أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - فارس تركي محمود - التاريخ العربي والمنهج الوعظي















المزيد.....


التاريخ العربي والمنهج الوعظي


فارس تركي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 6823 - 2021 / 2 / 24 - 21:31
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


تعد سمة العقل الجمعي من أهم السمات التي تديمها وتربيها وتنميها البيئة الصحراوية في المجتمع البدائي لذلك فإننا نلحظ ونرصد وجودها بقوة في التاريخ العربي واستحواذها شبه التام على الشخصية العربية قديماً وحديثاً. وعلى الرغم من أن للعقل الجمعي سطوة ونفوذ داخل الكثير من المجتمعات البشرية، إلا أن العقل الجمعي المسيطر على المجتمعات العربية ينفرد بميزتين أولهما قوته وسطوته التي لا نظير لها في المجتمعات الأخرى وثانيهما عدم تجدده وعدم تنوعه أي تشبثه بنفس الأفكار ولمديات زمنية طويلة جداً . فلو أخذنا أي مجتمع عربي معاصر وقارناه – على المستوى الفكري - بما كان عليه المجتمع العربي في العصر الجاهلي أو في القرون الهجرية الأولى لما وجدنا فروقاً كبيرة. فالأفكار هي ذاتها والنظرة إلى الحياة والغاية منها ودور الإنسان ومساره فيها ذاتها لم تتغير .
لقد ناقش هذه النقطة باستفاضة الاستاذ محمد عابد الجابري في كتابه تكوين العقل العربي إذ يطرح سؤالاً استنكارياً مفاده : ماذا تغير في الثقافة العربية منذ العصر الجاهلي إلى اليوم ؟ ويعود الجابري للإجابة عن هذا السؤال ويقرر بأنه لم يتغير شيء تقريباً والدليل على ذلك – كما يقول – " إننا نشعر جميعاً بأن أمرئ القيس وعمرو بن كلثوم وعنترة ولبيد والنابغة وزهير بن أبي سلمى . . . وابن عباس وعلي بن ابي طالب ومالك وسيبويه والشافعي وابن حنبل . . . والجاحظ والمبرد والأصمعي . . . والأشعري والغزالي والجنيد وابن تيمية . . . ومن قبله الطبري والمسعودي وابن الأثير . . . والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون . . . ومن بعد هؤلاء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدة ورشاد رضا والعقاد والقائمة طويلة . . . نشعر بهؤلاء جميعاً يعيشون معنا هنا ، أو يقفون هناك أمامنا على خشبة مسرح واحد ، مسرح الثقافة العربية الذي لم يسدل الستار فيه بعد ، ولو مرة واحدة ".
وبالفعل ما زال العقل الجمعي يجمع بيننا وبين هذه الأسماء على الرغم من الفجوة الزمنية الكبيرة التي تفصل بيننا ، فما زلنا ننظر للأمور كنظرتهم اليها ونفكر مثلما كانوا يفكرون ، والقضايا والمقولات والمعاني التي كانت تستثيرهم وتستحوذ على اهتمامهم ما زالت هي ذاتها التي تستثيرنا وتستحوذ على اهتمامنا ، وما زلنا نمجِّد ما كانوا يمجِّدون ونشمئز ونخجل مما كانوا يشمئزون ويخجلون ، وما زالت نظرتنا كنظرتهم إلى المفاهيم المختلفة مثل الصواب والخطأ والمقدس والمبجل والمحرم والملعون والعيب وما يجوز وما لا يجوز والحلال والحرام والأخلاق بتنوعها وسقف الحريات وماهية حقوق الإنسان والنظرة إلى المرأة وغير ذلك من مفاهيم وأفكار ، الأفكار والسلوكيات والرؤى هي ذاتها ولم تتغير تقريباً .
إذاً فإن العقل الجمعي المسيطر على مجتمعاتنا عقل جمعي عابر للأزمنة تمكن من ضبط وتثبيت بل وتجميد نظرتنا ورؤيتنا للأفكار والمفاهيم بحيث بقيت كما هي لقرونٍ عديدة ، والشواهد التاريخية والأدلة المختلفة على ذلك لا تعد ولا تحصى فإذا أخذنا مفهوم البطولة والشجاعة على سبيل المثال لرأينا أن معنى هذا المفهوم وما يعنيه ما زال ذاته تقريباً . فالعقل الجمعي استطاع أن يصيغ معنى وتصور بعينه لهذا المفهوم وأن يثبته بقوة في العقلية والنفسية العربية ، والأنكى من ذلك أنه تمكَّن من إبقاء وإدامة هذا المعنى والتصور بعينه لآلاف السنين بحيث أن الفرد العربي المعاصر يفهم هذا المفهوم ويتفاعل معه كما كان يفعل أسلافه بالضبط .
في العصر الجاهلي كان مفهوم البطولة والإقدام والشجاعة يعني بالدرجة الأولى الميل إلى العنف واستخدام القوة والقدرة على القتال والاستعداد الدائم له ومقارعة الأعداء وقهر الآخرين وعدم الخوف وعدم الرضا بغير الصدارة ، فالحرب والقتال على الرغم من أنها كانت ضرورة صحراوية في بدايتها ووسيلة لا غنى عنها للقبائل العربية من أجل البقاء على قيد الحياة، إلا أنها وبمرور الأيام تحولت إلى غاية بحد ذاتها وأصبحت مثاراً للفخر وإحدى متطلبات اكتمال شرف القبيلة وعزتها ، فالقبيلة التي لا تحارب ولا تغزو تبقى مكانتها منقوصة وينظر إليها بعين الازدراء والسخرية، لذلك كانت القبيلة تحرص كل الحرص على الظهور بمظهر القوة المحاربة والمستعدة دائماً للصراع ، وأصبحت الحرب خيارها الأول عند أول خلاف أو اختلاف مع غيرها من القبائل ، وفي كثير من الأحيان كانت الحروب تقع لأسباب تافهة مثل حرب البسوس التي قامت من أجل ناقة البسوس واستمرت سنواتٍ طويلة ، وحرب داحس والغبراء التي استمرت لأربعين سنة كان سببها المباشر خلاف على نتيجة سباق جرى بين داحس حصان قيس بن زهير العبسي والغبراء فرس حذيفة بن بدر الذبياني ، وحرب الفجار التي وقعت بين كنانة وقيس عيلان وكان سببها عداء شخصي بين رجلين أحدهما كناني والآخر من قيس عيلان، وغير ذلك من مواجهات وصراعات أكثر من أن تحصى.
لم يقتصر هذا التصور لمفهوم البطولة على الكيان القبلي فحسب بل أصبح – وبفعل قوة وسطوة العقل الجمعي - تصوراً عاماً مسيطراً ومهيمناً على كل أفراد المجتمعات العربية لينعكس بشكل واضح على كل سلوكياتهم وتصرفاتهم من أصغرها إلى أكبرها ، فأصبح الفرد حريص كل الحرص - سواء بوعي أو بدون وعي - على تطبيق هذا الفهم والتصور في حياته الشخصية وفي علاقاته مع الآخرين ، فهو متنمر دائماً متجهم الوجه ومستعد للقتال والصدام عند أول فرصة ولأبسط الأسباب ، يستخدم القوة والعنف في تسوية خلافاته مع الآخرين وحتى مع أفراد أسرته ، ويتعمد الظهور بمظهر الشخص الخشن والقاسي لكي يبقى بطلاً شجاعاً بنظر مجتمعه وقبيلته .
لقد بقي هذا الفهم والتصور مسيطراً على الذهنية العربية في العصور الإسلامية والعصور التي تلتها وحتى وقتنا الحاضر ، فما زلنا ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين ننظر إلى البطولة باعتبارها القدرة على ممارسة العنف تجاه الآخرين ، واستخدام القوة والسلوك الخشن في تسوية المشاكل والخلافات ، ونعتبر البطولة بهذا المعنى من أهم المزايا التي يجب أن يتحلى بها الإنسان الفرد وبخاصة الزعماء والقادة ، فنحن نغفر للقائد كل أخطائه وجرائمه والكوارث التي قد يتسبب بها بمجرد ظهوره بمظهر البطل أو اتخاذه قرارات أو قيامه بأفعال تتفق مع فهمنا وتصورنا لمفهوم البطولة حتى لو كانت تلك الأفعال بعيدة كل البعد عن العقل والمنطق وغير مخطط لها بشكل عقلاني وواقعي ، ومضرة بمصلحة الوطن بل وتجلب له الدمار والخراب كالدخول في حروب ومغامرات غير محسوبة كما حصل في حرب ونكبة فلسطين عام 1948 وحرب ونكسة حزيران 1967 وحروب الخليج الكارثية، وقرارات التأميم ومعاداة الأجانب ومخاصمة المجتمع الدولي وتحدي القوى العظمى، والقيام بكل ما من شأنه إظهار قوة وصلابة وخشونة الزعيم القائد كتصفية الخصوم والمعارضين السياسيين وسحق المخالفين وعدم التنازل عن كرسي الحكم والدفاع عنه بشراسة واستخدام أساليب التهديد والوعيد والزعيق والصراخ وإحاطة نفسه بمظاهر العظمة والأبهة . كل هذه الأساليب كانت ولا زالت تتفق مع فهمنا للبطولة هذا الفهم الذي نقله إلينا من الأجداد وبكل أمانة العقل الجمعي .
لقد تناولنا مفهوم البطولة كمثال بسيط إلا أن الأمر لا يقتصر عليه فحسب بل يشمل تقريبا كل المفاهيم الأخرى المؤثرة في حياتنا فرأينا في الحياة والغاية منها والإنسان ودوره والحرية وحدودها والديكتاتورية وحقوق الإنسان قريب من رأي أجدادنا، وتعاملنا مع العقل والمنطق والغيبيات والموروثات والخرافات والأساطير شبيه بتعاملهم ، ونظرتنا إلى الآخر المختلف والمرأة وحقوقها وموقعها في الحياة لم تبتعد كثيراً عن نظرتهم ، وكذلك الأمر فيما يتعلق ببقية المفاهيم المؤسسة لحياتنا والمتحكمة بمجتمعاتنا .
إن العقل الجمعي المسيطر على المجتمعات العربية – ونتيجة لقوة سيطرته ولطغيانه – لعب دوراً مهماً في القضاء على أية فرصة لتطوير القدرات الإبداعية لتلك المجتمعات ، فالعقل الجمعي يعد العدو الأول للتفكير المتفرد المستقل ، والقاتل للشخصية الخلَّاقة المبدعة ، والحليف الاستراتيجي للسكونية والجمود والتقليد . وهذا ما نراه ونلمسه بوضوح في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً ، فهي تعد من أكثر المجتمعات جموداً وتقليداً وحفاظاً على العادات والتقاليد ، لذلك أصبحت أفكار وسلوكيات ورؤى أبنائها مصاغة بقالب واحد ولا تجد فيها أي تغير أو تغيير أو خروج عن السائد والمألوف ، فالكل يقول ما يقوله الكل ، والكل يعتقد بما يعتقده الكل ، والكل مثل الكل في طريقة العيش وطريقة التفكير ، وفي التعامل مع القضايا المختلفة والمتنوعة ، والتعاطي مع الحياة بكل مفرداتها من أصغرها إلى أكبرها ومن ألفها إلى يائها ، وليس هناك أي تجدد أو تجديد أو إبداع إلا في حالات قليلة ونادرة جداً لا تترك أثراً ولا تحرك جامداً ولا تزعزع ثابتاً فهي كزخة مطرٍ عابرة فوق صحراءٍ قاحلة . ولا يوجد فرق في ذلك ما بين متعلم وجاهل ونخبة وعامة فالعقل الجمعي العربي يتمتع بقوة كبيرة بحيث لا ينجو منه أحد إلا أقل القليل .
ففي المجتمعات العربية إذا ما حكم العقل الجمعي بخطأ أو صحة قضية ما ، صلاحية أو عدم صلاحية هذا الفكر أو ذاك ، سداد أو خطل هذا الرأي أو ذاك فإن هذا الحكم يصبح حكماً نهائياً قاطعاً لا سبيل لتغييره أو رده ، حتى وإن كان خاطئاً وبعيداً كل البعد عن الحقيقة ولا يستند إلى أية أسس علمية أو منطقية ، بل حتى ولو كانت مقولات وطروحات هذا العقل الجمعي عبارة عن خرافات وأساطير فهي تفرض سيطرتها وسطوتها على كل أبناء المجتمع وينصاع الجميع لها ويصدقونها ويتداولونها فيما بينهم وكأنها حقائق لا يرقى إليها الشك . وأية محاولة لمناقشة أو تفنيد ما يقوله العقل الجمعي أو التشكيك به محاولة محكوم عليها بالفشل وتتم إدانتها والنظر إليها بعين الشك والريبة والاتهام من غالبية أبناء المجتمع، لأن مثل هذه المحاولات تدخل ضمن نطاق الإبداع والتساؤل والتجديد أي أنها تتحدى العقل الجمعي وتدخل في صراع معه مما يعني سحقها والقضاء عليها ووأدها في مهدها ، ففي المجتمع البدائي ليس هناك أدنى فرصة للإبداع أن ينتصر أو يقاوم سطوة وجبروت العقل الجمعي الذي عزز وجوده ونفوذه وراكم أسباب قوته عبر آلاف السنين وبمساعدة ظروف جغرافية مؤاتية .
لذلك نجد أن الإبداع بكل صوره وبخاصة الإبداع الفكري شبه معدوم في البلدان العربية ، بل إن حتى السبل والوسائل التي يمكن أن تخلق الإبداع ضعيفة وهزيلة جداً ، فالقراءة تعد من أهم تلك السبل فلا يمكن أن يوجد إبداع وتجديد وتقدم وخروج عن العقل الجمعي بدون قراءة وبدون إطلاع على أفكار ورؤى جديدة وبدون الاحتكاك بالثقافات الأخرى . ووفقاً لتقرير التنمية الثقافية الخامس الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي فإن الفرد العربي لا يقرأ أكثر من ( 6 ) دقائق سنوياً مقارنةً بالفرد الأوربي الذي يقرأ حوالي ( 200 ) ساعة سنوياً ، ويؤكد التقرير ذاته أن أكبر دار نشر لا تطبع أكثر من ثلاثة آلاف نسخة من الكتاب ، والبعض يطبع ( 500 ) نسخة فقط ، وهذه الكمية تحتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات حتى تنفذ ، وما تستهلكه دار نشر فرنسية واحدة من الورق - وهي دار ( غاليمار ) - يفوق ما تستهلكه المطابع العربية مجتمعة من المحيط إلى الخليج ، وخلال الألف عام التي مضت ، أي منذ عهد الخليفة العباسي المأمون وحتى اليوم ، ترجم العرب كتباً يساوي عدد الكتب التي تترجمها إسبانيا في عام واحد فقط ، ويحتل البحث عن الكتاب في محرك البحث غوغل المرتبة ( 153 ) من بين اهتمامات أبناء المجتمعات. وهذه المؤشرات تبين طبيعة علاقتنا بالقراءة ، فالعرب بشكل عام لا يقرؤون تقريباً لذلك لا يمكن أن نتوقع إبداعاً أو خروج عن المألوف والسائد والموروث . وهذا ما يحصل بالفعل فالدول العربية مجتمعة تساهم بما نسبته 0،0002 % في الإنتاج العالمي من المعارف الإنسانية بينما إسرائيل مثلاً تساهم بنسبة 1 % من ذلك الإنتاج . والدول العربية مجتمعة تنتج كتاب واحد لكل ( 13 ) ألف مواطن عربي ما يكشف عن فقر مدقع بالإنتاج المعرفي العربي ، وذلك إذا ما قورن بألمانيا مثلاً التي تنتج كتاباً لكل ( 600 ) مواطن.
وإذا أخذنا مؤشر آخر من المؤشرات التي يمكن أن تقاس بها القدرة الإبداعية للشعوب لوصلنا إلى النتيجة ذاتها ، ونقصد بهذا المؤشر الحصول على جائزة نوبل وبراءات الاختراع فعلى الرغم من أن الجائزة تمنح – إذا ما استثنينا جائزة نوبل للسلام - للمبدعين في الاختصاصات الخمسة التالية : الكيمياء الفيزياء الطب الأدب الاقتصاد ، وعلى الرغم من أنها تمنح منذ عام 1901 ومستمرة حتى اليوم أي أنها قد منحت أكثر من ( 500 ) مرة إلا أن العرب لم يحصلوا عليها سوى مرتين فقط ، أولهما جائزة نوبل في الأدب للروائي نجيب محفوظ وثانيهما في الكيمياء للعالم المصري أحمد زويل . أما عن براءات الاختراع ففي عام 2008 كان رصيد الدول العربية مجتمعة ( 173 ) براءة اختراع في حين سجلت تركيا ( 367 ) براءة اختراع في العام ذاته ، وإسرائيل ( 1882 ) ، وكوريا الجنوبية ( 7908 ) ، وألمانيا ( 18428 ) .
وحتى لو لم يكن بين أيدينا أية مستندات أو أرقام وإحصائيات تبين لنا الحالة الإبداعية في العالم العربي فإن الواقع المعاش يغنينا عنها ويمكن الاعتماد عليه في تشخيص ومعرفة أحوالنا الإبداعية والأثر الذي تركه عقلنا الجمعي في مختلف مناحي الحياة . فمن واقعنا المرأي والمسموع والمحسوس يمكننا القول أننا نعاني من فقر مدقع في المجالات الإبداعية كافة ، فبيوتنا ومنازلنا تخلو في غالبيتها من رسول الإبداع وهو الكتاب ، وعدد المكتبات في مدننا ضئيل جداً وإذا وجدت فحصة الأسد فيها للكتب الدينية الماورائية الوعظية التي لا يمكن أن تشكل منطلقاً للإبداع بل على العكس فهي تعزز من سطوة العقل الجمعي على المجتمع ، ونادراً ما ترى في ألاماكن العامة شخصاً يحمل كتاباً أو يقرأ في كتاب . ومجتمعاتنا لا تتمتع بأي تعدد وتنوع في الرؤى والأفكار ، فالرؤى والأفكار والمقولات واحدة ليس فيها أي تغير أو تجديد نجترها ونرددها ليل نهار بلا كللٍ أو ملل ، ولم يحدث أن أنتج العرب - في أي ميدان من الميادين - أي تيار فكري أو مذهب فلسفي أو فلسفة معرفية قائمة بذاتها وتحمل طبيعة إبداعية تجديدية كالوجودية والبنيوية والتفكيكية والشيوعية والرأسمالية والليبرالية . هذا فضلاً عن ضآلة إنتاجنا الأدبي والفني والمسرحي والسينمائي مقارنة بما تنتجه الأمم الحية والشعوب المبدعة .
ويمكن القول أن العقلية العربية لديها موقف شديد السلبية من الإبداع بشكلٍ عام ، ومبجِّلة للعقل الجمعي ، وليس هناك ما هو أكثر دلالة على ذلك من أن هذه العقلية قد اشتقت من اللفظ أو المصدر اللغوي ( بدع أو إبداع ) كلمات ومصطلحات ذات دلالات ومعاني سلبية ومنفرة حاولت من خلالها شيطنة الفعل الإبداعي مثل بدعة وابتداع ومبتدع وفرق مبتدعة ، وعملت على تشويه صورة الشخص المبتدع واتهامه بشتى التهم وتكريه المجتمع به . وهناك الكثير من المواقف والأقوال المنسوبة إلى السلف والمعادية لما يسمى بأهل البدع ، فقد ورد في طبقات الحنابلة أنه لا يجوز محبة أهل البدع ولا حتى السلام عليهم ، ويروى أن الأمام أحمد بن حنبل كان من أكثر الناس عداءً لهم وكان يقول " إذا سلَّم الرجل على المبتدع فهو يحبه "، وقال بعض الفقهاء " اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يداً فيحبه قلبي " و " ليس لصاحب البدعة غيبة " كما قال الحسن البصري ، وقالوا أيضاً " لا تجلس مع صاحب بدعة ، فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة " و " من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه " ، واتفقوا على ضرورة " . . . قهر أهل البدع ، وإذلالهم ، وإخزائهم ، وإبعادهم ، وإقصائهم ، والتباعد منهم ، ومن مصاحبتهم ، ومعاشرتهم ، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم " .
وعلى الرغم من أن هذه الاشتقاقات اللفظية وهذه المقولات تندرج ضمن الإطار أو النطاق الديني إلا أن دلالتها تكمن في أن العقل العربي – وبدون وعي - عندما أراد أن يضع أو يشتق لفظ يعبر به عن الانحراف الفكري في الميدان الديني - كما يراه هذا العقل - لم يجد غير المصطلح ( إبداع ) لكي يشتق منه هذا اللفظ ، مما يدل على الموقع الذي يحتله الإبداع في عقلنا الجمعي . فعقلنا لم يختر مصطلحات أخرى ليعبر به عن هذا الانحراف على الرغم من أنه هناك مصطلحات أخرى هي بالفعل أقرب لمعنى الانحراف من المصطلح ( إبداع ) ومنها على سبيل المثال لا الحصر المصطلح تشويه ليشتق منها ( مشوهة ، مشوهون ، فرق مشوهة شائهة ) ، أو تخريف ليشتق منها ( فرق خرفة ، مخرفة ، مخرفون ) ، أو ضلال ( ضالون ، مضللة ، مضللون ، فرق ضالة مضلة ) . . . الخ ، واللغة كما نعلم ما هي إلا فكر مقروء ، فمفردات الأمم وإشتقاقاتها اللغوية تعبر أصدق تعبير عن عقليتها وطريقة تفكيرها . هذا فضلاً عن أن القضايا والأمور التي تخرج عن النطاق الديني قليلة جداً أو شبه معدومة في المجتمعات العربية ، فالدين موجود في كل المجالات وبصماته موجودة وبقوة في كل الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وبالتالي هناك احتمال كبير أن ينظر إلى أي إبداع في أيٍ من هذه المجالات على أنه بدعة أو ابتداع أي شيء مرفوض ومدان .
وإذا ما عدنا للعصر الجاهلي لوجدنا الأمر ذاته من حيث تبجيل العقل الجمعي والتشبث بالسكونية والنفور من التجديد وكراهية الخروج عن المألوف والسائد ، فلم يردنا شعر أو نثر من ذلك العصر يدل على وجود أي ميل للإبداع والتجديد أو التغريد خارج السرب ، بل إن الكثير من الباحثين والمختصين بالشعر الجاهلي أشاروا إلى ميزة تفرد بها هذا الشعر وهي الغياب شبه التام لشخصية الشاعر واستبدالها بالحضور الطاغي للكيان القبلي ، أي استبدال ألـ ( أنا ) بألـ ( نحن ) ( ) ، وفي هذا الصدد يقول احمد أمين في كتابه فجر الإسلام " . . . وتشعر حين تقرأ الشعر الجاهلي أن شخصية الشاعر اندمجت في قبيلته حتى كأنه لم يشعر لنفسه بوجود خاص ، وإنك لتتبين هذا بجلاء في معلقة عمرو ابن كلثوم ، وقل أن تعثر على شعر ظهرت فيه شخصية الشاعر ، ووصف ما يشعر به وجدانه ، وأظهر فيه أنه يحس لنفسه بوجود مستقل عن قبيلته . . . " ( ) . والشواهد والأمثلة الشعرية على انصهار ألـ ( أنا ) بألـ ( نحن ) أكثر من أن تعد ، فغالبية الشعر الجاهلي يؤكد هذا الانصهار والشاعر والفارس الجاهلي دريد ابن الصمة يعلنه بكل وضوح حين يقول :
أمــــرتـــهــــم أمــــري بـــمـــنعــرج اللــــــوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ
فلمَّا عصوني كنت منهم وقد أرى غـــــوايــــــتــهــــم وإنـــــنـــي غــــيـــر مـــهــتـدي
وهل أنا إلا من غزية إن غـــــوت غــــــــويـــت وإن تـــرشــــد غــــزيــــــة أرشـــــــدِ
ويمكننا أن نلاحظ أن الشاعر في البيت الأخير لا يعبر عن موقف فردي أو رأي شخصي بقدر ما يقرر حقيقة عامة ومتعارف عليها ومقبولة من المجتمع برمته . كذلك يتجلى الانصهار والاندماج في الكيان القبلي بأوضح صوره في معلقة عمرو بن كلثوم بحيث أن قبيلة تغلب حفظتها وظلت ترددها وتتغنى بها ، وكان كل فرد من أبناء تلك القبيلة يشعر بأن القصيدة تعبر عنه ، حتى قال فيهم الشاعر :
شغلت بني بكر عن جلِّ أمرهم قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
وعلى الرغم من أن الشعر يعد الميدان الأهم – إن لم يكن الوحيد – الذي أظهر فيه عرب الجاهلية إبداعاً ، إلا أنهم نظروا إلى هذا الإبداع نظرة فيها شك وريبة من حيث منشأه وجذوره واعتبروا أن القدرة على قول الشعر ما هي إلا منحة من الجن الذي يسكن وادي عبقر فكانوا يعتقدون أن من أمسى ليلةً في هذا الوادي جائه شاعر من الجن يلقنه الشعر ، وإن كل شاعر من شعراء الجاهلية كان له قرين من هذا الوادي يلقنه الشعر وقد عرفوا – كما يزعمون – أسماء هؤلاء القرناء ومنهم لافظ بن لاحظ وهو الجن الذي يصاحب إمرؤ القيس ، وهبيد الذي يصاحب عبيد بن الأبرص ، وهاذر صاحب النابغة الذبياني ، ومسحل السكران بن جندل صاحب الأعشى. إذاً فحتى المنتج الإبداعي الوحيد تقريباً الذي أنتجه العرب في العصر الجاهلي لم يستسغ العقل الجمعي العربي أن يكون ابناً للواقع ، وذهب باتجاه تفسيرات ما ورائية وخرافية ليبرأنا من شبهة الإبداع وليبرر وجود هذا الشيء الغريب – الإبداع - بيننا . وهو ما يؤكد السيطرة المطلقة للعقل الجمعي ، هذه السيطرة التي أورثتنا العداء للإبداع ولكل ما أو من يخرج عن المألوف .
ومما له دلالة أيضاً في هذا الموضوع اشتقاقنا لكلمة عبقري من الوادي ذاته أي وادي عبقر ، فالعبقرية أو التفكير العبقري ووفقاً لما يراه عقلنا الجمعي لا يمارسه إلا من مسه الجن . وإذا ما علمنا أن كلمة مجنون مشتقة هي الأخرى من الجن ، وإن الجنون أو السلوك الجنوني هو الآخر لا يمارسه إلا من مسه الجن لوصلنا إلى نتيجة مفادها إننا نعتبر العبقرية والجنون شيء واحد بدليل أن الأصلين اللغويين للكلمتين يعطيان المعنى ذاته وهو الشخص الذي مسه الجن . وهكذا لا تجد شيء في المجتمعات العربية استطاع أن ينجو من سطوة وجبروت العقل الجمعي ، ولا عجب في ذلك ولا استغراب فالمجتمعات التي واجهت تحدي صحراوي طوال تاريخها لا يمكن لها إلا أن تتبنى العقل الجمعي منهجاً وسلوكاً وليس لها أي خيار في ذلك ، لأنه سمة مربحة في البيئة الصحراوية .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التاريخ العربي والديكتاتورية 2
- التاريخ العربي والديكتاتورية
- الفعل الصحراوي 2
- الفعل الصحراوي 1
- خامساً: الصحراء والعقلية البدائية
- رابعاً: الصحراء وفلسفة القوة
- ثالثا: الصحراء والمنهج الوعظي الخطابي
- ثانياً: الصحراء والديكتاتورية
- الصحراء والسمات البدائية، أولاً: الصحراء والعقل الجمعي
- الحضارة الاوربية الحديثة
- الظروف الجغرافية لليونان
- ايقونات التمدن 3
- ايقونات التمدن 2
- ايقونات التمدن 1
- الجغرافيا الأوربية والدولة الحديثة
- خامساً: الديمقراطية
- رابعاً: النضوج العقلي
- ثالثاً: المنهج التجريبي التحليلي
- ثانياً: الحرية
- سمات الدولة الحديثة/ أولا: الفردية


المزيد.....




- لن تخمن ما بداخل هذا الكهف في تركيا.. كنيسة عمرها 1000 عام
- حلم لم يتحقق..ماذا حل بمشروع -أكبر مطار في العالم-؟
- الولايات المتحدة تقول إنها تعتزم المضي بصفقة بيع مقاتلات اف- ...
- شاهد: دعوى على نحّات في فرنسا لاستلهامه شخصية -تان تان- في ت ...
- محمد بن راشد: الإمبراطورية العقارية لحاكم دبي في بريطانيا - ...
- شاهد: دعوى على نحّات في فرنسا لاستلهامه شخصية -تان تان- في ت ...
- الولايات المتحدة تقول إنها تعتزم المضي بصفقة بيع مقاتلات اف- ...
- -أنصار الله-: هاجمنا أرامكو ومنصات الباتريوت وأهدافا حساسة ف ...
- صاروخ سلمي روسي يحبط خطة واشنطن لشن هجوم نووي
- مرض الكبد الدهني غير الكحولي: ثلاثة أعراض تشير إلى تلف الكبد ...


المزيد.....

- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - فارس تركي محمود - التاريخ العربي والمنهج الوعظي