصمت على الغرفة، ضحك وكسر سكون المكان وهو يخاطبها بصوت مرتفع .
- هلينا.. هل تذهبين للإقامة معي في البحرين؟
- بالطبع.
ضحك وهز رأسه بسخرية كما لو كان يهزأ من أحد أمامه.
- لست مجبر على الوقوع في أسر حب بلا معنى.
خاطب نفسه مرة أخرى كأنه ينتقم من كل نساء العالم ويتوق للتخلص من مرارة الخضوع لهن، رأى المرأة تخرج من الحمام مرتدية قميص نوم شفاف انبثق منه جسدها الناري ونفذت إليه رائحة عطرها تقدمت منه رافلة في القميص القصير الذي كشف عن سروالها الداخلي وكان عبارة عن خيط رفيع مع صدرية بنفس اللون برزت من تحت القميص، رأى في المرأة سحر نساء العالم فهتف في أعماقه.
- هذا هو الحب الحقيقي، تعيش دبي.
تذكر بلده وهو يتركها وسط غبار الغازات والفوضى والصراع على النفوذ والسلطة وسط أحزاب ومنظمات ومظاهرات لا تتوقف ليل نهار عن التناحر والمعارك التي لا تتوقف ليلة واحدة مما حدا به للهروب لبضعة أيام للخروج من حصار كآبة الوضع هناك وتنفس طعم الحياة الحقيقية وسط مناخ من تلبية الرغبات والانطلاق بلا قيود، يسبح مع فراشات اللذة الخاطفة بلا عواطف جياشة وبلا علاقات حب سريعة وموجعة لا تجلب سوى الألم والعذاب ولا تدوم، نهض وتقدم من المرأة واحتضنها وراح يهمس في أذنها وهو يضحك.
- هل تُحبينني؟
- طبعاً لا.
- هذا هو المتوقع، أكره الكذب.
تذكر كذب السياسيين في بلاده وسطوة الدينيين التي حولت بلده إلى أرض مقفرة، وتذكر خاله بوعلي الهوى الذي رحل منذ سنوات وطاف في باله رجل المواقف سعد بن ناصر الذي رحل بذات العام تاركاً ثروة لم يستثمرها أحد بسبب الاضطرابات المستمرة بلا توقف منذ العام2011 حتى اليوم، فجأة انتفض على حركة من المرأة تطوقه وهي تضحك.
- هل تريد أن تنسى اسمك؟
- لقد نسيته منذ أن ركبت الطائرة وحلقت فوق الغيوم.
- إذن تعال حلق معي.
- حمودي..
ذكرته بفتاة من بلده كانت تدعى زهور أحبها ولم يكتب له الاستمرار معها لأنهما انتهيا إلى حادث مأساوي بحسب ما حلم به أكثر من مرة في النوم.
قالتها بلكنة غير قابلة للتصديق وهي تضمه فوق الفراش وراحت تثني جسدها حوله كغصن رطب يتوق للالتواء، رأى فجأة أضواء الغرفة ترقص وشعر بسعير الويسكي يغلي في أعماقه وتدفق الدم في عروقه وهو يشعر بحرارة المرأة تتسرب إليه فتبذر فيه شهوة عارمة أنسته تخوم الوجهة التي جاء منها عابراً صهوة الغيوم والشوارع الملتهبة بالنار، تاركاً وراءه الهموم الجسيمة المنبثقة من ضجيج الرصاص وحرائق المولوتوف ودوي الانفجارات وعبث الكائنات المخلوقة من رهط الفوضى التي لا تتوقف ليل نهار وقد جعلت الحياة لا تطاق، حتى النساء اللواتي خلقن للحب تحولن إلى دمى تتحرك تحت عباءات سوداء تملأ الأحياء بالعويل وفقدن كل علاقة بالأنوثة والجمال وأصبحن جنازير تملأ الشوارع وتبذر الذعر بصراخهن وسط احتجاجات ومظاهرات لا تتوقف بين كل الأطراف فلا تعرف من ضد من؟
فداحة المنظر في بلده تلاشت مع آخر كأس تجرعه وغاص في حضن المرأة المشتعلة فوقه وهي تقحمه في غابتها السديمية مع ترانيم الأصوات المنتزعة من بؤرة الشهوة، غاب بعدها عن الوجود العلني وغاص في قارورة المتاهة التي اعتاد عليها كلما ركب الطائرة وقطع الفضاء إلى دبي.
عندما ينتهي الليل وتبدأ دورة نهارية مقتضبة إثر صقيع الليلة الماضية، يقضي أغلب أوقاته بين المجمعات التجارية في المدينة ومقاهي القهوة الأوروبية في المدينة التي لا تغيب عنها الشمس في النهار ولا يغيب عنها القمر بالليل، فهي مستيقظة طوال الوقت مستفزة للشهوات، كانت المدينة بالنسبة له ملاذاً آمناً عن تلك الأرض القادم منها والتي تحترق بلهيب الصراع والاحتقان والانفصام عن الواقع وهو ما تسبب له بألم مزدوج حينما اصطدمت عاطفته للمرأة التي أحبها بواقع الاحتقان الطائفي المشتعل هناك، كان يحلم بسماء دافئة وبخيال جامح يأخذه إلى مدينة الحب التي أسس عرشها ذات مرة منذ سنوات الدوار التي مرت بالبلاد ومن يومها لم تسترجع البلد وجهها الجميل الذي كانت عليه، فعرش الحب الذي أقامه لنفسه مع فتاته قد سقط تحت وابل المطر الأسود الذي هطل ولم يتوقف من حينها وصنع سقفاً من الظلمة السوداء تمثلت في اللباس الأسود والأعلام السوداء التي تعلو المنازل والوجوه المكفهرة وهي تسبح في فضاء أسود، هرب من هذه الأجواء حاملاً قلبه المثخن بالجراح وروحه المنزلقة في قاع من الكآبة الدامية التي أسبغت على مشاعره قلقاً مزمناً وكان منفذه للتنفس هذه المدينة التي جاءها يحمل روحه وأطلقها في فضاء الحرية الواسعة التي تتمتع بها دبي منذ غادرت بلاده هاربة من حراب المجانين.
تسلل من باب الغرفة عند الساعة السابعة مساء وعبر الرواق المؤدي إلى الصالة المفتوحة وهو يتلفت حوله ومن دون أن يعلم بأن الكاميرات المزروعة في زوايا الممر تسجل حركته المتسللة من الغرفة التي كان فيها، كان يختبئ فيها مع إحدى صديقات هيلينا رفيقته وكان يختبئ من مصيدتها التي يدرك أنها لو عرفت بعلاقته مع واحدة من رفيقاتها فقد يؤدي ذلك إلى خسارتها وهو الأمر الذي لا يحتمله بعدما رأى منها جنون السحر الأوزباكستاني الذي يدفعه لاقتحام المدينة التي لا تنام كلما سنحت له الفرصة للتزود بأوكسجين الحياة كما يسميه، والغاز الذي يحتاج له للإفلات من الغازات المسممة التي يختنق بها في أرضه اليباب، لم يترك فرصة في الأيام القليلة التي يمضيها هنا إلا ويقتنصها للولوج إلى عالم الأضواء السعيدة، فما أن تناهى إلى سمعه افتتاح فندق جديد على هيئة سفينة في البحر حتى تخلى عن كل ارتباطاته ولجأ إلى المكان بحثاً عن سحر جديد يدفعه شعور بالتجريب وكسر الروتين مع حياة الليل والنساء، فمنذ أن قرر هجر الحب أخذ على عاتقه تجربة الأجواء المختلفة لتعويض سنين العمر التي أهدرها في الوحدة والعزلة والخواء العاطفي فانفجرت روحه عن براكين من الشهوات والمغامرات، وجد في الفندق الجديد خلاف ما توقعه من مظاهر البذخ إذ صدم بالأجواء المجنونة والخدمات ذات العشر نجوم وهو ما لا يجد له منافساً في أي مكان من العالم، الساعات المعلقة على شكل ورود متحركة يتحرك بداخلها الوقت ونوافير مياه تخرج من جدران المكان الذي يمر عبره وبداخل الفندق سيارات صغيرة صديقه للبيئة للتنقل عبر طرقه وممراته الواسعة وحمامات خارجية للسباحة بمياه حارة وباردة بالإضافة إلى العاملين الذين تم انتقاؤهم من مختلف بلاد العالم يتكلمون مختلف اللغات العالمية من انكليزية وفرنسية وروسية وعربية وأوردو واسبانية، التدخين ممنوع في كل مكان إلا من خلال حجز مسبق في ركن من الفندق، قرر وهو يمر بكل هذه التجربة في المشاهدة أن يحفظ ما يصادفه ليرويه لأصدقائه في البحرين لعل ذلك يخفف عليهم وطأة الاختناق الذي يعيشونه وسط قنابل مسيلات الدموع وحرائق الإطارات وركود السوق وفقدان القدرة الشرائية، سجل كل المشاهد التي مرت على هيئة قصاصات ذهنية ليسرد تفاصيلها لمن حوله، تداعت أفكاره التي تشبه أعواد القش وخرجت منها فقاقيع الماضي، كان بإمكان المرحوم سعد بن ناصر أن يفعل الشيء نفسه في البحرين لو توفر الأمن وعدد من رجال المال الطموحين وغير الأنانيين المصابين بلوثة الجشع ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، هكذا ردد في عقله الباطن وهو يختزل الصور الفائقة الجمال مع تلاشي صور الحرائق والدماء والفقر والحواجز الأمنية والاحتجاجات اليومية المقيتة التي ولدت شعوراً بالضياع، نسى الحب وسقط في بحر الشهوة وسيعود بعد أيام إلى دواليب الفوضى حيث الجميع مشغولون بالسياسة بعد فقدان الرغبة في الحب والتسوق.
في كل مكان يمر به في دبي يترك عقله الباطن يسجل ما يشاهده أو يقوم به وكأنه بذلك يريد تخزين المشاهد واللقطات التي تطوف به ليزيل من خلالها الصور الكثيفة المدمرة التي تحتفظ بها ذاكرة عقله مما رآه وعايشه في بلاده، محت صور الفنادق والأجساد والمجمعات التجارية والشوارع والمترو والوجوه الآتية من أرجاء المعمورة الصور القديمة التي مضى عليها سنوات العالقة في ذاكرته منذ أيام الدوار في بلاده، وهذا ما كان يأمل من تردده على دبي بين وقت وآخر، كانت المدينة بمثابة رئة مستمدة من رحيق المدينة المضيئة بنجوم البنفسج تمده بالأوكسجين يتنفسه بدلاً من ثاني أكسيد الكربون الذي يحمله معه من مدينة المنامة المستباحة منذ العام 2011 فأصبحت كامرأة فقدت أنوثتها وبريق سماءها هجرها عشاقها بعدما استولت عليها عصابات التخريب، أين كان هو يوم أن رأى يعقوب ومعه جموع الناس يحتشدون دفاعاً عن هذه المرأة؟ كان الخال بصمته وعزلته مع بحره وسفنه وأسياده من الجن الأرضيين والسماويين قد أدرك حافة الهاوية ولذا التزم الصمت واكتفى بالتفرج حتى غادر الدنيا غير آسف على النتيجة، لقد أيقن أنه وسعد بن ناصر كانا جوهر المسألة حينما رأى الاثنان البلد تنزلق نحو الهاوية مثلما رأى هو ذاته المرأة التي أحبها تنفرط كعقد فقد حباته ومنذ ذاك الحين جرت رياح التغير نحو الدواليب المحكمة تطوق البشر والحجر وبقية الكائنات، لتسكن الأشباح وحدها ضواحي المدن وأطراف القرى.
مر الوقت سريعاً وتضاءلت معه قدرته على تحمل نفقات العيش والترفيه فهذه التكلفة التي يوفرها طوال الوقت وهو في البحرين يصرفها في بضعة أيام ثم يعود ليبدأ التوفير مع ما تركه لهم سعد بن ناصر هو وأخيه يعقوب قبل رحيله من ارث مالي جهدا في الحفاظ عليه بمواصله العمل في شركة الهاتف الصوري الجوال فيما حاول يعقوب الانتقال من مشروع تجاري إلى آخر ليفي بوعده لسعد بن ناصر الذي حثهما على العمل حتى يمكنهما من مواجهة تحديات الحياة التي بدأت بوادر تعقدها قبل وفاته وهو لم يدرك أن البلد تنزلق وقتها نحو الفوضى الكاملة حينما لم يسمع الجميع صوت العقل الذي كان يومها مطلوباً بشدة ولكن تداعيات الأحداث والمشاريع السياسية المتكررة والمتدفقة كالسيل والأفكار المتضاربة مع فقدان الحب بين الجميع قاد إلى النتيجة الحالية، كانت هناك فرصة متاحة منذ سنوات بعد العام 2011 ولكن أحداً لم يلتقطها فانفرط عقد البلد وانزلقت كقشة في رحى العاصفة، كانت رياح التغيير سريعة الإيقاع وظن الجميع في البداية أنها الإصلاح حتى استيقظ الكل على طبول الحرب الأهلية تقرع، لم يكن أمامه غير الهروب وحده من بين الجميع الذين انخرطوا فيها من كل الأطراف والفئات والشرائح بما فيهم الأطفال والنساء والعجائز والكهول والمقيمون وحتى بعض الأجانب تورطوا فيها كانت الحرب الأهلية هي قدر الجميع.
"لقد كانت كابوساً، كانت امرأة تلك التي أشعلت الحرب الأهلية، ماذا لو لم تنسحب تلك المرأة من مجرة السماء وظلت تزرع الورود في حديقة الدوار وارتقت درجات الروابي والسفوح وامتنعت عن حرق الإطارات وتلويث السماء بثاني أكسيد الكربون، لو بقيت هذه المرأة في حديقة الحب لما وقعت الحرب"
طفق يجمع ثيابه النظيفة والقذرة في حقيبة واحدة وزج ببعض السلع التي تسوقها من سوق دبي بينها زجاجتي ويسكي وعلبتي سجائر ماكينتي حلاقة مع عدد من القمصان وحذاء وبعض الهدايا لشقيقه يعقوب مع سلسلة ذهبية صغيرة سيتجرأ ويركب البحر ويقدمها إلى عاهرة دأب على ملاحقتها قبل مجيئه إلى دبي، حزم حقائبه ونظر إلى ساعته وتطلع من نافذة الفندق وكأنه يشبع نظره من سماء دبي قبل الرحيل عنها والعودة إلى أسفل السماء السوداء التي اكتظت بغيوم وبسحب الغازات السامة المنبعثة من حرق الإطارات وهي الظاهرة اليومية التي لا يمر يوم من أن ترى الغيوم سوداء والمطر أسود والملابس التي ترتديها النساء سوداء والأعلام سوداء، ترك المكان وهبط إلى صالة الفندق توجه نحو مكتب الاستقبال وهو ينظر إلى ساعته.
- لو كان بودي لما غادرت المدينة.
اعتاد مخاطبة نفسه بدلاً من حبس أفكاره داخلها، خيمت مسحة من حزن على مشاعره وهو ينهي إجراءات مغادرة الفندق، فقد كانت الأيام القليلة التي قضاها هنا بمثابة واحة عشبية تنشق خلالها عطر الحرية التي افتقدها في بلده التي أضحت جزيرة يكتنفها الضباب والخواء ترتدي السواد منذ الصباح حتى المساء، بين قوم انساقوا في حرب فيما بينهم بين من يمنع السياحة والغناء و أغلاق البارات وتحريم السينما والاختلاط وبين من يسد الشوارع ويلقي القنابل ويحرق الإطارات ويدمر الممتلكات، أيقن أنه عائد إلى الفوضى التي تعم الدنيا هناك.
عندما حطت الطائرة في مطار البحرين، شاهد من النافذة الوجوم على وجوه العاملين على الأرض فيما الطائرة تسير على المدرج، شاهد باحة المطار شبه خالية من الطائرات والحركة معدومة، أيقن أنه عاد إلى روتين الحياة اليومي، خرج من المطار وركب سيارة التاكسي التي كان سائقها هندي الجنسية، فقد كان محرماً على سائقي التاكسي من الطائفة الأخرى قيادة سيارات التاكسي في مدينة المحرق، عبرت بباله لحظتها خاطرة غامضة انبثقت من قارورة الأيام الخوالي حينما كانت أحداث الدوار الدامية تعصف بالبلد، ولم يتح لذاكرته أن تستدرجه نحو ذكريات الحرب التي طوت رياح السنين تفاصيلها، فتوجه بنظرة خاطفة نحو الشارع الذي كان يغص بالسيارات والمشاة ووصل إلى نقطة تفتيش أمنية فأدرك أن مظاهرة من تلك المظاهرات اليومية التي يقودها شقيقه يعقوب، فابتسم في سره وهمس لذاته..
- صباح الخير يا مدينة المحرق.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من شروط استقرار الدول...
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (8)
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (7)
- قطارنا ما يزال يسير على الفحم!
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (6)
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (5)
- رواية عن مقال ممنوع...
- حذار من انهيار الطبقة الوسطى!!
- ميغان وأوبرا وينفري ثورة جديدة!
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (4)
- الديمقراطية الدكتاتورية!!
- الغوغاء قادمون!
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (3)
- ... هل الكاظمي فخ العراق؟!
- هل تختفي الدول العربية قريبًا؟!!
- عاصفة الديمقراطيين قادمة...استعدوا...
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (2)
- الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (1)
- رصاصة وشمعة وسمك سلمون!!
- الانهيار الأعظم...القادم!


المزيد.....




- مجلس المستشارين يسائل العثماني حول تدابير استقبال ومواكبة ال ...
- ديزني تتعاقد مع فنانين أفارقة بينهم مصريون لإنتاج أفلام عن ا ...
- شاهد: مهرجان موسيقي في مركز لرعاية مسنين إسبان احتفالا بتلقي ...
- ديزني تتعاقد مع فنانين أفارقة بينهم مصريون لإنتاج أفلام عن ا ...
- الموت يغيّب الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة
- روائيون ومترجمون يجيبون.. هل يتنافس الأدب العربي والمترجَم؟ ...
- سكارليت جوهانسون تنتقد -الإثارة الجنسية المفرطة- للأرملة الس ...
- إفريقيا في صور: محاصيل، واحتفالات، وماسة عملاقة
- فن الملصقات – أجمل ما يقدمه الفن المعاصر
- الموت يغيب أيقونة الشعر العراقي لميعة عباس عمارة


المزيد.....

- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - الخراف الضالة - رواية- القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد (9)