أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دعد دريد ثابت - عبد المجيد غيفارا















المزيد.....

عبد المجيد غيفارا


دعد دريد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 6069 - 2018 / 11 / 30 - 04:07
المحور: الادب والفن
    


موضوع أو شخصية هذا الإنسان أصطدمت بها ومعها وقتاً لأستطيع أن أعبر لها ومن خلالها عما يجول في فكره والكثير من أمثاله.
ربما أردت الهروب مني وما أشعر به من خذلان في هذا المد الصاخب من أناس صامتين ممن هم من حولي وماتجترعه روحي وتحاول أن تنتشلني الأنا كل مرة من جديد بعد خذلان جديد. ولكن الأمانة التي أعطيتها لنفسي والوعد الذي قطعته سراً بيني وبينها يعود فينتشلني من جذور الأمل المتقد دوماً يعود فينتشلني من بقايا شعري من مستنقع يود إبتلاعي لغير رجعة مرة أخرى من جديد، ماجعلني أدون عنه.
فلكل شخصية أو حدث أصب كإنسانة سواء كنت كاتبة أو مطلقة لعنان روحي جزءاً منه، وعليه عليّ أن كون بنفس الآن حريصاً وشاهداً محايداً لأكون لسانه الأخرس وروحه الصامتة في إطلاقها.
وهنا المعضلة هل هو ينطق عني أم أنني سأكون حرفه الأخرق؟
عبد المجيد كان من الممكن أن يكون ليوناردو دافنشي، ماركس، همنغواي، تشي غيفارا أو عبد الله المختار، ليس فقط للحيته الكثة، ولكن لنظرة الغربة التي تنطقها روحه المعذبة بداخلها. ولكنه كان المتسكع الغريب بلا مأوى ولا أهل ولا روح ترأف به ولا مال بحوزته، محصناً فقط بالمه وعزلته وبرد يرتديه في كل الفصول.
التقيته في إحدىحواري إسطنبول القديمة، مساءاً وقبل إغلاق المحلات بوقت قصير، وكعادتي في تفحص واجهات المحلات وخاصة الأنتيكة والحلي، حتى وإن لم أبتاع شيئاً، فهناك دائماً الجمال للقديم مايشدني للرؤية والإستمتاع. ومن طبيعتي لا أكتفي فقط بالرؤية، وإنما أتحدث عن جمال المصوغات أو الأنتيكة وابرع في وصفها وتثمين قدمها وجودة صناعتها. ويالغرابة الحدث فلولا هذا الترف ماألتقيت بذاك العوز، فقد فوجئت برجلٍ يكلمنا بكل لياقة وأدب ويسألنا إن كنا عراقيين. وحين أجبناه بإيجابية، لاحظت شهقة الفرحة تنطقها كل ملامح وجهه وهو غير مصدق، كأننا حمامتي السلام من أرض اللا سلام.
طلب منا وهو يمتلئ خجلاً إن كنا نملك بعضَ الوقتِ لنشرب الشاي معه. ومن ملابسه التي كانت تحاول بحياء الحفاظ على مأنقها التي كانت عليها في يوم ما، وإتساخها الخجل في محاولة للبقاء عليها نظيفة منشاة كما كانت عليها سابقاً، تأكدت بسرعة بديهتي أن الشوارع هي ملجأه ومنفاه، والحوانيت وقطط الشوارع وأشجارها رفاقه ومكمن أسراره.
جلسنا في مقهى على طرف الشارع، وألححنا عليه بطلب شئ يأكله، فرفض بشدة. وبعد إصرار شديد وافق على سندويشة يأخذها معه في منفاه المختار تحت شجرة كفطور للصباح، وطلبنا الشاي وجلسنا نستمع لقصته.
كان رجلاً فناناً أنهى دراسة أكاديمية الفنون الجميلة، وكان يملك محلاً في بغداد لبيع التحفيات والأنتيكة. وقد رحل لإسطنبول وهو يملك بحوزته رصيداً جيداً، ولكن سوء طالعه في تقدير الآخرين، جعلته يقع في براثن النصابين والمحتالين ليخسر كل أمواله ومايملكه حتى من موبايل وأغراض قيمة. لأكون محايدة تماماً وبعد شكي بأنه مدمن على الشراب، علمت أنها إحدى تلك الأسباب والتي جعلت حتى أهله يبتعدون عنه، بعد أن قاموا بمحاولة أخيرة بأن زاروه قبل أسبوعين من لقائنا، وأخبروه أنهم مستعدين لإعطائه المال فقط في حال رجوعه الى العراق.
وحين سألته عن المانع، تحجج بأنه يرفض العودة خالي الوفاض مكسوراً وهو لايملك الحلم الذي ذهب من أجله لتركيا بأن يكون تاجراً غنياً. وهو بحاجة فقط لرأسمال صغير ليبتاع بعض الحلي ليعود فيبيعها ويربح وهكذا حتى يحصل على أمنيته بالمبلغ المطلوب ليعود مزهواً للوطن.
ولكني علمت أن هذا ليس السبب، فواجهته بأن وضعه لايسمح له بذلك وهو متسكع والشتاء قادم، ولماذا لا يبحث عن مأوى في الملاجئ الخيرية لكي يستحم ويحصل على بعضٍ من الدفئ. حتى أنني وبعد أن عرض علينا من كيس النايلون الذي كان يحمله تخطيطاته على أغلفة دفاتر وجدها مرمية وبأقلام بسيطة، رسومات أذهلتني بجمالها ودقتها وتنم عن روح شفافة. وحين قدم صاحب الحانة وأبدى إعجابه وتعجبه من أنه يراه كل يوم يتسكع ولم يعلم بأنه فناناً، خطرت ببالي فكرة بأن بعد أن يهندم حاله قليلاً، أن أطلب له من صاحب القهوة بأن يأتي ليرسم أمام محله للسواح بورتريهات أو مناظر لييبعها لهم. تمنيت بشدة أنني سأقبل عصفورين قبلة بمرة واحدة. فعرضت على عبد المجيد الفكرة ولكنه رفض بشدة ذلك. وأسقطت كل محاولاتي بإقناعه بالرغم من معرفته بسوء حالته الصحية ومعاناته من البرد. فهو ينام تحت الشجرة ليتلحف لحائها ويستيقظ مبكراُ لتخفي أغصانها بقايا متاعه المهلهلة صباحاً وتنتظره لحين قدومه مساءاً.
وكل ماكان يتمناه في خياله أن نلتزمه حين يعود لبغداد ونوفر له محلاً ليبيع به أنتيكته وأساور وقلائد سيجلبها معه من إسطنبول، وهو ماوعدناه به في حال عودته، التي كنا نعلم بأنها لن تكون وخاصة بعد أن سألته وبصراحتي المعهودة لي ولكن بإحراج بأنه يدمن المشروبات، والذي وبخجل منه أعترف بذلك.
سألته وأنا محرجة إن يسمح لي بتصويره، فأجابني وهو معترض على أنه لم يحلق لحيته الكثة منذ فترة طويلة. وأعقبت أن تلك اللحية هي السبب الرئيسي لي بذلك الطلب، لأنها تعبير حي عن معاناته وحربه النفسية مع ذاته التي يلفظها ويتقيأها مجتمع فظ منافق لايتقبل الا الخانعين الذين على شاكلته، ليضطر للهروب الى بلاد لايعرفه أحد بها ويبقى مجهولاً مخموراً لحين إنتقاء الموت الصديق له.
هل كانت تجاربه المكررة بإحباطتها مادفعه لترك أهله وبلده وماضيه خلفه؟ أم هو شعور من أخطأ بتقييم الناس من حوله وأعتقد الخير والصدق ولو بشخص واحدٍ، ليكتشف كم هو عقيم وساذج، بأن يظن بأن هناك حقيقة في ذلك الإنسان وأن في حياة لادخل لنا بإختيارها أن نشك ولو للحظة بأن هناك أملاً كنسيج عنكبوت واهي في عبث عمر سنعيشه؟ّ! وكم هي جعبة الألم بعد ذلك الإكتشاف الوجودي المتكرر المرة تلو الأخرى، ليصل الى القناعة أن الحقيقة هي أمر خائب، وعليه أن يكتشف حقيقته التي لن يكتشفها هي الأخرى، قبل أن يعول على أوهام حقائق الآخرين.
هناك الكثير من الأسباب لهروبه، وتفضيله الموت السريع على البطئ في بلد يخنق البشر بعضهم البعض بحجج مقيتة تاركين نفوس بعضهم محطمة، منهارة ومقادة عمياء، ليشهر جنونه وإدمانه بين أزقة لا تلفظها أرصفتها الا حين يلفظها نعله بالموت.
سلام محبة آزرة لروحك المعذبة أينما كانت ولكل أرواح عبد المجيد أينما كانت لحين لقيانا الأخير، أو مابعده !



#دعد_دريد_ثابت (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من منا لا يحتاج ل -صك الغفران - ؟
- بحر نسي قلبه الأزرق
- ضياع الأدمغة في المدن الآسنة
- الف كلمة وكلمة لاتُغني عن.......
- تعيش الفراشة يوماً، لكنها تلد مئات الفراشات
- موت وحذاء مهترئ
- من سيبكي الأشجار بعد موتنا ؟!
- إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي
- قصة إنسان ونصف !
- مجاهل شعاب ماقبل الأخير
- من هو الشاعر والفنان؟
- موت البراعم
- ياليت اللهُ -كُم- يملك قلباً كقلبي!
- هل اليسار في أزمة سرمدية، أم لايزال هناك أمل؟؟!!
- مطر السطور
- وحي الأوهام
- قصة المساء - كارل وأدولف -
- صدى رنين الزمن
- صلاحية سقوط غير محددة
- وهل للزمن عنوان ؟


المزيد.....




- فيل كولينز وفرقة جينيسيس: صفقة بقيمة 300 مليون دولار لشراء ح ...
- لماذا تصل الأفلام المصرية القصيرة فقط إلى العالمية؟
- الحرب الروسية على أوكرانيا تلقي بظلالها على موسم جوائز نوبل ...
- تشريح الموت في -احتضار الفَرَس-.. خليل صويلح: لا رفاهية لمن ...
- :نص(وادى القمر)الشاعر ابواليزيد الكيلانى*جيفارا*.مصر .
- شاهد: فنانة وشم تونسية تحيي تصاميم أمازيغية قديمة للجيل الجد ...
- إيقاف الراديو العربي بعد 84 عاما من البث.. -بي بي سي- تعلن إ ...
- بي بي سي تخطط لإغلاق 382 وظيفة في خدمتها العالمية توفيرا للن ...
- هيئة الأدب والنشر والترجمة تطلق معرض الرياض الدولي للكتاب
- نادية الجندي تكشف مواصفات فتى أحلامها: من حقي أتزوج ولا أحد ...


المزيد.....

- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء الحاكم بأمر الله / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء فرعون موسى / السيد حافظ
- لا أفتح بابي إلّا للمطر / أندري بريتون- ترجمة: مبارك وساط
- مسرحية "سيمفونية المواقف" / السيد حافظ
- مسرحية " قمر النيل عاشق " / السيد حافظ
- مسرحية "ليلة إختفاء أخناتون" / السيد حافظ
- مسرحية " بوابة الميناء / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دعد دريد ثابت - عبد المجيد غيفارا