أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مجدى يوسف - خرافة الأدب الأوربى















المزيد.....



خرافة الأدب الأوربى


مجدى يوسف
(Magdi Youssef)


الحوار المتمدن-العدد: 6660 - 2020 / 8 / 28 - 18:45
المحور: الادب والفن
    


نشرت هذه الدراسة النقدية بالفرنسية فى أعمال مؤتمر دولى للأدب المقارن بجامعة القاهرة فى التسعينات، ثم صيغت بالانجليزية فى صورة جد موسعة وألقيت بالانجليزية كمحاضرة عامة بجامعة دبلن فى نوفمبر عام 2000 . وقد ترجمت عن كلتا الصيغتين الفرنسية والانجليزية إلى الإيطالية مرتين ، وحرر كتابان قائمان عليها بتلك اللغة فى عامى 1999، و2003. وفيما يلى الترجمة العربية للصيغة الموسعة لهذه الدراسة حيث قام بها مؤلفها (أنظر وكيبديا عن أعماله العلمية فى ثمان لغات)



من المعلوم للكافة أن فكرة الأدب الأوربى قد صارت تتمتع بقبول واسع النطاق فى الأوساط الأكاديمية الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . ذلك أنها صارت تشكل بديلا للصراعات التقليدية التى طالما احتدمت بين الآداب القومية فى الغرب بما يحمله كل منها من تعارض لصور الذات بإزاء بعضها البعض ، وخلاف حول التأريخ للحقب الأدبية لكل من الآداب الغربية الخ (من الأمثلة على ذلك الخلاف التقليدى بين مؤرخى الأدبين الفرنسى والألمانى ، فما يدعوه هؤلاء أدبا رومانسيا يصر أولئك على اعتباره كلاسيكيا ، وهكذا دواليك) . من هنا فقد استقبل بحماس فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فى الغرب كل من كتاب "المحاكاة" ل "إريخ آورباخ " (1946) ، و" الأدب الأوربى والعصور الوسطى اللاتينية " ل" إرنست روبرت كورتيوس " ( 1948) ، و " نظرية الأدب " ل " رينيه فيلك " بالاشتراك مع " أوستن وارن " ( 1949) (1) . فكل من هذه الأعمال الثلاثة يدعو بحماس لما يدعوه " أدبا أوربيا " بالمفرد ! . ومن ثم فلا عجب إن اعتبرت هذه الكتب الثلاثة ، بما فى ذلك مؤلفيها ، دعوة لفكرة وحدة غربية فى مجال الأدب . ولعل مرجع ذلك أن الأدب يلعب دورا لا يستهان به فى تشكيل اتجاهات الشعوب بإزاء بعضها البعض ، وصور الذات لكل منها فى مقابل صور الآخر(2) . وقد بلغت هذه العملية شأوا كبيرا من خلال
" ترجمة " الأعمال الأدبية عن طريق الوسائل السمع بصرية إلى أعمال تحدث أثرا بالغا فى وعى الشعوب على مستوى العالم أجمع (3) .

وعله لا يغيب على فطنة القارئ أن ثمة أمرا يجمع بين هذه الكتب الثلاثة ، وهو ما يقدمونه من حجج على أن هنالك ما يمكن تسميته " وحدة توليفية بين الآداب الغربية" ، على حد قول " إيريخ آورباخ " ، أو جماليات بلاغية مشتركة تحظى بها الآداب الغربية على مدى التاريخ كله ، وإن تأسست بصورة خاصة على العصور الوسطى اللاتينية ، وهو ما يصرعليه كل من "إرنست روبرت كورتيوس" و"رينيه فيلك " .

ف " إرنست روبرت كورتيوس " يقدم للترجمة الانجليزية لكتابه ( الأدب الأوربى والعصور الوسطى الأوربية ) بقوله :

ليس كتابى هذا نتاج اهتمامات محض بحثية بالمعنى العلمى للكلمة
(...) إنما نمت فكرته من خلال اهتمام بالحفاظ على الثقافة الغربية (4)

وعلى الرغم من اعترافه بأن وازعه فى هذا العمل لم يكن علميا خالصا ، فقد قوبل كتابه بترحاب كبير من الأكاديميين الغربيين كما احتفل به مشاهير الكتاب من أمثال ت . إس . إليوت الذى سارع بعبور الحدود الألمانية بمجرد إعادة فتحها فى عام 1947 ليلقى صديقه "كورتيوس" فى بون .

يستطرد " كورتيوس " فى مقدمة كتابه المذكور قائلا :

ليس هذا الكتاب موجها للعلماء والباحثين ، وإنما لعشاق الأدب ، أى للمهتمين
بالأدب باعتباره أدبا (5)

ولهذا السبب بالذات صار" رينيه فيلك " Rene Wellek شديد الاهتمام بمدخل " كورتيوس " مشاركا له فى الرأى كأتم ما تكون المشاركة ، وهو ما يتبدى من كتابه " : نظرية الأدب " ، الذى ألفه بالاشتراك مع " وارن " Warren ، والذى صار مرجعا تفيض الإحالات إليه من كثرتها ( 6 ) . فبالنسبة ل " فيلك" ما الأدب إلا كيانا موحدا لا يقبل التجزئه Literature is one and all ، كما نلمس الأمر نفسه لدى " كورتيوس " فيما عدا أنه يختزل الأدب ( الاوربى ) بأن يحيله إلى العصورالوسطى اللاتينية معتبرا إياها إرثا غربيا . لذلك فلا عجب من أن يشير" فيلك " إلى كتاب " كورتيوس " قبل أن يحيل على مؤَلًَف " آورباخ " ، مع أن هذا الأخير قد صدر قبله بعامين . ولعل هذا التوجه الانتقائى يعكس مدى التقارب الذهنى بين " كورتيوس " بمنهجه الميتافيزيقى الماقبلى aprioristic وولعه بالأنماط الأولية عند " كارل جوستاف يونج " وتابعه " فيلك " ذى الاتجاه الكانطى الجديد . ولعل ذلك يدعونا من باب أولى أن نناقش ما ذهبا إليه ، قبل أن ننتقل لمناقشة " آورباخ " .

فكلا من " كورتيوس " و " فيلك " (بتعطيش الفاء) يشترك مع الآخر فى أمر واحد ، لا يلبث أن يصبح بدهيا من خلال محاجتهما بأن الأدب لازمانى ، بل حتى مع اعترافهما بأنه يصدر عن أحداث تاريخية لكل منها خصوصيته ، وعندما يضيفان إلى ذلك تأكيدهما بأن ما يميز الأدب هو أدبيته ، أى جمالياته التى تعلو على أية عوامل أخرى . ولعل هذا هو السبب الذى يجعلهما لصيقين بالدرس الفقه لغوى للظواهر الأدبية ، مما يحدو بهما لتحليل موتيفات الأدب ، وصيغه البلاغية ، وأغراضه الخ التى ينظران إليها على أنها ثوابت فى النصوص الغربية الحديثة . فهذه "الثوابت" فى تقديرهما لا تشكل جماليات الأدب وحسب ، وإنما هوية أدبية مشتركة بين كافة اللغات والثقافات الأوربية .

ويبدو أن " كورتيوس " قد عثر على مفتاح رئيس للثوابت التى نادى بها أساسا لتلكم الهوية التى هو زعيم بها عندما تعرف على نظرية " كارل جوستاف يونج " فى الأنماط الأولية ، هذا بالإضافة إلى إصراره على أن العصور الوسطى الأوربية تشكل مصدرها الرئيس . ولعل المقطع التالى يوضح ما يذهب إليه على نحو لا يحتمل اللبس :
إن تجانس الشواهد من خلفيات على هذا القدر من التباين يشير بوضوح إلى أننا هنا بصدد نمط أولى ، أو بالأحرى صورة متأصلة فى لاوعى جماعى بالمعنى الذى ذهب إليه " كارل جوستاف يونج "(..) . فقرون الحضارة الرومانية المتأخرة تغص بالرؤى التى كثيرا ما لا تفهم إلا باعتبارها إسقاطات لما قبل الوعى (7)

ثم يستطرد قائلا :
إن يونج يخبرنا أننا نلاقى " الأنيما" (التى هى إضفاء الحياة الروحية على الأشياء المادية – م. ى .) فى أشباه الآلهة من الأزواج الحاملة لصفات الأنوثة والذكورة فى آن . وتعود تلك الثنائيات الإلهية إلى الميثولوجيات البدائية السحيقة من ناحية ، وإلى الشطحات الفلسفية للغنوصية والفلسفة الصينية الكلاسيكية ( كذا ! م. ى .) من ناحية أخرى . بل يمكن أن نؤكد فيما يتعلق بها أنها تشترك فى عالميتها مع وجود الرجل والمرأة . من هنا نصل إلى نتيجة مفادها أن الخيال وثيق الإرتباط بهذا الموتيف على نحو يجعله مضطرا لأن يسقطه دوما ومن جديد فى كافة الأماكن والأزمنة .(8)
يتضح من خلال مناقشة هذه الصورة ذاتها ، صورة آلهة السماء والأرض ( يشير النص الألمانى إلى أزواج الآلهة الحاملين لصفات الذكورة والأنوثة فى الوقت نفسه ) ذلك التوجه اللاتاريخى القائم على المتوازيات والعولميات الذى يشاطره فيه "رينيه فيلك" . وينكر هذا التوجه أهمية الخصوصيات الاجتماعية الثقافية(9) فى مجال إنتاج الأدب واستقباله ، مع أنه يسلم بوجودها ، ولكنه ينظر إلى الإنسان من منظور فلسفى أنثروبولوجى ، ومن ثم إلى الظواهر الإنسانية الثقافية باعتبارها مجرد صفات مجردة تتعلق ب"الإنسانية" فى المطلق ، كالسعادة ، والحظ ، والصداقة ، والحب الخ . أما بالنسبة ل" كورتيوس" فهذه المواضع المشتركة تتعلق بالشروط الأولى والأولية للوجود البشرى ، ومن ثم فهى بالنسبة له خارج إطار الزمان ، ولكنه يعود ليتحفظ قائلا بأن بعضها قد يكون كذلك بدرجة أكثر ، والبعض الآخر بدرجة أقل .
وعلى الرغم من محاولاته ليكون على شىء من الحذر فى تعميماته ، إلا أنه يضفى طابعا مثاليا على الخصائص البشرية بتجريدها عن سياقاتها الاجتماعية الثقافية الفعلية . فحسب توجهه النظرى يمكن النظر إلى الشباب ( إذا ما أخذنا فترة نهايات الستينات مثالا) على أنه ثورى بطبيعته . ولكنه بينما كان الشباب فى بلاد الشمال التى تتمتع برفاهية نسبية ، كألمانيا وفرنسا ، يحتج على التوجه الاستهلاكى للمجتمعات الغربية ، فإن أقرانهم فى دول الجنوب كانوا يثورون ضد مجتمع الفاقة والعوز(10) . من هذا المثال نتبين أن الثورة ليست هى الثورة ، وهو ما يدعونا إلى استيضاح خطأ التوصيفات المجردة التى يتبناها " كورتيوس" ، مؤسسا إياها على نظرية " كارل جوستاف يونج " فى علم النفس التحليلى .

* * * * * *


الحقيقة أنى لم أكن واعيا منذ البداية بما يتضمنه الموقف النظرى لكل من " كورتيوس" و " فيلك " . فقد لعبت الصدفة دورها فى أن أصبح ناقدا لذلك التوجه ، وهو ما حدث على النحو التالى:

بعد مضى ثلاثة أعوام على تدريسى الأدب العربى المعاصر فى جامعة كولونيا ، حيث كنت أقوم بإجراء المقارنات بين التيارات الأدبية فى البلاد العربية والأوربية ، قررت كلية الآداب فى الجامعة المذكورة فى عام 1968 أن " توسع " من مجالى التخصصى بأن صاغته صياغة جديدة على النحو التالى " الأدب العربى المعاصر وعلاقته بالأدب الأوربى ". وأعترف أنى عندئذ لم أفهم علة تسمية الكلية لتكليفى بتدريس الأدب العربى المعاصر فى مقابل الأدب الأوربى ، بدلا من الآداب الأوربية ( بالجمع) . ولكنى مضيت أعقد المقارنات الأدبية إلى أن وقعت فى أوائل السبعينات على أعمال " إرنست روبرت كورتيوس " ، و" إيريخ آورباخ " . وكنت فى ذلك الوقت قد تركت جامعة كولونيا لأحاضر فى جامعة بوخوم . أثناء ذلك كنت قد تعرفت شخصيا على " رينيه فيلك " فى مؤتمرات الجمعية الدولية للأدب المقارن التى جعلت أواظب على المشاركة فيها منذ عام 1967 . وكان " فيلك " ، على غير تابعه الحماسى " هورست روديجر" ( أستاذ الأدب الألمانى ثم المقارن فى جامعة بون فى تلك الفترة ) ، يتميز بقدرغير قليل من المكر والدهاء مع تمسك شديد بفكرة " الأدب الأوربى " ، التى كان أحد أقطابها . ومنذ ذلك الحين ، وخاصة بعد التعرف على كتاباته صرت ناقدا للفكرة التى صار يروج لها أكاديميا ، وهى التى تزعم أن ثمة وحدة تضم الآداب الغربية مع بعضها البعض . كما تبينت فى الوقت ذاته أن ذيوع فكرة الأدب الأوربى قد كشف لى حقيقة أنه حتى دور العلم ومؤسسات البحث العلمى فى يومنا هذا ليست خلوا من المصالح والأفكار السائدة فى مجتمعاتها ، مع أنها تحرص على أن تأكد العكس من ذلك ! وبينما سادت منذ الحرب العالمية الثانية كتب
" كورتيوس" و" آورباخ" فى أقسام فقه اللغة بالجامعات الغربية ( التى لم أكن قد أختلفت إليها للدرس كشأن الراحل " إدوارد سعيد " ) ، إلا أنها كادت أن تكون مجهولة بالنسبة لدارسى فقه اللغة العربية
و نظرية الأدب فى الجامعات العربية . ولكنى باعتبارى وافدا من خارج المنظومة التعليمية السائدة فى الغرب ، فقد أمكننى أن أرى الخطأ المنهجى فى محاجاتهم ، ذلك الخطأ الذى كثيرا ما لا يلحظ فى الدوائر العلمية الغربية .


* * * * * * *


يرجع المثل الأعلى للأدب الأوربى عند " رينيه فيلك " فى كتابه ( بالاشتراك مع " وارن " ) : نظرية الأدب ، فى طبعته الثالثة الصادرة فى لندن عام 1966 ، ص 49 ، إلى القرن التاسع عشر

الذى عكف على التأمل بعمق فيه رجال من أمثال الأخوان شليجل ،
و" سيسموندى " ، و"بوترفيك" ، و"هلام" (11)
ولكنه فى الوقت الذى يستشهد فيه " فيلك" بمثل هذه الأسماء اللامعة على هذا النحو التعاقبى ، لم يقل لنا لم أصبح كل من هؤلاء المفكرين المتخصصين فى تاريخ الآداب مهتما بفكرة - أو كما يحرص هو على أن يدعوها- مثال الأدب الأوربى بالمفرد . فهو بدلا من ذلك يسعى لأن يؤكد على أنه: على المرء أن يدرك أن ثمة وحدة قوية تضم أوربا بكاملها ، وروسيا ، والولايات المتحدة الأمريكية ، وثقافات أمريكا اللاتينية (12)

ثم يمضى قائلا :
من حسن الفأل أنه فى الأعوام الأخيرة ( بعد الحرب العالمية الثانية- م. ى.) وهنالك
العديد من الإشارات الدالة على عود طموح
إلى التأريخ العام للأدب. فكتاب "إرنست
روبرت كورتيوس" : الأدب الأوربى
والعصور الوسطى اللاتينية" (1948)
الذى يتتبع المواضع المشتركة فى مجمل
الآداب الغربية(...) ، وكتاب "المحاكاة"
آورباخ (1946) ، الذى يعد ل"إريخ
تاريخا للواقعية من هومير إلى جويس
(...) إنما هما إنجازات بحثية تعلن تجاهلها
للنزعة القومية، كما تبين على نحو مقنع
وحدة الحضارة الغربية ومصداقية إرثها
الكلاسيكى (الإغريقى الرومانى – م.ى.) ،
والمسيحى العائد إلى القرون الوسطى
الأوربى ( 13) .


ولعلنا لسنا بحاجة لأن نشير إلى أن " رينيه إتيامبل" كان فى كتابه "دراسات فى الأدب العام (بحق) " (1975) ناقدا لتلك الريفية الجديدة التى دعا إليها "فيلك" ، بينما تحمس
"إتيامبل" - فى المقابل - لانفتاح على آداب العالم أجمع ، حيث لا يمكن أن تقوم بدونه قائمة حقيقية للأدب العام (14)

إلا أنه بعد ذلك بأعوام قلائل ، وعلى وجه التحديد فى عام 1982 ، طلع علينا
" هورست روديجر" ، مؤسس مجلة " أركاديا" ، أول مجلة متخصصة فى الأدب المقارن تصدر فى ألمانيا الاتحادية ( الغربية ) منذ الحرب العالمية
الثانية. ، وكان "روديجر" قبل ذلك مباشرة أستاذا للأدب الألمانى فى جامعة بون ، شديد الولع بشعر" بتراركا" . غير أنه قبل أن يصبح أستاذا للأدب المقارن فى الجامعة نفسها خلال الستينات ، طلع علينا - أى" روديجر"- بنقده لتصور " جوته" للأدب العالمى مدافعا فى المقابل عن" إقليمية أكثر واقعية " ( على حد تعبيره ) حيث يقول :
ليس الأدب العالمى بحال من الأحوال جمعية عامة للأمم المتحدة ، فالأمر لا يلبث أن يفضى إلى العبث فى هذه المنظمة
عندما يتساوى صوت مستعمرة سابقة ، منحت استقلالها حديثا
وإذ بها خالية الوفاض من أية موارد اقتصادية أو فكرية
بصوت قوة عظمى أو شعب يتربع على ثقافة يبلغ عمرها
آلاف الأعوام ( كذا !) (15 )

ولعله من حسن الحظ ، أو لسوئه ، أن " روديجر" قد أماط بذلك اللثام عما كان
" فيلك" يحرص على أن يجعل منه إجماعا مضمرا مع صحبه المركزيين الأوربيين . وقد تبدو هذه المسألة من منظور فقه اللغة ( الفيلولوجيا ) على أنها تتعلق بالتوجه النظرى العام لكل من " روديجر" و " فيلك " ، إلا أننا ما أن نتساءل عن الوظائف الاجتماعية للمنتج الثقافى ، أو بعبارة أخرى عن دوره الاجتماعى الثقافى الملموس فى إطار العمليات التفاعلية بين منتجى الثقافة ومستقبليها ، فسوف لا نملك إلا أن نسلم بأن التوجه المركزى الأوربى المضمر وما ينم عنه من توجهات تنحو للهيمنة ، لا يخلو من الأهمية . إنما أسهمت هذه التوجهات ذاتها فى الوزن الخاص الذى حظى به هؤلاء المؤلفين ومؤلفاتهم . وقد سبق لى أن عرجت على حقيقة تاريخية مفادها أن مرحلة نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات كانت قد شكلت مناخا اجتماعيا وسياسيا بعينه صدرت فى إطاره الأعمال المذكورة لكل من " كورتيوس" ، و " آورباخ " و " فيلك " .


والسؤال المطروح الآن : هل كان العمق النظرى لهذه الأعمال هو مبعث نجاحها ، أم أنها قد لبت على نحو مفجع حاجة ( غربية) ما فى ذلك الوقت تماثل " الحاجة" إلى إطلاق الحرب الباردة ، أوإلى المكارثية ، أو تأسيس سلف حلف شمال الأطلنطى ؟ على أية حال فإن الترحيب الذى لاقته تلك الكتب الثلاثة ليبعث على الحيرة . وقد أكدت خبرتى فى كل من "بون" و " بوخوم" أن هذا التوجه قد ظل مستمرا على نحو قوى بعد ذلك بعشرين عاما .
بعد أن حاولت أن أقدم فى غضون الصفحات الماضية تقويما عاما للتوجهات التى تبعث على القلق والملامح التى يشترك فيها المؤلفون الثلاثة الذين تعرضنا لهم ، فلنعد الآن لننظر فى أمر "كورتيوس" :


* * * * * * *

كما سبق أن رأينا فقد أسس " كورتيوس" نظرية الأدب الأوربى على المواضع المشتركة المستمدة من الرموز النمطية الأولية الخاصة بحقبة العصور الوسطى اللاتينية ، وهى التى يعتقد بمصادفتها المرة تلو الأخرى فى الأعمال الأدبية للكتاب الأوربيين . ولما كان " كورتيوس" من أنصار التوجه الفلسفى الأنثروبولوجى الذى يبحث عما يدعى ثوابتا فى المبتكرات البشرية ( لا ننسى هنا أنه كان عضوا فى الحلقة الفلسفية بجامعة بون خلال الثلاثينات ، إلى جانب "إريخ روتهاكر" أستاذ الأنثروبولوجيا الفلسفية) ، فقد راح يفتش عن تلك الثوابت فيما زعم أنه "أدب أوربى " . ويبدو أنه كان مقتنعا بأنه يمكن العثورعليها فى الإبداعات الأدبية للكتاب الأوربيين المعاصرين حيث كان يرى فيها نوعا من استعادة رموز وأغراض وصيغ بلاغية ترجع إلى العصور الوسطى اللاتينية. أما ما يقصد إليه هنا فمفهوم للإرث الثقافى يتشح بستاتيكية لاتاريخية بينما يحوى مستودعا ذاخرا بالموتيفات والأغراض . وقد دار جدال بين " كورتيوس" و منظرى النازية فى أوائل الثلاثينات من القرن الماضى ، أى قبل صعود الفاشية إلى سدة الحكم فى ألمانيا ، حول الإرث الثقافى للألمان . فبدلا من الاعتماد على المصادر المحدودة للأساطير والقصص الخرافية فى التراث الألمانى ، وهو ما كان يشكل السياسة الثقافية للنازى ، دعى " كورتيوس" بحماس شديد إلى ضم الميثولوجيا الغنية الماثلة فى حضارة روما القديمة لدعم ما دعاه "الروح الألمانية " ، أو ما صار يدعى على نحو يكاد أن يبزه فى توجهه التقليدى ب"العقل الألمانى " ( وإن كنت أعتقد أن كلمة " روح" هى أكثر قربا لتوجه " كورتيوس" الصوفى من كلمة " عقل" - أنظر مجموعة مقالاته التى نشرت مجمعة فى كتاب يحمل عنوان : الروح الألمانية فى خطر، وكانت قد صدرت كمقالات متفرقة فى الدوريات الألمانية ثم أعيد طبعها فى كتاب عام 1931 ، ليعاد طبعه مرة أخرى فى 1932 ) ( 16 ) . ومع ذلك فاقتراحه الرامى إلى أن تنهل الثقافة الألمانية من حضارة الرومان الوسيطة بدلا من ثقافة الجرمان الأوائل لم يشكل سوى تناقضا ثانويا بينه وبين سلطات النازى . والدليل على ذلك أنه احتفظ بمنصبه على مدى الثلاثينات كلها وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كرئيس لقسم الدراسات الرومانية فى جامعة بون .

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عاد " كورتيوس" لاستئناف محاولاته ، ولكن فى هذه المرة مع توسيع مقترحه ليشمل كافة الآداب الأوربية ، بدلا من أن يقتصر على ألمانيا أو يركز عليها وحدها . فقد صار الآن داعية للتفتيش فى الحضارة الرومانية العتيقة عن المواضع ذات الأنماط الأولية المشتركة بين تلك الآداب باعتبارها تشكل ما يتصور أنه هويتها الأوربية .

صادفت نظرية " كورتيوس" نجاحا منقطع النظير فى الغرب على النحو الذى أشرت إليه ، خاصة منذ صدور كتابه : الأدب الأوربى والعصور الوسطى اللاتينية فى عام 1948. فإذا علمنا أن عدد المراجعات المنشورة لأعماله باللغات الأوربية قد بلغ (حتى عام 1982) أربعمائة وستة وثلاثين مراجعة (17) ، لأصابنا العجب العجاب ، خاصة وأن أطروحته الصوفية الذاتية ذات التوجه المحض فيلولوجى التى يدعو لها فى هذه الأعمال ، لا تحتمل الصمود أمام اختبار عقلانى صارم . ذلك أنه مما استقرت عليه دراسات التفاعل الحضارى أن الثقافة المستقبلة ( بفتح الباء) فى خضم عملية التلقى يصبح عليها أن تتفق والحاجات المستجدة للثقافة المستقبلة ( بكسر الباء) ، أى أن الأولى تحوَل بما يتناسب والبنية المختلفة لسياق الثانية . وبعبارة أخرى فالعناصر الثقافية المستقبلة ( بفتح السين) ليست هى التى تشكل ثقافة المصب ، وإنما العكس هو الصحيح . ثم أنه ، فضلا عن ذلك ، لمن عوامل الإفقار لما يدعى الثقافة الأوربية أن يصبح فيها الحاضر مختزلا إلى الماضى ، إما فى صورة أسطورة قومية أوعلى هيئة خلاصة متخيلة للذات . إذ لست أحسب أية أصولية متحجرة بعيدة عن هذا المنحى . أما ما يستحق الذكر والتسجيل - فى تقديرى - فهو الأثر الذى تخلفه الثقافة المستقبلة ( بكسر الباء) على ما تستقبله ، سواء كان ذلك الذى تستقبله منتميا لتراث الذات القومية أو للآخر ، وهوالأمر الذى لا شك أنه ينطبق - من بين ما ينطبق - على الميثولوجيا االلاتينية الوسيطة . إذ عندئذ ، وعندئذ فقط تتحقق فى رأينا المساهمة الإبداعية الحقة .

إن مسألة الهوية لأمر مركب ، إذ يمكن النظر إليها فى علاقتها بالماضى من منظور هيجلى – على سبيل المثال - باعتبارها " ذات تاريخية " ، فهى تستدعى الماضى لتدعم به احتياجات الحاضر ، إذ أن ما يحكم تلك الخيارات الداعمة للهوية ، إن لم يحددها ، هو النسق الثقافى الاجتماعى الذى يستقبلها .
سبق أن أوضحت أن نظرية " إرنست روبرت كورتيوس" تقوم أساسا على
نظرية الأنماط الأولية عند " كارل جوستاف يونج " . إلا أن المشكلة بالنسبة لكل من نظرية التحليل النفسى ل" سيجموند فرويد " ونظرية علم النفس التحليلى عند " كارل جوستاف يونج " أنهما يصدران عن فرضية رئيسة مفادها أن الماضى يحكم الحاضر ، وإن كان ثمة فارق هام بينهما : ففى حالة فرويد نجد أن العلاقة بين الماضى والحاضر سببية ، قابلة لأن تعقل ، أما فى حالة " يونج" ، فهى لا تخضع لعقل أو حساب ، إذ تنطوى على ضرب من الصوفية والرمزية الجماعية . على أن كلا من نظريتى " فرويد" و " يونج" يقوم على بحث حالات علاجية أغلبها مرضى . أما علاج مثل هذه الحالات فيرتكز على ضرورة تحويل العلاقة العصابية ، أو الذهانية أحيانا بالنسبة للواقع من ماض يحكم الحاضر نفسيا إلى حاضر يتخلص من هيمنة الماضى عليه ( إما باعتبار ذلك الماضى تجربة مكبوتة عند فرويد ، أو افتقارا إلى الوعى بالأنيما ( أى إضفاء الحياة الروحية على المخلفات العتيقة والآثار البائدة وما يتصل بها من أنماط أولية عند يونج ) .

إن نظرية الأدب الأوربى كما وضعها " إرنست روبرت كورتيوس" تقوم على ماض لا يخضع للحساب ، وإنما يصدر عن محض أساطير يرى أنها تثرى وتوحد ما يدعوه الحضارة الغربية . فهو يرى أن مثل هذا الزخم المتمثل فى خرافات العصور الوسطى اللاتينية كفيل بأن يحقق التماسك والتعاضد بين الأوربيين ، وأن يميزهم عن غيرهم من الشعوب ، ومن ثم يمنحهم هوية خاصة بهم لا شريك لهم فيها . وهنا أتساءل : أليس هذا المسعى هو الذى" يكفل" للأوربيين على وجه التحديد ريفية من نوع جديد ، ومن ثم يحيلهم إلى ضرب من جنون العظمة على النحو الذى تفضى إليه العديد من الأساطير الاجتماعية مثل النزعة الذكورية ، والمواقف الاستعلائية الخ ؟
ومع ذلك فمن حسن الطالع أن الأمر لم يبلغ بعد هذا الحد من الريفية على مستوى السياسة الدولية ، إذ نجد ، على سبيل المثال ، مشروعا للتعاون
الأوربى المتوسطى يدعى فى صورته المختصرة " يورو ميد" ، وهو معنى بالتعاون الثقافى بين شعوب جنوبى أوربا وشمالى أفريقيا وتلك الواقعة على الضفاف الجنوبية للبحر المتوسط فى قارة آسيا .

على أنه مع كل ما يشوب نظرية " إرنست روبرت كورتيوس " من قصور واضح للعيان ، إلا أنها ليست خلوا تماما من بعض النظرات الصائبة . فقد كان صاحبها - على سبيل المثال - محقا حين أعرب فى كتابه " الأدب الأوربى والعصور الوسطى اللاتينية " عن أسفه الشديد لسمة التشظى التى سادت دراسات مختلف الآداب الأوربية فى الجامعات الغربية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، ذلك التشظى الذى لا يلبث أن يفضى إلى افتقاد أى معنى أو دلالة تتسم بأى اتساق ( 18) . ومع ذلك فلا أعتقد أنه كان على حق عندما حاول أن يعثر على ما دعاه " مواضع مشتركة " Common Places (
تعلو على الزمان والمكان ( أى على السياقات الثقافية الاجتماعية بما يتميز به كل منها من خصوصية ) فى تغلغلها فى الآداب الغربية من "أوفيد" و "فرجيل" ، إلى "دانتى" و ” ديديرو" ، وذلك بما حاول أن يثبت به وجود ثمة وحدة تجمع بين تلك الآداب وتجعلها متميزة على سواها من خلال "أوربيتها". وإلا فليقل لنا – تأسيسا على منطقه هذا - كيف كان انبهار " جوته" ب " حافظ الشيرازى " معبرا عن ظاهرة " أوربية " وليست فارسية ؟ ( 19) . أو كيف لنا أن نحكم على " قصة الليلة الثانية والسبعين بعد الستمائة" التى حاكها " هوجو فون هوفمنستال " على غرار ألف ليلة وليلة ؟ أكانت هذه كلها متحدة على نحو صوفى بالشعر الفارسى و الليالى الشرقية أم أن أصحابها كانوا أدباء ألمان ونمسويين يعبرون عن سياقات تاريخية خاصة بكل منهم فى المقام الأول ؟ وإنى لأحدد هنا عن قصد: كتاب ألمان ونمسويين ، إذ أن "هوفمنستال " لن يلبث أن يتلوع ألما فى قبره لو علم أن أحدا أطلق عليه صفة " كاتب ألمانى " ، مع أنه كان يكتب بالألمانية ! والأمر نفسه ينطبق على كثرة من أدباء أمريكا اللاتينية الذين يؤلفون بالإسبانية والبرتغالية ، فهم لا يحتملون مجرد أن يوحد بين أعمالهم وآداب شبه الجزيرة الإيبيرية . فعندما التقيت بالأديب البرازيلى والعالم الأنثروبولوجى الشهير " دارسى ريبيرو" فى " ريو دى جانيرو " عام 1993 ( وقد رحل عنا بعد ذلك بثلاثة أعوام فى 1996 ) كان حريصا على أن يقول لى :

لا يمكن أن تطبق محكات أوربا وأمريكا الشمالية على
ثقافات ومجتمعات أمريكا اللاتينية ( 20)


أما الشاعر والناقد الكوبى الذائع الصيت "روبرتو فيرنانديس ريتامار" (توفى مؤخرا عن قرابة التسعين عاما فى كوبا ) فقد سبق ذلك بأن كتب فى عام 1975 قائلا أن المحكات الأوربية ، سواء كانت يسارية أم يمينية ، لا تصلح للحكم على آداب أمريكا اللاتينية :

فهى جميعا ، بما فى ذلك أدوات ومفاهيم الشكليين الروس ، والأسلوبيين الأسبان ، وأصحاب النقد الجديد فى أمريكا الشمالية ، و "بارت" وتلامذته ، وعلى التتابع كل من " لوكاتش" ، و " كودويل" و " برخت " قد تمخضت جميعها عن ممارسات أدبية محددة . ومن المؤكد بالطبع أن كثيرا من هذه المفاهيم له مصداقية تتجاوز ممارستها بكثير ، ولكنه من المؤكد أيضا (...) أنها تتناسب مباشرة مع الأصول التى عنها انبثقت ( هذه المفاهيم ) ( 21 ) .

ولعل بيانا كهذا خليق بأن يبعث فينا الدهشة ، خاصة وأن " رينيه فيلك" ، الممثل الرئيس للمدرسة الأمريكية فى الأدب المقارن ، يعتبر أدب أمريكا اللاتينية جزءا لا يتجزأ مما يدعوه "الأدب الأوربى" ، متأثرا فى نظرته ( الفيلولوجية ) هذه بكل من نظريتى " إرنست روبرت كورتيوس " و " إيريخ آورباخ " .

لنا – إذا - أن نخلص فى المقابل إلى أن مجرد الاشتراك فى لغة من اللغات لا يعنى بالضرورة مشاركة فى الهوية نفسها ، بل ولا حتى فى محكات الحكم على إبداعات أدبية نابعة من سياقات جد مختلفة ثقافيا واجتماعيا ، خاصة حين يبعد بعضها عن البعض الآخر بمثل ما تبعد به أمريكا اللاتينية عن إسبانيا والبرتغال . ولعله مما يستحق التأمل فى هذا المجال أن نلقى نظرة فاحصة على العلاقة بين الأدب الآيرلندى الناطق بالانجليزية ، وأدب المستعمر الانجليزى لآيرلنده ؟ فهل كان الأول مجرد " تنويعة " بالنسبة للثانى ؟! أم أنه علينا أن نعى بدقة أن الأول هو أدب المستعمر ( بفتح الميم ) سابقا ، بينما الثانى هو أدب المستعمر(بكسر الميم ) ؟

مع ذلك كله ، وعلى النقيض من كل ما أتينا به من آراء تحث على الوعى بخصوصية الأدب البرازيلى فى مقابل البرتغالى ، والآيرلندى فى مقابل الانجليزى ، فالبعض يرى أن مجرد التأليف بإحدى اللغات الأوربية يعتبر كافيا - فى حد ذاته - كى يضم لما يدعى " الأدب الأوربى " . من ذلك أنه قد صدر باللغة الفرنسية فى عام 1993 ، فى سلسلة " آشيت " التثقيفية ، كتاب مهول الحجم فى 1025 صفحة يحمل العنوان التالى : تاريخ الأدب الأوربى . وقد نجح محررا هذا الكتاب: بنوا – دسوسوا ، و " جى فونتين " فى أن يستكتبا مائة وخمسين أديبا يؤلفون بلغات أوربية ، وإن كانوا ينتمون لقارات عديدة (بعضها يبلغ من الاختلاف والبعد عن بعضه الآخر كبعد الهند عن انجلترا ، والمغرب الأقصى وغانا عن فرنسا والبرتغال ) ، بينما يدعى محررا الكتاب أنهما ليسا من أنصار المركزية الأوربية مع أنهما يسعيان لإثبات " مصداقية " فكرة الأدب الأوربى . وهكذا فإن محررى هذا الكتاب يعتقدان أنهما قد تمكنا من تجنب المركزية الأوربية من خلال تنظيمهما لهذه التظاهرة الدولية لصالح ما يعتقدان أنه " هوية ثقافية غربية " ! وتقوم هذه الفرضية اللغوية على استخدام اللغات المنتشرة فى أوربا ( وهنا لا أدرى – مثلا - إذا ما كانت اللغة الآيرلندية تعد واحدة منها ، خاصة وأنه لم يرد لها أى ذكر فى هذا الكتاب ! ) على ما يدعوه المحرران تراثا إغريقيا رومانيا مشتركا بين جميع الأوربيين ، فضلا عما يجمعهم من إرث يهودى – مسيحى وأوربى شمالى مشترك.

إلا أننا ما أن نتفحص الحجة الأولى التى تحيل إلى الإرث الإغريقى الرومانى ، حتى نحيل أصحابها إلى كتاب مارتن برنال : أثينا السوداء ( 1987) الذى يوضح أن كلا الثقافتين الإغريقية والرومانية طالما دانا بالفضل لمصر القديمة وحضارة ما بين النهرين ( 22 ) . ومع ذلك فإنى لا أتردد فى تطبيق المحكات التى أعملتها فيما سبق على ما توصل إليه برنال نفسه من نتائج بالمثل . فبغض النظر عن كم " ما استعاره " الإغريق والرومان عن مصر القديمة ، إلا أنه مما لا شك فيه أنهما قاما ( فى خضم عملية التثاقف هذه ) بتغيير وتعديل ما استعاروه صدورا عن اختلاف حاجاتهم الاجتماعية الثقافية . ومن هنا فليست الثقافة المرسلة ( بكسر السين ) هى مربط الفرس ، وإنما الثقافة المستقبلة ( بكسر الباء ) . لذلك فتوجهى البحثى إنما يمضى على العكس من ذاك الذى تتبناه المدرسة الفرنسية التقليدية فى الأدب المقارن ( مدرسة التأثر والتأثير ) .
إذا ما عدنا للكتاب الفرنسى المشار إليه من قبل ، وهو الذى حرره
" آنيك دوساسوا " و " جى فونتين " ، لوجدنا أنهما يعتقدان أن ما يدعوانه

" أدبا أوربيا " يحقق انفتاحا على العالم أجمع ، طالما أن كتَابا بحجم "بورغس " ، وبن جلون ، و " نيبول " ، و" كاربنتييه " ينتمون إليه ، ولولم يكونوا هم أنفسهم من الأوربيين ، إذ يكفى أنهم يكتبون بلغات أوربية . ولعل ذلك يذكرنا بقصة الويسكى الآيرلندى فى الولايات المتحدة الأمريكية . فطالما أقبل الأمريكيون على الويسكى الآيرلندى إلى أن حجب تناول المشروبات الكحولية هناك فى العقد الثانى من القرن العشرين . وعندما رفع هذا المنع كان الآيرلنديون منشغلين بحرب استقلالهم عن بريطانيا ، مما جعل تجار الويسكى الاسكوتلندى يستغلون هذه الفرصة ليحتلوا مكان الويسكى الآيرندى فى السوق الأمريكية . وحتى يروجوا لسلعتهم أعلنوا عن استعدادهم لأن يدفعوا فلسا واحدا عن كل كلمة "سكوتش" ، أو " اسكوتلاندى" ترد فى كتابات أى من الكتاب ، وبغض النظر عن السياق الذى تجىء فيه ، مما عجل بفقد الويسكى الآيرلندى لسوقه الأمريكية على الرغم من أنه أعتق بكثيرمن الاسكوتلندى ، كما أنه يخضع للتكرير مرات ثلاث . أما بعد أن حقق تجار الويسكى الاسكتلاندى غايتهم ، فلا بأس من أن " يقروا " بما لنظيره الآيرلندى من " قيمة " عاليه ، فهو " أيضا" نوع من الويسكى ، ولا غضاضة فى أن يعرض – هو الآخر- إلى جانب الاسكوتلندى !

وإن ذلك لشبيه بقصة المنسوجات الهندية المصنوعة من القطن والحرير ، فقد كان الإقبال عليها فى بريطانيا كبيرا إلى أن احتلت انجلترا الهند . عندئذ قام المستعمر البريطانى بتحطيم صناعة النسيج الهندية ، وإجبار المستهلكين الهنود على شراء المنتجات البريطانية ( 24) . أما بعد أن فقدت المنسوجات الهندية المصنوعة من الحرير والقطن سمعتها وصارت نسيا منسيا ، فلا بأس من الاعتراف بتأثر " هرمان هسه " بالروحانية الهندية ، أو " آرتو" بالمسرح الشامل فى إندونسيا ، طالما أن”الحضارة" الغربية صارت مهيمنة على العالم بأسره ..


* * * * *


والآن فلنتوقف لبعض الوقت أمام " إريخ آورباخ" ، وما قدمه من إسهام لدعم المركزية الأوربية . لقد اعتمد " آورباخ " على الحدس كمنهج يستعين به على التعامل مع النصوص . ومن ثم فهو شديد القرب من نهج "النقد الأمريكى
الجديد" . إذ أنه بتوليفه لما يدعوه " طريقة رؤية الواقع " Anschaungsweiseفى كل من الأعمال الأدبية للكتاب الأوربيين ، يصل إلى نتيجة مفادها أن طريقة عرضهم للواقع الاجتماعى
يختلف عن Darstellungsweiseأو بالأحرى أن أسلوب محاكاتهم للواقع
طريقة النظر إليه . هذا بينما يرى أن توليفة الجمهور منفصلة تماما عن كلا الاثنين . وهو الأمر الذى يجعل " آورباخ " يذهب إلى أنه لا سبيل إلى التعرف على الواقع الاجتماعى الذى يحاكيه النص ، على الرغم من أنه – أى النص - يحيل - هو نفسه - إليه . وعليه فالواقع ، أو بالأحرى، استراتيجية المحاكاة التى يستنها المبدع إنما تضاهى عند " آورباخ " الحيل الداخلية فى الأعمال الأدبية ، أو ما يطلق عليه بالألمانية (الوسائل الفنية ) Kunstmittel
عندما يوظف المبدع هذه الحيل ، فهو يحيل إلى الواقع الخارجى ( بالنسبة للعمل الأدبى ) ، أما ممارسته للكتابة كمبدع ، أى طريقته فى رؤية الواقع
وتقديمه ، فتظل قابعة - عند آورباخ - فىعالمه الذهنى الخاص ، وفى العمل الفنى الذى ينتجه . فلا سبيل – عنده - إلى الاستدلال من الواقع الذى يعرضه العمل الفنى على أية سمات للواقع الخارجى ( الموضوعى ) بالنسبة لذلك العمل . فالأدب لا يعكس الواقع ، واستراتيجية المحاكاة إنما هى محض إحالة لعملية داخلية تتعلق بذاتية العمل الفنى واستقلاله عن الواقع الخارجى ، فهى عنده استراتيجية تولدت تاريخيا عبر العصور ، حيث يحاول أن يعرض لها على
مر ما يزيد على الثلاثة آلاف عام ، من حضارة الإغريق إلى يومنا هذا ، بما
يجعلها تحقق فى نهاية المطاف سياقا ثقافيا مشتركا وموحدا للأوربيين . أما
وجه المفارقة هنا فهو أن ميل " آورباخ " لأقنمة الظواهر ( الإبداعية ) بفصلها عن خصوصية سياقاتها الثقافية الاجتماعية ، لا يلبث أن يفضى فيما ينتج عن ذلك من تاريخ للواقعية ، أو بالأحرى من تاريخ لصيغ المحاكاة الأدبية التى صارت تشكل علة الوجود عند " آورباخ " ، وشغله الشاغل كباحث ، إلى عمل مثالى مصطنع يغلب عليه الطابع اللاتاريخى . ولا شك أنه تعين على " آورباخ" فى درسه لبنية الجمهور عن طريق ما أطلق عليه "توليفة الجمهور " أن يوظف مفاهيم وأدوات البحث الاجتماعى . فإصراره على أنه لا بد من النظر إلى عملية التلقى باعتبارها منفصلة تماما عن عملية إنتاج العمل الأدبى ، وأنها لا تفيدنا عنه شيئا أيا ما كان ، لا يسهم وحسب فى دعم تصور العمل الأدبى بوصفه عملا ذاتيا قائما بنفسه خارج إطار التاريخ الاجتماعى ، ومن ثم ينتمى إلى تاريخ منفصل للأدب يغص بالحيل الفنية ، والموضوعات المشتركة ، وغير ذلك من الظواهر اللاتاريخية التى لا تتغير أو تتبدل ، إنما تصبح عنده عملية التلقى- هى الأخرى - بعجزها عن أن تتفاعل على نحو إيجابى مع العمل الأدبى فى سياقه الاجتماعى ، بمثابة محاكاة ساخرة للظواهرالتاريخية . ولعل عدم كفاية توجه " آورباخ " قد صار بينا للعيان من خلال المثال التالى الذى يفصح عن مدخله المنهجى :

فى معرض تقديمه للأمثلة التوضيحية لما قصد إليه من انعدام التلاؤم بين أسلوب المؤلف فى تلقى الواقع والطريقة التى يسلكها فى تقديمه فى عمله الأدبى ، والفصل الناجز بين هذين العمليتين وعملية استقبال العمل الفنى ، حاول " آورباخ " أن ينقد ( فى دراسته : البلاط والمدينة ) " هيبوليت تين " فى زعمه أن الاعتراف الذى حظى به المسرح الكلاسيكى فى القرن السابع عشر كان مصدره الذوق السائد لدى البلاط الفرنسى آنذاك ( 25) . فقد رآى
" آورباخ " أن نجاح المسرح الكلاسيكى التى كانت تمثله أعمال " موليير" فى تلك الحقبة فى فرنسا ، إنما يرجع إلى حلف من نوع خاص ، تمثل فى أيديولوجية " الرجل النزيه " ، وكانت أطرافه ذلك الشطر من أرستقراطية الأرض التى فقدت ملكيتها ، بينما وظفت من جانب الملك كتشريفاتية ووصفاء وسكرتارية ملكية الخ ، من جهة ، وشطر آخر من البرجوازية التى فضلت عدم الانخراط فى النشاط التجارى بما يحفه من مخاطر فى وقت كان الاقتصاد فيه مأزوما ومعتلا ، مما جعل هؤلاء البرجوازيين يفضلون شراء الألقاب الفخرية من القصر الذى رحب بدوره أن يبيعها لهم نظرا لحاجته إلى المال .
ولعل فرضية " آورباخ " القائلة بتوليفة لجمهور المسرح من خلال اتحاده تحت إطار أيديولوجية مشتركة متمثلة فى تلك التوليفة ، كما هو موضح من المثال السابق ، يبين لنا منهجه الذى حرص فيه على أن يفصل الواقع الاجتماعى ، أو ما أفضل أن أطلق عليه " السياق الثقافى الاجتماعى " ، عن التوليفة النفسية الاجتماعية لجمهور العمل الفنى . وهو فى ذلك يقترب بشدة من توجه " علم اجتماع المعرفة" ، وبخاصة من مدخل " كارل مانهايم " الذى يفصل بدوره بين ما يدعوه " الفئة الاجتماعية "، و"الفئة الفكرية
الإبداعية". (26)

إن المدخل النظرى الذى تبناه " آورباخ " ، والذى وقف منه تلميذه
" فرنر كراوس " موقفا ناقدا ، قد أدى بالأول إلى تلق لاتاريخى للأدب على
مدى ثلاثة آلاف عام حتى يتوصل على نحو حدسى لما أطلق عليه " الأدب الأوربى " . فعنده أن " وحدة " الأدب العالمى مصدرها هو طريقة عرضها فى الآداب الأوربية ، أو بالأحرى فيما يدعوه " الأدب الأوربى " . وعليه فوحدة الثقافة العالمية إنما تتحقق بواسطة عملية تلق لاتاريخية . فهو يرى الثقافة طبيعة مستقلة تمام الاستقلال ، تقف على النقيض من المجتمع . أما تلميذه السابق " فرنر كراوس" ، فيرى أن للأدب والثقافة استقلالا نسبيا ، ولكنهما مع هذا الاستقلال النسبى فى علاقة جدلية مع العمليات الاجتماعية . فهو – أى " فرنر كراوس" – يختلف مع " آورباخ" فيما ذهب إليه من تفسير لأيديولوجية
" الرجل النزيه " ، إذ يرى فيها انعكاسا لتحالف بين أرستقراطية أرض افتقرت ، ومن ثم صارت تتطلع لإستعادة قوتها الاقتصادية والسياسية التى ضاعت ، وبورجوازية كانت تصبو لأن يصبح لها نفوذا ، إن لم يك بأسا سياسيا ، وإن اخذ نبلاء الأرض الذين افتقروا دور المبادرة فى هذا الحلف . من هنا فقد وجد
" كراوس " أنه يمكن التعرف على العمليات الاجتماعية متمثلة فى ذلك الولع الأيديولوجى بأعمال أدبية ومسرحية ذات طابع معين فى فترة تاريخية محددة من تاريخ أحد المجتمعات .
يمكن- إذا- تلخيص ما سبق على النحو التالى : أنه لمن المستحيل – فى نظر
" آورباخ" – أن ننظر إلى العمل الأدبى فى محاكاته للواقع حتى نرى ذلك الواقع المحاكى ( الواقع خارج العمل الأدبى ) . إذ يتمتع العمل الأدبى عنده بالاستقلال التام عن كل ما هو خارجى بالنسبة له . أما بالنسبة لتلميذه السابق ونقيضه النظرى " كراوس" ، فالأمرأدعى لأن نتحدث عن استقلالية نسبية ( وليست مطلقة ) للأدب . وهو ما يعنى أن العمل الأدبى يعكس على نحو غير مباشر، ومن ثم " متوسط" ( بفتح التاء والسين ) ، مختلف الأيديولوجيات والعلاقات الاجتماعية . أما بالنسبة ل" آورباخ" فهذا هراء لا مصداقية له . فهو يرى أن واقعية الأدب تكمن فى البنية الداخلية للعمل الأدبى ، إذ هو محض اختراع لواقع لا وجود له إلا فى داخل العمل الإبداعى . أما كيفية تواصل المتلقين مع تلك "الظاهرة الأدبية الداخلية" ( الواقع كما يصفه أو يصطنعه العمل الأدبى ) فيمكن أن تنبئنا عنهم ، و لكن ليس عن العمل الفنى . وهكذا فبالصدور عن العمل الإبداعى يزعم " آورباخ" أنه يستحيل التعرف على الواقع الخارجى بالرجوع إلى ذلك العمل الإبداعى ، بينما يرى أن تحليل الجمهور ينبؤنا ببعض الأمور عنه وعن أيديولوجيته أو أيديولوجياته . أما الأيديولوجيا والجمهور فكلاهما عند " آورباخ" منبت الصلة بالآخر . فأيديولوجية " الرجل النزية" مشاع قائم بذاته ، علما بأن اختلاف المواقف الاجتماعية لحاملى هذه الأيديولوجية لا يمكن التعرف عليه باعتباره عملية تاريخية ، وإنما فقط كوضع ثابت . فالأيديولوجيا على الرغم من انغماسها فى العلاقات الاجتماعية ليست سوى وضعا ثابتا مثبتا عند " آورباخ". أما عند " كراوس" فهى عملية ، بل هى
فوق ذلك عملية جدلية ، طالما أن هنالك صراع دائر . وهى متضمنة فى تجمع نبلاء الأرض الذين افتقروا ، وعليه فقد اتحدوا مع البرجوازية . فبفضل وجود هذا الصراع فى فترة معينة من تاريخ المجتمع الفرنسى ، حتى أنه تسلل بطريقة غير مباشرة ( متوسطة ) إلى أعمال " موليير" ، على سبيل المثال ، مما جعلها تترك بصمتها على طريقة عرضها على الجمهور ، فقد أصبح من الممكن التعرف على دلالة الحركات والإيماءات المعروضة على خشبة المسرح ، ومن ثم فك شفرتها التاريخية الاجتماعية وتفاعلها المتبادل مع الجمهور . أصبح الأدب – إذا- فى نظر " آورباخ" مستقلا تماما ، بمعنى أن الأدب - كل الأدب - بما فى ذلك الواقعية الأوربية ، موجودا لذاته وبذاته فقط ، ولا علاقة له بأى واقع خارج العمل الأدبى . فالأديب أو الشاعر " يحاكى" الواقع ، أما الأسلوب أو الطريقة التى " يستقبل " بها ذلك الواقع ويصورة فلا علاقة لها بالواقع الذى تحاكيه. ومن ثم فلا توجد أية شبهة لانعكاس الواقع فى الأدب . ولعل الفجوة التى يرى " آورباخ" أنها تفصل بين الاثنين تستدعى فى الذهن نظرية "افلاطون " التى تقول بفصل مماثل بين الظواهر باعتبارها مجرد تمثيل للفكر من جهة ، والعالم الأصلى للأفكار فى ملكوته ، من الجهة المقابلة . فأن يعتمد الأدب على استراتيجية المحاكاة التى تتيح له أن يقدم تفسيرا متخيلا للواقع ، هذا هو المفهوم الذى يأخذ به " آورباخ " ، مستعيرا إياه عن" إفلاطون " ، بتطبيق نظرية "إفلاطون "هذه على الحاجات المفترضة لنخبة ذلك الزمان ، تلك النخبة التى كانت حريصة على أن تفرغ واقعية الأدب ( ومن ثم واقعية المسرح ، والتصوير الخ ) ، من خصوصية تفاعلها مع الواقع الاجتماعى . من هنا كانت إحالة فكرة " الأدب الأوربى " إلى تراث الإغريق والرومان . فالصلات المعقودة بين الآداب الحديثة فى أوربا وتراث الإغريق والرومان تغلب عليها الأيديولوجيا أكثر مما تقتفى أثر الحقيقة . ذلك أن تأويل وجود لأدب أوربى ذاخر بتراث هيلينى ورومانى قديم لا يضاهيه إلا خلع شرف العمق التاريخى عليه ، وتصويره بأنه مفعم بحكمة القدماء وفلسفاتهم التى لا يبلوها الزمان ، بل وبحيلهم الفنية وصورة ما تحلوا به من قيم .ٍ وهوفى نهاية المطاف ينظر من عل إلى الآداب غيرالأوربية بما أنها لا تنتسب إلى ذلك الإرث الإغريقى الرومانى بما صار يتمتع به من شهرة عريضة ومكانة رفيعة . فربط الأدب الأوربى ، باعتباره مرادفا ل"الأدب" فى المطلق ، بتراث قديم لا يعلى عليه بينما يقدم نموذجا حاسما ( أواستراتيجية محاكاة ) تصلح لكل زمان ومكان ، إنما يهمش كافة الآداب غير الأوربية ويجعلها تبدو وكأنها أدنى منه . فهى فى أحسن الأحوال آداب بدائية ، تبدو فى علاقتها بالآداب الأوربية المتحلية بتراث الإغريق والرومان كالقرد بالنسبة للإنسان فى نظرية النشوء والارتقاء عند داروين ، إلا فى حالة ما إذا كانت آداب القارات الأخرى تدين بالفضل للأدب الغربى وتعتبر نفسها فرعا وامتدادا له . إن هذه النظرة الأيديولوجية التى تخلو من أية وعى بإلإسهامات غير الأوربية إلى آداب العالم ، لا يمكن لها إلا أن ترى الرواية أو المسرح الحديث غير الأوربى إلا متأثرا بالغرب . وهكذا فالسيادة الثقافية للغرب قد صارت مؤسسة إلى حد ما على أفكار " آورباخ " واستقبالها وإعادة تأويلها ، أى على بناء أيديولوجى يصطنع نظرية المحاكاة ليعرف بها الأدب على أنه مستقل بشكل مطلق عن كل ما عداه ، ومن ثم تقوم برفض كل إنتاج أدبى يتفاعل مع الصراعات الاجتماعية أو يتدخل فيها ، وذلك بأن تلقى به فى هاوية " أشكال التعبير غير الأدبية " .

أما بالنسبة ل" آورباخ" فى توجهه الهومانستى الغربى ( الذى يعتمد آثارالإغريق والرومان تراثا للحضارة الغربية ) إذ يقفز بما له من حمية تميل بشدة للتجريد فوق الحدود الموضوعية بين الآداب الغربية ، فإنه ينكر عليها خصوصياتها وطرق تفاعلها مع متلقيها فىإطار كل منها التاريخى والثقافىالاجتماعى . وهو، فضلا عن ذلك، يقصر هذه الوحدة اللاتاريخية التى
تعادل التجريد الأجوف عند "هيجل" على الآداب الأوربية . وإن هذه السمة لتبرر مناقشتنا لمساهمته فى سياق محاوراتنا النقدية مع كل من " رينيه فيلك "
و " إرنست روبرت كورتيوس " ، باعتبارهما من أقطاب المركزية الأوربية فى نظرية الأدب . أما حين يتعلق الأمر بالذين يتحدون المركزية الأوربية من أمثال الراحل " إدوارد سعيد " ، فإن تقاربهم الفكرى ، واعترافهم ب " آورباخ " ليصيبنا بشىء من الحيرة . ولعله مما يستحق الذكر أن مفهوم " آورباخ " عن " الوحدة الثقافية " قد سبقه إليه " فيكو" فى كتابه "مبادىء علم جديد " الذى قام " آورباخ" بترجمته إلى الألمانية لينشر فى عام 1924
تحت العنوان التالى : العلم الجديد - حول الطبيعة المشتركة بين الشعوب ( 27 ) . أما سعيد فقد ذكر فى محاضرة له ألقاها فى جامعة القاهرة ( منذ قرابة العقد من الزمان ) أنه قام بترجمة مقال ل "آورباخ" من الألمانية إلى الانجليزية .

* * * * * *

توحد سعيد ب" آورباخ " الذى رفض كرسى أستاذية فى جامعة " لايبزج " بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كان قد عرضه عليه تلميذه السابق " فرنر كراوس " ، وفضل عليه أن يهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية دون أن ينتظره عمل هناك أو موارد مادية . فقد ظل يشارك ابنه الذى كان يدرس فى أمريكا غرفته فى بيت الطلاب ، إلى أن انتبه إلى حاله هذا من كانوا يقدرون كتاباته ودبروا له أستاذية فى إحدى الجامعات الأمريكية حيث أمضى الشطر الأخير من حياته . ولعل ذلك يوضح مدى تحفظ إن لم يكن بغض آورباخ للاشتراكية . أما سعيد ، فعلى الرغم من أنه عاش الشطر الأكبر من حياته فىالولايات المتحدة ، إلا أنه استعان بالفكر الماركسى كإطار مرجعى رئيس فى نقده للاستشراق الغربى وللإمبريالية الثقافية . ومع ذلك فعلى العكس من " بيير بورديو" و " يورجن هابرماس " بمفهوم هذا الأخير عن " استعمار عالم الحياة " ( الذى يعنى به استعمار حميمية الحياة اليومية بإيقاعها الطبيعى ) ، فإن سعيدا لم يستطع أن يبلور مدخلا نظريا متماسكا لتفسير الظواهر التى عنى بنقدها . لذلك فقد ظل نقده للاستشراق الغربى أخلاقيا طالما أنه كان قائما على التوجه المركزى الأوربى ذاته لأصحاب نظرية الأدب الأوربى . ففى لقاء تليفزيونى له ( مع رتشارد كيرنى ) سلم سعيد منذ بداية الحديث بوجود أدب وثقافة أوربية دون أن ينتبه إلى ما ينطوى عليه ذلك المفهوم من ريفية عرقية ( 28 ) . إذ يبدو أن ما كان يعارضه إنما هو التوجهات العنصرية الفجة لبعض المسشرقين الغربيين ، تلك التوجهات التى لم تكن بحاجة لجهد كبير لكشفها وتعريتها ، والتى لم يشارك فيها أحد من الباحثين الأوربيين ذوى الحس النقدى من أمثال الراحل " إتيامبل " . أما مهمة الباحث الحقيقية فهى تعرية الخطاب المركزى العرقى غير المباشر الذى قد يصعب ملاحظته . وهو ما قد يجعل المرء يعتقد أن سعيد كان يأخذ الأمور أحيانا على عواهنها ، إذ لم يتوخى الحذر بدرجة كافية بإزاء الأفكار الشائعة ، من ذلك على سبيل المثال تهليله – فى بادىء الأمر- لنظرية الزنوجة عند " سنجور" بينما هى قائمة على أخرى عرقية مركزية للإثنولوجى الألمانى المحافظ " ليو فروبنيوس" ، تلك النظرية التى تقول بثنائية العقلانية الفرنسية والفكر التأملى الألمانى .

تأثر سنجور بشكل واضح أثناء إقامته فى فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية بتوجه الباحث الألمانى المحافظ " ليو فروبنيوس" . فقد اعتمد على ترديد
الكلمات النمطية نفسها ل" فروبنيوس " لينشء وعيا تعويضيا " جديدا" بسنغال محررة سياسيا ، وإن كانت ما فتئت ترتع فى التبعية الاقتصادية والثقافية . فبدلا من الروح الجرمانية ، أو ال" دويتشتوم " ، فقد أحل سنجور
مكانها صورة رومانتيكية " لروحانية" للذات الأفريقية يتمثل فيها تصوره للزنوجة أو الهوية الأفريقية ، بينما يبدو الغربيون فى نظريته محض عقلانيين وحسابيين . ومكافأة له على استعارته الصورة العرقية للذات وصورة الآخر من " فروبينيوس" فقد منح سنجور جائزة " رفيعة " فى معرض فرانكفورت الدولى للكتاب .

كان سعيد قد أشاد فى بداية الأمر بنظرية سنجور فى الزنوجة ، إلا أنه عدل فيما بعد عن رأيه هذا بعد أن نبهته إلى مزالقها فى حديث خاص دار بيننا ، وبعد أن اطلع بالمثل على نقد "سوينكا" لها .

وعلى الرغم من محاولته لبلورة موقف منهجى ثقافى اجتماعى واضح فى
تناوله لقضية الهيمنة والمقاومة التى عالجها فى كتابيه : الاستشراق والثقافة والإمبريالية ، فإن سعيد أحيانا ما كان يقع فى شباك الدعاوى المثالية المجردة ( كتلك التى أطلقها " إتيامبل" فى كتابه : مقالات فى الأدب العالمى بحق ) ، ناهيك عن التعميمات الفيلولوجية السيكلوجية ل" كورتيوس" ، التى رددها من ورائه " فيلك " . وعلى وجه العموم ، فإن سعيد على الرغم من توجهه النقدى المادى فى بعض الأحيان ، إلا أنه كان فى أكثر الأحيان يميل إلى التلفيقية ( ويدافع عنها ) . وقد كان تأثره الواضح بفقه اللغة ( الفيلولوجيا) مبعث قصور نتائجه البحثية عن تحقيق ما كنا نتمناه منه .

ليس الأدب عندى محض كلمات . إذ أن مستوى الكلمات ( سواء كانت منطوقة أم مكتوبة ) ومستوىالإيماءات والإشارات الحركية بالمثل ، له أهميته البالغة . ولابد لنا ، حتى فى هذا المجال من التحليل ، أن نعى الطبيعة الأيديولوجية للمفردات اللغوية والتركيب النحوى والصرفى للجملة . إلا أن الأدب يزيد على مجرد النص المكتوب أو العرض المسرحى . ومع ذلك لا يجوز لنا أن ننظر إلى خاصيته على نحو" فيتيشى " ، وذلك بأن نسبغ المطلقات على نتائجه النسبية . فالأدب باعتباره إنتاجا بشريا إنما هو فى المقام الأول نتاجا تفاعليا ، كما أنه عملية تدور فى إطار العلاقات الاجتماعية . وهو بهذا المعنى عملية تفاعلية إما أن تخدم العلاقات الاجتماعية السائدة ومن ثم تعيد إنتاج ما تردده من أوهام وأيديولوجيات تتعلق بالاستقرار الوظيفى أو المطلق ، أو أن تكون ناقدة لها . لذلك فلست أرى أية ثوابت فى الإنتاج الأدبى ، وبغض النظر عن مصادره التى يلجأ لاستلهامها ، سواء كانت تتعلق بتراث محلى أو قومى أو أجنبى . فالأدب عندى لا يتحقق إلا فى إطار عملية تغير لا تنقطع – بل حتى عندما يحاول أن يحافظ على الوضع القائم حتى يقاوم التوجهات الناقدة التى تدعو إلى التغيير . وبعبارة أخرى فإن الثوابت الأدبية ، أو ما يدعى كذلك ، إنما تتحرك دوما فى إطارعملية تاريخية ، إما فى مركز البؤرة منها ، أو متباعدة عنها إلى أن تفنى وتزول ..

أما نقد سعيد للاستشراق والإمبريالية الثقافية فلا شك أنه مؤثر . إلا أن تقبله ومضيه على النهج نفسه الذى يسلكه أصحاب المركزية الأوربية من منظرى فكرة الأدب الأوربى ( التى روج لها " رينيه فيلك" ووضع أساسها كل من " كورتيوس" و" آورباخ" ) ، يجعل منه ضحية للأيديولوجية ذاتها التى عمل على ضحدها ، الأمر الذى تحقق موضوعيا من خلال إعادة إنتاجه للمركزية الأوربية ذاتها التى من الواضح أنه كان يبغضها كل البغض . فمجرد اعترافه بصورة لوحدة أدبية وثقافية أوربية – الأمر الذى عبر عنه مباشرة وضمنيا فى أكثر من مناسبة – لا يلبث أن يفضى به إلى أن يكرس بالمثل صورة مقابلة ل"شرق" آخر لا وجود له إلا فى الخيال . فكلا مؤلفيه : الاستشراق ، وامتداده : الامبريالية الثقافية ، يعطيان الانطباع بأنهما يعبران عن نقد أخلاقى للمركزية الأوربية . ولعل ذلك يرجع إلى أنهما لم ينجحا فى تجاوز الأسس المنهجية والمعرفية ( الإبستمولوجية ) للمركزية الأوربية . بل أن سعيد يعرب بصراحة عن موافقته على النظرية التى تدعو إلى أدب وثقافة أوربية موحدة ( بما يعنى ذلك من اعتراف ضمنى بتنظير كل من " كورتيوس" و"آورباخ " و" فيلك" الذين يرون فى الثقافة الأوربية "نموذجا أعلى" ينبغى أن يحتذى من سائر الآداب والثقافات !!) . بينما كان لنا أن نتوقع من سعيد أن يعرى الطابع العنصرى والاستبعادى لتلك النظرية ، وأن يدعو فى ذات الوقت إلى أدب عالمى بحق يقوم على التفاعل الحر بين الإبداعات الأدبية على نطاق العالم بأسره دون أية تمييز من منظور مركزية عرقية أو ما يدعى " وجهة النظر الأوربية أو الغربية " . فسعيد لم يبحث بعمق كاف ليستكشف مغالطة الحجج التى تقوم عليها نظرية الأدب الأوربى . وبدلا من ذلك فإنه يؤسس محاجته على نفس المقدمات النظرية التى أتى بها كل من " آورباخ" و " فيكو" ( الذى قام "آورباخ" بترجمته فى العشرينات من القرن الماضى ) ، بل أنه ذهب إلى أبعد من ذلك بأن اقترح على إخوانه العرب أن يأخذوا فكرة وحدتهم الثقافية عن تلك التى نادى بها
" آورباخ" فى دعوته إلى توحيد الثقافات الغربية .

ويحضرنى أن أمثال هذه المحاولات الصوفية اللاعقلانية قد وجدت ولا زالت قائمة فى دعوة البعث إلى الوحدة العربية التى لم تتجاوز مرحلة تبرير الطموحات الاستبدادية للحزب الحاكم فى ظل نظام لا يعرف سوى الحزب الواحد . فقد تصادف أن تعرفت فى بون خلال الستينات على الأستاذ زكى الأرسوزى الذى كان واحدا من أهم مفكرى البعث فى سوريا ، وهو حاصل على درجة الليسانس فى الفلسفة من فرنسا فى الثلاثينات . قدم لى الأرسوزى آنذاك مؤلفاته التى كان من بينها نظريته اللغوية التى تدعى أن اللغة العربية ، على
العكس من اللغات الأوربية ، ليست اشتقاقية ، وإنما هى – عنده – مستمدة فى الأصل مباشرة من أصوات الطبيعة . فصوت خرير الماء- مثلا- يدعى هدير ،
لأنه مستمد مباشرة من صوت انسياب المياه . وجدير بالذكر أن الأيديولوجية
البعثية برمتها قد نشأت كرد فعل لاستيلاء الحكم العثمانى على لواء الاسكندرونة الذى كان تابعا لسورية فى إطار الهلال الخصيب . ومن ثم فنحن هنا أمام تجربة تاريخية محددة أدت كرد فعل تعويضى إلى أيديولوجية لاعقلانية فى سياق اجتماعى ثقافى معين . ومن ثم فالنزعة إلى توحيد ثقافات الأوربيين أو العرب على أسس أسطورية ليست فى الحقيقة سوى استجابة لاعقلانية ومثالية لموقف يستنفر المقاومة ( وهو ما لا يعنى رفض مبدأ الوحدة العربية فى حد ذاته ، وإنما الاعتراض على السعى لتوحيد العرب على أسس أسطورية بدلا من الاستعانة بالمنهجية العلمية الدقيقة ) .

وفى هذا الصدد يحضرنى إبداع الأديب الصينى الواقعى " لو هس يون " لشخصية خيالية دعاها " آه كو" وراح يجسد من خلالها على نحو فكاهى ساخر حالة انعدام الحيلة فى مقابل القهر والذل الذى عاناه الشعب الصينى من القوى الاستعمارية الغربية منذ حرب الأفيون الأولى وما أدى إليه من رفض لاواقعى للغرب . وقد سعى " لو هس يون " إلى أن " يشخص" من خلال " تشخيصه " الفكاهى ما يبعث على استبصار الحيل النفسية التى يلجأ إليها المقهوربإزاء انعدام حيلته . فكل من الأوربيين الذين اخترعوا لأنفسهم أدبا وثقافة " موحدة" فى أعقاب هزيمة النازى ، ثم بعد ذلك فى مواجهة الحرب الباردة ، والعرب بآمالهم المحبطة فى إثر الحرب العالمية الثانية ، سواء كانوا فلسطينيين أو سوريين أو عراقيين أو مصريين ، حاول أن يلتحف بوحدة ثقافية فى مواجهة التهديد الخارجى ( ولا ننسى هنا أن الشروط الموضوعية لأحلام الوحدة العربية مختلفة عما سبقها من سياقات تاريخية). فكل من الأوربيين والعرب يشترك فى بعض السمات ، وإن يكن مع بعض الاختلاف : إذ أن دعاة الأدب الأوربى ، باقتفائهم أثر المستعمرين الأوربيين وفلاسفتهم الاستعلائيين ، يدعون مصداقية عالمية لنموذجهم الأدبى . أى أنهم يعادلون ما يعتقدونه من وحدة أوربية بعالمية لمعاييرهم وصيغهم الأدبية ، وقيمهم الاجتماعية والسلوكية الخ .
ولو افترضنا أن نفرا من المفكرين فى البرازيل أو فى الصين أو فى العالم العربى قد تبنوا هذا التصور الغربى لعالمية ولوحدة ثقافية غربية ، فإن ذلك لا يعنى امتدادا لتأثير الهيمنة الثقافية الغربية عليهم وحسب ، وإنما فى الوقت ذاته تسليما انهزاميا بدعوة لعالمية لا أساس لها ، وضعها وصاغها مفكرون ودعاة لثقافة خاصة صارت سائدة ، أو بالأحرى للعديد من الخصوصيات الثقافية الغربية الواقعة بدرجة أقل أو أكثر تحت هيمنة ثقافة خاصة مسيدة ( يمكن أن نعرفها بأنها الثقافة الشعبية السائدة فى الولايات المتحدة الأمريكية ، مع إضافة بعض المنجزات التكنولوجية إليها ) مما يجعل أصحاب الثقافات الغربية المهيمن عليهم يتصورون أنها قد صارت " ملكا" لهم ، يشاركون فى " بأسها " ونفوذها ، وفيما يتوهمون أنه ثمرة " مشتركة" لفكر رفيع وتراث كلاسيكى ( إغريقى رومانى ) يعتقدونه أساسا لحضارتهم .

ففى ظل أوربا ضعيفة وممزقة ، تغص بقوات الاحتلال الأمريكية فى أعقاب
الحرب العالمية الثانية ، لتصبح منذ 1948 مجرد شريك أصغر للولايات المتحدة ، إذ بنخبها الفكرية وقد أضحت تشارك زملاءها الأمريكيين تصوراتهم بأنهم يستطيعون أن يتطلعوا سويا معهم إلى ماض باهر لا زال يملأ الأوربيين"بالفخار" على نحو يكاد أن يفوق ذلك الإحساس الشعبى العام فى الولايات المتحدة بتفوق الحضارة الأمريكية فى عصرها الحالى . من هنا نرى تلك الحيلة التعويضية ذاتها التى دفعت المستضعف المستذل " آه كو" فى حكايات " لو هس يون" إلى أن "يتسلح" أو بالأحرى يتمنطق بمشاعر تتطلع إلى حضارة الصين الباهرة الضاربة فى التاريخ لخمسة آلاف عام بينما يتلقى الإهانة من غزاة بلاده البرابرة المتفوقين عليه تكنولوجيا وحربيا .


إن كثيرا من مفكرى " العالم الثالث" قد نسوا أن عليهم أن يوجهوا بل يكثفوا قواهم من أجل استعادة الوعى بأهمية تنوع الثقافات الاجتماعية واحترام خصوصية كل منها فى بلادهم ، على ألا يكون ذلك فى صورة دفاعية انعزالية يتوسلون بها لعودة مستحيلة لتراث ماض ( من خلال النظر إليه على أنه ثابت ينتمى للزمن القديم ويتمتع بقيمة أزلية لا تتبدل أو تتغير ) ، وإنما فى مواجهة حية مع الحاجات الثقافية الراهنة للمجتمع ، وفى علاقة تفاعلية تقوم على أساس من الندية الكاملة مع سائر الثقافات الاجتماعية فى العالم . ولا يجوز بالطبع لهذا النهج المناضل الذى يفترض فيه إشباع حاجات الجماهير أن ينطلق من منظور نخبوى ، وإنما عليه أن يسعى لتحقيق ممارسة ديمقراطية حقة لتلك الثقافات . ومعنى ذلك أن هذا المسعى نحو ديمقراطية للثقافة يجب أن يتمثل فى إتاحة الفرصة للطبقات المهمشة اجتماعيا حتى يكون لها نصيب حقيقى فيها ، ومن ثم إتاحة إمكانات التفاعل مع هؤلاء المتلقين الجدد بكل ما يتمتعون به من حيوية تمكنهم من أن يصبحوا هم أنفسهم كمستقبلين للثقافة منتجين لها فى آن .

إلا أنه بدلا من ذلك الذى ننشده ، نجد الكثرة من مثقفى " العالم الثالث " ، يلجأون للأيسر والأكثر إغراءا ، انبهارا منهم برأس المال الثقافى والشهرة الطاغية للثقافة الغربية التى تلقوها ، الأمر الذى يبعثهم على الأخذ بما ترى فيه التوجهات النخبوية السائدة إرثا غربيا " هومانستيا " ( يعود إلى حضارتى الإغريق والرومان ) . بل أن منهم من يسارع بالاستسلام لآخر صيحات الغرب ، كصيحة "ما بعد الحداثة" مثلا . ولعل هذا هو الطريق الأسهل لتأكيد النزعة الكوسموبوليتانية والهومنستية وما كان على شاكلتهما . إلا أن ذلك يفصح فى الوقت ذاته عن كوسموبوليتانية زائفة فى انفتاحها طالما أنها تنكرعلى غالبية الثقافات المهمشة فى العالم إسهاماتها . كما أنها تعبر عن اتجاه هومانستى مشوه فى
" مثاليته" الخضوعة لهيمنة ثقافة خاصة بالولايات المتحدة الأمريكية ، أو ببريطانيا ، أو فرنسا ، أو حتى الثقافة الألمانية ، أو الهولندية التى أثرت فى التكوين الفكرى للكثير من مثقفى " العالم الثالث " .

ولعله من نافلة القول أن نشير إلى أن" نقاد" ما بعد الحداثة الهومانستية ينتمون إلى أولئك الذين يؤمنون صراحة أو ضمنا بتفوق الحضارة الغربية عما سواها . فهم يقصرون ما يفككونه أو يعيدون تدويره على مستودعها الثقافى . وليس من باب المصادفة أن دعاة ما بعد الحداثة فى العالم الثالث يدافعون عن عالمية القيم الغربية بنفس الحماس الذى يدافع به عنها الدعاة الغربيون أنفسهم .

لقد خبر إدوارد سعيد المناخ الثقافى النيويوركى لسنوات طويلة ، وصار ممتزجا بالثقافة الأمريكية حتى النخاع . وهو أول عربى مهاجر يقترح نظرية " آورباخ " كنموذج للوحدة العربية فى مجال الأدب والثقافة . ولعله مما يستدعى الانتباه أنه اقتطف فى مقدمته لكتابه : الثقافة والإمبريالية ، فقرة من مذكرات السجن التى كتبها " جرامشى" حيث يقول فيها :

إن نقطة الانطلاق فى أى عملية تمحيص نقدى هى الوعى بما هو عليه المرء حقا (...) باعتباره نتاجا لعملية تاريخية مضت حتى الآن ،
وخلفت فيك ما لا نهاية له من الآثار ، دون أن تترك قائمة تجمعها. (...) لذلك فلابد من البداية أن نجمع ونصنف ما تضمه قائمة كهذه ( 29)

وعلى ذلك يعلق سعيد بقوله :
كان تعليمى غربيا برمته فى ها تين المستعمرتين ( فلسطين ، ومصر ) وفى الولايات المتحدة (...) كما كانت دراستى للاستشراق فى جوانب كثيرة منها محاولة لجرد الآثار المتخلفة فى ، بوصفى شرقيا، أو بالأحرى للثقافة التى أضحت سيادتها من القوة بمكان فى حياة جميع الشرقيين.
من أجل ذلك صارعلى أن أضع الشرق الإسلامى فى موقع المركز من انتباهى . وسواء ما حققته هو تلك القائمة التى اشار بها (جرامشى ) من عدمه ، فهو ما لا قبل لى بالحكم عليه ، مع أنى شعرت بأهمية أن أكون واعيا بأن أبذل محاولة لأستخلص واحدة (30)


على أيه حال فإنى أجد أن إدوارد سعيد قد وضع نفسه فى مفترق الطرق بين الأيديولوجيا والتلقائية . فموقفه النظرى كثيرا ما يبدو مثاليا . ولكنه
لا يلبث أن يصبح ماديا فى الكثير من الأحيان عندما يتناول جوانب ملموسة من الظواهر الثقافية التى يبحثها . وهو يذكرنى فى هذا الصدد بالفلاحين المصريين الذين أصروا على أن يكون لهم خشبة مسرح إيطالية ، على الرغم من أن مخرجا تقدميا ( عبد العزيز مخيون ) قد حاول أن يقنعهم بأن يقيم لهم مسرحا مستمدا من ثراء تراث السامر الذى تواجد عندهم من قبل . ومع ذلك فما أن بدأ العرض حتى نحوا الستائر الخاصة بالخشبة الإيطالية وجلسوا على حواف خشبة العرض وهم يتطلعون إلى الممثلين ، ومن ثم فقد حولوا الخشبة الإيطالية برمتها إلى طريقتهم الأصلية فى السمر .

وهكذا فسعيد فى خطابه الأدبى يعيد للأسماع أفكار كل من "آورباخ " و
" كورتيوس" فيما يتعلق بالأدب الأوربى ، بل أنه يعود ليكرر ذلك فى بداية لقائه التليفزيونى مع " رتشارد كرنر" ، الأمر الذى يعكس تعليمه فى الغرب وما صاحب ذلك من عملية مثاقفة تعرض لها . ولكنه مع ذلك لا يلبث أن يثبت قدرة واضحة على النقد الدقيق عندما يتعلق الأمر بسياقات محددة لما يلاحظه من أمثلة الإمبريالية الثقافية ومختلف المحاولات لتأكيد احتكار الغرب للثقافة العالمية . وهو يفعل ذلك ، على سبيل المثال ، بأن يدافع عن أمثلة محددة من تلك الطاقات التحريرية التى شهدها تطفو على السطح من خلال أشكال التفاعل الثقافى الاجتماعى للشعوب غير الغربية فى مواجهة الثقافة المعولمة على نمط الثقافة "الشعبوية" الأمريكية .

وبالإضافة إلى سعيد ، الذى يشكل نقده للغرب نوعا من التناقض فى الخطاب والتوافق أحيانا مع التيارات الأيديولوجية السائدة ، هنالك شخصية
أخرى تميزت برؤيتها الناقدة ، بل شديدة النقد للمركزية الأوربية فى نظرية الأدب ، وهى تلك التى تتمثل فى أستاذ الأدب المقارن الراحل " رينيه إتيامبل" . فهو فى كتابه : مقالات فى الأدب العالمى ( بحق ) الذى يحتوى على ثلاثمائة وخمسين صفحة ، ينعى على المدرسة الأمريكية فى الأدب المقارن ضيق أفقها ، خاصة وأنها - تحت تأثير " رينيه فيلك "- قد قصرت اهتمامها على الآداب الغربية . وفى المقابل ، فإن " إتيامبل " يدعو لفتح مجال البحث الأدبى ( ونظرية الأدب ) كى تضم كافة الآداب فى العالم ، بما فى ذلك – على سبيل المثال – آداب الشرق الأوسط ( مع اهتمام خاص بالأدب العربى ) والشرق الأقصى ، وجنوبى شرق آسيا ، بل جنوبى آسيا بعامة ( حيث نجد آداب الصين ، والملايو ، وإندونيسيا ، والهند ، وباكستان ، وما يرتبط بها من آداب اللغات الأوردوية ، والهندوستانية ، والبنغالية الخ ) .

ولما كان " إتيامبل " ناقدا للمدرسة الفرنسية الوضعية فى الأدب المقارن ( انظر كتابه : المقارنة ليست تعليلا سببيا ) ، فقد دعى إلى منهج " فيلك " نفسه الذى كان رائجا فى الولايات المتحدة ، بينما راح يردد قول الشاعر " مالارميه " : ما الأدب سوى كلمات (1 3

ولكنه بالتزام " إتيامبل " بمفهوم " مالارميه " عن الأدب ، لا يلبث أن يقع فى أسر الجماليات اللاتاريخية ، وذلك حتى حين راح يطالب بأن تدرج المعلقات فى نظرية عالمية حقا للشعر . فموقفه هذا يجرد الأدب من أبعاده ومكوناته الخارجة عنه وعن التعبيراللغوى ، ومن ثم من الشروط الثقافية الاجتماعية الخاصة بإنتاج الأدب واستقباله . وعليه فهو ليس أفضل بكثير، فى هذا الشأن ، من " فيلك" .

فى كتابه :" إتيامبل ، أوالمقارنة المناضلة " يصف " آدريان مارينو" إتيامبل بأنه من أكثر المقارنين حدة ، إن لم يكن أحدهم على الإطلاق فى نقده للمركزية الأوربية فى الأدب ( 32 ) . ومن الصحيح أن " إتيامبل" يسعى لفتح الحدود بين الآداب القومية ، ولكنه يفعل ذلك من خلال النظر بصفة أساسية فى الأبعاد الجمالية للعمل الفنى - وهو توجه صادر فى الأساس عن منظوره الذى ينتمى إلى فقه اللغة (الفيلولوجيا ) . بعبارة أخرى فإن حماس "مارينو " ل " إتيامبل" جعله ينسى أن التوجه البحثى الشعرى للأخير جعله يدعو للتوجه الجمالى الفيلولوجى ذاته الذى دعى إليه ذلك الكانطى الجديد " فيلك" ، ومن ثم أتباعه وحوارييه من أمثال " روديجر" .
فبينما أحمل الكثير من التقدير لما قدمه " إتيامبل" من مساندة قوية للآداب غير الأوربية فى وسائل الإعلام الفرنسية ، وعلى رأسها الموسوعة العالمية ، حيث كان مسؤولا فيها عن القسم الخاص بالأدب العالمى ، إلا أن أبحاثه الخاصة بالشعرية الأدبية ، وهى التى تجعله على قرب شديد من المدرسة الأمريكية فى الأدب المقارن ، بحاجة للكثير من المراجعة ، وذلك على الرغم مما وجهه فى مؤلفه : مسائل الشعرية المقارنه ( باريس 1959- 1962) ، الذى يقوم على محاضراته فى معهد الأدب العام والمقارن فى السربون من نقد شديد لاستخدام العبارات الانجليزية الأمريكية فى وسائل الإعلام الفرنسية واصفا هذه الظاهرة بأنها نوع من الخضوع الذليل للغة "روما الجديدة" فى عصرنا الراهن ، وأن ذلك الخضوع يحول لغات العالم ، بل حتى الكبرى منها ، إلى مجرد لهجات عامية بالنسبة للانجليزية الأمريكية ، وذلك على نحو شبيه بتحول اللغات الشعبية الرومانية فى سالف العصور إلى مجرد لهجات بإزاء اللغة اللاتينية التى كانت سائدة فى روما القديمة (33).
إن نقدى للتوجه البحثى ل" إتيامبل" لهو فى الحقيقة نقد تضامنى يستهدف رفع خطابه إلى مستوى أكثر تماسكا واتساقا . وإنى لأرجو ألا يبعث ذلك بحال من الأحوال على تصور أن ذلك يقلل من تقديرى وإعجابى الحقيقى بنضاله الأدبى المقارن – إذا ما جاز لى أن أستعير عبارة " آدريان مارينو " .

لقد كان " إتيامبل" شديد النقد لتطعيم الفرنسية بالعبارات الانجليزية المتأمركة قبل أن تلجأ السلطات الفرنسية إلى منع ذلك فى المراسلات الحكومية ، وهو الذى كان قد دعاه من قبل " برج بابل" ، مشيرا بذلك إلى قصة الكتاب المقدس التى تتحدث عن البلبلة اللغوية التى أصابت بابل القديمة .

إن كفاح " إتيامبل" ضد أمركة اللغة الفرنسية بغزوها بالعبارات الانجليزية الأمريكية يرجع إلى عام 1959فقد حارب فى محاضراته فى السربون ما أطلق عليه لغة الشركات الاحتكارية العالمية النشاط التى تسعى
لفرض هيمنتها ، ومن ثم أسعارها ، على السوق العالمية أو على قطاعات معينة منه ، وهو ما نراه الآن فى حالة شركات النفط الدولية . فأن تفرض تلك الشركات أسعارها على السوق الفرنسية ، أو على بعض قطاعاته ، إنما هو أمر يماثل فرض مصطلحاتها على اللغة الفرنسية . فذلك لم يؤدى إلى أية قيمة ثقافية منتجة ، وإنما هو محض تأكيد لضرب من الهيمنة الثقافية .
إنى أفهم نقد " إتيامبل" للهيمنة اللغوية الأمريكية على اللغة الفرنسية على أنه مؤشر دال على إحساسه بأن الكلمات ليست محض كلمات ، وإنما تعكس علاقات اجتماعية ، شأنها فى ذلك شأن الهيمنة التى تمارسها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وطبقاتها السائدة سياسيا ، واقتصاديا ، وبطبيعة الحال إعلاميا .. وعله لا يجب علينا أن ننسى هذا البعد ، أو تلك التركيبة الاجتماعية عندما نحاول أن نفهم آلية فرض الذات على الآخرين بالصورة التى تمارسها المركزية الغربية بإزاء سائرآداب وثقافات العالم .


إن انبهار " إتيامبل" بما دعاه يوما "الموتيفات الصينية " Chinoiserie التى راح يتتبع تأثيرها على الأدب والثقافة الفرنسية فيما يزيد على الألف صفحة ، إنما يتسق تماما مع محاولاته لدحض المركزية الغربية . ولعله مما يستحق الذكر أنه كان قد قام بتدريس الأدب الفرنسى فى جامعة الاسكندرية خلال بدايات الخمسينات . وبعد عودته إلى فرنسا من الصين فى 1957 ، ومن اليابان فى 1964 ، عبر " إتيامبل" عن شديد أسفه لعدم الاهتمام باللغتين الصينية واليابانية فى المرحلة الثانوية من المدارس الفرنسية . وإن حماسته للأدب الكورى لبالغ الدلالة ، كما هو الحال بالنسبة للأدب العربى ، قديمه وحديثه على حد سواء . وقد تراسلت معه فى هذا الشأن منذ نهاية الستينات ، وعلى مدى السبعينات حتى منتصف الثمانينات . كما أنى التقيت به فى السربون منذ عام 1970 .

وفى أحد مقالاته التى نشرها عام 1979 تحت عنوان " ابتداع ؟! المركزية الأوربية الراحلة ألا تذهب المركزية الأوربية إلى الجحيم ؟ " يثنى " إتيامبل" على الموسوعة العالمية ( تحت إشراف محررها العام " كلود جريجورى" ) لأنها خصصت مساحة للأدب الفيليبينى ، وأدب مدغشقر ، والملايو توازى المساحة التى خصصتها للأدب الألمانى ، أو الفرنسى ، أو الإسبانى ، أو
الإيطالى (34) . فهى بوصفها موسوعة فرنسية تخصص خمسة وعشرين صفحة للأدب الصينى ، وأربعة عشرة صفحة للأدب اليابانى ، وخمس صفحات للأدب الفرنسى .

ومع كل هذه المزايا ، فإن " إتيامبل " يتمسك سواء على نحو صريح أو مضمر بتصور ثوابت و"عالميات" فى الأدب ( بما فى ذلك الظواهر الثقافية المتصلة به ، كالمسرح مثلا ) ، تلك الثوابت التى يعتقد أنها تتعدى الخصوصيات الثقافية الاجتماعية لكل منها ، والتى يبدو أنه لم يعرها أدنى اهتمام أو أهمية . من أمثلة ذلك اعتقاده أنه قد اكتشف فى أداء التمثيل الصامت ل" مارسيل مارسو" ، بما يبديه من إيماءات وتعبيرات على وجهه وبأدائه الجسدى ، لغة عالمية بحق .


ولكنه من الواضح أن " مارسيل مارسو " لا يمكن أن يكون ممثلا صامتا ذى
" لغة" عالمية الشفرة فى كل الأحوال ، أو أن يفهم ويدرك دائما على النحو نفسه ، وبغض النظرعن اختلاف شفرات السياقات الثقافية الاجتماعية التى يعرض ويستقبل فيها . فالإيماءات لا تفهم على النحو نفسه بغض النظر عن مكان عرضها أو سياقها الثقافى الخاص . وبعبارة أخرى ، فإن الإنسان ليس هو الإنسان فى أى زمان أو مكان . وكذلك فإن تجريد التاريخ على نحو لا تاريخى لا أحسب أن فيه كبير رجاء . فإن المواضع المشتركة لا يمكن أن تصبح مشتركة إلا إذا افتقرت إلى ما يكشف عن أسطورتها . بل أن المعادلات الرياضية نفسها بناء ذهنى ، حسب " هوسرل" ، أى أنها موجودة فى عقل المتلقى وليس فى الموضوعات المدركة حسيا .

أما المهمة الحقيقية للبحث النقدى فعليها أن تنصب على تعرية الأيديولوجيات السرابية التى تحاول إما أن توحى بوجود وحدة نخبوية تقصى ما عداها ،
أوتصور نوعا من المساواة المجردة التى تحكم قيم التبادل بين الإبداعات البشرية ، ومن ثم فهى تنكر عليها خصوصيتها وإسهامها المتصل بإشباع حاجات محددة فى مكان وزمان معينين . لا .. ليس الإنسان هو الإنسان فى أى زمان أو مكان ، ولا هو كذلك فى سياقات إنتاجه أو استهلاكه ، اللهم إلا إذا صار ضحية لأوهام متعلقة بأيديولوجيات جامدة مجردة . إنه - إذا - التوجه الذى يساوى كل شىء بكل شىء ، مفترضا إمكانية التبادل المجرد بينها جميعا ( فى الأسواق بطبيعة الحال) ، يضاف إليه التوجه النخبوى الذى يدعم فى نهاية المطاف عولمة توحيدية للكون فى إطار هيمنة الأقوى على الأضعف ، ومن ثم إذكاء الوهم بوحدة مصطنعة للإبداع البشرى ، وذلك بدلا من أن يساعد الإبداعات الإنسانية على التنوع ، وعلى تنمية المتباين فى أشكال ثرائها بحيث تؤدى إلى تلاقح وتفاعل الثقافات البشرية جميعها على اختلاف مشاربها وسياقاتها .

لقد أشار " فرنر كراوس " ( أستاذ الدراسات الرومانية ) إلى التناقض بين ممارسة " إتيامبل" النقدية ، وأيديولوجيته الفيلولوجية . وأعتقد أن "كراوس" كان على حق فى ملاحظته هذه .



* * * * * *


والآن أتناول فى عجالة مناقشتى الناقدة لكتاب " مارتن برنال" : أثينا السوداء ( الذى كثيرا ما أشار إليه وأشاد به الراحل " إدوارد سعيد ") (35 ) .

ينقد " برنال" الفكرة الشائعة التى ترى أن هنالك حضارة غربية ، وأنها تعلو على سائر الحضارات والثقافات ، بينما تستمد مجدها من حضارتى الإغريق والرومان . وهو يقدم الدلائل والحجج الفيلولوجية على أن كلا من الحضارتين الهيلينية والرومانية يدين بالفضل إلى حد بعيد إلى الإبداعات الثقافية لحضارات الشرق الأوسط ، وبخاصة لحضارتى مصرالقديمة وما بين النهرين . وقد حاول "برنال" أن يجمع الأدلة على أن اليونان كانت مستعمرة للمصرين القديماء قبل أن تطأ القبائل الهيلينية برها الأصلى وجزرها . ولما كان المصريون يتميزون بالبشرة الداكنة ، فقد حرص " برنال" على أن يكون عنوان كتابه " أثينا السوداء" ليأكد مساهمة المصريين الثقافية التى استمرت أصداؤها طوال الحقبة الهيلينية .

وقد أثار كتاب " برنال" الكثير من ردود الأفعال فى الغرب . كما أن كثيرا من الباحثين الذين تعود أصولهم إلى بلاد غير غربية ، من أمثال سعيد ، قد عبروا عن ترحيبهم بهذا الكتاب . أما نقدى لمنهج " برنال " فمعرفى فلسفى . ذلك أن مدخله التاريخى التعاقبى يؤكد على الثقافة المرسلة وإبداعاتها ، بينما يغمط من قيمة الثقافة المستقبلة ( المتلقية ) ، التى تمثل فى هذه الحالة منتجى الثقافة الإبداعية ، سواء فى الحقبة السابقة على الحقبة الهيلينية أو أثنائها ، فى تفاعلهم بطريقتهم الخاصة مع القيم الوافدة عليهم من الثقافة المصرية القديمة وفقا لسياقاتهم الثقافية الاجتماعية المختلفة ( عن تلك التى أنتجت الإبداعات الوافدة فى إطارها) . من هنا ف" برنال" لم يتجاوز المنهج التقليدى للمركزية الأوربية من الناحية الإبستمولوجية ( الفلسفية المعرفية ) ، وهو المنهج الذى تمثل ، على سبيل المثال ، فى توجه المدرسة الفرنسية للأدب المقارن فى مرحلة الخمسينات . فهو يبدأ دائما بالإبداعات الأدبية القومية ثم يسعى لأن يتتبع استقبالها ومدى نجاحها فى الآداب والثقافات الأجنبية . أما الفارق الوحيد بين هذا التوجه الفرنسى التقليدى فى الأدب المقارن ، وذاك الذى ينهجه " برنال " ، فهو أن الأخير يعكس اتجاه
الثقافة المفترض فيها أن تكون سائدة ، بأن تصبح فى هذه الحالة إسهامات حضارتى الشرق الأوسط هى الأصل والمنبع ، بينما يفترض فى الحضارات الغربية أن تكون - بدورها - فى الطرف المتلقى السالب .

فبينما يعرض " برنال " لعملية التأثر ، أو بالأحرى التبادل الثقافى ، إذ به يجرد ذلك عن التغيرات الهامة التى لعبت دورا رئيسا فى عملية تلقى الإسهامات الثقافية المصرية القديمة ، وتلك الوافدة من حضارة ما بين النهرين ( والتى انتقلت عبر اليونان إلى مختلف الأقطار الأوربية ) .

فى المقابل نجد أن المنهج الذى يحترم الاختلاف الثقافى الاجتماعى الموضوعى ، ليس فقط بين الأمم بعضها والبعض الآخر ، وإنما بالمثل بين الثقافات الاجتماعية المتباينة فى البلد الواحد ، يمكن أن يؤدى إلى بديل حقيقى لذاك النهج أحادى التوجه ، فى تعاقبيته السلطوية ومركزيته العرقية التى يكرسها " برنال " عن غير وعى منه ، وذلك بالرغم من أن عمله هذا يستهدف ( ذاتيا) تعرية الأوهام الصوفية المتمركزة حول الذات ( الغربية ) والمتمثلة فى مفهوم وتصور الإرث الثقافى الأوربى المشترك .

وفضلا عن ذلك فإن " برنال " قد ترك سؤالا آخر بلا إجابة : إذا كانت ثقافات الشرق الأوسط تشكل المنابع الأصلية للحضارات الغربية ، فما هى منابع حضارتى مصرالقديمة ، وما بين النهرين بكل ما تميزتا به من إبداعات ؟
أترجع منابعهما مباشرة إلى الطبيعة الأولية ؟! إن مثل هذا الافتراض ليس من اختراعنا ، وإنما – كما رأينا من قبل – هو من " اجتهاد " الأستاذ زكى
الأرسوزى ، مفكر البعث السورى الراحل ( الذى تتلمذ فى فرنسا على
" برجسون ") فى كتاباته عن مصدر اللغة العربية . فبإرجاع الإبداعات الثقافية إلى الطبيعة الأولية ، إنما نسلب أنفسنا فرصة فهمها واستيعابها باعتبارها نتيجة عمليات تفاعل ثقافى ترجع جذورها إلى اختلاف السياقات الاجتماعية الثقافية .



* * * * *


أود هنا أن أشير إلى أن " برنال " لم يكن وحيدا فى نهجه . ففى الوقت نفسه الذى صدر فيه كتابه " أثينا السوداء " - أى فى النصف الثانى من الثمانينات – أنتج فيلم عنوانه " أطلانطيون " للمخرج الآيرلندى " بوب كوين " القاطن فى محافظة " جولواى : فى هذا الفيلم يحاول " كوين " أن يبرهن على أن أصول الحضارة الآيرلندية لا ترجع إلى " كلت" الشمال الأوربى ، وإنما إلى مصر القديمة وحضارة ما بين النهرين . وهو يتتبع فى فيلمه هذا الخط الثقافى للمسيحية من " كايرو" (القاهرة ) حتى " كيريرو " ، حيث يقيم ويعمل فى إحدى ضواحى " جولواى " المطلة على المحيط الأطلنطى . وقد تمنطق هو نفسه فى هذا الفيلم بقلنسوة كالتى يضعها الرهبان المصريون الأقباط على رؤوسهم ٍمشيرا بذلك إلى أصول انتقال المسيحية إلى آيرلنده عن طريق" القديس باتريك ". وقد حرر " كوين" كتابا بالمثل أسماه " أطلانطيون – تراثنا الثقافى الشرق أوسطى" (36 ).

إلا أننا إذا ما وجدنا العذرلمثل هذا العمل الفنى التخييلى المناهض للمركزية الأوربية ، بنياته النبيلة التى عبر المخرج من خلالها عن رغبته فى مزج وتماهى الشعب الآيرلندى بغيره من الشعوب المهمشة بمعايير المركزية الغربية المهينمة حاليا ، فهو لا يمكن أن نحاسبه على أنه عمل علمى ينتظر منه أن يدرس ( أو يوعظ به) فى الجامعات الغربية ، كمؤلف " آورباخ" المعنون "المحاكاة " ، أو كتب " إرنست روبرت كورتيوس " ( ما عدا بالطبع كتابه " الروح الألمانية فى خطر" ! ) ، ومع ذلك: أليس من باب المفارقة أن كلا من " آورباخ " و " كورتيوس" لم يتجاوزا " كوين " فى شىء مما " حققاه " : فقد اخترعا مصدرا ، أو نقطة مرجعية متخيلة ، أو " مهدا " خياليا ومفعلا منشطا لثقافات اجتماعية راهنة يصفانها بأنها أوربية ( بالمفرد ) على الرغم مما بينها من تمايزات واختلافات لا يمكن أن تغيب عن أية درس مدقق لها. ومع ذلك كله فما زالت أعمال هذين المؤلفين تحظى فى الغرب بكل التقدير والإعجاب باعتبارها "إسهامات علمية وعقلانية أساسية " !!

ولعل مما دعم الإقبال على أعمال هذين المؤلفين أنها سعت لنقد النزعة الريفية للقومية النازية التى حاولت أن " تجرمن " سائر الشعوب الأوربية خلال فترة حكمها ( 1939-1945 ) . إلا أن حجة كل من " آورباخ" و" كورتيوس" لا تعدو أن تشكل ريفية جديدة تقوم على أساس الفصل بين ما يتصورانه إرثا يشترك فيه الغربيون وحدهم ( وهو يعلو - بالطبع - عن كل ما عداه من تراثات للبشرية ) حيث يعود إلى حضارتى الإغريق والرومان ، بينما لا يشارك الأوربيين فى هذه الأصول الصفوية أى من أصحاب الثقافات ( واللغات ) غير الغربية .

كما أننا نجد أن " كورتيوس" ليس ببعيد تماما عن النزعة الفاشية التصوفية التى حرصت بطريقتها الخاصة على إعادة إحياء الإرث الرومانى العتيق . فعلى النهج نفسه حرص " كورتيوس" على أن يرد ما اعتقد أن فيه وحدة تضم الآداب الأوربية إلى مستودع أساطير العصورالوسطى اللاتينية ، حيث يلاحظ هنا مدى تقاربه مع النظريات الرومانسية التى تأثر بها كل من الفاشيين الإيطاليين والشاعر " إزرا باوند " . ولعل تلك النزعة المتحيزة لنظرية " كورتيوس" تبدو واضحة للعيان حين نعلم بمدى الصداقة التى كانت تجمعه ب " ت . إس . إليوت " الذى هرول بدوره لزيارة صديقه " كورتيوس" فى بون بمجرد فتح الحدود الألمانية فى عام 1947 ( كما سبق أن أشرنا فى مطلع هذه الدراسة !) .

أما بشأن " برنال" فمن الطبيعى أنى آخذه على محمل الجد أكثر مما أفعل مع فيلم " بوب كوين " . فلا شك أن محاولة " برنال" لتحدى المركزية الأوربية مشروعة تستحق منا كل احتفاء . ولكن السؤال المطروح هو : هل ستنجح حقا فى مسعاها ؟!

وإذا كنت قد أبديت بعض النقد والاعتراض ، ليس فقط بالنسبة ل " برنال " ، وإنما بالمثل بالنسبة لكل من " سعيد " و " إتيامبل " ، فإنه لا يجوز أن يقلل ذلك من أهمية إسهاماتهم ، أو أن ينظر إليها على أنها خلو من أية قيمة علمية . فإنى أبعد ما أكون عن عدم الاعتراف بأهميتهم كمفكرين ، ولا بإسهاماتهم فى التصدى للمركزية الأوربية . بل على العكس من ذلك تماما : فإن ما أهدف إليه هو ضرب من النقد التضامنى معهم ، أى النقد البناء الذى هو خليق بأن يشجع الأحياء منهم ، ومن ثم حوارييهم كى يصوغوا اعتراضاتهم على المركزية الأوربية على أسس أكثر اتساقا وصرامة .

قبل أن أختم هذه الدراسة أود أن أشير إلى أنه فضلا عن ذرائع المركزية الأوربية التى استنفرت نقدى لها ، والتى يعود الفضل
فيها إلى كل من " كورتيوس " و " آورباخ " و تابعهما " فيلك " ، فهنالك بالمثل محاولات أخرى تسعى ل" إثبات " وجود " أدب أوربى " ( بالمفرد ) ، من بينها محاجة الراحل " فويدا " ، عضو معهد الأدب فى أكاديمية العلوم فى بودابست ، إذ حاول أن يثبت أن ما يميز الأدب الأوربى عن سواه هو ما لا تعرفه سوى الحضارات الغربية ، وهو المسرح (37) . ولقد تصديت للرد على هذا الادعاء فى دراسة لى ( نشرت بالعربية والانجليزية) عنوانها : إشكالية النموذج فى المسرح المعاصر( 38) .



الهوامش :

أ . د . مجدى يوسف : أستاذ الأدب المقارن فى جامعة القاهرة (سابقا) ، ورئيس "الرابطة الدولية لدراسات التداخل الحضارى" بجامعة بريمن . وقد ألقى نص هذه البحث فى أصوله الأولى على هيأة محاضرة عامة دعى لإلقائها فى جامعة دبلن ( المعروفة ب "ترينتى كوليدج دبلن") فى نوفمبر عام 2000 ، كما قررت جامعة " لا سابينزا" فى روما نص هذه الدراسة بعد ترجمتها ونشرها بالإيطالية على طلبة الأدب المقارن بها .


ومؤلف هذه الدراسة على وعى بمختلف الآراء النقدية التى نشرت خاصة فى التسعينات حول نظرية الأدب الأوربى ، من ذلك ، على سبيل المثال :
Aigaz Ahmad : In Theory, London- New York, 1992 .
) أحمد إعجاز : فى النظرية ، لندن ونيويورك ، 1992 ) .

Homi Bahabha (ed.) : Nation and Naration, 1990 .
) هومى بابا (تحرير) : الأمة والسرد الروائى ، 1990 )

Charles Bernheimer (ed.): Comparative Literature in the Age of Multiculturalism, 1995.
( تشارلز برنهايمر ( تحرير ) : الأدب المقارن فى عصرالتعددية الثقافية ، 1995 .)
أضف إلى ذلك كتابات " روبرت يانج " ( الأساطير البيضاء ) الخ .
ومع ذلك فأى من هؤلاء النقاد لم يشر ، أو بالأحرى لم يرجع أصلا إلى نقده المبكر للمركزية الأوربية فى الأدب ونظريته ، والذى يعود إلى منتصف السبعينات من القرن الماضى . من ذلك – على سبيل المثال – كتابه الصادر بالألمانية عام 1976 ( والذى ظلت تنشر المراجعات والإشارات المرجعية إليه حتى عام 1991 باللغات الأوربية الرئيسة : الانجليزية ، والفرنسية ، والألمانية فى كل من ألمانيا بشقيها آنذاك ، وفرنسا ، والولايات المتحدة الأمريكية ، وكندا . كما أن كتاب الراحل
" استيفان ساركانى : نظرية الأدب ، باريس 1990 ( سلسلة ماذا أعرف ؟ الفرنسية التثقيفية المعروفة ) " ، الذى رجع إليه وعلق عليه بحماس ، قد ترجم ونشر بالصينية ) :

مجدى يوسف : برخت فى مصر – محاولة لتفسير استيعاب مسرحه من منظور علم اجتماع الأدب (بالألمانية ، نشر فى بوخوم عام Magdi Youssef: Brecht in Aegypten: Vesuch einer literatursoziologischen Deutung., 1976.


(1) Erich Auerbach: Mimesis, Bern ( Francke) , 1946
إيريخ آورباخ : المحاكاة ، 1946 ( انظر كذلك الطبعة الأمريكية
الصادرة عن دار نشر جامعة " برنستون " فى 1953 ) : Mimesis. Princeton, NJ ( Princeton U.P.) .

إرنست روبرت كورتيوس : الأدب الأوربى والعصور الوسطى الأوربية ، برن ( دار نشر فرانكه ) 1948 : Europaeische Literatur und lateinisches Mittelatlter, Bern ( Franke).


وقد صدرت لهذا الكتاب طبعة أمريكية (فى ترجمة انجليزية ) عن دار نشر جامعة " برنستون" فى 1953 ، وأخرى بالإسبانية فى المكسيك عام 1955 ، وثالثة فرنسية فى عام 1956 ، ورابعة برازيلية ( باللغة البرتغالية المتداولة فى البرازيل ) فى 1957 .

رينيه فيلك ، بالاشتراك مع أوستن وارن : نظرية الأدب ، نيويورك ، 1949 : Rene Wellek / Austin Warren: Theory of Literature, New York .

( 2 ) فى مفهوم صورة الذات وصورة الآخر ، أنظر( بالألمانية ) :
هوجو ديزرنك : مقدمة فى الأدب المقارن ، الطبعة الثالثة ، 1993 .

Hugo Dyserinck: Komparatistik: Eine Einfuehrung, 1993 .


(3) انظر مقالى ( بالانجليزية ) : Arab Fairy Tales المنشور فى :
Art-in-society.de ( zero issue)

) 4 ) الإشارة المرجعية إلى الطبعة الانجليزية من كتاب: إرنست روبرت كورتيوس: الأدب الأوربى والعصور الوسطى اللاتينية ( مرجع سابق ) .

(5) مرجع سابق .

(6)"رينيه فيلك" و " أوستن وارن " : نظرية الأدب ...

(7 ) كورتيوس ( مرجع سابق ) .

( 8 ) كارل جوستاف يونج : المجلة المركزية للعلاج النفسى ( بالألمانية ) ، فى : كورتيوس : الأدب الأوربى والعصور الوسطى اللاتينية ( مرجع سابق ) .

( 9 ) تعريف الخصوصية ( عن كتاب الدكتور محمد دويدار الصادر بالفرنسية : الاقتصاد السياسى علما اجتماعيا ، باريس ، 1982 ، ص 31 ) : Mohamed Dowidar: L Economie Politique, une Science Sociale :
” تتكرر فى ظل ملابسات معينة للتطور التاريخى الذى تمر به أحد
المجتمعات أنشطة ذلك المجتمع بطريقة خاصة تصبح بدورها معلما للمرحلة التى يمر بها من التطور . ويتميز هذا النشاط للأنشطة المجتمعية
على نحو خاص بنوع من الانتظام الذى بفضله يمكن التعرف على علاقات تتكرر باستمرار بين مختلف النشاطات . "


( 10 ) محمد لحبابى : مستقبل الشباب المغربى فى الثمانينات ، الرباط ، 1971 .

(11) رينيه فيلك و أوستن وارن : نظرية الأدب ( مرجع سابق) .

( 12) المرجع نفسه .

(13) المرجع نفسه ، ص 50 .

(14) رينيه إتيامبل : مقالات فى الأدب العام ( بحق ) ، باريس ، 1975 . Rene Etiemble: Essais de Litterature ( vraiment) Generale .

(15) هورست روديجر: الأدب الأوربى والأدب العالمى . تصورات جوته ومتطلبات عصرنا : Horst Ruediger: Europaeische Literatur- Weltliteratur. Goethes Konzeption und die Forderungen unserer Epoche, in : Rinner, F. Zerinschek, K. ( Hg): Komparatistik . Theoretische Ueberlegungen und Wechselseitigkeit, Heidelberg, 1981, p. 39 .

( 16 ) إرنست روبرت كورتيوس: الروح الألمانية فى خطر Deutscher Geist in Gefahr, 1932 .

(17 ) انظر : إيرل جفرى ريتشاردز : الحدثنة ، والأنسنة ، والعودة إلى العصور الوسطى – ببليوغرافيا بحثية حول أعمال "إرنست روبرت كورتيوس " ، توبنجن ، 1983 . Earl Jeffry Richards: Modernism, Medievalism and Humanism. A Research Bibliography on the Works of Ernst Robert Curtius.

( 18) كورتيوس : الأدب الأوربى والعصور الوسطى اللا تينية (مرجع سابق ) ص 24 .

(19) يوهان فولفجانج فون جوته : الديوان الشرقى للمؤلف الغربى ، ميونخ ، 1982 (بالألمانية ).Johan Wolfgang von Goethe: Der Ost-Westliche Diwan.

ديوان حافظ ، طهران ، عن الطبعة الانجليزية : Persian Lyrics,´-or-Scattered Poems from the Diwan – i- Hafiz . London, 1800 Hafiz, ed. Gertrude L. Bell. Tehran


( Book Friends Society) 1962 Henri Broms, Two Studies in the Relations of Hafiz and the West. Helsinki, 1968 .

وعن الطبعة الألمانية : Elisath Boelke, Zum Text des Hafiz . Koeln, 1958 .

انظر : هوجو فون هوفنستال : الأعمال الكاملة ، فرانكفورت / ماين Hugo von Hoffmannsthal: Saemtliche Werke : Kritische Ausgabe. Frankfurt am Main .

( 20 ) الراحل " دارسى ريبيرو" فى حديث له مع كاتب هذه الدراسة .

(21) روبرتو فيرنانديس ريتامار : نحو نظرية لأدب أمريكا اللاتينية ، فى : نحو نظرية لأدب أمريكا اللاتينية وماقاربه من الآداب ، هافانا ، 1975 .
R.F.Retamar: Para una theoria de la literatura hispanoamericana, in: Para una theoria de la literatura hispanoamericana y otras aproximaciones, La Havana, 1975 .

(22) أنيك بنوا – دوسيسوا / و: جى فونتين (تحرير ) : تاريخ الأدب الأوربى ، باريس ، 1993 .
Annick Benoit- Dusaucoy/ Guy Fontaine ( eds.) : Histoire de la literature europeenne, Paris ( Hachette), 1993 .

(23) مارتن برنال : أثينا السوداء ( صدرت له ترجمة عربية حديثة عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ) .

( 24) آورباخ : المحاكاة ، مرجع سابق .

( 25) آورباخ : البلاط والمدينة ، فى : المحاكاة ( مرجع سابق ) .

( 26 ) جيامباتستا فيكو : أسس علم جديد Principia di una scienza nuova ترجمها آورباخ إلى الألمانية تحت عنوان : Die neue Wissenschaft. Ueber die gemeinschaftliche Natur der Voelker, 1924 .

27) فى بداية حواره مع إدوارد سعيد ، الذى أجراه معه " رتشارد كيرنى " فى التلفزيون الآيرلندى ، وجه إليه محاوره السؤال التالى : باعتبارك من خارج أوربا ، عندما تنظر إلى الداخل ، هل تعتقد أن هنالك ما يمكن أن يعد تراثا أوربيا واضح المعالم ؟ . هنا أجابه سعيد : بلا شك . فإنه يمكن القول بوجود تراث أوربى بمعنى توفر مجموعة من الخبرات الموحدة بين قومياتها ودولها وإرث كل منها ، فيما يجعلها تحمل طابع أوربا عليها جميعا . ولكن ذلك لا يجوز أن يؤدى فى الوقت ذاته إلى فصلها عن بقية العالم فيما وراء أوربا " ( ترجمة م . ى. ) . انظر : Richard Kearney: Visions of Europe – Conversations on the Legacy and Future ( televised),

(28) إدوارد سعيد : الاستشراق ، نيويورك ، 1993 ( الطبعة الانجليزية ) ، ص XXV111 .

29) مرجع سابق ، ص XXV

30) مرجع سابق ، ص XXV وما بعده .

(31) رينيه إتيامبل : مقالات فى الأدب العالمى بحق ، باريس ( جاليمار) ، 1973 ( مرجع سابق ) .

(32) أدريان مارينو : إتيامبل أو المقارنة المناضلة ، باريس ( جاليمار) ، 1982 .
Adrian Marino : Etiemble ou le comparatisme militant

( 33) إتيامبل : مسائل الشعرية المقارنة ، باريس 1959-1962 . Questions de poetique comparee, Paris.

(34) رينيه إتيامبل : ابتداع ؟ المركزية الأوربية الراحلة – ألا تذهب المركزية الأوربية إلى الجحيم ؟

Rene Etiemble: Innovation
?
Feu l Eurocentrisme ou feu sur l Eurocentrisme ?

(35) برنال ( مرجع سابق ) .

36) Bob Quinn: Atlanteans: Our Middle Eastern Cultural Heritage, 1987.

37) جيئورجى فويدا : أيوجد أدب أوربى بجوار مختلف الآداب القومية فى أوربا ؟ (بالألمانية) :eine Gyoergy Vajda: Gibt es europaeische Literatur neben den Nationalliteraturen / Einzelliteraturen Europas ?, in: Europa Provincia Mundi, herausgegeben von: Leerssen, Joep Syndram, K.U., Amsterdam- Atlanta, 1992, p. 101.

(38) مجدى يوسف : إشكالية النموذج فى المسرح المعاصر ـ فى : ( للمؤلف نفسه ) : من التداخل إلى التفاعل الحضارى ، كتاب الهلال ، 2001 ، ص 100 – 131 . أنظر كذلك :
Magdi Youssef:
The Problem of Models in Contemporary Theatre, in: Art in Society, 2003.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو تحرير الثقافة العالمية من هيمنة المعيارية الغربية: الثقا ...
- تعريب العلوم: قضية محض لغوية ؟
- العلم وآفة العولمة
- كيف ندرأ خطر الإرهاب من جذروه ؟
- فى التحليل الاجتماعى لأدائنا الموسيقى المعاصر
- فى أسباب حصول نجيب محفوط على جائزة نوبل فى الأدب
- مشكلة -حاكونا مطاطا- (مفيش مشكلة) !
- ما الحداثة ؟ وهل يمكن لعرب اليوم أن يكون لهم حداثتهم المستقل ...
- نحو تحرير الأدب العالمى من النزوع للمركزية الغربية
- فنوننا البصرية إلى أين ؟
- التواجد العربى فى معرض فرانكفورت للكتاب هذا العام
- هزلية المطلق والنسبى فى فكرنا العربى !
- إعمال العقل: فيم وكيف ؟
- فى الوطنية وعلاقتها بعالمية الدعوة الإسلامية
- عندما تلتقى رؤى الشعر وهموم الشعوب : مجدى يوسف مترجما عن الأ ...
- أزمة الاستشراق العربى واقتراح المخرج
- فى ضرورة الفلسفة لمجتمعاتنا العربية
- قاطرة البحث العلمى: إلى أين تتجه ؟
- خرافة مجتمع المعرفة
- أحمد الخميسي يكتب عن الوحدة الوطنية


المزيد.....




- رؤساء لم يحلموا بعمودية طنجة
- في ندوة “أدب ونقد” ..محددات العلاقات الشعبية والثقافية بين م ...
- -القبو- مناخ أدبي لاستلهام القصص.. حوار مع القاص المغربي سعي ...
- معضلة استخدام الموسيقى والأغاني في الحملات الانتخابية الألما ...
- قرار جمهوري بمنح معاشات استثنائية لبعض الجنود السابقين بالقو ...
- مصر.. المهن التمثيلية تعلق على قرار السيسي بدعم الفنانين ضد ...
- نقابة المهن التمثيلية في مصر تصدر بيانا وترد على مبادرة السي ...
- -جريمة على ضفاف النيل-.. فوج سياحي يحاكي الرواية البوليسية ا ...
- الاستقلالي علي بوسدرة على راس جماعة فريجة ضواحي تارودانت
- حزب العدالة والتنمية بعد الهزيمة: نتائج الانتخابات لا تعكس ح ...


المزيد.....

- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد
- أهمية الثقافة و الديمقراطية في تطوير وعي الإنسان العراقي [ال ... / فاضل خليل


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مجدى يوسف - خرافة الأدب الأوربى