أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد سلامة - المعركة الثقافية السياسية















المزيد.....

المعركة الثقافية السياسية


فؤاد سلامة

الحوار المتمدن-العدد: 6076 - 2018 / 12 / 7 - 21:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد المعركة الثقافية - السياسية، معركة الأفكار والمفاهيم في العالم العربي، تُخاض داخل الدوائر الثقافية - السياسية بين يمين ويسار، أو بين محافظين وليبراليين، أو بين رجعيين وتقدميين. معركة الأفكار تُخاض اليوم بين استبداديين وديمقراطيين، بين فريق أنصار الديكتاتوريات ويضم قوميين ويساريين، إسلاميين سنة أو شيعة ومنتمين لأقليات دينية، من جهة، وفريق أنصار الديمقراطية، ويضم قوميين ويساريين، متدينين وعلمانيين، من جهة أخرى.

في العالم العربي حصل انزياح لمفهوم مقاومة الاستعمار والاحتلال الصهيوني، نحو مصطلح يحمل اسم "الممانعة". بالأساس كانت الممانعة ترمز لمقاومة إسرائيل وأمريكا ورفض الإملاء Diktat الغربي الصهيوني على فلسطين وبلاد العرب (جوزيف سماحة اليساري الراديكالي). ومع الوقت تصلّب وتأدلج تيار الممانعة وابتعد عن جوهره التحرري وتمحور حول دعم سياسات الأنظمة الدكتاتورية القومية - العسكرية، على اعتبار أن هذه الأنظمة تخوض مواجهة دائمة مع الاستعمار بشكليه القديم والجديد.

اليوم، يوحد الممانعين جميعا تقريبا، خليط أيديولوجي قومي - شوفيني - يساري - طائفي، يتميز بالعداء لمبادئ الحرية والتحرر والديمقراطية، كما يجمعهم الخطابية الإنشائية الوطنية، واللغو الأنتي - أمبريالي - صهيوني. إجمالاً معظم الممانعين يحملون نفس الخطاب الأيديولوجي المعادي للديمقراطية سرا أو علنا مع اختلافات طفيفة. للممانعين نقطة ضعف أساسية وهي تبعيتهم الظاهرة أو المبطنة للدكتاتوريات ولأجهزتها الأمنية. وأما علمانيتهم الظاهرة والمدَّعاة، فهي بالكاد تخفي حساسياتهم الطائفية الأقلوية، وحساسياتهم الأنتي إسلامية سنية.

المعركة الثقافية هي معركة أفكار وإنتاج لمفاهيم جديدة، وهي اليوم تدور بأشكال مختلفة بين النخب الاستبدادية بمختلف تلاوينها، والنخب الديمقراطية بمختلف تلاوينها، علما أن إيجازاً كهذا يجب أن يحاذر الوقوع في مطبات النظرة التبسيطية والاختزالية.

لمزيد من التوضيح يمكن اعتبار أن المعركة الفكرية هي بين نمطين من النخب:
- نمط أول من أصحاب الرأي، مثقفين، كتابا وعلماء وشعراء وفنانين، يدورون في فلك السلطة ويعملون في ماكيناتها الإعلامية والإدارية، مروجين لفكرة أن شعوبنا ضحية دائمة للاستعمار والخارج، وأن الاستبداد ليس أمرا مشينا، بل ضرورة تاريخية لمنع الفوضى وضبط الغرائز والأطماع وقمع الأفكار الرجعية، وأن شعوبا متخلفة حضاريا يجب أن تحكم بواسطة قادة أقوياء وملهمين يقومون بنقل هذه الشعوب تدريجيا وبالقوة القمعية نحو رحاب الحضارة. يمضي هؤلاء الأشخاص جل وقتهم يروون مآثر السلطان ويبررون أفعاله، ويكتبون عن فضائله وبعد نظره، ويشرحون أهدافه واستراتيجياته.

- ونمط ثان من أصحاب الرأي، مثقفين وكتابا وعلماء وفنانين يعتبرون أنه بالسياسة والعلم تتقدم الشعوب أو تتأخر، والسياسة هي ما يصنع شعبا راقيا وبلدا مزدهرا. وعندما تكون السياسة في خدمة الدكتاتور وسلالته وحاشيته بدل أن تكون في خدمة الشعب، فالنتيجة هي بلاد يعمها الفساد وينهشها العنف ويعيش فيها الناس محرومين من حقوقهم وكرامتهم تسيّرهم شريعة الغاب، وتطحنهم شريعة الطغاة.

في بلاد العالم الثالث التي تطغى عليها سمات التخلف كبلادنا يسود النموذج الديكتاتوري للسلطة. وأما في بلد كلبنان حيث لم يترسخ نظام ديكتاتوري لأسباب تاريخية وتكوينية، فإننا نجد تعايشاً لأنماط مختلفة من الحكم. رغم الطابع الديمقراطي الدستوري الشكلي للسلطة في لبنان، فإنه لم يحدث تداول حقيقي وسلمي للسلطة منذ انتهاء الانتداب. ومنذ انتهاء الحرب الأهلية أي منذ حوالي ثلاثة عقود لم يتطور النظام اللبناني نحو ديمقراطية حقيقية تسمح بحصول تداول للسلطة إثر انتخابات حرة ونزيهة وتعددية الأحزاب. السبب الرئيسي لذلك هو استحالة تشكل معارضة قوية وموحدة تستطيع الفوز بالانتخابات.

لا ديمقراطية حقيقية في أي بلد من دون معارضة تتناوب على الحكم مع السلطة وتتبادل معها المواقع سلطة / معارضة. كيف تنشأ معارضة ويشتد عودها بوجود منظومة سلطوية تحتكر كل شيء وتعاقب كل معارض بحرمانه وأبنائه من فرص العمل والتوظيف؟ كيف تنشأ معارضة في دولة تتشكل فيها دوما حكومات وحدة وطنية هي عبارة عن برلمان مصغر وتضم ممثلين عن كل الكتل البرلمانية؟ هذا الواقع يمثل خرقاً لمبدأ دستوري أساسي في الديمقراطيات، وهو الفصل بين السلطات. ولكن من يبالي؟ من يحاسب ومن يمنع التجاوزات الدستورية؟ الخرق الثاني للدستور هو عدم استقلالية القضاء وهو السلطة المخولة بمراقبة ومحاسبة الحكام والمحكومين. لا أحد يستطيع محاسبة الحكام، ولا نائب يستطيع مراقبة الحكومة ومحاسبتها، دعك طبعاً من تمثيليات انتقاد الرؤساء والوزراء من داخل البرلمان وحتى من داخل الحكومة.

ثمة عقبات تكوينية وبنيوية تمنع تشكل معارضة فعالة وجدية في لبنان. كما أسلفنا القول فإن المعارض يمنع وأبناؤه من العمل والتوظيف ويحارب في مصالحه عندما يكون مستقلا اقتصاديا أو يملك عملا خاصاً. والمعارضة رغم ضعفها وهامشيتها فإنها تُمنَع من خوض انتخابات حرة ونزيهة، وذلك من خلال التضييق عليها بشتى الطرق ومن خلال عمليات التزوير المحمية سلطوياً. وهكذا يستمر النظام اللبناني بعلاته وتناقضاته عاجزاً عن التطور وعاجزاً عن بناء دولة مدنية واقتصاد قوي في مجتمع آمن ومسالم. الفساد متفشي في كل مفاصل الدولة والمؤسسات، والعنف كامن لا يحتاج لغير شرارة صغيرة لينفجر هنا وهناك بأشكال صغرى، ويأخذ مدى واسعاً عندما تشتدّ التوترات.

ما سبق يرسم صورة قاتمة لأوضاع بلداننا حيث تسود الديكتاتوريات العلنية غالباً، والمقنعة أحياناً كما هي الحال في لبنان. الأسباب معروفة لهذا الواقع المرير. والإصلاح يبدأ بالسياسة وليس فقط بالتربية. فمناهج التربية ووسائل الإعلام لا تؤدي دورها من دون سياسة ديمقراطية يمارسها الحكام أولاً. ولا إصلاح اجتماعي من دون إصلاح سياسي يبدأ به الحكام المتنورون. وأما المعارضة الهشة والموزعة فرقاً وشللاً تتنازع جلد الدب قبل أن تتصيده، فلا نصيحة تجدي معها ما لم يقتنع قادتها بالتخلي عن طموحاتهم السلطوية الصغيرة وسلوك درب التنظيم والتوسع المتدرج والحثيث.

الجامعات التي كانت تشكل في الماضي بؤراً للثورة والتمرد، ولّادة المعارضات وحاضنة الأحزاب، أصبحت حالياً مرتعاً خصباً لأحزاب السلطة تمارس جماعاتها داخلها كل أشكال الضغط والترويع على الطلاب الساعين للحصول على شهادات تسمح لهم بالعيش الكريم. قلة من هؤلاء الطلاب تستطيع التفلت من أسر الأحزاب الطائفية السلطوية. من هذه القلة تخرج كادرات تحاول لعب أدوار سياسية واجتماعية تغييرية أو إصلاحية. ولكن أحزاب السلطة تكون لها بالمرصاد لمحاصرتها اجتماعياً وخنقها اقتصادياً، أو لتطويعها واستدراجها لصفوفها. كل ذلك يجعل الأمل ضعيفاً ببناء معارضة قوية تستطيع منافسة الأحزاب الطائفية وصولا لتداول حقيقي للسلطة. لذلك لا بد من كثير من التواضع والتحلي بالصبر لخلق حالة تغييرية منظّمَة ومؤثِّرة.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دعوة للنقاش: السيادة أولاَ أو الإصلاح؟
- سبعة، حزب أم منصة؟
- مراجعة نقدية للتحركات الاحتجاجية في لبنان
- هل يتحكم الشيعة بالنظام اللبناني، وكيف؟
- النظام الطائفي والإصلاح المحظور
- المعارضة في لبنان إلى أين؟
- قطب معارض كبير، هل هذا ممكن؟
- المعارضة جنوبا، بين الماضي والمستقبل
- المعارضة جنوبا، وعموما، عندما تلعب لعبة السلطة
- صوت واحد للتغيير
- لبنان، صوت واحد للتغيير..
- -التجمع اللبناني-، نقد لتجربة علمانية حديثة
- جبهة موحدة ضد السلطة، في لبنان
- مواجهة الفساد والارتهان للخارج في الخطاب المعارض
- أزمة التغييريين في لبنان
- معا من أجل الديمقراطية وحقوق المواطنين
- لأوسع ائتلاف معارض في لبنان في مواجهة -الطبقة السياسية-
- الديمقراطيون في لبنان: صوت واحد في معركة موحدة
- صوت واحد، معركة واحدة
- -سبعة-، أول حزب لبناني عصري و.. ديمقراطي


المزيد.....




- أرض الخيول الجميلة في تركيا.. تجول بين -مداخن الجنيات- في كا ...
- حزب باكستاني متطرف يطلق سراح 11 شرطياً احتجزهم بعد احتجاجات ...
- شاهد: حافلة خاصة في استراليا لمساعدة من يعيشون في العراء على ...
- الحرب في أفغانستان: كم كلف ذلك الصراع الولايات المتحدة؟
- حزب باكستاني متطرف يطلق سراح 11 شرطياً احتجزهم بعد احتجاجات ...
- اليمن.. الثلاثاء إطلاق حملة تطعيم ضد كورونا في 13 محافظة
- مقاتلات -ميغ-31- تطلق صواريخ فوق المحيط الهادئ أثناء التدريب ...
- اليمن.. اشتباكات عنيفة في مأرب ونزوح واسع للمدنيين بسبب المع ...
- إثيوبيا تتمسك بالتعبئة الثانية لسد النهضة.. السودان يقدم إحا ...
- ترامب ينتقد خطة بايدن لسحب القوات من أفغانستان لسببين


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد سلامة - المعركة الثقافية السياسية