أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - الكذبة الجيّدة فيلم سرد لأثار الحروب الاهلية ولمعاناة اللجوء !















المزيد.....


الكذبة الجيّدة فيلم سرد لأثار الحروب الاهلية ولمعاناة اللجوء !


علي المسعود
(Ali Al- Masoud)


الحوار المتمدن-العدد: 6660 - 2020 / 8 / 28 - 14:17
المحور: الادب والفن
    


دارت الحرب الأهلية السودانية الأولى بين أعوام 1955 إلى 1972 ، وبالرغم من حدة العمليات العسكرية ، استطاع الطرفان إبرام اتفاق سلام في العاصمة الإثيوبية "أديس أبابا" في الثامن والعشرين من مارس 1972، لتتوقف الحرب الأهلية لأول مرة منذ اندلاعها ولمدة عشر سنوات . تدهورت الأوضاع مرة أخرى بشكل كبير في 1982، بخرق نظام الجنرال جعفر نميري لبعض بنود الاتفاقية الرئيسية ، وإعلانه تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، في سبتمبر 1983، ليطلق رصاصة الرحمة على اتفاق السلام ، قبل أن يعود التمرد مجدداً في التاسع والعشرين من مايو 1983 بتأسيس الجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان تحت قيادة زعيمها الدكتور جون قرنق دي مابيور . وفي 6 ابريل 1985، أطاحت ثورة شعبية بحكم الرئيس جعفر نميري. وبعد عام من الحكم الانتقالي، تسلمت السلطة حكومة منتخبة ديموقراطياً، وسط استمرار عنيف للحرب وتقدم لحركة التمرد ، قبل أن يطيح الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال عمر البشير، والمدعوم من الإسلاميين في 30 يونيو 1989، النظام الديموقراطي للمرة الثالثة ، لتشتعل الحرب هذه المرة أكثر عنفاً، وتحت غطاء ديني ، وتصبح الحرب الأهلية في السودان للمرة الأولى ، حرباً مقدسة ، درات معظمها في الأجزاء الجنوبية من جمهورية السودان أو في منطقة الحكم الذاتي الذي يعرف بجنوب السودان والتي تعتبر إحدى أطول وأعنف الحروب في القرن وراح ضحيتها ما يقارب 1.9 مليون من المدنيين ، وبسببها نزح أكثر من 4 ملايين منذ بدء الحرب . ويعد عدد الضحايا المدنيين لهذه الحرب أحد أعلى النسب في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية ، توقفت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في 9 يناير 2005 ، بموجب اتفاق السلام الشامل - (اتفاقية نيفاشا) ، واقتسام السلطة والثروة بين حكومة رئيس السودان عمر البشير وبين قائد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق واضعة خمسة عقود من الحرب وراءها، لكنها منحت الجنوبيين حق تقرير مصيرهم ، فصوتوا في يناير 2011 وبنسبة فاقت الـ98% لخيار الاستقلال عن شمال السودان، والذي أعلن رسمياً في 9 يوليو 2011 .
السينما كانت حاضرة في توثيق مجريات تلك الاحداث ، ولعلّ أهمّ أفلام التي نقلت مجريات تلك الحروب الأهليّة وفظائعها هو فيلم ( الكذبة الجيّدة) للمخرج فيليب فالارديو، الذي تميّزت أفلامه بتناول قضايا اللجوء وهمومها . يمرّر مخرج فيلم "الكذبة الجيّدة" حكاية الحرب الأهليّة التي اندلعت في جنوب السودان عام 1983، والتي اشتعلت شرارتها بحدّة مولّدة مجاعاتٍ وفقراً وتهجيراً وقتلى من مختلف الفئات العمْرية ، واستمرّت عدّة سنوات، محتكِمة لشيطان القتل والدم، متناسية حقّ الأبناء الطبيعي بالسلام ، عبر تناوله قصة حقيقية عاشها أربعة من اللاجئين السودانيين، حوّلها إلى عمل سينمائيّ، معتمداً على سيناريو صاغته مارغريت نايجل، وبطولة النجمة الأميركية الفائزة بالأوسكار( ريس ويذرسبون). فالأبطال في فيلمه هم اللاجئون السودانيون الحقيقيون إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الأهليّة في جنوب السودان، بعد أن قضَوا سنوات عديدة في مخيّمات اللجوء الإفريقية الذين قام بأدوارهم أرنولد أو سينج، كوث ويل، إيمانويل جال، وجير دواني . تبدأ الحكاية عام 1987 بعد استمرار الحرب وعملية الاقتتال التي نجم عنها مذابح طالت أسر وعائلات كاملة، ولعلّ أكبرها التي حصلت في قرية بحر الغزال في جنوب السودان، حين بدأ الأطفال الذين فقدوا أهاليهم رحلة النزوح والهرب مشياً على الأقدام إلى أثيوبيا، ومنها إلى كينيا.
يبدأ الفيلم بالاشارة الى عام 1983، حين أندلعت حرب دأخلية وحشية في السودان، بين الشمال والجنوب على الموارد وبسبب الاختلاف الديني ، أدى لتدمير القرى بسبب هجوم القوات العسكرية (جيوش الشمال) من جهة والمليشيات من جهة أخرى، وبحلول عام 1987 ، بدأ ألألاف من ألاطفال اليتامى بالفرار سيرا عبر صحراء أفريقيا الكبرى قاطعين ألالاف الاميال حتى وصلوا أثيوبيا وكينيا ، وبعد 13 عاما تم نقل 3600 لاجئ سوداني للولايات المتحدة أطلق عليهم ( أطفال السودان الضالون)، والفيلم مستوحى من قصتهم ، يبدأ المشهد الافتتاحي للفيلم من مخيم ملجأ ( كاكوما) في كينيا ، مجموعة من اللاجئين يصعدون الى الطائرة المتوجه الى الولايات المتحدة الامريكية ، ويعود الفيلم إلى البدايات ، عندما كان هؤلاء اللاجئون أطفالاً يراقبون الموت أمامهم ، وذلك بلفتة سريعة يعود بها ليعرض رحلتهم ومحاولتهم النجاة من كل أخطار الحروب الأهليّة وصولاً إلى مخيّمات اللجوء الإفريقيّة ، وتبدأ قصة الاخوة ، ويرجع بنا الفيلم الى ما قبل 13 عاما وفي قرية بحر الغزال في جنوب السودان ، عندما تهجم طائرات الجيش السوداني يختبي الاطفال بين الاشجار، وبعد ما تفرغ سمومها على رؤوس اهالي القرية ويحترق الاخضر واليايبس و يتشرد الناس وتقتل المواشي وبعد خراب بيوتهم وقتل الاب والام ، تبدا رحلة الاطفال الاخوة ويقودهم كبيرهم "ثيو"، الذي يقرر السير الى أثيوبيا كما أخبرهم أباءهم في حالة حدوث شئ عليهم التوجه الى أثيوبيا لانه مكان امن ، لذا إضطروا الاطفال المشي باتجاه الشرق مع الاستذكار لتعاليم الاهل وارشاداتهم في كيفية البقاء على قيد الجياة من اخطار الطبيعة ، ويكون الاخ الكبير ثيو هو الاب والمرشد والاخت أباتيل هي الام في تدبيرها لشؤونهم ورعاية الصغار . "أريد العيش و لا أريد الموت " ، هذا هو الهدف الذي يضعه القائد ثيو ، خمسة اطفال يقطعون الالاف الاميال من اجل الخلاص ومن أجل العيش و البقاء احياء ، يلتقون مع أفواجاً هي الاخرى هاربة صوب اثيوبيا ولكنهم يغيرون وجهتهم من أثيوبيا الى كينيا بسبب إنتشار الجنود السودانين على الحدود الاثيوبية . يتابع هؤلاء الاطفال وباصرار في رحلتهم و لا خيارات ، مرددين شعار " إمّا أن تعيش أو أن تموت" . يواجهون الفهود دون خوف ، أكلوا لحم الغزلان ، تحمّلوا السير لشهور عدّة ، حتى وهم يشاهدون بعضهم يموت أمام أعينهم ، لكنهم قرّروا أن يعيشوا وبعد مسيرة طويلة باتجاه جنوب كينيا وكانوا الاطفال شهوداً على الجثث الطافية في النهر، الموت يلاحقهم و الحرب تحيط بهم ، وفي رحلتهم نحو الخلاص يعاني الأطفال الكثير من العذابات وكذالك يتعرّضون للكثير من المخاطر التي هدّدت حياتهم ، حيث لايجدون ماء حولهم ، وفي أحد المشاهد وخوفاً من أن يموتوا من العطش، يقرّر ثيو أن يشرب بوله !، يقول لهم :" أفعل ذالك لأنني أريد أن أعيش.. لا أريد أن أموت". في تلك الرحلة يصاب أحد الاخوة بالمرض وهو الأخ دانييل ويضطر ثيو حمله على ظهره ، لكن رغبتهم الجامحة في الحياة جعلتهم أكثر إصراراً على مواجهة المخاطر، وبعد الشعور بالتعب يقرروا أخذ قسط من الراحة و النوم بين الحشائش ، في الصباح يستيقظ الصغير مامير ليستكشف ما حوله ، ليفاجئ بالعسكري موجها بندقيته نحوه ، ينهض الكبير الاخ" ثيو" ويقول للجندي ( أنا تائه من أهلي ، وأنا وحدي) ، لكنه يكذب عليه ليحمي حياة أخوته، ويواجه خطر الموت. يلقي القبض على ثيو ، وهذه هي "الكذبة الجيدة" التي استقى منها الفيلم عنوانه ، يستمر ألاولاد في المسيرة ، وبعد مشي 785 ميلا باتجاه الحدود الكينية ، في النهاية يصلون الى معسكر ( كاكوما ) للاجئين في كينيا ، وعند الوصول يموت دانييل الطفل المريض الذي كان يحتضر ، يعيشون عدّة سنوات في معسكر "كاكوما" للاجئين في كينيا ، حتى يحصلوا على فرصة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد 13 سنة من المعاناة ، يصل ثلاثة من الرجال السودانيين اللاجئين وأختهم إلى الولايات المتحدة وتكون في استقبالهم كاري الموظفة المسؤولة عن توطين اللاجئين وتوظيفهم وتقوم بدورها الممثلة الحائزة على جائزة الاوسكار (ريس ويذرسبون) ، والرجال الثلاثة هم ارميا "جيرمان دواني" و"بول "جال ورنيس" "مامير "ارنولد اوكنج " يصلون ولاية كنساس، ففي الوقت الذي ذهب به الأخوة الثلاثة إلى كنساس سيتي، تمّ لاحقاً إرسال شقيقتهم إلى بوسطن ، وبذلك تفتح لها فرصة للتعرّف حقّاً على قساوة حياة اللاجئ قبل أن يحلّ على البلدان المضيفة ، لتجتاز بذلك مشاكلها الشخصية الغارقة بها. تفتّش الموظفة (كاري) عبر شبكة الإنتـــرنيت عن معلومات عن السودان والعنف الحاصل فيها ، فتعثر على صُوَر حقيقية بالأسود والأبيض تظهر لاجئين من كـــل الأعـمار، ومن هنا تبدأ كاري بالتغيّر حينما ترى هؤلاء اللاجئين وصراعاتهم، تتعلّم الصبر والتغلّب على لا مبالاتها وأنانيّتها، تقع عبر اختلاطها بهم رهينة المفاجئة والصدمة أيضاً أمام كل ما يحمله هؤلاء الفتيان الضائعون . يقيمون في شقة في مدينة كانساس سيتي، ولكنهم يظلون يتطلعون إلى اليوم الذي تلحق بهم اختهم "ابيتال" "فيل كوث" ، وهنا تبدأ محاولات "كاري" في اقناع جميع الجهات الخاصة بالهجرة والامن وغيرها من اجل الحصول على الموافقة من أجل أختهم في الانتقال الى مدينة كانساس ، موظف الهجرة عند اخذ البيانات من " كاري "يتوقف عند جنسيتها السودانية ، لذايعلم كاري، أن السودان رعت نشاطات أرهابية ، لذا يتعذر نقلها من مدينة الى أخرى بسهولة حسب البيروقراطية الغالبة على تلك المسائل الشائكة ، لذا فان الامر يتطلب وقتا لتنفيذ ذالك ، لذا ينصحها بتكليف محامي هجرة وإيجاد مكان لسكنها عند أي عائلة مضيفة لها ، وتنجح في ذالك حين تفاجئ الاخوة في أحتفالات رأس السنة بوصول الاخت "إبيتال" و يلتم شملهم وتعم الفرحة باجتماع الاخوة مع بعض ، الفيلم يتضمن الكثير من المشاهد المعبرة والتي تحمل الكثير من الدلالات ، وهي حكاية أخرى عن معاناة اللاجئين ، يعيش الأطفال الأبطال الذين كبروا صراعاً كبيراً في مفهوم الحضارات والثقافات، فَهُم آتون من بلاد تستعر بها الحروب ونار التمرّد والموت إلى بلد متحضّر مليء بوسائل الرفاهية والأسواق، وايضا محاولات الاخوة وإصرارهم على أنضمام ألاخت أبيتال الى الاخوة في ولاية كنساس، شكلت تلك المحاولات محورا مهما للفيلم ، وهذا ربما من أهم نقاط قوة العمل التي يشير إلى أن كثيراً من الغربيين لا يستوعبون بشكل كامل مدى معاناة من يأتي من دول أخرى كدول العالم الثالث، في ظروف مثل هذه ، ولا يفهمون أيضاً نظرتهم للأمور والروابط الأسرية التي لا يعوضها شيء بالنسبة لهم . يعيش الاخوة كلٌّ منهم التناقضات والصدمة النفسية على طريقته في الغربة او في بلاد المهجر، مستذكِرين البؤس والمعاناة التي مرّوا بها في رحلتهم . قطعوا آلاف الأميال مشياً في الصَّحارى والغابات هرباً من الموت وبحثاً عن الأمان. دفعهم الجوع لقتال ضِباع وأُسُود تنافساً على جِيَف حيوانات. شاهدوا جثث بالغين قتلتهم الحروب الأهلية طافية في أنهار أفريقيا. عبروا حدود دول عديدة بلا أوراق ثبوتية أو أموال . هم فتية جنوب السودان الضائعون، التسمية التي أطلقها الإعلام الغربي على جيل أطفال الحروب الأهلية السودانية التي تفجرت في الثمانينات من القرن الماضي. الجيل الذي قصمت الحرب بين الجنوب والشمال السودانيين حياته وما زال العالم لا يعرف عنه إلا القليل .
يعدّ فيلم الكذبة الجيّدة من أوائل الأفلام الأمريكية المستقلّة المعاصرة التي قدّمت واهتمّت بقصة اللاجئين ومهاجري الشرق الأوسط برؤية سينمائية استطاعت نقل الحالة الازدواجية والصراعات والتناقضات الثقافية والإنسانية فيما يخصّ آلام التهجير والمهجّرين، والتي تهتمّ بقضايا أبطال الحياة والواقع المهمّشين ، وتسرد أساليب المعاملة التي يتعرّض لها اللاجئ في بلد اللجوء ، ومن الجوانب الابداعية للمخرج (فيليب فالاردو) هو تركيزه على الامل الذي كان الحافز الوحيد للاجئين هو الوصول الى الهدف وهو الوصول الى البلد الذي يؤمن سلامتهم ! . يكاد فيلم (الكذبة الجيدة)، أن يكون الأول أميركياً في تقديمه قصة معاصرة عن مهاجري الشرق الأوسط ، تتوزع أحداثها بين البلد الأصلي وبلد الإقامة الجديد . فلم تقترب السينما الأميركية كثيراً من الموضوع ، اللاجئ في الغالب جاء من بلاد تمرّ بمشاكل، لذلك فكرة إنه سيتعرض لصدمة حضارية، ثقافية، وإنسانية في البلد الذي هرب إليه واردة بل أكيدة ، يناقش الفيلم ذلك ويحاول أن يضع اقتراحات لتطوير ملف اللجوء حين يعمل أحد أبطال الفيلم في سوق تجاري كبير يصدم حين يعلم أن هناك قسم خاص لطعام الكلاب.. وهنا يتساءل "هل حقاً تشتري الناس طعاماً للكلاب"؟ ، رغم أن الفيلم من الناحية التجارية يقول ذلك ليضمن اهتمام أكبر عدد من الجمهور بالفيلم ، فالأبطال الحققيين هم اللاجئين السودانيين، الذين قام بأدوارهم أرنولد أو سينج، كوث ويل، إيمانويل جال، وجير دواني، وهي قصتهم الحقيقية وهو فيلمهم ؟ ، والفيلم بطولة الممثلين السودانيين أرنولد أوسينج وإيمانويل جال وجير دواني وكوث ويل وتأليف الكاتبة مارجريت نيجل وإخراج الكندي فيليب فالاردو. والفيلم مأخوذ عن تجارب واقعية للاجئين سودانيين في مخيم كاكوما في كينيا . دواني عارض أزياء دولي وقد مثّل مرة واحده ولكن له تأثير واضح على الفيلم . هو فنان هيب هوب ناجح ويعيش الآن في كندا. يظهر اثنان من أغانيه في الفيلم ، يقول جير دواني:"المعاناة لا تزال متواصلة في المنطقة، لهذا السبب من المهم جدا تقاسم قصة الفيلم مع الجميع، حتى يعرف الناس بالضبط ما الذي يحدث" . اختارت الممثلة الحائزة على جائزة الأوسكار " ريس ويذرسبون " ، دوراً ثانويا في هذا الفيلم ، ومساحة دور ويذرسبون لا تقارن بأدوار اللاجئين السودانيين ، لكن الممثلة " ويذرسبون " التي لا تظهر إلا بعد مرور 30 دقيقة من بداية الفيلم قالت: "عندما قابلت المخرج قال لي ’أريدك أن تفهمي أن هذا الفيلم لا يتحدث عنك. إنه عن السودانيين" وأضافت: "لم نحاول أن نغير فيه (الفيلم) ليصبح محوره ممثل أمريكي ، أردت أن أقدم الشخصية كشخص ضائع مثلهم لكن بطريقة مختلفة، لا تلك الشخصية البيضاء العظيمة التي تمنح الأمل وتنقذ الأفارقة". فهي في الواقع مثلهم مشاعرها مضطربة . وهي بدون أسرة ، كاري التي تخفي حزن تبوح به الى أبيتال حين تخبرها عن أختها المرحة التي رحلت بعد أن اصيبت بالسرطان قبل عامين .
قبل نهاية الفيلم تظهر مفاجاة وهي رسالة من مخيم (كاكوما) في كينيا ، حين تخبر أبيتال أخاها مامير انها استلمت خطابا من كينيا وليست متأكدة من تصديقه ، وفيها دخل رجل الى مخيم كانكوما يبحث عنهم ، ماذا لوكان هو اخونا الاكبر ثيو لازال حي ؟ ، وعند أخبار مشرف دائرة الهجرة بأمكانية تامين اللجوء لاخية ، يخبرهم الوظف ان جميع الرحلات القادمة من كينيا ومن مخيم كاكوما متوفقة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وهناك ألالاف ينتظرون الفرصة ! ، ويحذره أن الكثيرون يزورون الهويات لربما لايكون أخاك ، عليك التاكد أولا من أنه أخيك ، يقرر "مامير دينغ "السفر الى كينيا والتاكد من أخيه ثيو ، ويذهب الى المخيم ويساعده أحد الاصدقاء القدامى حتى يظفر باخية و بلحظة مؤثرة جدا يتم اللقاء مع أخيه الاكبر ثيو ، ويجده متعب القلب موشوم جسده بأثار التعذيب وعندما لم يجد مامير وسيلة لترحيل أخية ، يقرر منح جواز سفره و بطاقة الطائرة الى أخيه ثيو ، وعندما يرفض الاخ الكبير ثيو ويعتبر هذا التصرف هو كذبة يرد عليه مامير " أعرف ولكنها " كذبة حسنة" يااخي " ساذهب انا الى كاكوما وأعمل في المستشفى " أنت ضحيت بحياتك من أجلنا كلنا ، أنا ارد الجميل ، يصل الاخ ثيو الى الولايات المتحدة الامريكية ، تم ينتهي الفيلم بالمثل الافريقي " اذا اردت السفر بسرعة فسافر وحيداً، وأذا اردت السفر بعيداً ، فسافر في جماعة ، مثل شعبي أفريقي، هذه قصة أخوة وأخوات ، رأوا أسُرهم تموت و قراهم يتم تُدميرها ،لكنهم حافطوا على ذكريات أجدادهم وتعاليمهم حتى يتمكنوا من ألاستمرار في الحياة، مثل جسر غير مرئي من ذكرياتهم القديمة تربط حياتهم القديمة بالحديثة ، صحيح تم انقاذهم باللجوء الى أمريكا ، ولكنهم انقذوا بعضهم البعض على الرغم من أن اختلافهم والتي قد تفرق بينهم ، لكن أنسانيتهم المشتركة توحدهم وتجمعهم ، لان كلهم أخوة وأخوات يحاولون أن يتشاركوا في هذا العالم الرائع الذي يسمى الوطن ، يسمونهم أطفال السودان الضالين )، لا أظن أنهم ضائعين ، لقد وجدوا طريقهم وأصبح العديد منهم أطباء و طبيبات و منهدسين و مهندسات وعمال وعاملات و دخلوا المدارس و الجامعات . والفيلم مأخوذ عن تجارب واقعية للاجئين سودانيين في مخيم كاكوما في كينيا، والفيلم بطولة الممثلين السودانيين أرنولد أوسينج السوداني ألاصل و البريطاني الجنسية -وإيمانويل جال بدور ألاخ بول ، والممثل "جير دواني" بدور ألاخ جيرمايه، وكذالك الممثلة "كوث ويل" بدور الاخت ( أباتيل )، الفيلم من تأليف الكاتبة "مارغريت نايجل "وإخراج الكندي" فيليب فالاردو" . لا بد من الإشادة بالمخرج فيليب فالاردو بسبب إصراره على التمسك بالتأثير السوداني في سيناريو مارغريت نايجل الذي كان مستوحى من التقارير الإخبارية والكتب ومقابلاتها الخاصة مع اللاجئين ، وقدسبق له أن أخرج فيلم (السيد لزهر) في عام 2011 ، وهو الفيلم الحائز على العديد من الجوائز، وقد رشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي . المخرج الكندي فيليب فلاردو، جاء إلى الفيلم وهو يستند إلى إرث طويل، حيث عمل مصورا للافلام الوثائقية في السودان . قدمت الممثلة "ويذرسبون " دور مهم رغم بساطته وقلة عدد مشاهده، تعمل في وكالة توظيف ومهمتها هي توظيف هؤلاء اللاجئين في بلدها الولايات المتحدة الأمريكية وفقط ، لكنهم يغيرون حياتها تماماً،وقالت ويذرسبون التي تلعب دور استشارية التوظيف كاري ديفيز : (الفيلم يقدم رسالة جميلة.. نحن جميعا متساوون) ، وقالت عن قصة الأطفال الذين فروا من العنف الديني و العرقي في السودان: (نواجه جميعا الصراع، ونتحمل فيما يبدو ما لا يُطاق في حياتنا وعلينا أن نفعل ذلك معا ، علينا أن نكون معا. وعلينا أن يساند بعضنا بعضا) . بذل المخرج قصارى جهده لإيجاد ممثلين سودانيين وقد أبلى حسناً في هذه المهمة. ثمة سحر تقليدي في البساطة المباشرة التي يتسم بها الفيلم ، وهذا ما منح الفيلم عمقا وكمية من الصور التي كانت بمثابة عين الشاهد لكم من الاحداث التي مرت بها المنطقة، وقد برع مدير التصوير العالمي رونالد بلانت في انجاز هذه التجربة وأضافت موسيقات مارتن ليون الكثير من المضامين والاحاسيس للفيلم . تقول ريز ويذرسبون: " لا يهم فعلا عدد الأفلام الوثائقية التي شاهدتها ، فتجربة رؤية أول لاجىء مباشرة أمر استثنائي حقا..فما بالك برؤية أكثر من مائتين وخمسين ألف لاجىء يعيشون في مكان واحد وفي ظروف صعبة . أنا سعيدة حقا لتقديمنا فيلما، قد يساهم في زيادة الوعي حول ما يجري في مخيمات اللاجئين" ، الممثلة ريز ويذرسبون التي تتقمص دور هذه السيدة كانت اطلعت على أوضاع اللاجئين خلال زيارتها لمخيم كاكوما في كينيا . الفيلم يستند إلى قصة واقعية ، أبطالها آلاف الشبان الذين فروا إلى مخيمات اللاجئين خلال الحرب الأهلية في السودان، حوالي ثلاثة آلاف منهم تمكنوا من الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، منتجوا الفيلم اعتمدوا على أربعة شبان سودانيين مروا بدورهم بهذه التجربة، من بينهم جير دواني الذي تحول إلى عارض أزياء . ويبقى ان نقول فيلم "الكذب الجيد" يقترب من ألم الهجرة ومعاناة اللاجئين السودانيين الذين كتب عليهم التهجير إلى الحلم فكان ألم الغربة أكثر وحشة مما عاشوه في المخيمات وصراع القبائل في بلادهم. أما السيناريو فقد قامت بكتابتة مارجريت ناجل، وهي الكاتبة التلفزيونية التي رشحت أكثر من مرة لجائزة الإيمي عن حلقات لمسلسل ( ممر الامبراطورية ) في عام 2011 كمنتجة منفذة و ككاتبة وقد وقد سبق لها أن رشحت لنفس الجائزة ، عن الفيلم التلفزيوني ( الينابيع الدافئة ) عام 2005 يمكن القول إن الفيلم يجمع عدة أفلام في وقت واحد، وربما هذا هو سر تميزه من غيره من الأفلام ، و في مشهد جميل يظهر الفارق الحضاري حين نرى اللاجئين يتعجبون من حديثها ب"الهاتف " الخلوي و يتصور احدهم أنها تتحدث مع نفسها ، فتكتشف انهم حتى لا يعرفون هذا الاختراع.!! . فهناك إلى منتصف الفيلم تقريباً فيلم أفريقي ، حيث تم تصويره في جنوب أفريقيا بدلا من السودان، وهو شبيه ببقية الأفلام الأفريقية التي تتحدث عن أهوال الحروب والمجاعات. ثم هناك فيلم أمريكي في المنتصف وفيه عدة مفارقات طريفة وحس إنساني مرهف أيضاً يتناول ما يمكن أن يحدث لهؤلاء اللاجئين، ويتعرض لعدم فهم الجمعيات الإنسانية حول أهمية تأهيل الموجودين ، وأن اللاجئين رغم أنه يفترض بهم أن يكونوا ممتنين لما يقدم لهم، فهم أحياناً لا يملكون إلا أن يشعروا بالغبن لغياب أشياء كثيرة هم بأشد الحاجة لها ولفقدهم للعائلة وللوطن الذي اعتادوه ، كما نشاهد ايضا اشكاليات تلك المجموعة في التأقلم مع الظروف الجديدة، وايضا محاولاتهم لجلب شقيقتهم الصغرى التي بقيت وحيدة في مدينة بوسطن ، بعدما انتقلوا للولايات المتحدة، يحاول كل منهم الاندماج في المجتمع الأمريكي، ولكنهم يعانون من مشاعر الغربة وكأن حلم وصولهم للولايات المتحدة أصبح كابوس، حتى ان احدهم وهو" بول " يصرخ بوجه مامير" إننا في أمريكا ألان ، ونحن نكرات ، يصرخ بول " لااريد هذه العيشة ، لا أريد العمل لأ كون وحيداّ؟، لأكون نكرة ؟. فيلم شديد الحساسية في قبول الآخر، وأهمية اعطائه الفرص الحقيقية للاندماج بالمجتمع، ورغم بعض المشهديات العابرة لمفارقات الاختلافات الثقافية ، الا اننا نجد أنفسنا أمام فيلم عميق في تفسير حالة الألم التي عاشتها المجموعة سواء في السودان ولاحقا في أميركا ، وعلى الآخر استيعاب أهمية تأمين الظروف للاندماج والاحساس بالامان والمستقبل . رغم محاولة المخرج إضفاء روح الكوميديا في بعض المشاهد لتخفف حجم المأساة والقسوة الواقعة على الأحداث والشخصيات، في إشارة إلى فلسفة المخرج في تركيزه على قضية تجاهل العالَم الأمريكي وعزلته عن القضايا الإنسانية التي تحدث في العالم والمعاناة منها ، وهناك إشارات من الكاتبة و المخرج الى تقصير الجهات الحكومية الأميركية في مساعدة اللاجئين الذين يصلون اليها، حتى أُولَئك الذي قامت بدعوتهم، كما حدث مع أبطال الفيلم . في النهاية ، فيلم " الكذبة الجيدة " يجسد إنتصار ألامل على المأساة .






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيلم الاسباني ( آدو) – يكشف لنا جانب من الهجرة البشرية في ...
- فيلم -سنونوات كابول - دعوة إلى نشر الحب والحرية في مواجهة ال ...
- الفرنسي فرانسوا أوزون يكشف الانتهاكات الجنسية ضد الأطفال داخ ...
- فيلم - أشباح گويا - يوثق حقبة سوداء فى تاريج اسبانيا ، ونقدا ...
- -فاتح أكين- يكشف جرائم منظمات النازيين الجدد وكراهية الأجانب ...
- -ماء الورد- فيلم يفضح قمع النظام الإيراني للمحتجين عامةً وال ...
- الفيلم الامريكي ( هالة ) - تجربة مراهقة مسلمة في المجتمع الغ ...
- فيلم - الثورة الصامتة - يلقى بظلاله على الانتفاضة الشعبية ال ...
- ( أنا ديفيد) فيلم يرصد رحلة روحية واستكشافية للصبي ديفيد
- - شبكة واسب - فيلم يعكس جانب من التوترات الكوبية -الأمريكية
- فيلم - ألف مرة ليلة سعيدة -حيرة أم بين واجبها كأم وزوجة وإيم ...
- -ماتشوكا- فيلم يجسد لحظة إنكسار براءة الاطفال أمام عنف السلط ...
- (العودة الى البيت ) فيلم صيني يعري مرحلة عاصفة من تاريخ الصي ...
- - الشاب أحمد- فيلم يناقش تأثير الجماعات الاسلامية المتطرفة ع ...
- -موفق محمد - الراوي لشاعرة إسمها ( الحلة)
- -فرط التطبيع- فيلم وثائقي يؤرخ لمرحلة قلقة من تاريخنا المعاص ...
- (المنصّة) فيلم يتمحور حول الجشع البشري وإساءة إستخدام الموار ...
- -سيرجيو- قصة مثيرة للاهتمام لمن يريد متابعة حكاية مندوب الأم ...
- معتقلوا الراي في السجون العربية في خطر وباء كورونا .؟؟؟
- فيلم -مراثي السماوة-...مرثية وطن


المزيد.....




- لأول مرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا| اليوم.. عرض “رقيق” و ...
- اليوم.. انطلاق العرض الرابع لمسابقة الأفلام القصيرة بمهرجان ...
- نتفليكس وأخواتها.. هل تشكل تهديدا للسينما التقليدية؟
- الأنثروبولوجي تشارلز هيرشكايند: لا ينبغي وضع الماضي الأندلسي ...
- كاريكاتير القدس: الأربعاء
- تصريح رئيس فيفا باللغة بالعربية أن -قطر بيت الوحدة وبيت العا ...
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين: هناك تسرع في توظيف الأستاذة ...
- شاهد: نقل جثمان الفنانة جوزيفين بيكر إلى مقبرة العظماء في با ...
- فيلم روسي يفوز بجائزة كبرى في مهرجان-بريكس- السينمائي في اله ...
- هيئة النزاهة تدعو إلى جعل التصريح بالممتلكات جسرا لإعادة ثق ...


المزيد.....

- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم
- أحاديث اليوم الآخر / نايف سلوم
- ديوان الأفكار / نايف سلوم
- مقالات في نقد الأدب / نايف سلوم
- أعلم أني سأموت منتحرا أو مقتولا / السعيد عبدالغني
- الحب في شرق المتوسط- بغددة- سلالم القرّاص- / لمى محمد
- لمسة على الاحتفال، وقصائد أخرى / دانييل بولانجي - ترجمة: مبارك وساط
- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - الكذبة الجيّدة فيلم سرد لأثار الحروب الاهلية ولمعاناة اللجوء !