أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح عسكر - السادية العراقية والوطنية المزيفة















المزيد.....

السادية العراقية والوطنية المزيفة


سامح عسكر
كاتب ليبرالي حر وباحث تاريخي وفلسفي


الحوار المتمدن-العدد: 6437 - 2019 / 12 / 14 - 15:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ ما يقرب من 3 أشهر انطلقت مظاهرات العراق بدعاوى الإهمال الحكومي أولا ثم رفعت سقف مطالبها بإنهاء النظام الطائفي، وعلى مدار تلك المدة لم تتوقف ميادين التظاهر عن طلب واحد هو “طرد النفوذ الإيراني” قلت يومها أن ذلك المطلب رغم منطقيته في الظاهر وإرضاءه للوطنية العراقية لكنه يمثل في جوهره أزمة سيعاني منها المتظاهر العراقي وهي أنه مطلبا يوجه بشكل أساسي ضد المعارضين في المجتمع الشيعي، وبالتالي يحمل في مضمونه كُفرا بالوطنية العراقية الحقيقية التي تتطلب إيمانا بالشراكة والجيرة والقرابة العشائرية أحيانا.

سيؤدي ذلك إلى ردة فعل طبيعية لرفع مطلب منطقي آخر هو “طرد النفوذ السعودي الأمريكي” وسيوجه ذلك المطلب ضد المتظاهرين حتى يصبح تهمة تستوجب الخيانة وإراقة الدماء في سبيل ذلك، وبرغم بداهة هذا المصير وذلك التحليل لكنه لم يشغل بال محللي المظاهرات في قنواتهم أبدا..بل في لحظة غياب وعي فطنوا إلى أن حقهم في الثورة على النظام الطائفي يستوجب قبولا من الحكومة لرفض العراقيين غالبا ذلك النظام ورغبتهم في الانتقال لنظام ديمقراطي حقيقي، وحينها قلت أن ذلك هو عين ما حدث في سوريا قبل 8 سنوات حتى وصل الوضع السوري إلى ما عليه الآن من جُرح نازف في ضمير البشرية واتهامات متبادلة عن المسئولية..

عندما بدأت مواجهات الأحزاب المسلحة من العصائب والصدريين ثم أخيرا إلى اغتيالات للناشطين الثوريين ثم جريمة ساحة الوثبة بقتل طفل عراقي والتمثيل بجثته وسحلها بعد تعليقها في الميدان يكون قد تبين مصير المظاهرات لكل أعمى أنها تذهب لنفس المصير السوري، ولم يعد في القوس منزع عند كل صامت يُدلي برأيه الحقيقي في المظاهرات خوفا من اتهامه بوطنيته أو انتماؤه الديني والقومي، ولما لا ونحن أصحاب تجربة سابقة في سوريا..فمن يتهموك مثلا بالتشيع فقد سبق واتهموك به من قبل في سوريا..ومن يتهموك بالعمالة لإيران قد سبق لنفس الأبواق أيضا على مدار سنوات، بينما لم نجد عاقل واحد يراجع موقفه ويؤمن أن ضلال أي حراك جماهيري يبدأ من اختزاله في صراع خارجي ومواجهة صريحة مع أقطاب..ناهيك عن صمت ذلك الحراك عن خطايا وآثام الأقطاب الأخرى يكون قد استحق تهم الخيانة والفوضى أو الجوكرية كما يحلو لخصوم المظاهرات وصفهم.

حقيقة ورغم تفهمي لكيفية انتقال المظاهرات العراقية من السلمية إلى العنف والاغتيالات وسحل الأطفال والتمثيل بالجثث لكني لم أتفهم بعد كيف انتقلت مظاهرات العمال المشروعة ضد حكومة الطوائف الفاسدة إلى حركة فوضوية لا سقف لها ولا إطار أو برنامج واضح وقادة معبرين عن مطلب الثوار المشروع في البداية، فلم تعد لمطالب الكهرباء والمياه حضورا في شعارات الميادين بل تطورت لصراعات خفية ومعلنة بين أشخاص وأحزاب باتت سمة للمظاهرات الأخيرة خصوصا تلك التي دعت إليها المرجعية وحرقوا فيها أعلام السعودية وإسرائيل وأمريكا، وكأن شقا مختلفا من الحراك بدأ ينتفض دفاعا إما عن أيدلوجيته أو مصالحه المكتسبة..خصوصا بعد ظهور الحراك مؤخرا كتهديد للمراقد الشيعية كآل الحكيم..والأخطر وصوله لتهديد السيستاني نفسه مما ألهب مشاعر العامة وحملهم للنزول بالملايين إلى ميادين بغداد والجنوب برمته دفاعا عن دينهم..

وفي غمرة هذه الفوضى طبيعي أن نرى حدثا فارقا آخر كالطائرة المسيرة التي قصفت منزل “الصدر” لتشتعل الخلافات أكثر ويكثر التأويل عن هوية من أراد قتل زعيم التيار الصدري والذي يسمى أعضائه بجماعة “القبعات الزرقاء” الذين ينشطون في ميادين التظاهر ويشكلون جناحا مع الشيوعيين والبعثيين هو الغالب على الميادين من حيث الانتماء، ومن هنا نعرف أن المسئول عن قصف بيت زعيم الصدريين كان إما يريد الانتقام لمحبيه الذين قتلهم أتباع الصدر مؤخرا أو كان يريد إشعال حرب أهلية بين سرايا السلام والعصائب لينهار الحشد الشعبي كليا باعتباره يتشكل من تلك الجماعات عسكريا، وفي ظني أن الاحتمال الثاني أقرب لكونه شبيه بخطة اغتيال رفيق الحريري والمكاسب التي جناها المدبرين بطرد النفوذ السوري من لبنان وفك الارتباط بين مقاومة الجنوب والجيش السوري وما تبعه من نداءات لإعادة ترسيم الحدود مع إسرائيل.

مصطلح “السادية” يعني التلذذ بآلام وتعذيب الأخير، وعندما يحضر في السياسة يكون أحد وسائل الحشد لكراهية السادي سواء كان شخصا وقائدا أو دولة وحكومة، فالسلطة التي ترفع الأسعار دون النظر لمعيشة الفقراء هي تمارس السادية في الحقيقة مما يسهم في إثارة مشاعر العداء لها، والقائد الذي يغمض عينيه عن مشاكل الناس واستفحالها يراه العوام ساديا يتلذذ بتعذيبهم فيأتي أضعف خصوم ذلك القائد وينجح في حشد الناس ضده، ما بالك وهذا الخصم كان قويا بالأساس؟..أما في الحالة العراقية فالسادية ليست فقط متحققة عند جانب الحكومة ليظل الحراك الجماهيري زخما ومستمرا بل يتحقق ذلك المفهوم عند المتظاهرين أيضا.

مشاهد العنف والقتل والسحل والتمثيل بالجثث التي رأيناها تحمل في جوهرها مؤشرا خطيرا على سادية المتظاهرين مما يشوه سمعتهم ويقوي موقف خصومهم الذين يعملون الآن على الحشد المضاد رفضا لهذه السادية المتوحشة، وقد تابعت بعض هاشتاكات تويتر المطالبة بقمع الحراك مشفوعة بدعاوى الأمن والاستقرار المفقود..مصحوبا ذلك بشعارات دينية ووطنية تعيد أمجاد الانتصار على داعش، ولما لا والصورة الذهنية عن داعش في مخيلة العراقيين حضرت بقوة في جريمة “ساحة الوثبة” الأخيرة، مما يرفع معدل الخطر أمنيا واحتمالات صدام متوقعة جدا هي في رأيي ستكون أعنف من السابقة.

أما الذين يرفعون شعارات الوطنية من كلا الجانبين فرأيي أنها وطنية مزيفة لا تهتم ولا تحترم مبدأ المشاركة والإيمان بالآخر..بل هي شعار خادع فقط لحشد الدهماء سواء لصالح بعض المتظاهرين ممن هددوا الأضرحة والمرجعيات أو خصومهم ممن يخلطون الدين بالدولة والمرجعية بالوطن، ويظل السؤال مطروحا عن معنى وصف هذا النوع من الوطنية بالزيف أو الحقيقة، والجواب باختصار شديد: أن الوطنية مفهوم إنساني حديث من مفردات عصر الحضارة، وهو ضارب في نفوس البشر بقدسية تجمعه مع الدين والرب..إذا فلو كان هذا الشعار حقيقيا سيكون مقنعا على مستوى السلوك الديني..ولو كان مزيفا ستكون وظيفته فقط في الحشد السياسي والديني للقيام بأفعال شريرة كالظلم والقتل والكذب والخداع..إلخ

وقد رأينا أنه ومنذ أن رفع المتظاهرون وخصومهم شعار الوطنية والحديث باسم الشعب إلا وتعقدت المشكلة وزادت أرقام الضحايا والمعتقلين والمهددين، بينما في المقابل مثلا لو كانت تلك الوطنية حقيقية ماذا كانت تعني؟..إنها ستكون كمشاعر الانتصار على الظلم والتعاون على البناء والمشاركة في الإعمار وقبول الرأي المختلف بكل رحابة صدر..هذه هي الوطنية الحقيقية التي تبني البلاد والأمم..أما تلك التي تهدمها وتشيع القتل والظلم والكراهية فهي مزيفة قولا واحدا ، وأصحابها غالبا يكونوا إما تجار دين أو أمراء حرب أو قادة فاسدين من ذوي المصالح والولاءات الخارجية.

فالعلاقة التي تجمع العراقيين الآن ليست بين حاكم ومحكوم في الحقيقة أو بين مواطن وأخيه، بل بين (جلّاد وضحيته) دون تسمية ذلك الجلاد لكونه سيظل مادة خلافية حول مشروعية ما يحدث هناك وتوصيفه، هل ما زال ثورة مشروعة أم انقلب لفتنة جوكرية تهدف لدماء المجتمع الشيعي وعقيدته؟ هل ما زال حراكا له مطالب خدمية أم انقلب لحراك تابع لدولة خارجية ضد أخرى؟ سيظل هذا الملف مفتوحا وما يهمنا في تلك اللحظة هو تشخيص المرض بشكل سليم عسى أن نجد من يرى ذلك ويوقف الحرب الأهلية الشيعية قبل استفحالها وتمددها لدول الجوار التي ربما يتطور فيها ذلك الصراع الأهلي لحرب طائفية ضارة بذوي الأديان والمذاهب الأخرى التي شاء الله أن يسكن أصحابها في هذا الموقع البائس.

فالإنسان في صراعاته لا يميز بين معتقد وآخر أو بين أيدلوجيا وأخرى، بل تدفعه غرائزه وكراهيته الشديدة لارتكاب العنف وكل المحرمات الممكنة ضد الآخر دون تمييز، أما مبررات ذلك فلن يجتهد في صناعتها وتقديمها اجتماعيا وإعلاميا لتفسير كل خلاف على أنه خصومة، وكل خصومة فكرية على أنها عداء فعلي أو محتمل يستوجب منه الدفاع أو التجهيز والحشد لمعركته المقدسة..



#سامح_عسكر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خراب الإصلاح في عَمَار الأصولية
- التفاضل العددي في صناعة الآلهة
- معضلة التمييز في نظرية التطور
- الباريدوليا وفلسفة الصورة
- الروح القدس في القرآن
- ترامب وخامنئي..صناعة المستحيل
- حرب اليمن بين الفقه وأدب الحرافيش
- في نظريات الخلق عند المسلمين
- التكفير في أصول التفسير..أزمة الشعراوي
- نسبية المبادئ وإشكاليات الأيدلوجيا
- مظاهرات العراق وأزمة الهوية
- معادلة حزب الله في لبنان
- عشوائية دعاوى الوحدة بين المثقفين
- من صور التلبيس على العوام
- بين عرب الأمس واليوم
- تركيا بين ذكرى الأرمن وتحدي الأكراد
- مشكلة الجذور في الهوية الإسلامية
- رحلة في جدليات الإسلام المبكر
- الإعلام المصري بين كولن وأردوجان
- متاهة الإصلاح وفرص التغيير


المزيد.....




- أكاديمية إيرانية من المنفى تتحدث لـCNN عن اختلاف مظاهرات مهس ...
- أكاديمية إيرانية من المنفى تتحدث لـCNN عن اختلاف مظاهرات مهس ...
- الإيراني الأمريكي محمد باقر نمازي يصل مسقط قادما من طهران بع ...
- مقتل شخصين جراء تحطم طائرة عسكرية في مطار -غاو- شمال مالي
- العام الدراسي: انتقادات -لعدم استعداد- مدارس في مصر لعودة ال ...
- برلين تنتقد واشنطن ودول صديقة على بيع الغاز بـ-أسعار خيالية- ...
- أنقرة تستدعي السفير السويدي على خلفية برنامج بالتلفزيون الحك ...
- السعودية.. ضبط محاولة تهريب كميات ضخمة من المخدرات والكشف عن ...
- قمة إسبانية-ألمانية لبحث أزمة الطاقة
- بوتين يأمر بنقل إدارة محطة زبوروجيه النووية إلى روسيا


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح عسكر - السادية العراقية والوطنية المزيفة