أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبير سويكت - الرحيل المؤلم















المزيد.....

الرحيل المؤلم


عبير سويكت

الحوار المتمدن-العدد: 6799 - 2021 / 1 / 26 - 02:41
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عبير المجمر (سويكت)

وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الحنظ والكفن، خذ القناعة من دنياك وارضَ بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن.

صدمات الحياة مؤلمة للغاية لكن أشدها فراق العزيز، و مع ان المؤمن يؤمن بالقضاء و القدر و أن كل من عليها فان، و يقال أحبب من تحب فإنك لآبد مفارقه، مع ان لدى إيمان مطلق أن الدنيا دار ابتلاء، و خلق الإنسان فى كبد ليكابد مشاق الحياة إلا أن للموت فجعه لا تحتملها النفس.
كليم ألله موسى عليه السلام عندما طلب رؤية الله حبا و شوقا قال : (ربى أرني أنظر إليك) قال:( لن تراني لكن انظر إلى الجبل فأن استقرمكانه فسوف تراني) اى عندما يكشف الله عن نوره اذا احتمل ذلك الجبل القوى رؤية نور الله و استقر فى مكانه عندها يمكن أن تصمد روح موسى البشرية، هذا علما ان روح الإنسان لن تتحمل رؤية هيبة الله بقدره و جلاله، لذلك عندما تلاشى الجبل و اندثر من عظمته سقط موسى مغشيا عليه فلما افاق علم الله0

سيدنا إبراهيم عليه السلام عرف الله بالعقل، و نحن المسلمون بالفطرة خلقنا على الإسلام ورثناه عن اباءنا و أجدادنا و جدناهم علىالإسلام و نحن على دربهم سرنا ، لكن ما بين كل عبد و ربه آيه و رسالة يكشف الله لنا فيها عن نفسه و عن عظمته، و فى كل يوم يمر علينا يحمل فى طياته آيه و رساله، و احداث الحياة التى نعيشها تحمل فى طياتها رسائل ربانيه و حكمة، و كل عبد سره بينه و ربه (إن فى ذلك لآية و ما كان أكثرهم مؤمنين)، (و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها)، (و أن يروا كل آية لا يؤمنوا بها)، (و فى خلقكم و ما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون)، (و إختلاف الليل و النهار و ما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها و تصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) 0

لم يرنى الله نفخ الروح (فإذا سويته و نفخت فيه من روحى) و لكنه أراني آية أخرى من آياته و هى خروج الروح و الموت، عندما ذهبت للسودان هذه المرة كانت وفاة الإمام الصادق المهدي و هو على الصعيد الاجتماعى و الانساني شخص ترك فى نفسى أثر و خلد ذكرى طيبة كان بمثابة الوالد و المعلم و الصديق.
و قد سبقت وفاته وفاة الأم المربية حبوبه أمنا التى لعبت دور كبير فى تشكيل شخصيتى و وضعت بصمات قوية، و حبها لزوجها جدي سويكت الذى رفضت الزواج بعده و هى فى سن صغير 17 سنة و هو مات فى سن الثلاثين و يقال 29سنة و قبل موته سالها :إذا مت هل تتزوجني بعدى؟فكان جوابها لا وفعلًا وفت بالعهد ، و حكاويها عنه خلدت شخصيته هو الآخر في نفسى، فتأثرت و تشبعت بثقافتها و تراثها و تمسكها بمورثها الثقافي و عاداتها وتقاليدها و أصالتها الراسخة ،حبوبه تحمل أصالة السودان فى نفسها و لأن الحديث عنها يطول لذلك لنا فى ذلك مقال اخر0

كنت حضورا عندما سلمت حبوبه الروح لبارئها و شهدت سكرات الموت، بل و قمت مع صديقتها العزيزة بغسلها و تكفينها، و لان الصداقة لاتعرف لون و لا قبيلة فحبوبه من أقصى الشمال نهر النيل او كما يحلو لها أن تسميهم دار جعل لكن وصيتها قبل سنين و هى فى أشد صحتها أن لا يغسلها و يبردها الا صديقتها التى تنحدر من أقصى غرب السودان فرب اخ لك لم تلده امك و لان حبوبة و رفيقاتها هن جيل العصر الذهبي حيث الوحدة و المؤاخاة و التسامح و التعايش.
أنذاك طلبت من رفيقتها أن أدخل معهم فى غرفة الجنازة، و كانوا نساء كبار فى السن، و كنت أنا الفتاة الشابة الوحيدة، فطلبت منها ان تتركني اساعدها فى الغسل و التبريد و التكفين، و عندها قالت لها احداهن : لا ياخ دى لسه بنت صغيرة و شابه و تحيض و يقال ان تكفين الجنازة بالنسبة لحالتها غير محبذ، لكن أنا اصريت على رأيى، و لان المرأة التي كلفت بالأمر كانت عملية رفع و تقليب الجنازة صعب عليها لوحدها و ايضاً لما رأته منى من أصرار تشاركنا انا و هى فى غسل حبوبه و تكفينها، و كانت المرأة تريني كل صغيرة وكبيرة و تشرح لى كل خطوة نقوم بها، و تتحدث معى و تسألني عن أسمى و تشرح لى أهمية كل خطوة أقوم بها، و هى مرأة متدينة صاحبة تقوى، ثم كانت تنظر لى و قالت : عشان المرة القادمة تعرفي تغسلى و تكفني الجناز دون اى مساعدة و تعرفي تفاصيلها الدينية الشرعية ، و عندها إحدى خالتى كانت معنا غضبت لحديثها و قالت لها :لأى !!!نحنا خاتينها لغسل الجنائز؟ أن شاء الله يوم فرحها و عديلها، فنظرت لي المرأة و انا اسألها أسئلة كثيرة و قالت لي بلهجه دارجية فيما معناه انت فى نفسك حب الدين فهمتني؟ رديت عليها :نعم .
تجربة غسل الجنازة و تكفينها و لمس الجسد بعد أن فارقته الروح، و وجه الميت، وكل تفاصيل الموت يترك الإنسان يتفكر و يترك فى النفس أثرعظيم.
شعرت بنفس الإحساس عند زياراتى المتكررة للحبيب الإمام الصادق المهدي فى قبره فى القبه، و كنت عندما ازوره أجلس و اقرأ له القرآن وأدعو له و أنذاك لم يكونوا قد سوروا القبر بعد فكنت اتحسس التراب بيدى، و الصق اذني مع تراب القبر لعلى أسمعه أو يسمعنى، و كنت احيانا فى زياراتى المتكررة اصادف بعض الأنصار فنجلس جميعا هم يقرأون له الراتب و انا استمع، و بعدها أطلب منهم أن اقرا القرآن والدعاء له و هم يرددون معى، و لم أجدهم متعصبين و لا متشددين في فسح المجال للمرأة لاني كنت أدعو له و هم يدعون ورائي، و نتبادل الفرص وبعدها نطلع نصلى و كانوا يملون لى الابريق و يعطوني إياه و يجهزون لى جانب للصلاة ثم يرافقوني إلى الملازمين حيث كنت اذهب للبحث عن رباح احيانا كما أوصانى الإمام ، و لكن ما أثر فى نفسي أكثر أنه عندما كنا نخرج من القبة و نقفل الأبواب على الإمام رحمة الله عليه، كنت أحزن لذلك وأقول فى نفسي تركناه فى ظلمة لوحده لا أنيس و لا رفيق، و هنا تذكرت انشودة إسلامية كنت استمع له دائماً و هى تقول :
ليس الغريب قريب الشام و اليمنى، أن الغريب غريب اللحد و الكفن، ان الغريب له حق لغربته على المقيمين فى الأوطان و السكن، سفري بعيداً و زادي لن يبلغني، و قوتي ضعفت و الموت يطلبني، لى بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها فى السر و العلن، ما أحلم الله عنى حيث أمهلني و قد تماديت فى ذنبي و يسترني، ، دعني أسح دموعا لا إنقطاع لها فهل عسى عبرة منها تخلصني، كأنني بين تلك الأهل منطرحا على الفراش و أيديهم تقلبني، و قد تجمع حولى من ينوح و من يبكى على ينعاني و يندبني ،و قد أتوا بطبيب يعالجني و لم أر الطب هذا اليوم ينفعني، و اشتد نزعي و صار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق و لا هون، و استخرج الروح منى في تغرغرها، و صار ريقي مريرا حين غرغرني، و غمضوني و راح الكل و انصرفوا بعد الإياس و جدوا فى شرا الكفن، و قام من كان أحب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني، يا قوم نبغي غاسلا حذِقا حرا أديبا عارفا فطن، فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني، و أودعوني على الألواح منطرحا وصار فوقي خرير الماء ينظفني، وأسكب الماء من فوقي وغسلني، .غسلا ثلاثا ونادى القوم بالكفنِ وألبسوني ثيابا لا كمام لها، وصار زادي حنوطي حين حنطني، وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا على رحيلي بلا زاد يُبلغني، وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني، وقدموني إلى المحراب وانصرفوا، خلف الإمام فصلى ثم ودعني، صلوا على صلاةً لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني، وكشف الثوب عن وجهي لينظرني وأسبل الدمع من عينيه أغرقني، فقام مُحترما بالعزم مُشتملا وصفف اللبن من فوقي وفارقني،وقال هُلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن، في ظلمة القبر لا أم هناك ولا أب شفيق ولا أخ يُؤنسني، وهالني صورة فيالعين إذ نظرت من هول مطلع ما قد كان أدهشني، من منكر ونكير ما أقول لهم قد هالني أمرهم جدا فأفزعني، وأقعدوني وجدوا في سؤالهم ما لي سواك إلهي من يُخلصني، فامنن علي بعفوٍ منك يا أملي فإنني موثق بالذنب مرتهن، تقامم الأهل مالي بعدما انصرفوا وصار وزري على ظهري فأثقلنى، فلا تغرنك الدنيا وزينتها، وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن، وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الحنظ والكفن، خذ القناعة من دنياك وارضَ بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن، يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي فعلا جميلا لعل الله يرحمني 0
و اليوم فجعنا فى فراق العزيزة الأليفة الودودة العطوفة الحنونة نالا Nala قطتنا التى فارقت الحياة اليوم بعد صراع مع مرض السرطان اللعين، نالا مواليد 2008 من سلالة ال Birmanie أسلمت اليوم الروح لبارئها فى صباح الإثنين و تم الدفن بباريس، فجعنا فيك يا نالا فلانثر يكفى و لا شعر الدواوين ، و لو كتبنا بدمع العين لما وصفت محابر الدمع حزنًا بات ساكنًا فينا منذ ان فارقتى الديار ، و لكن رضينا بأقدارا لنا كتبت فنرجو جبرا منا الله يقوينا، و نواصل الحديث عن نالا و صراعها مع مرض السرطان و مسيرتها و طيبة معشرها و رفقتها لنا ، و لكن ألم الفراق و الفجع لا يمكنني من الكتابة و لا نقول إلا ما يرضي الله أنا لله وأنا اليه راجعون 0






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكرى رحيل الحوت القامة فنان الصمود سلاما عليك يوم ولدت و يوم ...
- الإمارات و الاتفاقية الإبراهيمية هل هو -عدوان ثلاثى -تطبيع ب ...
- ما اشبه اليوم بالأمس د.القراى و لوحة مايكل أنجلو و طه حسين و ...
- التشكيلة الحكومية نتمناها على نهج اجعلنى على خزائن الأرض إنى ...
- التشكيلة الحكومية نتمناها على نهج اجعلنى على خزائن الأرض إنى ...
- قراءة ما وراء السطور حول الإتفاقية الإبراهيمية بين ظفرين الإ ...
- قراءة ما وراء السطور حول الإتفاقية الإبراهيمية فى السودان ال ...
- قوى الظلام و ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد
- ما وراء قرار حمدوك تجميد المناهج(يا بنى إذا بُليت بهذا الداء ...
- قراءة إقتصادية فى موازنة 2021
- معركة المناهج فى السودان خفايا و خبايا، ما بين أئمة السلطان ...
- معركة دكتور عمر القراى مع علماء السلطان المتوجهين من دعارة د ...
- عيسى عليه السلام إبن البكر البتول موضعه و موقعه فى الإسلام .
- أساطير حول حقيقة بابا نويل(سانتا كلوز) هل هو عيد البهجة و ال ...
- أساطير حول حقيقة بابا نويل(سانتا كلوز)،القديس نيكولاس ينتصر ...
- أساطير حول حقيقة بابا نويل(سانتا كلوز)، هل هو الرجل الحكيم أ ...
- المجلس التشريعى القومى القلعة المصفحة ضد الانقلاب على المدني ...
- شهادة للتاريخ حتى لا ننسى موقف الحزب الشيوعى من الوثيقة الدس ...
- اليوم العالمي لذوى الإعاقة فى السودان و ذكرى نفحات برنامج ال ...
- الإيدز فى السودان ما له و ما عليه -سلامة الفرد من سلامة المج ...


المزيد.....




- الرئيس التنفيذي لـAirbnb: نخطط لتوفير سكن مجاني لـ20 ألف أفغ ...
- صاحب المدة الأطول كوزير للدفاع ورجل بصفات -بطل-.. من هو محمد ...
- صاحب المدة الأطول كوزير للدفاع ورجل بصفات -بطل-.. من هو محمد ...
- السودان.. الجيش والحكومة يعلنان إحباط محاولة انقلاب والقبض ع ...
- بالفيديو.. لحظة انتشار الدبابات في العاصمة السودانية على خلف ...
- مساحة الشعاب المرجانية تنكمش بنسبة 50% منذ خمسينيات القرن ال ...
- وفاة وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي عن عم ...
- محمد حسين طنطاوي: وزير الدفاع المصري السابق -المقاوم للتغيير ...
- محاولة -انقلاب فاشلة- في السودان
- وفاة وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي عن عم ...


المزيد.....

- تأملات فلسفية وسينمائية / السعيد عبدالغني
- حوار مع جان بول سارتر حياة من أجل الفلسفة / الحسن علاج
- عن المادية و الخيال و أشياء أخرى / احمد النغربي
- الفاعل الفلسفي في إبداع لويس عوض المسرحي / أبو الحسن سلام
- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبير سويكت - الرحيل المؤلم