أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - صناعة الوعى فى مقابل التجريف الثقافى














المزيد.....

صناعة الوعى فى مقابل التجريف الثقافى


محمد السعدنى

الحوار المتمدن-العدد: 6478 - 2020 / 1 / 31 - 17:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في إحدى نوافذِ المَتجرِ الكبيرِ الزُّجاجيِّةِ
أَتوجَّهُ نحو ذاتي
لأَراني كما أكونُ
اللَّطمةُ التي أصابتْ
لمْ تكنْ اللَّطمةَ المُنتَظرةَ
ولكنَّ اللَّطمةَ –أصابتني- رُغمَ ذلكَ.
أتابعُ سيري حتى أجدَ نفسي
أمامَ حائطٍ –واقفاً-
لا أدري سبيلاً.
مِن هناكَ
سوفَ يَجلبُني أحدُهم بالتَّأكيدِ
في وقتٍ لاحقٍ.
من قصيدة لـ "هانس ماجنوس إنْسينسْبرجَر"
وهو شاعر وفيلسوف ألمانى معاصر وأول من صك مصطلح "صناعة الوعى" من خلال استنساخ العقل البشرى كمنتج اجتماعى، وهى عملية يضطلع بها العلماء والكتاب والمفكرون، حيث يعملون على إمداد الوعى الجمعى للأمة بما يملكونه من إمكانات وأفكار وثقافات ومواهب، تسموا بالوجود الإنسانى، ليعرف ذاته ويفهم قضاياه ويحدد طريقه ويستشرف مستقبله نحو الأفضل والأرحب والأجمل. وهو فى قصيدته يعبر عن حيرة إنسان هذا العصر فى مواجهة عالم تحول إلى متجر زجاجى كبير وحروب صغيرة، حيث تشيئ الإنسان وتسليع البشر فى حركة عولمة ظالمة عملت فيها قوى الهيمنة والاستعمار الكبرى على استنزاف الدول الصغيرة واقتصاداتها الناشئة وابتلاع البشر ثم تقيؤهم سلعاً ومنتجات، لكأنهم فى متجر كبير، ثم شاغلتهم بحروب صغيرة أنما راحوا وحيثما توجهوا، وحتى تستتب لها أمور الهيمنة والاستنزاف، راحت القوى الكبرى تتلاعب بالعقول وتجرف الثقافة وتؤسس لأساطير تغييب الوعى والارتكان لواقع شديد البؤس فكرياً من خلال أجهزة إعلام بليدة تكرس للتفاهة كما تروج للتخلف والقعود. ولعلنا عالجنا ذلك هنا فى مقالات سابقة، حيث ناقشنا الدور الخطير الذى يقوم به محركوا الدمى الكبار من المتلاعبين بالعقول كما يطلق عليهم الكاتب الأمريكى هربرت شيللر، والذين يقومون بتصدير الوعى المعلب أو الوعى البديل والتضليل الإعلامى فى الدول الفقيرة والنامية وتلك الواقعة تحت تأثير التبعية، بالترويخ للخرافة والتلاعب بالعقول عن طريق خمس أساطير جرى ترويجها بعناية وذكاء، حتى باتت تلك الاساطير تشكل الإطار التضليلي الذي يوهم عقولنا بادعاء الحقيقة، وتتمثل هذه الأساطير التي تسيطر على الساحة الإعلامية بوصفها حقائق في: أسطورة الفردية والاختيار الشخصي، أسطورة الحياد، أسطورة الطبيعة الإنسانية الثابتة، أسطورة غياب الصراع الاجتماعي، وأسطورة التعددية الإعلامية. وهى أساطير مؤسسة للتحايل وتغييب الوعى، فلا الفردية والاختيار الشخصى تقيم الخلاص الجماعى من وهدة الفقر والجهل والخرافة أو تؤسس للتقدم على المسوى العام، ولا الطبيعة الإنسانية ثابتة، فنمط تفكيرنا يختلف حسب وجودنا في قصر أوفي كوخ "كما يقول إنجلز على شروح النظرية الماركسية"، وأن الصراع الطبقى قضية وجودية تاريخية لا تنقطع وإن تجلت فى أشكال مختلفة، ولا يوجد فى دولنا النامية المتخلفة ثقافياً عن عمد تعددية إعلامية، فالدولة تتحكم فى الإعلام وتوجهه وتكرس للصوت الواحد الذى يؤله الزعيم ويسلم على امتداد الخط بسلامة السياسات الحكومية مهما كان تعثرها أو حتى فشلها.
وفى تقديرى، فإن عصر العولمة والسماوات المفتوحة وثورة الاتصالات والمعلوماتية وتنامى تأثير مواقع التواصل الاجتماعى، خلقت إعلاماً عابراً للزمان والمكان، وأسست لعصر الصورة الموحية والمعلومة المضللة والفكر المعلب، ما أثر بشكل قاهر على وعينا المعرفى فى مستوييه الأساسيين: الوعى الفردى والوعى الجمعى، فنشأت لدينا "نخبة مزيفة" تصدرت الصفوف والمنافذ الإعلامية والمؤسسات التربوية والثقافية، وشاغلتنا بفتاوى الحيض والنفاس ورضاع الكبير ومضاجعة الوداع والفرق الضالة ومغبة الخروج على الحاكم، واعتبرت كل جديد فى عوالم الحداثة والتكنولوجيا، من قبيل البدع، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار.
ولا نغالى إذ نرى أنه فى مقابل هذا التجريف الثقافى الذى تتعرض له مجتمعاتنا العربية، لا بد من موجة تنوير جديدة ركائزها صناعة الوعى المعرفى ويقظة العقل والاحتكام لمنهج العلم واسناد الأمر إلى المؤهلين من كل التوجهات من حملة الأفكار والمبدعين، من العلماء والمفكرين والكيانات المؤسسية للدولة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى، النقابات والجامعات والصحف وبرامج التليفزيون التى تقعد أصحاب العلم والرأى والفكر والمعرفة مقاعداً شغلتها الراقصات ولاعبى الكرة والممثلين لعقود طويلة، أسست للتخلف والسطحية وهشاشة المطروح فى المجتمع من أفكار.
وأدعوك أن تعيد التفكر فيما تصدر المقال من أشعار ماجنوس، لترى كم حاجتنا لنرى أنفسنا على حقيقتها، ولنصنع بأيدينا من يجلبنا من أمام الحائط فى المتجر الزجاجى الكبير حيث كل شئ معروض للبيع، فى عالم يحتاج لمن يصنع وعيه ويقوده للتنوير والحداثة.



#محمد_السعدنى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأحزاب وصناعة الوعى والتغيير
- ضربة هيكلية أسقطت الهيبة الأمريكية
- السيد محافظ القاهرة: هل تسمعنا؟
- مساحة للأحزاب والسياسة
- باغت الأشياء ودع الأسباب تأتى لاحقاً
- زهراء المعادى: هل من نهاية للفوضى والمخالفات؟
- الهيئة الإنجيلية: نحو مجتمع عابر للصيغ التقليدية
- -بول آردن-.. هذه هى الفكرة والطريق
- -بول آردن-.. هذه هى الفكرة والطريق
- إيكهارت تول و-قوة اللحظة - الآن-
- إفتح صندوقك يغمرك النور
- أنت وحدك من يصنع الفارق
- الطموح وحده لا يصنع الفارق
- فى مديح -مايكفى-- لا تقرءوا القشور
- الصيد والطموح: قصة مخاتلة
- صدمة الأفكار فى عالم الأعمال
- عن كاتب لايموت: من ثقافة اللفظ إلى معرفة الأداء
- ثورة يوليو: فكرة استعصت على الاغتيال
- لا تسرقوا فرحة أحد
- الليبرالية الجديدة نظام شمولى - فلسفة معقدة لقارئ عابر


المزيد.....




- لقطات تُعرض لأول مرة.. شاهد الحياة الخفية داخل كوريا الشمالي ...
- ترند -الماء المغلي- في مصر يثير الجدل والجهات الرسمية تحذّر ...
- صعوبة أداء المهام اليومية قد تنذر بارتفاع خطر الوفاة
- بيان مصري حاد دعما للسعودية بعد محاولة استهداف الطائف وينبع ...
- زاخاروفا: -الثمانية الكارباتية- فاشلة ودول الجوار ترفض الانج ...
- فولكس فاغن وأودي تستدعيان أكثر من 2.1 مليون سيارة حول العالم ...
- ليبيا تطلب مساعدة -الجنائية الدولية- لكشف المسؤولين عن هجمات ...
- الدفاع الروسية تستهدف مركز بيانات ومركز لوجستي وسفينة شحن في ...
- بعد سلسلة فيديوهات مثيرة.. بلوغر مصرية في قبضة الأمن باتهاما ...
- خطوة تخفف عبء الحقن اليومية.. موافقة أمريكية على اعتماد إنسو ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السعدنى - صناعة الوعى فى مقابل التجريف الثقافى