أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - جواد كاظم غلوم - أنا وطبيبي صديق الشباب والكهولة














المزيد.....

أنا وطبيبي صديق الشباب والكهولة


جواد كاظم غلوم

الحوار المتمدن-العدد: 6610 - 2020 / 7 / 5 - 03:49
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


صديقي العتيد المعتّق الطبيب الحاذق والموغلة علاقتي به من زمن الفتوّة والصبا ومازالت في أوج توهّجها ، هذا الصديق يتصل بي بين الفينة والفينة كلما احسّ بوجود وقت فراغ لديه وما أقلّ فراغهُ في غمرة انشغالاته الجمّة ، يتنقل من مشفى الى آخر وهو الأخصائي الضليع في أمراض القلب والأوعية الدمويّة لنقضي جلسات ومسامرات بصحبة بعض أصدقائنا القدامى فقد اعتدنا على أن نرتّب لقاءاتنا كلما أكرمَنا الوقت بفسحة من اللقاء ، ثم جاء زمن الكورونا الوغد ليزيدنا بعدا وتفريقا باستثناء اللقاءات الهاتفية ونصائحه الجمّة عبر الأثير خوفاً عليّ مما لا تحمد عقباه لو نزلت هذه الكورونا على صدري وأقامت ردحا في رئتيّ المتعبتين أصلاً جراء التدخين الهائل الذي أمارسه .
ومن طباع هذا النطاسيّ الصديق الحميم واهتمامه الملفت بي انه لايني يراقب وضعي الصحي باهتمام بالغ ويعمل على فحص ضغط الدم بنفسه كلما التقينا ، هذا الرجل الصديق المزدحم على الدوام والذي يندر جدا اللقاء به لكثافة عمله ؛ يحسب عدد دقات قلبي المتعب ويرغمني على فحص دمي من المختبر الملاصق الى عيادته دون ان يكلّفني مالا من جيبي الشحيح اصلا من اجل معرفة نسبة السكّري الذي لازمني طويلا ويوصيني بانتقاء ما أتناوله راجيا مرةً وحازما مرةً اخرى لو رأى مني هوانا او تكاسلا ويتندّر معي ساخرا قائلا لي : إنني طوع أمرك الآن .
لكن الغريب حقا ان صديقي النطاسيّ العزيز عليَّ لا يبدي ايّ اهتمام بوضعه الصحي المعتلّ هو الاخر ويتناسى انه مثلي مبتلٍ بدزينة من الأمراض الشائعة ونحن على اعتاب الشيخوخة وجسده صار مرتعا خصبا للأمراض وكلما اهمس في أذنه مشاغبا ومداعبا ان يلتفت الى نفسه أول الأمر غير انه يردّ عليّ مازحا بان باب النجار ستبقى مخلوعة وان حذاء الاسكافي الماهر سيبقى متهرئا ، ولا يخفي عليّ صراحته المعهودة بأنه اكثر سقماً من مراجعيه المرضى غير انه يتحامل على نفسه ويحمل عبء ما يعانيه جسدُه طالما ان مريديه المرضى هم بأمسّ الحاجة اليه .
ويعلل ذلك بقوله ان الاطباء المصابين بالسقام يمكن ان يكونوا أصعب أنواع المرضى تعاملاً لأنهم نادرا ما يراجعون زملاءهم ذوي الاختصاص ولا يأبهون بالعلل السود الكامنة وراء ملابسهم البيض لا يتعاطون الأدوية والعقارات التي يقترحونها ويصفونها لمراجعيهم ، كما أنهم أقلّ الناس ممارسة للرياضة وكثيرا ما تزداد معاناتهم النفسية عندما تبلغ بهم نرجسية التفوّق العلمي وقد تصل الى حدّ العجرفة والثقة بالنفس مبلغا ؛ إذ يعمدون إلى تناول الادوية بأنفسهم عند اقتضاء الحاجة دون استشارة زملائهم الاخصائيين ربما لشدة ثقتهم التي يتوهمونها إنها الأنجع والأكثر فعالية وقد يُكذّبون حتى نتائج التحليلات الخاصة بهم عندما تردهم من غرف المختبر ويبدو ان أمثالنا السائرة بين ظهرانينا لم تجانب الصواب حين تندّرت وتعجبت كيف ان " طبيبا يداوي الناس وهو عليل " .
وتبقى غرائب الحياة شائعة ومحيّرة حقا فالنجار الماهر الذي يلوي الخشب الصلب ويلينه باحتراف متقن قد يصل حدّ البراعة وبلمسات فنية تخلب الانظار وتسحر الالباب يعجز تماما عن اصلاح باب بيته المتهالكة وكذا الاسكافي الذي يفهم تماما ان اناقة الانسان تبدأ من حذائه اولا لكنه لا يفلح ابدا من ان ينتعل حذاءً جميلا مريحا وتراه يبخس على نفسه جديدا ويقنع ذاته ان يلبس حذاءً طنبوريا تالفا مع انه يشغل كلّ ذهنه ومهارته لتصميم احذية فيها من الابتكار والصنعة الحسنة الشيء الكثير مثل حال صديقنا الطبيب اللوذعي الذي لا يعبأ ابدا بوضعه الصحي وكلّ اهتمامه ان يرضيني ويرضي مراجعيه المرضى المبتلين بالأسقام .
ويبدو ان معظم الأشخاص – أصحّاء كانوا أم مبتلين بالسقام – لا يتصرفون بعقلانية تجاه صحتهم بما في ذلك ممتهنو الطب البشري وما يتعلق بهم من صيادلة وممرضين وذوي المهن الصحية إذ إن سلوكهم الخاص تجاه صحتهم ليس خاضعا للعقل الاّ بنسبة قليلة جدا ومن النادر جدا ان ترى أحدا يفكّر في إضافة خمس او ست سنوات الى عمره لو التزم بوصايا ونصائح الناصحين ذوي الخبرة والاختصاص الطبي .
فمن منّا نهض صباحا ليمارس رياضة الجري والهرولة سواء كنا فتيانا او في مراحل العمر المتأخرة او انتقى طعاما صحيا بحسابات السعرات الحرارية وفق مقادير محسوبة ، وحتى لو مارسناها أمدا محدودا فإننا نادرا ما نواظب عليها لتكون عادة متّبعة متداولة يوميا وكم عجزنا عن إقناع أولادنا الشباب للإقلاع عن التدخين او الحذر من السمنة المفرطة مع اننا نمتلك البراهين والأدلّة على خطورتها ودنوّها من الموت لكننا ننعطف كثيرا للاهتمام بصحتنا حينما ينذرنا العطل او يقتحمنا المرض المفاجئ وتبدأ التوقعات السيئة بالظهور الى العلن مما يعني بجلاء إننا لا نفكّر بأوضاعنا الصحية مبكرا ونفتقد الرؤيا العلاجية على المدى البعيد واعتقد جازما ان هذا الحال جزء من تكويننا النفسي وقد أكون انا وصديقي الطبيب الماهر من هؤلاء الذين لا يبالون بعافيتهم الاّ بعد فوات الأوان
ومن الحالات التي تبعث الراحة في نفسي حينما ارى البعض يسابق ظهور الأمراض وأوجاع الشيخوخة ويعمل على تعطيلها مدة أطول ويولي اهتماما ملحوظا بعافيته ليكسب مزيدا من سنوات العمر لحياته من خلال ترويض نفسه وانتقاء الطعام الأفضل لغذائه الصحي والنأي عن كل ما ينغّص مجرى حياته لتكون سلسة وضّاءة مستبشرة يعيشها بهناء لما تبقّى من العمر ويسير في مسالكها غير الوعرة وكأنه في مشوار عشق للقاء من يحبّ .
وكم ستكون حياتنا بهيجة لو استمررنا على هذا المنوال ، وهذا ما أوصاني به صديقي الطبيب دون أن يوصي نفسه أولا فهذه غرائب الحياة ان يهتمّ الإنسان بالآخرين ويغفل ذاته ولا ادري هل فات الأوان أم مازال في العمر بقية لنعيشه على أفضل ما يرام .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,072,841,724
- أنا وإقامتي الجبرية الكورونية وحرمان الكهرباء
- هل لي برثاءٍ خاطف ؟
- صَيّرتموني هَجّاءً
- شاعرٌ في حجرٍ منزلي
- معاناة الفقر والفاقة وصلتهما بالابداع
- تلويحة شاتمة الى كورونا
- وما أدراك ما أهوال الكتابة !! ؟
- الطاعن في العشق
- وطنٌ ذبّاحٌ
- شيخوخة الكتاب الورقي وفتوة الكتاب الالكتروني
- ومضات شعرية في الصداقة
- متى تكفّ العلمانية عن مغازلة العقائد الدينية والاستنجاد بها ...
- صلاة الشعر حينما تصدق
- وصلةٌ شعريةٌ لبغداد الواهنة الكسيحة
- قفشات وتسميات مبتكرة صاحبتْ ثورة الاشقاء السودانيين
- أحببْ عقائد الآخرين محبتك لدينِك
- هكذا تعلّم الأنظمة الراقية أجيالَها الجديدة
- عناءٌ وشقاءٌ ؛ صديقان لا يفترقانِ عني
- صناعة الابداع ؛ رؤية وانطباع فيما يُكتب الآن
- تــكْـتَـكَـتْ ساعة الصفر فلا توقفوها


المزيد.....




- تحليل: إيران تتعرض لمزيد من الإذلال بمقتل فخري زادة.. هل تند ...
- الإمارات تعتمد السياسة العامة للبيئة.. وسلطان الجابر مبعوثا ...
- تحليل: إيران تتعرض لمزيد من الإذلال بمقتل فخري زادة.. هل تند ...
- الإمارات تعتمد السياسة العامة للبيئة.. وسلطان الجابر مبعوثا ...
- جبهة تحرير تيغراي تصر على مواصلة القتال
- مثول 4 عناصر شرطة فرنسيين أمام قاض بتهمة ضرب رجل أسود
- كوريا الشمالية تشدد قواعد الدخول إلى البحر لمكافحة الفيروس
- ماهي خيارات طهران في الرد على اغتيال محسن فخري زاده؟
- مثول 4 عناصر شرطة فرنسيين أمام قاض بتهمة ضرب رجل أسود
- كوريا الشمالية تشدد قواعد الدخول إلى البحر لمكافحة الفيروس


المزيد.....

- الصحة النفسية للطفل (مجموعة مقالات) / هاشم عبدالله الزبن
- قراءة في كتاب إطلاق طاقات الحياة قراءات في علم النفس الايجاب ... / د مصطفى حجازي
- الافكار الموجهه / محمد ابراهيم
- نحو تطوير القطاع الصحي في العراق : تحديات ورؤى / يوسف الاشيقر
- الطب التقليدي، خيار أم واقع للتكريس؟ / محمد باليزيد
- حفظ الأمن العام ، و الإخلال بالأمن العام أية علاقة ... ؟ / محمد الحنفي
- الوعي بالإضطرابات العقلية (المعروفة بالأمراض النفسية) في ظل ... / ياسمين عزيز عزت
- دراسات في علم النفس - سيغموند فرويد / حسين الموزاني
- صدمة اختبار -الإيقاظ العلمي-...........ما هي الدروس؟ / بلقاسم عمامي
- السعادة .. حقيقة أم خيال / صبري المقدسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - جواد كاظم غلوم - أنا وطبيبي صديق الشباب والكهولة