أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير خالد يحيي - بارادوكس الخيال العلمي والتخاريف في رواية ( الفابريكا) للأديب المصري أحمد الملواني بقلم الناقدة الذرائعية السورية د.عبير خالد يحيي















المزيد.....



بارادوكس الخيال العلمي والتخاريف في رواية ( الفابريكا) للأديب المصري أحمد الملواني بقلم الناقدة الذرائعية السورية د.عبير خالد يحيي


عبير خالد يحيي

الحوار المتمدن-العدد: 6674 - 2020 / 9 / 12 - 21:08
المحور: الادب والفن
    


بارادوكس الخيال العلمي والتخاريف في العمل الروائي المعنون ب ( الفابريكا ) للروائي المصري أحمد الملواني

مقدمة:
في معرض اهتمامي بالأعمال الأدبية السردية التي نالت جوائز أدبية على مستوى محلي في جمهورية مصر العربية, وعلى مستوى الوطن العربي, وحتى الجوائز العالمية, لفتني هذا العمل الروائي (الفابريكة) للأديب المصري الشاب أحمد الملواني الصادرعن الدار المصرية اللبنانية, والحائز على جائزة سويرس للعام 2018 فرع شباب الأدباء.
إن الخيال العلمي: هوعالم يخلقه الكاتب, من نسج عقله وخياله بالكامل, لكن التفاصيل التي يستخدمها فيه خاضعة لقوانين ذات أساس علمي رصين, فهنا الخيال مقيّد بقوانين ونظريات العلم الحديث, وهو مجبر على التفسير والإسناد وبدقة إلى حقيقة علمية, فيزيائية أم كيميائية أو حيوية.
أما علم الميثولوجيا Mythology: فهو علم الأساطير, ويشير إلى مجموعة من الفلكلور أو الأساطير الخاصة بالثقافات التي يعتقد أنها صحيحة وخارقة, وتستخدم لتفسير الأحداث الطبيعية والإنسانية, والميثولوجيا تشير أيضًا إلى فرع من العلوم التي تتناول جمع ودراسة وتفسير الأساطير.
والأسطورة Mythe: هي عبارة عن حكاية ذات أحداث عجيبة خارقة أو عن وقائع تاريخية قامت الذاكرة الجماعية بتغييرها وتحويلها وتزييينها, بهدف تفسير الظواهر الكونية أو الاجتماعية, وتهدف قبل كل شيء إلى تأسيس ممارسة اجتماعية وفقًا للقيم الأساسية للمجتمع في محاولة لإرساء تماسكه, وهي عمل تاريخي مسجّل عالميّا, فالأسطورة ثابتة ومسجلة في علم الأساطير, مثالها: الأساطير اليونانية, والأساطيرالأغريقية, ملحمة جلجامش السومرية....
الخرافة Fabula: وهي كل ما يستملح ويتعجب منه, وراوي الخرافة والمستمع إليها كلاهما يعرفان منذ البداية أنها تقص أحداثًا لا تلزم أحدًا بتصديقها أو الإيمان برسالتها, وهي تختلف عن الأساطير في أن الخرافة يتناقلها الناس بلهجتهم الدارجة, في الوقت الذي احتفظت فيه الأساطير بلغة فصيحة, كما تختلف الأسطورة عن الخرافة أن فيها بعض الحقائق التاريخية كقصة طروادة مثلًا, بينما الخرافة تخلو من أي حقيقة تاريخية, الأسطورة ظهرت قبل الأديان بينما الخرافة ظهرت بعد الوثنية, والخرافة تختص بأمّة معينة, وهي غير مسجلة بعلم الأساطير.
أما التخاريف: فهي خرافات محلية على نطاق ضيق جدًّا لم يسجلها علم الميثولوجيا بالطبع, ليس لها معرفة عالمية, ولا تستند على حقيقة, فقط محلية عند الناس البسطاء في القرى, والذين يصدّقونها بالمجمل, وهي تختلف من قرية لأخرى, وهي منتشرة في المحليات الأفريقية والهندية أو العربية.
ولا يخلو تاريخ أمة من أسطورة أو خرافة أو تخاريف.
الثيمة:
والثيمة الغالبة هذا العمل هي خيال علمي بمسحة ميثولوجية وعجائبية طفيفة, وليست ميثولوجيا لأن ما فيه هو تخاريف محلية, غير معروفة عالميًا وغير مسنودة بعلم الميثولوجية.
التبئير الفكري :
انطلق الكاتب في ثيمته من توظيف الخيال العلمي غير المسنود بحقائق علمية - وإنما بافتراضات علمية قد تتحقق مستقبلًا فتتحوّل إلى حقيقة علمية- مضفيًا عليه مسحة ميثولوجية من تخاريف لا ترقى إلى عالمية الميثولوجيا, ليكون أيديولوجية وبؤرة لعمله السردي هذا, وقد اختار زمكانية العمل بذكاء ودراية, فالمكان بين فرنسا بلد في قمة التقدّم الحضاري والمعاصرة, ومنشأ جميع المدارس الفكرية والثقافية, المعرفة فيه تبدأ بالخيال العلمي الذي يدفعه نحو الفضاء الخارجي وغزو الأكوان, وبين مصر البلد العربي بلد أمّة عمقها التاريخي سبعة آلاف عام, فحتمًا لا تخلو أمة بهذا التاريخ العميق من أساطير آمن فيها الكثيرون في حينها, والكل يعرف الفراعنة وتاريخهم العريق وما جاء على ألسنة المؤرخين عن مجدهم العظيم, بلد عربي عندما يفكّر بالمعرفة يعود إلى الخلف, إلى مجده الغابر, ثروته الحضارية, خياله مقيّد بأساطيره وتخاريفه, يحاول الكاتب أن يعطي المكان بعدًا متوازيًا, كمقاربة بين العمق الفرنسي الأوروبي المترع بالأفكار والعلم, والعمق المصري المترع بالتاريخ, وهذا ما سيكون محورًا لدراستي بعد الغوص في دقائق الدلالات التي بنى عليها الكاتب عمله الأدبي السردي هذا, وستكون الذرائع حكَمًا وبراهين لعرض ما أبدع.
أولًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level::

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.
1- المدخل البصريExternal Trend :
الغلاف : العتبة العينية الأولى التي تقع عليها العين فتكون أول صورة منقولة للمخ الذي يقوم بتحليلها وإدراكها, ومن الخطأ الجسيم أن تكون بعيدة عن مضمون العمل, حتى ولو كان لأسباب تسويقية, فإن ذلك يخرج العمل عن نطاق المصداقية, والغلاف الأمامي صورة لجدار قديم تظهر أحجار الطوب فيه باللون البني, وقدعلا الجدار مقياس لجهازضغط قديم باللون الأصفر, المؤشر فيه على درجة الصفر وعند تلك الدرجة كتبت مفردة ( الفابريكة). تحتها وضمن شكل هندسي اسم الكاتب ( أحمد الملواني) وعنوان العمل بالبنط الكبير ( الفابريكة) وتجنيس العمل ( رواية), في الأسفل اسم دار النشر.
الغلاف الخلفي, باللون البني الغامق, فقرة سردية من العمل, تحتها ملخص قصير جدا عن العمل, وتحته سيرة ذاتية للكاتب. الغلاف كما أراه وكما هو بوابة أولى مناسبة جدًّا لمضمون العمل.
العتبة الثانية العنوان: الفابريكة = المصنع
وهو المكان الرئيسي والهدف التي تجري فيها الكثير من أحداث الرواية , فالعنوان اسم مكان.
2- المدخل اللساني للنصLinguistic Trend :
ما بين دفتي الغلاف العمل الأصلي الذي يقع في 415 صفحة من القطع المعروف للرواية, بدأه باستهلال معنون ب ( يسبق كلامنا) أدرسه بالتفصيل عند الحديث عن السرد, ثم ابتدأ الرواية بالعنوان من جديد( الفابريكة), ثم الفصل الأول وهو الفصل الوحيد المعنون (كان يا مكان) فيما خلا منتصف الرواية (ياسادة يا كرام) و(يحلو الكلام..) وفصل النهاية ( فرغت الحدوتة) ليوحي لنا أنه يحكي حكاية تستغرقه حتى عن الاستراحة, وهي عناوين عامة غير معنية بتلخيص مضمون الفصل, فلا يمكن اعتبارها فصول معنونة, ولا حتى فصول مرقمة, بل هناك فقط فواصل على شكل ثلاث نجمات, وهذا غير مستحب, لأن للنص الأصلي أصول في الشكل, كأن يقسم إلى فقرات وكل فقرة تختص بموضوع معين يتصل بالفقرات الأخرى, ثم يخضع لنظام الجملة في الشكل مورفولوجيًّا ( علم الكلمة) وسياقيًّا (علم الجملة) وتركيبيًّا( علم النحو), حتى يخضع للنظام العيني للغة التي ينتمي لها النص, وكل لغة من لغات العالم لها نظام بصري, وعندما ينتهي النص من يد النصّاص( الكاتب) يخضع لحالة النص الموازي حينما يتطور باتجاه الكتاب المطبوع, والنص الموازي أيضًا له أصول وعتبات يمر بها, كعتبة العنوان وعتبة الغلاف وعتبة الفصول أو الأبواب, لهذا السبب يسمى الكتاب المطبوع بالنص الموازي.
فإذا أخذنا البنية اللغوية من المفردات والجمل والتراكيب في النص, نجد أن الكاتب قد اختار مفردات سهلة, بسيطة ومعروفة, لكنه عندما نظّمها في الجمل, قلب التراكيب رأسًا على عقب, وكأنه يترجم ترجمة حرفية عن اللغة الانكليزية, فكان الفاعل يتقدّم الفعل ( منصور عبر بوابة الدار المفتوحة), والحال يتقدم الفعل (متطوعًا أشار إلى شارع واسع قريب) خبر كان يسبق الفعل الناقص( راضيًا كان عن حسن تدبيره), نائب الفاعل سبق الفعل (بابُ القاعة فُتح).... وهكذا على طول مسار الرواية, وهذا ما أفقد التراكيب وقعها السحري, وهو التركيب الاحتمالي الوحيد الذي يأخذه العقل البشري بشكل منطقي بعد تشفير الكلمات حسب نظرية المعرفة, فلكل لغة تراكيبها الخاصة التي إن فقدت ترتيبها السحري الخاص بها فقدت بنيتها.
وإذا أخذنا البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان, لوجدنا بعض الصور الجمالية القائمة على الاستعارات بشكل أساسي, نستشهد ببعضها:
- في قريتنا, يطعم العمدة الناس الحكايات.
- ومنصور كان بذرة لحكاية طازجة.
- حكاية بكر, عطشى للكثير من الأنباء والأخبار والأكاذيب لاقتحام بكارتها.
- العمدة حارس للحكاية .. وأنا قلب الحكاية, وأحرفها الأولى
- عليه أن يخرس الشوق الذي يناديه بالبقاء في حجرته متسولا عطف وردة بزيارة جديدة
- كأنما تقرحاتروحه طفت في لحظة صراحة على السطح, لترسم على جسده تصدعات لوحة مهترئة.

وهناك التشابيه:
- والعمدة- كجراح ماهر- قادر على إضافة طبقات من البكارة الواحدة تلو الأخرى
- تركيزه كان منصبًّا على النار المشتعلة أمام الباب والكشك الخشبي المجاور له, كشقيق توأم لكشك شحتة في بيت العمدة.
- منصور عليه الآن أن يتسلل إلى الحارة الضيقة الغارقة في الظلام, كشق طولي يقطع تلاحم صف
البيوت.
وأما عن الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب:
ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي, فقد أبدى الكاتب مقدرة كبيرة في ذلك, تحدّث عن الأساطير وقدّم ثقافته عنها على لسان الشخصيات, مؤكدًّا أنها قوت الشعوب المغلوبة, والعصا التي يتكئ عليها أهل السلطة لبسط سطوتهم على الرعية:
- "لا أسطورة بدون أصل."
- "المهم أنهم حولوه مثل كل حادث إلى أسطورة تخدم سلطتهم."
- "أنا أيضًا مثل العمدة .. لن أدعي العكس.. أنا أيضًا أحتاج أحيانًا للأسطورة .. الأسطورة هي ما تبقي الأولاد على الأمل"
- " الأسطورة مجرد نظرة مختلفة لوقائع حقيقية.. مريم ذات المئة ثدي ربما كانت أسطورة .. لكنها بالتأكيد ظل لواقع."
- العمدة لن يسمح بأي تدخل حكومي في القرية, يكشف أسرارنا ويخرج أساطيرنا إلى ما وراء حدودنا, هذا ما فعله العمدة طوال حياته.. وما فعله أبوه من قبله.
- الحكاية تحضر حين تحتاجها
- المهم أن تعيش الحكاية
- الحكايات وليدة الاحتياج .. والناس في بلدنا في حاجة دائمة للحكايات .. السلطة في حاجة للحكايات
وتحدّث عن الخيال العلمي, و الرغبة العارمة التي تجتاح الإنسان للاكتشاف والابتكار في خطوة أولى تبدأ في الخيال, مستخدمًا العلم التجريبي لتحويل ذاك الخيال إلى حقيقة, يضعنا الكاتب في خضم التفكير في آلية عمل تلك الماكينة التي من المفترض أن تقوم بتحويل الأشياء من كينونة إلى كينونة أخرى, عبر التساؤلات العلمية والتحليلية المنطقية, يقول :
_ " إذا فرضنا صحة التدوينة, وإذا فرضنا بالفعل أن الماكينة تقوم بعملية التحويل العجيبة تلك, فعلى أي أساس علمي كانت تقوم بهذا؟ المثبت في تخطيطاتها أنها كانت تعمل على خلق دفقات كهربائية متتالية من طاقة البرق, يتم تسليطها لاسلكيًّا على الغرض العابر فوق سِير الماكينة المتحرك, ما الغرض من تلك الطاقة؟ وكيف يمكن أن تحدث أي تغير في طبيعة الأشياء؟ التغير الوحيد الذي يمكن أن يحدث لكائن حي نضربه بطاقة كتلك, هو أن يحترق!".
_" التصميمات التي أرسلتها تبدو لماكينة تستخدم تكنولوجيا قديمة, ولا أعرف أصلًا إن كانت ممكنة أم محض خيال علمي, لاحتواء طاقة البرق, وتحويلها إلى دفقات صغيرة متتالية من الموجات الكهربائية, تنطلق في الهواء عبر ملفات تيسلا كبرق مصغّر, لتضرب شيئًا ما.. ولا يبدو أن هناك دافعًا واضحًا لاستخدام تلك الموجات من الكهرباء اللاسلكية , إلا إذا كنت تنوي أن تبعث أحدهم من الموت يا دكتور فرانكشتاين.

استعرض الكاتب ثقافته الفنية الفرنسية:
_ "جدران حياتي ملساء ..
أتشبث بها..
فأنزلق ببطء تجاه مصيري..
الموت حبًّا !"
- مقطع من أغنية لشارل أزنافور .. شيء عن قدرية الحب.. ربما هو كالموت.. لا حل له سوى الاستسلام له.
استخدم ألفاظ فرنسية كثيرة.
ثانيًا- المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level
ندرس في هذا المستوى:
 البناء الفني وعناصره:

1- العنوان :
هو عمل روائي مواز لمتن الرواية المكتوبة, وهم أول وأكبر علامة في متن الخطاب, فهو المفتاح في التعامل مع النص ببعديه الدلالي والرمزي. وهو أول شرك ينصبه الكاتب لاقتناص المتلقي. فالفابريكة: تسمية شعبية متداولة لكلمة مصنع أو آلة استخدمها الكاتب للجذب والتشويق, وهو المكان الذي دارت بسببه أحداث الرواية, وأحيط بقدسية مفتعلة لمنع الدخول إليه, فلا يسمح بدخوله إلا (للأولاد المقدسين) الذين يعيشون فيه بالواقع, وبداخله الآلة التي دارت حولها الكثير من الأساطير, وعلى محاولة تشغيلها دار صراع درامي في الرواية.

2- المقدمة :
قدّم الكاتب لعمله بمقدمة تحمل نبرة خطابية مرتفعة ونزقة على لسان سارد يقدّم نفسه على أنه سارد عليم ومسيطر بقوة, مبتدئًا بسؤال مبهم مشوّق :" من أنا؟!" ليأتي الجواب استنكاريًّا وأكثر إثارة للدهشة:

- "من أنا؟! سؤال ليس في محله, ولماذا يجب أن يكون الاهتمام بالقائل عوضًا عما يقول؟! أنا الشخص الذي يحدّثكم الآن, وفي هذا كفاية. أنا من يحمل مفتاح الحكاية, أنا القادر على فض غشاء الأسرار, فأنصتوا إلي, أو لا تفعلوا. افتحوا عقولكم, أزيلوا عنها الصدأ, تحرّروا مما يثقل أجسادكم نحو الأرض وحلّقوا معي".
هنا نلمس محاولة سيطرة السارد على المتلقي بقوة الحجة, كما نلمس إلقاء الكاتب عبء السرد على ضمير متكلم في البداية ليتوارى خلفه لاحقًا عندما يتكلم بضمير الغائب, فالمؤلف رغم أنه من الكتّاب الشباب إلا أنه لم يكتب رواية معاصرة يستخدم فيها التقنيات السردية المعاصرة كتيار الوعي والمونولوج الداخلي وتقنية flash back, وأعطى القيمة للحدث والشخصيات, فكل الروايات فيها النص الغائب والحاضر بالتناص, لكنه أيضًا قارب المعاصرة عندما عندما أبرز قيمة أيديولوجية مهمة في الثيمة والتبئير, كون النصوص المعاصرة هي نصوص أيديولوجيات, وبدافع التشويق والحيادية والجذب أوكل الكلام إلى صوت أعلى من صوته هو السارد العليم.
3- الزمكانية:
بحيرةٍ مصطنعة وذكاء واضح يشرك الكاتب المتلقي في اختيار الزمكانية, ليكون المتلقي معه منذ البداية, هو يصف مشهدًا بعينه في زمان ومكان محدد بعد أن يُحار بتحديد البداية عبر ازدحام الأحداث وتشتتها عبر الأزمان الممتدة, يقول: " من أين أبدأ الحكاية؟ هكذا يكون السؤال, تفاصيل كثيرة وأحداث متناثرة, أحداث مشتتة عبر أزمان ممتدة, كلها تصلح كمتكأ لانطلاقتي, فمن أين أبدأ؟" ومن هنا يبدأ الكاتب بإشراك المتلقي بتحديد الزمكانية, وكأنه عرض عليه عذره مسبّقا, ليكون الزمان من قرابة قرن من الزمان, والمكان ضمن المشهد المروي في حكاية ممسرحة:
-" ربما من هذا المشهد الواقعة تفاصيله منذ قرابة قرن من الزمان؛ هل ترون ؟ عبر الظلام, حقول وأشجار, لن نقدر الآن على تميييز أنواعها......صفحة 5 .
يحكي بعدها قصة هروب الخواجة الفرنسي سيمون رينار من تلك القرية المجهولة برفقة الغلام المصري حسونة وهو ابن الخواجة بالتبني, تلك القرية التي استقر بها عندما جاء مع الحملة الفرنسية على مصر, وعاش بها طويلًا, يهربان معًا – سيمون وحسونة- من الباشا الذي أطلق كلابه في أثرهما ليصلا إلى حافة الترعة, مع دفتر صغير يحرص الخواجة عليه حرصًا كبيرًا فيتحرر من كل أيقوناته وأشيائه الثمينة ويبقى ممسكا بالدفتر حريصًا ألا يبتل بالماء لكنه يضطر إلى تسليمه لابنه حسونة الذي يعد بأن يأخذ الدفتر للشط , لكن عندما يصلا للشط يخبره أن الدفتر وقع منه, يكملان معًا هروبهما, ليصلا إلى فرنسا. وهكذا يقدّم لنا الكاتب الشخصية الأولى التي ولّدت الأحداث ( سيمون رينار) قبل قرن من زمن بداية أحداث الرواية.
حكاية أخرى يسردها السارد على أنها أيضًا تصلح كبداية للرواية, حدثت قبل عشرين عامًا أو أكثر قليلًا, عن امرأة تدعى( مريم) تضع مولودًا ذكرًا تسميه ( صخر), مولود حملت به مريم من حرام فهي( شائعة), يؤخذ منها حال ولادته, على اعتباره ولد مقدّس, ويودع في البيت القدسي (الفابريكة) مع غيره من الأولاد المقدسين تحت حراسة شخص يدعى (لبيب), تريد أن ترضع ابنها فيساومها لبيب فتعطيه سوارها الذهبي, فيسمح لها بزيارة وليدها في البيت القدسي, ثم بعد شهرين يطلب مضاجعتها فتفعل مقابل أن يأتيها بابنها إلى بيتها لترضعه, ويحكي السارد عن (الشائعات) -ومريم منهن- بعد أن ترملت وأصبحت مشاعًا لكل رجال القرية, وفي سبيل أن تحتفظ بوليدها ضاجعت العمدة الشاب والشيخ النوراني, وكانت تزور الفابريكة كل يوم وتعطف على الأولاد المقدسين فيه حتى صارت أسطورة عندهم أسموها الملاك الذي له مئة ثدي, لكن زواجها من حكيم جعلها تكف عن زيارتهم ولم تذكر لزوجها أن لها طفلًا مقدسًا.... إلى آخر القصة... وها نحن أمام الشخصية الثانية( صخر) الطفل المقدس الذي بلغ التاسعة عشر عامًا. ثم يعرج السارد إلى حكاية ثالثة يقدم فيها الشخصية المحورية التي سيقع عليها قيادة الأحداث, منصور رينار الشاب والعالم الفرنسي الذي يعمل باحثًا في الفرن الشمسي لإنتاج معدن لا ينصهر تصنّع منه المركبات الفضائية, هو الغريب الذي حلّ على المكان, لننظر كيف قدّمه السارد في علاقة تبادلية بينه وبين المكان:
" هذا الغريب الذي حلّ على المكان, سبق أن غادر مكانًا, لماذا نحكي عن تأثيره في المكان الذي حلّ عليه, ولا نتحدّث عن أثر مغادرته لمكانه السابق؟ دعونالا نبدأ حكايتنا إذن باحتفالية قريتنا بوصول منصور, دعونا نبدأها ببكائية وطنه لمغادرته, هذا إن كان بكاه أصلًا".

أما المكان, فبين فرنسا ومصر, وتحديدًا بين باريس وقرية مصرية مجهولة.

4- التشابك السردي:
صراع الشر والخير من خلال الشخصيات التي يصنعها الكاتب في أثناء كفاحها اليومي وسلوكها الإنساني في المجتمعو وتطور الصراع بتوالد الشخصيات من أحداث جديدة تظهر على مسرح الروي, بحبك فرعية تصب في المجرى الرئيسي للحبكة الأساسية, واجتماع هذه الصراعات جميعها في عقدة تنقلب بعدها الصراع رأسًا على عقب باتجاه الانفراج والحل.
الصراع الدرامي وبناء الحدث :
اعتمد الكاتب في تخليق روايته على بناء صراع درامي منذ البداية وحتى النهاية, معتمدًا على الأحداث التي تحرّكها الشخصيات التي تتحرك على مسرح المشهد الروائي الخيالي والواقعي على حد سواء, فيقوم الحدث ببلورة صورة الشخصية, ويسهم في إبراز تطورها وتصوير تكوينها وفاعليتها الدرامية ضمن حلقة تأثيرية متبادلة ومتكاملة, فوحدة الحدث وتكامل بنائه تستلزم بيان كيفية وقوعه بزمكانية مناسبة, وسببية ملائمة, وهذا يتطلب من الكاتب اهتمامًا كبيرًا بالفاعل ( الشخصية ) والفعل ( الحدث) والمفعول على مسرح الحدث( المكان).
من أهم عناصر الحدث القصصي أو الروائي, هوعنصر الفعل و التشويق والموضوع ثم العاطفة وزمن الحدث, بالنسبة للأفعال فقد نجح الكاتب في صناعة الأفعال وخصوصًا أنه أخضعها لمبدأ السبيبية, فلم يترك فعلًا غريبًا يمر دون حجة تبرر القيام به, وأما التشويق فكان مستمرًّا ومتلاحقًا من العنوان وحتى النهاية, وكذلك العاطفة التي تجعل الرواية نابضة بالحياة, فقد أثبت الكاتب قدرته على توليدها على طول مسار الرواية, وهي عاطفة سلبية وإيجابية باختلاف المواقف والشخصيات. بالنسبة لزمن الحدث والذي هو عبارة عن مجموعة من الأزمنة, منها زمن الأحداث أو زمن الحكاية وهو الزمن الذي استغرقه وجود منصور في تلك القرية منذ قدومه إليها حتى سفره منها, وزمن الرواية وهو الزمن الذي حدده الكاتب قبل قرن من الآن, كما أن للحدث مجموعة من الخصائص تزيد تماسك العمل الروائي كالتعبير عن نفسية الشخصيات وهو ما لم يغفله الكاتب أبدًا, كما لم يغفل المعنى الذي يجب أن يكون مصاحبًا للحدث وإلا كان الحدث ناقصًا.
أما طريقة بناء الحدث:
استخدم الكاتب الطريقة التقليدية في بناء الحدث, وهي طريقة قديمة تمتاز باتباعها التطور السببي المنطقي, مقدمة- عقدة - نهاية , رغم أنه قدّم لروايته بأحداث سابقة, بأزمنة متباعدة, لكنه أصلًا اعتبره تقديم تعريفي مستقل عن المجرى العام والرئيسي للرواية.
كما استخدم طريقة المذكرات أثناء معالج موضوع الرواية( مذكرات سيمون رينار, ومذكرات حسونة ) كما استخدم الرسائل المكتوبة (رسالة واردة من أم منصور رينار), والالكترونية.

وأما سردية الحدث : فكان بطريقة السرد المباشر على لسان السارد العليم.
5- الموضوع:
تعرض الرواية- وبشكل غير مباشر- لتبعات الاحتلال وتحديدًا للحملة الفرنسية على مصر, والتي كانت هوة ظلامية عميقة مازالت آثار ظلمتها مخيّمة إلى الآن على قطاع كبير من المجتمع الريفي المصري, رغم أن حملة الاحتلال لم تبقَ في مصر أكثر من ثلاث سنوات, لكنها كانت كافية لنهب الثروة التراثية والحضارية لشعب يملك حضارة عمرها سبعة آلاف سنة, لا ننسى حجر الرشيد( 196ق.م) الذي لولاه لظلت الحضارة المصرية غامضة لا ندري عنها شيئًا, وكان غنيمة مصرية تاريخية كبيرة أمر نابليون بنسخها إلى عدة نسخ سُلّمت لخبراء وعلماء رافقوا الحملة لفك رموزها, كانت تحوي ثلاث نصوص, العلوي منها باللغة الهيروغليفية, والأوسط باللغة الهيراطيقية, والسفلي باللغة اليونانية القديمة, نجح شامبليون في المهمة لكن الحجر في النهاية بقي المتحف البريطاني وإلى الآن, كلنا يعرف أنه كان للحملة الفرنسية على مصر أهدافًا ثقافية وفكرية قامت على سرقة الكثير من الآثار الحضارية بهدف علمي لكنه لم يكن هدفًا نبيلًا على المدى الممتد, لأن العلم الذي أوقدوا شعلته من وقود الحضارات المسروقة لم يسكبوا خيراته على تلك البلاد, وإنما أغرقوها بالجهالات, حتى العصفور المشرقي الذي ترعرع في غربهم, عندما استنجد به أهل أصله ووجدهم في جهالاتهم وجرائمهم, لم يفدهم بعلمه الكبير, وإنما ساعدهم في الانغلاق على جهلهم والانتقام لواقعهم حدّ التوحش, وبقي يراقب انعزالهم و من الغرب, يحتضن علم جدّه ( دفتر قديم), ويحلم بالعودة إليهم لا ليساهم في تقدّمهم ونهوضهم وإيقاظهم من أوهامهم وخوفهم, وإنما ليمارس متعة الامتلاك والتلذذ بالمشاهدة.
موضوع متشعب وقائم على الثنائيات البرادوكسية: الشرق والغرب, الماضي والحاضر, العلم والجهل, الحضارة والتخلف, السطوة والخنوع, الأسطورة والتقدم العلمي, الفكر والخرافة, الوحشية والمسالمة....
كانت الأحداث في خدمة الموضوع ولم تكن مقحمة أو دخيلة, فيما عدا بعض الحبك الفرعية التي حشرها الكاتب لتحقيق الإثارة والعجائبية, والتي لو حذفت لن تؤثر على موضوع الرواية, مثل تعدد الجرائم, ولكنه أجاد إفراغها في بوتقة الموضوع على كل حال.
6- الحبكة:
وبالتناص مع قصة حجر الرشيد, كان موضوع الرواية عن سيمون رينار الجندي الشاب في جيش نابليون, والذي عاش في مصر في قرية صغيرة أكثر من مئة عام, قبل أن يغادرها هاربًا من بطش الباشا ذي الأصل التركي ( وهذه دلالة رمزية على الاحتلال العثماني), الذي بقي يلاحقه طامعًا ب (إكسير الحياة) الذي امتلكه سيمون رينار بعد أن فك تعويذات فرعونية حصل عليها خلال بعثات التنقيب عن الآثار الفرعونية اثناء الحملة الفرنسية على مصر, هرب سيمون من تاركًا في القرية فابريكة مهجورة, في داخلها ماكينة لا أحد يعرف سرها ولا كيفية تشغيلها, بقيت مهجورة لقرن من الزمن, وحولها نمت أساطير أهل القرية, وعليها بنى الأولاد المقدسون أحلامهم, منتظرين أن تحلّ عليهم معجزة تقوم بتشغيل تلك الماكينة, رسالة من مجهول تصل إلى الشاب الفرنسي الأسمر منصور رينار حفيد الخواجة سيمون رينار, تطلب منه الحضور إلى القرية المصرية لاستلام إرثه, وبدافع الفضول, وسعيًا وراء كشف ألغاز وغموض الحياة الغريبة التي عاشها جدّه سيمون, يسافر منصور – العالم الفرنسي – إلى القرية المصرية, ليجد نفسه بين فكي كماشة الزمن, ماض مجهول عاشه جده وتركه هناك أسطورة يسعى الجميع إلى ظل واقعها, وصراعات طبقية غرّقها الدم تعيشها القرية وسط بحر عميق من التخاريف والجهل المصنوع بدراية وحرفنة على يد العمدة وأعوانه للسيطرة والسطوة على أهل القرية, جرائم ذبح مروّعة تترافق مع قدوم منصور إلى القرية والتي استقبله أهلها بتقديس وكأنه ولي من أولياء الله, ينجرف منصور مع الأحداث ليجد نفسه في قبضة العمدة والباشا الذي كان ما يزال على قيد الحياة وقد تجاوز ال180عامًا, ولا أحد في القرية يعرف أنه على قد الحياة سوى العمدة, ويعيش في مرحلة احتضار طويل, لا يقوى على قتل نفسه, ولا يحيا كما ينبغي, واتضح أنه هو من أرسل الرسالة بهدف أن يحصل على الدفتر الذي أخذه معه سيمون والذي فيه وصفة إكسير الحياة, ذات الدفر الذي يحوي تعليمات تشغيل الماكينة.
في خضم تلك الأحداث يدخل منصور إلى الفابريكة بمساعدة (صخر) زعيم الأولاد المقدسين والذي يطلب من منصور وبإلحاح أن يساعدهم في كشف طريقة تشغيل ماكينة التحول التي في الفابريكة, وبعد تصاعد أحداث كثيرة يتمكن منصور من تشغيلها محققًا رغبة صخر بتحويل الأولاد المقدسين إلى وحوش لينتقموا لأنفسهم من ظلم العمدة وأعيانه, وليتسلّموا السلطة في القرية بدلًا من مغادرتها والعيش خارجها بأمان كما فعل من سبقهم: " العالم بحاجة إلى تغيير .. تلك القرية يجب أن تتطهر, هروبنا لن يحمل لنا خلاصًا.. سنظل نحمل تلك القرية داخلنا مهما ذهبنا.. دعونا ننهي معاناتنا ومعاناتها.. دعونا نسعى لخلاصنا وخلاص القرية".
بهذا المنطق المريض, برّر صخر إصراره على قراره المهلك, ليدخلنا الكاتب في العجائبية, أن يتحول الإنسان إلى وحش بدخوله عبرآلة, يدفعه قهر داخلي وخيال عفوي ورغبة ملحة في كسر المألوف واختراق الممكن لتحقيق المستحيل, وحدها المدعوة (شجرة) البنت الطويلة هي من خرجت عن هذا القرار العجائبي, لتقف بأصلها الإنساني منتصبة عند حدود الممكن, ومتجذّرة بعمق المنطق, مطلقة حواسها الإنسانية في فضاءات الحياة قائلة :
-"أنا لن أفعلها, هذا غباء.. لماذا أضحي بحياتي بدلًا من أن أعيشها؟!"
لتثبت أن لها من اسمها نصيب, فهي الشجرة التي ترسخ جذورها في تربتها لا تتزحزح من مكانها, قدرها أن تحيا لتثمر. لا أن تتوحّش لتفترس.
وقد اعتمدت الحبكة على الشخصيات التي قامت بأفعال منطقية حينًا وغرائبية حينًا آخر, مطلقة ما يجيش في صدورها من انفعالات, والكثير من الأحداث جاءت لتفسير الشخصيات المسيطرة على الأحداث حسب رغبتها وطاقتها.
7- العقدة:
يقوم العمدة بقتل ( فيروز) خادم الباشا, بعد أن أخبره أن الدفتر مع منصور وأن منصور في الفابريكة, يجيّش أعوانه ضد منصور الفاسق الكافر حفيد الفرنجة بخطبة عصماء, يأمرهم بالزحف إلى الفابريكة واقتحامها, محملين بالسلاح والفؤوس والسكاكين و(الشومة), وأصواتهم تعلو فوق صوت الرعد والبرق والفصل صيف! يخرج منصور من الفابريكة ويطلب منهم العودة إلى بيوتهم مهدّدًا, يخرج من الفابريكة نمر عظيم ويقف إلى جوار منصور, يزأر في وجوه الحشد, تخرج فهود من الفابريكة_ الأولاد المقدسون وقد تحوّلوا داخل الماكينة- تنقض على الجمع بالنهش, يهرب العمدة, بعد أن يطلق النار على النمر الذي هاجمه, ويختبئ في زريبة للحمير, وتنتشر الجثث المنهوشة في الشارع.
8- الانفراج:
يخبر العمدة الجهات الأمنية عن المذبحة, ويفرض حصارًا على القرية بسبب (الهجمات الحيوانية), تعبر الحكاية حدود الدولة وتبلغ علماء الحيوانات والجمعيات والمنظمات المختصة التي تصدر بيانات تعتبر فيها وجود تلك الحيوانات المفترسة في بيئة بعيدة عن بيئتها ظاهرة تستحق الدراسة, تنشط جمعيات حماية الحيوان في العالم وتنتزع ملكية قصر الباشا( الذي لجأت إليه الحيوانات) وأعلنته محمية طبيعية يتم فيها رعاية تلك الحيوانات المفترسة بعد تسييدج سور القصر بسياج مكهرب, العمدة يفقد هيبته, يحاول تأليف حكايات جديدة حول الفابريكة ليعيد لها قدسيتها, حكاية جديدة يُحكم بها قبضته عليها بعد أن حاول بعض الشبان إحراقها, يصمم أن يلاحق منصور إلى آخر الدنيا ليحصل على الدفتر, منصور الذي هرب إلى فرنسا, يحتضن الدفتر القديم, يتساءل... هل من عودة إلى الفابريكة؟
9- النهاية :
مفتوحة بالتساؤل : هل من عودة إلى الفابريكة؟ هذا التساؤل فيه تضمين لاحتمالية أن تستمر الحكاية.
10- الشخصيات:
من اللافت احتواء الرواية على عدد كبير من الشخصيات الفنية, ما يؤهلها لتكون رواية بوليفونية بامتياز, وقام الكاتب بتقديم الشخصيات بالطريقة التحليلية المباشرة, اهتم برسم الملامح الخارجية والداخلية لتلك الشخصيات على كثرة عددها, يذكر تصرفاتها ويشرح أحاسيسها بأسلوب صريح, بقدر اهتمامه بدراسة سماتها الشخصية وسلوكها الإنساني مع الشخوص الأخرى التي تشاركها بيئتها وجغرافيتها الاجتماعية, وقد أضفى على كل شخصية إطار رمزي, رغم أن بعضها شخصيات واقعية يمكن مشاهدتها بكثرة في الريف المصري كشخصية ( شحتة ) الغفير, وهي شخصية الخادم والكلب الأمين للعمدة والذي أنيط به وظيفة دينية فهو المؤذن في الجامع عند أوقات الصلاة, وهو من يحضر نصبة أو جلسة الحشيش والمزاج حال الفروغ من صلاة العشاء, إلا أن الكاتب جعل الرمزيأخذ أبعاده السياسية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والدينية, فالعمدة رمز للسلطة السياسية التي تمسك بيدها كل مقاليد السلطة التي تضغط بها على أهل القرية عبر التخاريف والحكايات التي يبتكرها ليمسك الحكم بقبضة من حديد, والباشا رمز للاستعمار العثماني القديم الذي لم يتورع عن قتل أهل القرية قديمًا خوفًا من أن ينقلوا له العدوى بمرض الكوليرا, وعمّر طويلًا كما الحكم العثماني فهو من ذات الروح, ويعيش احتضارًا طويلًا ك (الرجل المريض) ذات الحالة التي كانت تطلق على الاحتلال العثماني في مرحلته الأخيرة. منصور رينار, الشاب الذي امتد تاريخه بين الشرق والغرب, أخذ من الشرق السمرة والاسم الأول ومن الغرب الفكر والعلم واسمه الثاني, وتأرجح بين الإسلام والمسيحية, كما تأرجح بين العلم والخرافة, فاقد الانتماء لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك, لذلك عندما وجد نفسه في مسرح الأحداث, كان خليطًا من كل تلك المتناقضات, هدم بنية اجتماعية فاسدة نتنة بطريقة وحشية, ولم يساهم أبدًا في بناء بنية صالحة مكانها, وكان لبعض الشخصيات نصيب كبير من اسمها, تعمّد الكاتب تبيان ذلك, ف (صخر) قاس بقساوة الصخر, و(ريح ) سريع كالريح, و( شجرة ) طويلة تقف في مكانها راسخة كالشجرة, تحب الاستقراروالثبات والحياة, وهكذا ....
قدّم الكاتب الشخصيات بالطريقة التحليلية المباشرة
 البناء الجمالي:

1- الأسلوبstyle :
وهو الأداة اللغوية التي تشمل السرد والوصف والحوار, وهو طريقة الكاتب في التعبير واستخدام المفردات والجمل الأدبية وصياغتها بعد تطعيمها بشذرات الجمال الأدبي والبلاغي, بمعنى أنه طريقة الكاتب في تناول العمق السردي والخيالي والرمزي, حاول الكاتب منذ البداية أن يصنع لنفسه بصمة أسلوبية تخصه, مستخدمًا عنصر التشويق بدرجات عالية, أسلوب تراوح بين المباشر أثناء سرد الأحداث والعميق والرمزي أثناء الوصف, ووظف كل ذلك في خدمة الحدث في الصراع الدرامي, هناك ملاحظة تؤخذ عليه, في البداية كانت الشخصيات تتحدث كل بمستواها, وهذا مثال:
العمدة يسأل عن منصور:
-" أين ذهب؟"
صوت شحتة يجيبه: " ربما في الحمام"
منصور:" دقيقة يا عمدة"
العمدة: " خذ وقتك.. أنا منتظرك في المضيفة"
العمدة: " شفيتم"
منصور: " ماذا تعني؟"
العمدة : " لا عليك .. أجلس"
فجأة نجد وعند اقترابنا من النهاية أن ذات الشخصيات تتحدّث بذات المستوى, فمنصور الشاب الفرنسي صار يجاري العمدة الصعيدي الذي انقلب عنده الكلام باتجاه خطابي ديني يذكرنا بأيام فتح مكة قد نقبله منه على اعتبار أنه خطيب الجامع, والمثال التالي يوضح ذلك في مشهد اقتحام الفابريكة:
العمدة يعود إلى السياق اللغوي والصوتي لخطبته: " من لَه؟ من لشرف القرية الذي كاد أن يسفح؟ من لنصرة شيخنا ربيع؟ وماذا أنتم فاعلون؟"
الجماهير: " نضاجع أمه"
العمدة: "الآن أوان الملحمة, لا أوان المرحمة"
يخرج منصور من الفابريكة صاح في الناس:" من عاد إلى بيته فهو آمن"
بتناص واضح مع قول الرسول يوم فتح مكة!
فهل هو تماهي خطابي لغوي قام به منصور عن دراية ومعرفة لتأدية مشهد ممسرح أراده الكاتب ؟!
ثم أن الكاتب استخدم صيغة فعل المستقبل, في بعض الفقرات للإخبار بتفاصيل يومية, ويكررعبارة ( مثل كل يوم), هذه الصيغة الاستباقية حلّت محل السرد التقليدي بالفعل الماضي والمضارع, وكأنه يريد من المتلقي أن يشاركه حيوية الرواية, أن يشاركه حتى النزق والروتين اليوم الممل في حياة شخوصها, ليكوّن فكرة متكاملة عن تلك الشخصيات في بيئتها الجغرافية ومحيطها الاجتماعي الكبير والصغير على حد سواء, يقول الراوي :
" عند الفجر, سيصحو العمدة, مثل كل يوم, ستوقظه امرأته وقد جهزت له جلبابه وعباءته, مثل كل يومو العمدة سيتوضأ وهو يتثاءب, مثل كل يوم! أمعاؤه في هذه اللحظة ستتذكر العشاء الدسم, فتطلق ثلاث دفقات متتالة من الريح! العمدة سيسب ويلعن لا أحد, ثم سيعيد الوضوء من بدايته......."
2- الحوار:
مستخدم بدقة لأداء وظائفه بكشف نوايا الشخصيات النفسية وإرهاصاتهم الداخلية, وكشف آرائهم الفكرية والثقافية, وكسر روتين وملل السرد واختصار وإجمال سرد الأحداث الماضية, وبث روح الحيوية في الشخصية بما بتناسب معها, وكانت الحوارات كلها باللغة العربية الفصحى, وهذا يحسب للكاتب, استعلاض بعض تلك الحوارات والتي كانت بالمجمل حوارات قصيرة, إلا عندما كان الحوار يسرد حكاية قديمة:
الباشا:" كنت أتعجب دائما, لماذا لم يبق الفراعنة العظماء يحكموننا حتى الآن بفضل هذا الأكسير المذهل, وكان جدك يقول : ربما لأنهم أكثر حكمة منا. الآن وأنا أقاسي هذا العذاب , صرت أفهم ما كان يعنيه جدّك"
منصور: " كيف عشت طوال تلك السنين؟"
الباشا:" سافرت لفترة طويلة, خفت في البدء أن يثير العجوز الذي استعاد شبابه فضول المحيطين, خشيت أن أدخل في صراع مع أشقائي, فيمَ سيفكرون إن رأوني؟ ربما أنكروا أني شقيقهمطمعًا في إرثي, لذا غادرت قصري .. سافرت مع فيروز لجزيرة في الكاريبي بحجة الاستشفاء بأجوائها .. كنت أتابع أخوتي طوال الوقت بالرسائل والبرقيات, أكثر من عشر سنوات ينتظرون موتي, ربما كذلك تشككوا في الأمر, ربما تخيلوا أن من يكتب لهم ليس شقيقهم, لذا أرسل أكبرهم ابنه لزيارتي بحجة الاطمئنان على صحتي, ولم يكن من الصعب أن ألعب دور العجوز الواهن خلال الساعة التي قضاها معي, المهم أنه عاد إلى مصر ليؤكد لهم بقائي على قيد الحياة , وأن كل ما في الأمر أني عجوز معمّر".... ص 268
3- السرد وتقنياته:
تحدّثت عنه في البناء الفني.
4- الوصف والصور :
إن الوصف يصوّر الأشياء بينما السرد يصوّر الأحداث, هذا على مقياس مرجعي, أما على المقياس المورفولوجي فإن الوصف يستعمل النعوت والسرد والأفعال, وفي كلا المقياسين هناك لبس لا يفي بالغرض, فعلى المقياس الأول نجد أن الوصف يشترك مع السرد في تصوير الحدث, وعلى المقياس الثاني نجد أن الوصف تابع لسرد الحدث, ولا يمكن أن يكون السرد أداة لإنجاز الوصف, والمقياس الأول يفصل بين الشخصية والحدث فصلًا تعسفيًّا, ما يبرز صعوبة التمييز بين السرد والوصف, لذلك التقى الأدب بالفنون, الرسم والموسيقا, ليكونا أداة الكاتب البارع في الوصف, فيرسم بالكلمات, ويعزف أيضًا بالكلمات, فيأتي وصفه لوحة ونوتة, وهذا ما ينطبق فعلا على الوصف في المصطلح الأدبي: تصوير العالم الخارجي أو العالم الداخلي من خلال الألفاظ والعبارات, وتقوم فيه التشابيه والاستعارات مقام الألوان لدى الرسام, والنغم لدى الموسيقي, وقد استطعت رصد بعض تلك الصور:
- عجوز ... القمر ينعكس على شعره الأبيض الكثيف الناعم, كل الشيوخ شعرهم أبيض, كل الشيوخ تخنق التجاعيد ملامح وجوههم...
- البهو العملاق كان أقرب لقطعة من سماء نورانية, لم يدرك منصور قبلًا أن هناك كل هذا العدد من الألوان المتدرجة بين الأبيض والسماوي, إلا عندما شاهد زينة وأثاث هذا البهو, كل شيء هنا واقع في منطقة حالمة بين اللونين ......
-
ثالثًا- المستوى النفسي Psychological Level:
1- المدخل السلوكي: Behaviorism Theory:
أرى أن التجربة الأدبية لكاتب هذه الرواية تستقي إبداعها من خلال هذا المدخل تحديدًا, على اعتبار أن الأدب سلوك إنساني راق, يعرض فيه الأديب لمواضيع وقضايا تخص المجتمع الإنساني بالعموم, ومجتمع قومه بالخصوص, وقد طرح الكاتب أمامنا العديد من تلك القضايا, أثارها بالتساؤلات, وحاول تحليلها بعلمية الثقافة التي يحملها. لذلك سأدرس التجربة الإبداعية للكاتب من خلال هذا المدخل:
لعل أول تساؤل يرد إلى الذهن عند تناول هذا العمل بالعمق النقدي هو لماذا كانت مكانية العمل قرية مصرية مجهولة ؟!
والجواب : لأن الجهل يولد ويترعرع ويكبر في الطبقة الثالثة من طبقات المجتمعات, فإن كانت الطبقة الأولى هي طبقة الارستقراط, والطبقة الثانية هي الطبقة الوسطى وهي المعادل الموضوعي للتحضر والتقدم المجتمعي, فالطبقة الثالثة هي طبقة الفقراء المسحوقين, والمجتمع القروي هو مجتمع سواده من تلك الطبقة.
لقد اختار الكاتب مكانية الرواية بتوجّه طبقي, حاول الولوج إليها من بوابات الاختلافات الإدراكية والطبقية, فالريف المصري ينتمي إلى الطبقة الثالثة في المجتمع, لم يستطع التقدم العلمي والتكنولوجي أن يقضي على الفروقات الطبقية أو حتى أن يقارب بينها لا من ناحية مادية ولا من ناحية توعوية, إلا اللهم بتغيير مسميات تلك الطبقات وتعددها نحو الدرك الأسفل, بتدرّج درجة العوز بالهبوط, فأصبح لدينا فقير ومعوّز ومسكين ومسحوق, هذا التغيير بالمسميات طال أيضًا الطبقة الأولى التي تنامت نحو الأعلى, كان عندنا الغني, وصار عندنا المليونير والملياردير, تسميات وأوضاع أفرزتها المفاهيم والقيم الكاذبة كالديمقراطية والاشتراكية والرأسمالية والشيوعية وكلها كانت فعليًّا داعمة للطبقة الأولى, وساحقة للطبقة الثالثة.
ولقد حفلت الرواية بالكثير من التساؤلات والإشكالات على أنواعها :
• الإنسانية:
أثار قضية إنسانية بمنتهى الخطورة, وهي العبودية بأشكال مختلفة, كيف يستقوي إنسان على نظيره الإنسان الأضعف منه, ذكر الشكل القديم منها, الذي استعبد خدمه, وكانوا تقريبًا كل أهل القرية, وقام بحرقهم خشية أن ينقلوا له مرض الكوليرا, حكاية (الشائعات) وإن كانت من التخاريف التي لا يمكننا الجزم بحقيقتها إلا بالمعايشة الواقعية, لكن فيها إسقاط كبير على قضية بيع وسرقة الأعضاء, فالمرأة التي يسلب منها حق تقرير مصير ومسير حياتها بمجرد أن يموت زوجها أو يغادرها إلى غير رجعة لتصبح مشاعًا لرجال القرية وتجبر على مضاجعة الرجال, من غير أن تملك حق الرفض, اعتداء سافر على أنوثتها وإنسانيتها, ويسرق منها أهم أعضائها- ابن رحمها- إن حملت من سفاح, هذا رق مقنّع, بل هو أكثر قسوة من الرق الذي عرفناه قبل الإسلام, القسوة أن يسلب حق الأمومة من المرأة والطفل معًا, وكل ذلك تحت رخصة زائف من شيخ مهووس بالجنس والحرام, يمتهن الدين تحت سلطة خرافاته ورؤاه النورانية, وعمدة شهواني, يبني آية ملكه على حكايات وتخريفات تتوالد في مخيلته الشيطانية, يشد بها أزر سلطاته على الأعيان الضعفاء, أطلعنا الكاتب على تلك القضية على هذا الشاكلة:
" في قريتنا. ( الشائعة) نطلقه على كل من مات زوجها أو غاب لغير طلاق. مريم الحقيقية تاهت عنهم كينونتها مع مر الأعوام, مريم التي فكرت أن تفعل أي شي لتحتفظ بوليدها, حتى وإن ضاجعت العمدة الشاب الذي تنطق عيناه بالاشتهاء, حتى وإن ضاجعت الشيخ النوراني في خلوته ليمنحها الرخصة, مريم الجميلة الشهية طرق بابها طالب زواج, كانت معجزة تحدثت عنها القرية طويلًا, فلم يحدث من قبل أن يتقدّم أحدهم لخطبة شائعة, فالشائعات يبقين شائعات إلى الممات".
وكيف للحرمان أن ينتج أسوياء؟ وما الذي يملكه المحروم من كل حقوقه الإنسانية منذ لحظة ولادته, إلا الحلم؟! وهل يحلم المأسور بغير الخلاص؟ وأي خلاص؟ هل هو خلاص آمن ؟
يجيب الكاتب على هذه التساؤلات عبر الحوار الدائر بين منصور العالم الفرنسي وبين (صخر) زعيم الأولاد المقدسين:
منصور:" ألم يحن الوقت لتحدثني عن مفهومك للخلاص؟ إذا افترضنا أن الماكينة بالفعل حوّلت البهائم إلى بشر, فكيف يكون في هذا خلاصكم؟
صخر:" أذا علمنا كيف تعمل الماكينة .. فربما نقدر أن نعكسها"
-" نجعلها تحول البشر إلى حيوانات"
- هو حلم قديم .. منذ أن اكتشفت تلك الحجرة السرية.. منذ أن أدركت نقطة التحول المنسية في تاريخ القرية .. حلم بأن يعود كل شيء لما كان عليه.. هم بهائم منحوا ميزة الإنسانية فلم يقدّروا قيمتها.. فلماذا يستحقونها؟"
- " سنكون أسياد القرية .. وسينالون هم ما يستحقونه".
وبهدف تحقيق هذا الخلاص والحلم الخطير تحدث الثورات والانتفاضات المسنودة بحتمية قيامها لتوفر أسبابها المؤهبة من ظلم وضغيان وتسلط وفساد, وبعيدًا عن العلم والأسس المدروسة تُقام دول الجهل والفوضى, دول الحروب الدائمة, دول سلطة الغاب, والهدف الوحيد هو الاستيلاء على السلطة, بوعي كبير وإدراك متبصّر صوّر الكاتب لنا هذه الحقيقة مكمّلًا الحوار بين العالِم المرفّه ( منصور) والجاهل الموتور( صخر):
منصور: " وماذا بعد نهر الدم ؟ هل تتوقع أن تعودوا بشرًا؟"
صخر:" كلا بالطبع.. لكن أتوقع أن تصبح القرية لنا وحدنا.. أتوقع أن نحكم الأرض والبراري.. سنسكن القصر لنزيد أساطيره واحدة جديدة .. سننشئ مجتمعًا جديدًا نحن فيه السادة بلا منازع".
هذا النوع من الثورات الفوضوية أغرق الكثير من البلدان في بحر من الدماء غرقت فيها رؤوس كثيرة, وبقي فيها الطغيان حي يرزق.
• الاجتماعية :
هناك إشكالية اجتماعية ولدت بمخيلة العمدة عند مجيء منصور إلى القرية, مخيلة العمدة التي اعتبرت منصور مفتاحًا لحكايات وخرافات تدعّم سطوته على أهل القرية المحكومة بالحكايات والخرافات, والتي تتوالد ذاتيًّا بمتواليات غير نهائية في ذهنه المتوقد ذكاءً الذي أدرك فيه أن منصور قد يكون مادة أولية معقولة يبني منها حكاياته, وفي ذات الوقت وذات الذكاء نما عنده هاجس هدم البناء الاجتماعي الهش, وهو هدم متوقع في معركة التقاء العلم بالجهل, لنرى كيف عبّر الكاتب عن هذه الحيثية, يقول:
" في قريتنا الحكايات هي السلطة الأكبر, ومنصور مفتاح لحكايات وخرافات وأساطير قادرة على توليد ذاتها إلى ما لا نهاية, هكذا رآه العمدة في تلك اللحظة الحرجة من تاريخ قريتنا, لحظة يعرف أنها قد تهدد سطوة أعوام, لحظة قد تهدم البناء الاجتماعي للقرية, الذي بناه – وآباءه من قبله- قطعة قطعة بحرص وتأن, كطفل نبيه يبني من أوراق اللعب هرمًا, مقتل أحد أعيان القرية بتلك الطريقة, حادثة تخفي في المستقبل احتمالات لانقلاب النظام الطبقي, وتفتت الأعمدة الراسخة التي تحمل التراتب البشري لقريتنا.....".

• الفلسفية:
هناك تساؤل ميتافيزيقي في موضوع التناسخ الروحي والإرث الوراثي, أثاره منصور الذي كان يشعر بمعرفة مسبّقة بالماكينة رغم أنه كان يراها لأول مرة, قام الكاتب بتناول تلك الحيثية, وعزو الحالة الشعورية التي انتابت منصور إلى موضوع تناسخ الأرواح, لم يتيقّن من الإجابة, ولكن تركها في حيّز الممكن, يقول :
" مرأى الفابريكة في ضوء النهار مسّه بشيء من الحنين, هذا المكان ملكه, تلك الماكينة تخصّه , يحبها, وربما هي كذلك تحبه, شعرأنه يعرف عنها الكثير, أكثر مما يتخيّل , هناك ألفة بينهما, ... منصور يعلم في عقله الواعي, أن تلك المشاعر ليست ملكه تمامًا, تلك المشاعر مركبة, وغير مألوفة, وكأنها لشخص آخر, شخص يربطه بالفابريكة ما هو أكثر من علاقة متوارثة, وكأنها مشاعر سيمون رينار تسكن اللاوعي المتوارث في العائلة! أيكون هذا هو الجواب؟ أتلك رسالته؟ أن يصير تناسخًا لروح جدّه؟"

• النفسية:
كان هناك تبريرات نفسية اعتمدها الكاتب لتفسير سلوك منصور أو لتفسير انطباعه الأول غير الجيد عن القرية, تقوم على تحليل الأبعاد النفسية في شخصيته, كما يلي:
" أما لافتات المحال الحديثة, فلم يجذبه فيها سوى لافتة ( السفير إنترنت كافيه) تحديدًا الكلمة المكتوبة بأحرف زرقاء أسفل اللافتة (feacbook)! لهذا, حتى وإن اعتبرنا الأمر ينطوي على تصيّد للأخطاء من جانبه, أواعتبرنا أن روحه الميالة للانطواء هي ما أغلق عقله إلا عن ملاحظة السلبيات, أو اعتبرنا أنه ببساطة لم يقدر على تخطي النظرة الغربية المتعالية اتجاه ريفنا الجميل, فهذا لن يغير للأسف من حقيقة أن الانطباع الأول لمنصور عن قريتنا لم يكن مشجعًا".

• الدينية:
قضية الانتماء العقائدي الديني, وإشكالية أن ينشأ الإنسان في بيت متعدد الديانات, لأبوين أحدهما يدين بالإسلام وهو الأب, والحكم هنا أن يكون مسلمًا, وأم تدين بالمسيحية, والمفترض أن يكون الأمر طبيعيًا في مجتمع حرمتقدّم فكريًّا, ونفاجأ بأنه مايزال إشكالية!
" الدين بالنسبة لمنصور لم يكن أكثر من إرث شكلي, مثل أي صفة وراثية حملها عن الآباء على كراهة منه, كاللون الأسمر, أو الشفاه الرفيعة, أو الاسم السخيف, أمور لم يردها يومًا, لكن والده لم يكن كذلك, والده كان يحب دينه, وكذلك والدته, من هنا كان التمزق, كطفل لا يعرف إذا كان عليه أن يصلي بأيام الجمعة مع والده, أما في أيام الأحد مع أمه" .
يبرز الكاتب تداعيات هذا الوضع في البناء النفسي والعقائدي في شخصية طفل في هذه العائلة, سيعاني من التمزّق في الانتماء لا شك, سيما إن رافق ذلك صراع وعراك وإهانة, والطفل لا يحتمل بحال من الأحوال أن يهان أحد أبويه مكن قبل الآخر, فإن كانت الإهانة بسبب معيّن, بلا شك سيكره ذلك السبب, وسيكره أساسه, لن يقف ضد اختلافهما, بل سيقف ضد عقيدة كل منهما, لأنه يعتبرها سببًا للخلاف, ولن يكون فخورًا بانتمائه إلى أي منهما, بل قد يعادي الاتجاهين, رافضًا اي اعتداء على أي جزء مكوِّن له, منتصرًا لكينونته كما هي, وقد شرح الكاتب ذلك الأمر بمنطق نفسي مقبول جدًّا, يقول:
" والده لم يحب تلك النشأة لابنه, مرّة صرّح بها في وجه أمه, نادمًا على الخروج عن تقاليد العائلة والزواج من فرنسية مسيحية, منصور اعتبر هذا التصريح يطاله بسوء, فهو ما كان يتخيّل أن يوجد في الحياة من أب وأم آخرين, لذا فندم أبيه على الزيجة بمثابة ندم على وجوده! لذلك اختار- ولو بدون وعي- نوعًا من الحياد, أن يقف على مسافة مضادة لكلا الاتجاهين, فلا يتبع غير عقله, ولكنه لا يستطيع أن ينكر – برغم هذا- أنه طالما استمتع بولائم لحم الضأن مع والده في بيوت أقاربهم المسلمين, في أعياد الأضحى, وبولائم الديوك الرومية في بيت جده لأمه في أعياد الميلاد. ربما كانت هذه هي الفائدة الوحيدة التي لمسها من النزاع الديني الذي عاش فيه طفولته."
• السياسية :
طرح الكاتب بإسقاط مدهش العديد من القضايا السياسية أو ما يشبه الإفصاح والكشف عن العديد من الفنون السياسية, كيف تُقام دولة داخل دولة, دولة محكومة بسلطة القطب الواحد, أو الشخص الواحد, تتمتع بالسيادة والسلطة أكثر بكثير من الدولة الحاكمة بالدستور والقانون, دولة تمتلك كل السلطات, الدين والإعلام والاقتصاد, بقوة التجهيل والتخويف والتخريف, وإعلام التضليل, كل الثروات بيد شخص واحد فقط يتحكّم بتوزيعها على رجاله أو احتكارها لنفسه, ورثها عن آبائه الذين علّموه أن كرسي السلطة هي حياته التي ينبغي عليه أن يبذل الغالي والرخيص في سبيل أن تبقى مقعدته فوقها, يعترف العمدة لمنصور ببعض الفنون السياسية التي يمارسها , يقول :
-" الحكايات وليدة الاحتياج.. والناس في بلدنا في حاجة دائمة للحكايات.. السلطة في حاجة للحكايات, أبي ذات ليلة اشتهى الزانية التي اقتادوها إليه عارية مع شريك جريمتها, فخلق حكاية الشائعات ليعاشر البنت دون تأنيب, في ذات الليلة , زار منزل الشيخ ربيع فوجده ميتًا, فخلق حكاية الشيخ الذي تحوّل إلى نور, ليبقي السلطة الدينية في يديه, وحين خرجت رائحة جثة الشيخ الذي أغلق أبي عليها باب الدار خلق أبي حكاية عن الشياطين التي تحترق عند عبورها من أمام باب خلوة الشيخ."
وعندما سأله منصور عن حكاية الأولاد المقدسين أجاب:
-" في يوم, جاء أبي أحد الأعيان ليخبره أنه عاشر شائعة وحملت منه, وتريده أن يعترف بالإبن القادم, فخلق حكاية الأولاد المقدسين ليخرج صديقه من ورطته.. كما قلت لك .. الحكاية تحضر حين تحتاجها".
ثم يخبره عن وظيفته بالتدليس وقلب الحقائق حتى يضمن استمرار وامتداد سلطته:
-" المهم أن تعيش الحكاية, هذه هي وظيفتي يا بني.. أنا الذي أخيف الناس وأطمعهم, أفرحهم وأغضبهم, أقنعهم أن الباشا لا وجود له, رغم أنه موجود, وأن الشيخ موجود, رغم أنه غير موجود".
ثم يأتي قول صخر ليؤكد فكرة الدولة داخل الدولة :
-" مستحيل أن يسمح العمدة ببقاء الشرطة, العمدة لن يسمح بأي تدخل حكومي في القرية, يكشف أسرارنا, ويخرج أساطيرنا إلى ما وراء حدودنا.. هذا ما فعله العمدة طوال حياته, وما فعله أبوه من قبله".


• العلمية:
في العمل الكثير من الأسئلة العلمية التي دارت حول ماهية الماكينة التي عمرها أكثر من مئة عام في الفابريكة, معرفة وثقافة علمية وظفها الكاتب بهدف إشراك المتلقي بالتحليل العلمي لاستجلاء الغموض والوقوف على الحقيقة العلمية, نعرض بعضها باختصار:
منصور: هذه الآلة كما يحكون مبنية منذ مئة عام .. وقتها كان الإنسان يعرف الكهرباء, ويعرف البخارو وقتها كان الهوس بطاقة البرق قد انتهى, وأدرك الإنسان أن ثمة بدائل أكثر توفّرًا من تلك الطاقة شبه الخيالية.
صخر :لا أظن أن الكهرباء منذ مئة عام كانت متوفرة في مكان ريفي كهذا.
صخر: هذه الآلة إذن لا تعمل إلا في الشتاء؟
منصور: بل لا تعمل إلا في لحظة امتصاصها للبرق كما يفترض, فطاقة البرق لحظية, ولا يمكن تخزينها.
الخلفية الأخلاقية:
وبرأيي النقدي الذرائعي, أرى أن الجائزة كانت من نصيب الكاتب الشاب على ما طرحه من قضايا إنسانية بالدرجة الأولى, وأوضاع وإشكاليات محلية بالدرجة الثانية, مستعرضًا فيها معرفته وثقافته الإدراكية العميقة, وتجربته التحليلية والمنطقية في تجذير القضايا وتعرية الواقع الفاسد الذي وصل حد النتانة, برمزية الدلالة والإسقاطات المحتملة, ملتزمًا بالمعايير الأخلاقية العالمية التي تدين الجريمة مهما كانت دوافعها ومبرراتها, وتهاجم الجهل والتجهيل, وتتقزز من الرذائل بكل أشكالها, ثم يأتي الطرح المشوّق والسرد المسيطر, والقدرة على لملمة الحبك بحرفنة النسّاج, وإن كانت التقنيات السردية المستخدمة لم ترقَ لمستوى العصرنة إلا أن الكاتب استطاع أن يقدم للمتلقي الإمتاع والفائدة, وهذه التقدمة هي غاية الأدب السامية.
#دعبيرخالديحيي




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,239,902,795
- دراسة ذرائعية استقرائية اجتماعية في رواية (خوفًا من العادي) ...
- العالقون
- الانهيار الأخلاقي بواعثه ونموّه من النّكسة إلى ما بعد عصر ال ...
- الأثر الأنثروبولوجي في حيّز تنقّل الإنسان بين المجتمعات- درا ...
- رد الذرائعية على التفكيكية الداريدية
- دراسة ذرائعية مستقطعة في كتاب ( البلاغة والتواصل عبر الثقافا ...
- قصيدة طارئة
- النص والترجمة إشكالية تبحث عن حل
- الحروب الوقحة في الألفية الثالثة دراسة ذرائعية لرواية قيامة ...
- النقد الذرائعي
- أدب اللجوء في نصوص القاصّة السورية أمان السيد في مجموعتها ال ...
- حرية المرأة في أتون السلطة الذكورية
- تشظّي المكان في مجموعة ( ليلة نام فيها الأرق) للقاصة السورية ...
- تشظي
- ربما....؟!
- التطرف الجنسي والديني والسياسي وأثره في المجتمع العربي دراسة ...
- فن الرسالة في الأدب السردي دراسة ذرائعية مستقطعة رواية (شاعر ...
- طهارة
- ديموغرافية أدب الرحلة في النص الموازي المعنون ب ( الملتقى) ل ...
- تشذّي الذّات و انتصارها للوجود و الوطن دراسة تحليليّة ذرائعي ...


المزيد.....




- تفاصيل إطلاق مسلسل جديد من ملفات المخابرات المصرية (صورة)
- تويتر: الممثل الأمريكي الشهير أليك بالدوين يجمد حسابه على مو ...
- سيمبسون يبقى في العرض حتى عام 2023
- ظروف مادية طاحنة للفنانين.. جائحة كورونا تلقي بظلالها على ال ...
- نقابة الفنانين السوريين تؤكد أن الفنان صباح فخري -بخير وصحة ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم بشأن تطبيق بعض أحكام المل ...
- مجلس الحكومة يؤجل مناقشة مشروع قانون الاستعمالات المشروعة لل ...
- مجلس الحكومة يطلع على اتفاق التعاون في مجال السياحة بين حكوم ...
- جرأة فستان فنانة عربية تحصد آلاف المشاهدات... فيديو
- البحرين تفتتح أول مدرسة باللغة العبرية


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير خالد يحيي - بارادوكس الخيال العلمي والتخاريف في رواية ( الفابريكا) للأديب المصري أحمد الملواني بقلم الناقدة الذرائعية السورية د.عبير خالد يحيي