أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح عسكر - حرب اليمن بين الفقه وأدب الحرافيش















المزيد.....

حرب اليمن بين الفقه وأدب الحرافيش


سامح عسكر
كاتب ليبرالي حر وباحث تاريخي وفلسفي


الحوار المتمدن-العدد: 6415 - 2019 / 11 / 21 - 19:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد عدة أشهر تدخل حرب اليمن عامها السادس ولا نتيجة لها سوى التدمير الكلي لمجتمع اليمن واحترابه الأهلي وحصار فقرائه وما يلحق بذلك من تفشي الأمراض آخرها "حُمّى الضنك" في إقليم تهامة، بالتوازي مع ابتزاز متبادل بين طرفين هما الحوثي وقوات التحالف التي تمنع سفن النفط من دخول ميناء الحديدة مقابل شروط ومكاسب وتنازلات من الحوثي في شأن عملية الحوار المفترض الذي يؤدي لنهاية الحرب..

فحسب ما يظهر للعيان وتصريحات الساسة آخرها تصريح الملك سلمان أمس بضرورة الوصول لاتفاق سياسي من أجل إنهاء الحرب تأكد تماما نوايا كل الأطراف على إنهائها خصوصا بعد مبادرة الحوثي من جانب واحد بإيقاف القصف الصاروخي للمملكة بعد عملية أرامكو التي أدت لتوقف نصف الإنتاج النفطي السعودي وبدء الاستعاضة عنه بمخزون الاحتياطي، لكن تبقى الرتوش الأخيرة والهندسة الشكلية والضمنية لعملية الخروج السعودي والإماراتي من اليمن بحيث لايؤدي ذلك رسميا إلى إعلان هزيمتهم، وأنهم حققوا بعض المكاسب التي أعلنوها في بداية الحرب ومن ضمنها استعادة إقليم عدن، وإذا كان ذلك هو الحقيقة بعينها فنحن أمام عملية ابتزاز ومكابرة تشبه نهايات حرب العراق وإيران في الثمانينات.

وبغض النظرعن سير تلك المحادثات والصراعات الخفية التي هي طبيعية في الشأن السياسي وخصوصا في زمن الحرب أنتقل لجزئية أخرى بعيدا عن مجريات الحرب وتأثيرها الإقليمي والدولي، فقد سبق لنا مناقشة هذا الجانب على مدار سنوات مصحوبا برؤية فلسفية تنبأنا فيها بكل ما يحدث الآن..

هنا سأنتقل لتصور جانب أخلاقي مهم في تصور الدوافع النفسية التي تُحرّك قوى التحالف السعودي، والتي لا تنفصل عن تصور الفقهاء المسلمين لموضوع الجزية كمثال، وأبرز نموذج على ذلك ترويح التحالف نفسه كمساهم في العملية الإنسانية باليمن عبر المساعدات وخلافه..مع بقاء الحصار وتشديده بالتوازي مع قصف المدنيين الذي لم يتوقف حتى في ظل إعلان الحوثي مبادرته الفردية، ووجه التشابه أن فقهاء الجزية قالوا بشرعيتها بناءً على حق ديني واجتماعي لهم في مجتمعات الخصوم، شئ ما ظل مهيمنا طيلة زمن العبودية القديم، فلم يكن العرب والمسلمين وحدهم الذين فرضوا تلك الجزئية بل كانت عُرفا شعبيا وعسكريا عاما..

نفس هذا الحق تراه دول التحالف لهم في اليمن..فإذا ما ناقشنا هذا الحق وشرعيته من نواحي الأخلاق والسياسة والدين أيضا ربما نعالج سبب أصيل من أسباب الأزمة، بيد أن الدافع الأساسي الذي حمل دول التحالف على ضرب اليمن وحصاره هو اعتقادهم بعدم أحقية اليمنيين بالاستقلال..وبهذا التصور تم اعتبار اليمن مستعمرة سعودية قبل عدة عقود، لذا فمن السهل أن نتفهم لماذا انتفضت المملكة وشكّلت تحالفا أنفقت عليه مئات المليارات من الدولارات وآلاف القتلى والأسرى من جيشها نظير الحفاظ على هذا الوضع وأن لا يخرج اليمنيون من كونهم مستعمَرين فلا يفكرون بطريقة مستقلة هي عند أمراء المملكة أكبر خطر يتهددهم حاليا..

وفي الثقافة المصرية جزء من ذلك شبيه بما يجري نجح الأديب الكبير "نجيب محفوظ" في تصويره ضمن ملحمته الأدبية عن مجتمع الحرافيش وفتوّات الشوارع والحارات الشعبية القديمة، فيقف الفتوّة أو البلطجي ليفرض إتاوته على الناس نظير ما يدعيه من حق له في حمايتهم، وهذا الذي يحدث في اليمن بالحرف، فمعنى أن ينظر السعوديون لليمن كمستعمرة سعودية أي لا قدرة لليمن على الاستقلال وبالتالي الدفاع عن نفسه..وهو ذات الدافع من وراء تبرير العبودية في العصر القديم بدعوى أن العبيد لا طاقة له ولا قدرة على العيش بدون أسيادهم الذين ينفقون عليهم بتوفير كل احتياجاتهم الضرورية، وهو نفس الحق الذي ادعاه فقهاء المسلمين لأنفسهم في تشريع الجزية حين أعلنوا أن مبرر تلك الأموال التي يأخذوها عنوة من الشعوب هو نظير حمايتهم.

ومن ذلك وصل فقهاء المسلمين إلى نتيجة مؤكدة عصرية أنه وطالما أصبح أهل الكتاب مساوين للمسلمين في التجنيد والضرائب وخلافه ضمن آليات ودساتير الدول الحديثة فقط سقط عنهم مال الجزية السابق، وفي الحقيقة أن هذا المبرر لو كان صحيحا من الناحية الدينية والعقلية فلهم الحق إذن في استعباد النساء وإجبارهم على دفع الجزية بوصفهم لا يدخلون الجيش وأكثرهم لا يعملون قياسا على الرجال..!

هنا يأتي مشهد للفتوّة أو البلطجي ليقرر العفو عن بعض الحرافيش من دفع الجزية ليثبت إنسانيته وأخلاقه ودينه فيتعزز سلطانه أكثر، نفس ما أحدثه الفقهاء أيضا حين زعموا أن الصحابي "عمر بن الخطاب" أسقط الجزية عن فقراء أهل الكتاب ووضعوا شروط لتحصيل تلك الجزية هي "الذكورة والبلوغ والحرية" ليصلوا في النهاية أن دينهم الإنساني منعهم من ظلم أهل الكتاب ويخرجوا للتباهي بذلك وكأن إجبار ذكور أهل الكتاب على دفع المال هو مشروع وأخلاقي من أصله، ومن ذلك المشهد الساخر نصل إلى كيف يدعي التحالف إنسانيته بمساعداته المالية والإنسانية لبعض مناطق اليمن أو حتى سماحه لبعض سفن النفط من دخول ميناء الحديدة، وكأن منع الغذاء والدواء والوقود عن شعب اليمن هو عمل مشروع وأخلاقي كذلك من أصله..!!

إلى ذلك أصبح الثلاثي ( الفقيه والفتوّة والتحالف) متفقين على ضرورة المنع بدعوى قوتهم ومسئوليتهم عن الضعفاء، ويتفقون أيضا على ممارسة بلطجيتهم بشكل جيد يصل في النهاية أنهم (بتوع ربنا ولا يقبلون على أنفسهم الحرام) فيخدع ذلك المغفلين والأغبياء من أنصارهم فيهتفون بعدالتهم والترويج الفاضح والسخيف لتلك العدالة، أشبه بمن يهتف بحياة الزعيم الدكتاتور المجرم وعدالته في اختلال كلي لموازين العقل والأخلاق والدين لتصل البشرية في النهاية إلى حقيقة مفزعة، أن فعل الشر أحيانا لا يراه أصحابه شرا..بل بكِبرهم وغرورهم وقلة عقلهم رأوا أفعالهم الشائنة عدلا، ولو لم يكن هناك دستورا وقوانين تُنظّم حياة البشر وقوة عليا لضمان تحقيق ذلك الدستور على الأرض لعُدنا إلى شريعة الغاب التي أطلّت علينا في اليمن..كما أطلت علينا من قبل في الغزوات الدينية ثم صوّرها نجيب محفوظ بشكل مبدع قابل للإسقاط على صور عديدة من الظلم الذي يجري في العالم ولا قدرة لأحد أو رؤية على إيقافه.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه، هل سيقبل الفتوّة أن يدفع إتاوة لمن هو أقوى منه؟..فلماذا يقبل ذلك على غيره؟..وكذلك هل يقبل الفقيه المسلم أن يدفع جزية لجيش الكفار مثلا؟..وهل لو كان يعيش في أوروبا الآن سيقبل أن يدفع الجزية للحكومة الألمانية نظير بقائه ؟..وكذلك أيضا هل يقبل التحالف السعودي أن تُحاصره دول أقوى منه كروسيا وأمريكا والصين أو إيران حتى؟..إن ما لا تخطئه العين أن لو أرادت إيران فرض حصارها البحري على دول الخليج وغلق مضيق هرمز فلن يردعها أحد، فهي صاحبة أقوى أسطول وأطول ذراع صاروخي في المنطقة، وما خشية ترامب من مواجهتها في أكثر من حدث لدليل على قدرة الإيرانيين على التنفيذ..فهل يقبل السعوديون أن تحاصرهم إيران وتمنع عنهم الغذاء والدواء ؟..فلماذا قبلوا ذلك على اليمن؟!

هذا الخطاب لا أعتبره خطابا سياسيا بل خطاب ضمير وعقل لكل ذوي ضمير وعقل من التحالف السعودي وأنصاره، هل تقبلون دفع الجزية والإتاوة وأنتم صاغرين أذلاء لمن هو أقوى منكم؟..هل تقبلون بحصار بلادكم ممن تسموهم الأعاجم ؟

إن الثابت أن مقدار ما يحصل عليه السعوديون والإماراتيون قد تجاوز بكثير ما يطلبوه من ربح مادي، فقد سيطروا على بترول اليمن وبدأوا في إنشاء أنابيب نفط تمر من المهرة للتخلص من معضلة مضيق هرمز للأبد، وشرعت الإمارات بالسيطرة على جزيرة سقطرى ..وبرغم المقاومة المشروعة للمحتل الإماراتي هناك لكن ما زالت موازين القوى لصالحها ولا أمل في عودة سقطرى للسيادة اليمنية إلا بحوار أو غيره بعد نهاية الحرب، وفي ظني أن مجمل ما يريده التحالف من شمال اليمن سوى بترول مأرب غير موجود، فقط يريدون إنهاء الحرب الآن بصورة مشرفة بينما الحوثي لن يسمح لهم بذلك باعتبار أن ما فشل فيه العدو بالحرب لن يأخذه بالسلام..وأستغرب إصرار التحالف على هذا الشرط الذي أكدته تصريحات رسمية وغير رسمية.

هل يريد آل سعود أن ينتهوا كنهاية "حسونة السبع" مثلا في ملحمة "التوت والنبوت" ؟..وهل يريدون نهاية كنهايات الشيوخ والفقه التراثي الآن على يد التنويريين والعقلاء والحداثيين؟..فلماذا يصر القائد السعودي والإماراتي أن يذهب للمجهول أكثر من ذلك إلا طموحه في الخروج قويا بلا خسارة، وهذا أمر غير ممكن في اليمن على الإطلاق..فإذا كانت المقدمات خاطئة طبيعي أن تخطئ النتائج، وحرب اليمن بدأت بمقدمات خاطئة وقراءة غير سليمة لمجتمع اليمن تسببت في ما رأيناه من كارثة إنسانية وعسكرة اليمنيين للحد الذي أصبح فيه الحديث عن برلمان وأحزاب وديمقراطية هناك عبث وفوضى غير مقبولة، وأن القوة العليا ستظل للميليشيات والجماعات وأمراء الحرب إلى أمد طويل..وأن آثار ما حدث في اليمن لن تزول نتائجه لعدة عقود..



#سامح_عسكر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في نظريات الخلق عند المسلمين
- التكفير في أصول التفسير..أزمة الشعراوي
- نسبية المبادئ وإشكاليات الأيدلوجيا
- مظاهرات العراق وأزمة الهوية
- معادلة حزب الله في لبنان
- عشوائية دعاوى الوحدة بين المثقفين
- من صور التلبيس على العوام
- بين عرب الأمس واليوم
- تركيا بين ذكرى الأرمن وتحدي الأكراد
- مشكلة الجذور في الهوية الإسلامية
- رحلة في جدليات الإسلام المبكر
- الإعلام المصري بين كولن وأردوجان
- متاهة الإصلاح وفرص التغيير
- أنقذوا مصر بالديمقراطية والليبرالية
- هذيان الثورة والسلطة العمياء
- عشرة أمراض نفسية للزعماء
- أضواء على الزرادشتية
- الفكر الديني المتطرف..كاريمان حمزة نموذج
- السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (3)
- السبيل إلى الثقافة.. مداخل وتعريفات (2)


المزيد.....




- العام الدراسي: انتقادات -لعدم استعداد- مدارس في مصر لعودة ال ...
- برلين تنتقد واشنطن ودول صديقة على بيع الغاز بـ-أسعار خيالية- ...
- أنقرة تستدعي السفير السويدي على خلفية برنامج بالتلفزيون الحك ...
- السعودية.. ضبط محاولة تهريب كميات ضخمة من المخدرات والكشف عن ...
- قمة إسبانية-ألمانية لبحث أزمة الطاقة
- بوتين يأمر بنقل إدارة محطة زبوروجيه النووية إلى روسيا
- رغم الاحتجاجات الدولية.. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوقع ر ...
- نائبة تتقدم ببيان عاجل عن واقعة وفاة طفلتين بالإسكندرية بعد ...
- الدراسة في أول أسابيع عودتها| وفيات وإصابات في انهيار سور وح ...
- شهيد وإطلاق نار كثيف.. الاحتلال يحاصر منزلا في دير الحطب قرب ...


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامح عسكر - حرب اليمن بين الفقه وأدب الحرافيش