أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الستار نورعلي - ثلاثية حميد الحريزي الروائية (محطات)















المزيد.....

ثلاثية حميد الحريزي الروائية (محطات)


عبد الستار نورعلي

الحوار المتمدن-العدد: 6065 - 2018 / 11 / 26 - 22:17
المحور: الادب والفن
    


ثلاثية حميد الحريزي الروائية (محطات)
بين فن الرواية والتسجيل التاريخي



بقلم الشاعر والناقد :- عبد الستار نور علي



ثلاثية الروائي والشاعر والناقد حميد الحريزي (محطات) تتألف من:
الجزء الأول: (العربانة)
الجزء الثاني: (كفاح)
الجزء الثالث: (البياض الدامي)

حميد الحريزي أحد الأسماء الأدبية البارزة النشطة في العراق. متعدد المواهب في فن الأدب، شاعر وناقد وروائي. يمتلك خصيصة الاقتراب من أذواق وأحاسيس واهتمامات القراء بمختلف مستوياتهم التعليمية والثقافية. يكتب للناس، ومن الناس، ومن أجل الناس. لذا يثابرُ باجتهاد مشهود، مؤمناً بأنّ رسالة الكلمة والفنون عموماً هي خدمة المجتمع، والتعبير عما يعانيه اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، حاملاً قلمه في الدعوة الى التغيير، والإرتقاء بالمجتمع الى مكانة تليق به متنعماً بالحرية، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعيداً عن الجور والفروق الطبقية. إنّه من أعلام مدرسة (الأدب للمجتمع)، بتأثير نظرية الإلتزام في الأدب التي تنطلق من أهمية مشاركة الأديب الناسَ همومَهم ومشاكلهم وآمالهم وطموحاتهم، إلى جانب الدفاع عن حقوقهم والوقوف معهم في مواجهة الظلم والقهر والمعاناة. لكن!ها في الوقت نفسه نظرية تلتزم بمعايير اجتماعية وأخلاقية، لا تخلع عن نفسها أرديةَ الجمال الفني المفروض توفرُها في النصوص، لكي تجد طريقها إلى ذائقة المتلقي وإحساسه، حتى تُحدثَ الأثر المطلوب المُحرِّك لكتابتها. فمن الأهمية أنْ لا تخلو من الجمالية الفنية المطلوبة في الأدب، والتي هي ركيزة أساس في الكتابة، لتكون النصوص متماسكةً مؤثرةً شكلاً ومضموناً. وإلا فإنّها تقع في مطب المباشرة والجمود، والشعاراتية الخالية من شروط العمل الفني. الإلتزام لا يعني السطحية والمباشرة الجافة الخالية من مُدهِشات ومُبهرات فن الكلام.

وانطلاقاً منْ موقفه الفني هذا نرى في أسلوبه البساطة والسهولة والوضوح، ليصل إلى أكبر عدد من المتابعين من الناس، مع المحافظة على فنية النص وجماليته، بقول آخر، هو من أرباب السهل الممتنع الجميل، لِنقرأْ نصّاً شعرياً من نصوصه مثالاً لما ذكرنا:
زناة الحرف

اتركوني
اتركوني أمارس جنوني
اتركوني أقلع عيوني
كي لا أراكم ولا تروني
جراؤكم تعوي خلفي
قرودكم تلاحقني
عوراتكم تقبّح وجهَ الدرب
تشوّه وجهَ الفجر
تكفر بآيات الربّ
جيوبكم محملة بالذلّ
وجناتكم دنانير مزورة
.................

هذه الخصائص الفنية الأدبية التزم بها حميد الحريزي شعراً ونثراً. وحتى في دراساته النقدية يركّز على هذه الجوانب، وفي بحثه وتقييمه واختياراته. وخير نموذج من منتجه الأدبي، حيث تظهر بوضوح وجلاء نظرته الى الأدب والتزامه الصارم، هي ثلاثيته الروائية (محطات) التي نتناولها في قراءتنا هذه.

في هذه الثلاثية يؤرّخ حميد الحريزي لفترة تاريخية سياسية اجتماعية طويلة، تمتد من أربعينات القرن العشرين إلى يومنا هذا، من خلال تأريخ الحزب الشيوعي العراقي، عبر شخصيات الرواية وتطور أحداثها السياسية والاجتماعية بحسب التسلسل التاريخي السياسي والاجتماعي. منها شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية مرّت بالعراق. ومنها من نسج الخيال خدمةً لمضمونها، كي يتجنب الوقوع في الوثائقية التسجيلية، لأنه يكتب رواية لا وثيقة، مثلما يذكر في ختام الثلاثية:
"وردت في الرواية الكثير من الأسماء والأحداث والظواهر، منها الحقيقي الواقعي ومنها من نسج خيال الكاتب والذي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الواقع المعاش أو المتخيّل ... فهي رواية وليست وثيقة تسجيلية"

النجفي عبدننه، منير (سلام عادل/حسين الرضوي)، جمال الحيدري، خالد أحمد زكي، عزيز الحاج، حسن سريع، وغيرهم. إضافة إلى تأريخ ما مرّ به الحزب من أحداث وانتفاضات، وتغييرات وتطورات، وانشقاقات: تنظيم القاعدة/ سلام عادل، وتنظيم راية الشغيلة/جمال الحيدري، ثم توحيد التنظيمين في الخمسينات، حركة حسن سريع، حركة الكفاح المسلح، الجبهة الوطنية مع حزب البعث....الخ.

تشتغل الثلاثية على هذا الخط، وعلى خطّ تطور الشخصيات عبر التطور الزمني والتنظيمي. وأثر الحزب على تنمية ثقافة أعضائه من الفلاحين والعمال البسطاء الأميين، ورفع مستوياتهم التعليمية بالمبادرة الحزبية الذاتية. فبطل الرواية أبو مطشر (مظلوم) الفلاح الجنوبي الأمي الهارب من ظلم الاقطاع، والتقاليد الريفية الخانقة للإنسان وحريته، الى جانب الخنق الاقطاعي الجائر. مما اضطره الى الإنتقال من القرية (المشخاب) الى المدينة (النجف) هو وعائلته، ليعاني هناك من شظف العيش والفقر وقسوة المدينة. ومع ذلك جاهد وتحمّل الصعابَ، فعمل بائع باقلاء على عربانة متنقلة وذلك في الجزء الأول (العربانة)، وبمساعدة أولية من أحد الناس، إذ إلتقاه فوجده يعاني من البطالة والفقر، ثم من كوادر الحزب. هنا يؤشر الحريزي إلى أهمية التكافل الاجتماعي والتعاون بين الناس، وفاعلية الأحاسيس والمشاعر المشتركة التي تُعمّق العلاقات الاجتماعية والقيم الأخلاقية بين أفراد المجتمع، وتخفّفُ من المعاناة الإنسانية الفردية والمجتمعية، وتقوّيها، فتؤدي الى الأمن الجماعي بعيداً عن الضغوط الاقتصادية والسياسية الخانقة، التي كانت تجثم على صدور الناس. فالعربانة هنا رمز مشرق للحياة، وإشارة إلى التعاون المشترك والمساعدة بين أفراد المجتمع، والوقوف مع المحتاج، إضافة الى تأكيد الكفاح من خلال الحركة الحياتية اليومية في سبيل العيش الكريم.

يريد الروائي هنا أنْ يشير إلى وجود طبقتين: طبقة المستغلين من الاقطاع والبرجوازية، وأنانيتهم وظلمهم. والطبقة المسحوقة، وتعاونها وتكافلها وكفاحها من اجل الحياة الكريمة، إنطلاقاً من الإحساس المشترك الجامع بسبب الظلم. الطبقة الأولى تستولي على دائرة القرار والسيطرة (الحكم)، من أجل مصالحها الطبقية الضيقة. والثانية تناضل منْ اجل حقوقها الأساسية في العيش الكريم حياتياً وسياسياً ، وذلك بالتنظيم في صفوف أحزاب تدافع عنها وعن حقوقها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والطبقية (الحزب الشيوعي مثالاً)، لأنها عجزت في الواقع المعاش أن تحصل على تلك الحقوق فاضطرت الى التنظيم في حزب سياسي ثوري سري ممنوع، وبذا تحمّلت شتى صنوف الظلم منْ اعتقال وسجن وتعذيب وتشريد وقتل.


في الجزء الأول يتناول الحريزي حياة بطل الرواية في قريته وفي المدينة، مصوّراً الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي يمرُّ بها، ودور الإقطاع بالريف، والبرجوازية بالمدينة، في خلق هذه الظروف، ووطأتها القاسية على حياة الناس، وانتشار الفقر والتخلف والأمية. مظلوم وعائلته يعانيان ريفاً ومدينةً، من شظف العيش. لكنّ هذا لا يمنعه من أنْ يكافح، ليوفّر لنفسه مورداً يساعده وأهله، على مواصلة الحياة والعيش الكريم، بمساعدة من الشباب الحزبي، في توفير عربانة له، يبيع عليها الباقلاء، عند أبواب المدارس، وقرب المقاهي والمحلات، وهو يطوف بها، مما أتاح له الاطلاع على شوارع ودرابين المدينة ومحلاتها، والتعرف على تجارها ومثقفيها وعمالها. هنا تبدأ خطواته الأولى في مخالطة الشيوعيين دون أن يدرك ببساطته الريفية مَن هم، وما هي هذه الأفكار التي يتداولونها ويسمعهم يتحدثون بها. احتضان الشيوعيين له بداية دخوله معتركهم السياسي والتعرف عليهم وعلى ما يحملون من فكر، ثم الإنتماء الذي يتجلى في الجزء الثاني من الرواية (كفاح).

هنا في النجف يتعرف مظلوم على الحياة الخلفية لمجتمعها، ومنها حياة بعض التجار البرجوازيين وما يجري فيها من قصص الانحراف والرذيلة، حين يصوّر علاقته مع زوجة أحدهم الغجرية الراقصة (غنودة)، زوجة البرجوازي التاجر الشاذ (معيوف)، التي تغويه فيمارس معها الجنس، ومن خلال ما كانت تساعده غنودة وزوجها. وهو يرمي بهذا الى أنّ الإقطاع والبرجوازية لا يختلفان في نمط الحياة، وانما في الشكل لا غير. وهو بهذا يدين هاتين الطبقتين.

الجزء الأول من الثلاثية يتناول حياة البطل (مظلوم) وعائلته في النجف، وتعرّفه على الشيوعيين، ومساعدتهم له، وتغيير اسم ابنه مطشر إلى (كفاح)، وما لهذا الاسم من دلالة سياسية تخدم مضمون الرواية. إذ أنّ ابنه يبدأ بالنشاط السياسي وهو طالب في الثانوية. وفي الجزء الثاني يصوّر حياته في بغداد بعد انتقاله إليها بمساعدة أصدقائه من الشيوعيين، حيث تبدأ خطواته الأولى في التنظيم بالانتماء إلى الحزب. فيوفّر له التنظيم عملاً في مطبعة حزبية كحارس ليلي، ثم منضّد حروف، بعد أنْ دخل دورةً دراسية تعليمية للقضاء على أميته، ثم دورة في التنضيد، تلته دورة حزبية. فبدأ إهتمامه بالقراءة وعشقه لها بحيث أخذ يلتهم الكتب التهاماً. في هذا يسجل الحريزي دور الحزب الشيوعي الكبير في تعليم وتثقيف أعضائه من الأميين، إلى جانب التثقيف السياسي. وهذه حقيقة ملموسة، عشناها في الماضي وفي الحاضر.

وفي الجزء (الثاني) أيضاً يصوّر الكاتب حياة الحزب والشخصيات بعد ثورة الرابع عشر من تموز، والأحداث التي مرّت بها الثورة، وشخصية عبد الكريم قاسم بجانبيها الإيجابي والسلبي، إذ لم يمرّ الروائيُّ على أخطائه دون أنْ يشير إليها، وفق قناعته الفكرية، ومن أهمها موقفه من الحزب الشيوعي والتقدميين عموماً. كما أنّه لم يفتْ على الحريزي أنْ يذكر انتقاده لبعض مواقف قيادة الحزب، التي كانت سبباً إضافياً إلى أخطاء قاسم، والتي كانت نتيجتها انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، وما تلتها من كوارثَ ومآسٍ ومجازر رهيبة، لم يسلم منها الشيوعيون، ولا غيرهم من أبناء الشعب العراقي الشرفاء.

يستمر هذا الجزء في تصوير معاناة الشيوعيين وما جرى لهم من مذابح. ثم يمرّ على حركة الشهيد (حسن سريع)، وأحداثها وشخصياتها، والتي شارك فيها بطل الرواية (مظلوم)، لكنه نجا من الاعتقال والموت، فاختبأ تحت اسم مستعار، ليعمل فلاحاً في حدائق بعض الدور، ثم في بستان لأحد وجهاء الكاظمية، وفي الوقت نفسه بقي على اتصال بأحد رفاقه، يتابعان التطورات، وأخبار الحزب، بمنأىً عن الأنظار. وفي الوقت نفسه ظلَّ مستمراً بمثابرةٍ وهوس دون انقطاع على هوايته في القراءة التي عشقها عشقاً هام به، فأغنى نفسه وفكره، وأشرع نوافذ عقله على نور المعرفة. كما بقي التفكير بالأحداث والذكريات والمعاناة والشوق إلى عائلته هاجسَه وغذاءَ يومه، وهو بعيد عن عائلته التي أرسلها الى قريته خوفاً عليها مما جرى ويجري.

يتناول الجزء الثالث (البياض الدامي) حركة 18 تشرين الثاني 1963 التي قادها عبد السلام عارف، وأنهى بها حكم حزب البعث، وما تلاها من أحداث، وانهيار البعث، وهروب أعضائه ملقين أسلحتهم جبناً وخوفاً. ثم يروي الكاتب من خلال شخصية البطل مظلوم كيف استعاد الشيوعيون تنظيمهم مرة أخرى، بعد اختباء وتشظٍ. ويواصل في رواية مسيرة الأحداث التي مرّت بالعراق حتى اليوم: عودة حزب البعث إلى السلطة عام 1968 ، تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية، عودة كفاح بن مظلوم من دراسته في الاتحاد السوفياتي ، وتعيينه ضمن قرار عودة أصحاب الكفاءات، الكفاح المسلح في الأهوار، وفاة مظلوم، تأسيس الجبهة الوطنية.... مروراً بكل الأحداث التاريخية إلى يومنا هذا، وأثرها على المجتمع العراقي، ومنه شخصيات الرواية، وخاتمتها استشهاد كفاح في تفجير ارهابيّ.

البناء الفني في الثلاثية

تدخل الثلاثية في مزيج من فن الرواية السياسية، والرواية الواقعية الاجتماعية، والرواية التاريخية. إذ من الصعب أن نحبسها في خانة إحداها دون الأخرى.
هي سياسية، لأنّ مضمونها وفكرتها وهدفها تقديم تاريخ حزب سياسي، وما مرّ عليه، وعلى أعضائه، من وقائع وتطورات موضوعية وذاتية، وما يحمله هذا الحزب من أيديولوجية أممية إنسانية، اقتصادية وسياسية واجتماعية، وما تحمّل منْ أجل ذلك من اضطهاد ومطاردة.

وهي واقعية اجتماعية، حيث يعرض الروائي أمام قرائه الواقع الاجتماعي للشعب العراقي، في الحقب التاريخية التي تعرضها الثلاثية، وما كان سائداً من تقاليد وأخلاق وقيم. وكيف أثّرت الأحداث في تكوين وتغيير البنية الشخصية للفرد العراقي والمجتمع عموماً، وفي التقاليد والأعراف، ريفاً ومدينةً. كما أنّها تبين الحياة في الريف والمدينة، ودور المرأة فيهما، إلى جانب دورها في الحركة الوطنية العراقية، ومشاركتها الرجل في النضال السياسي والمسلح، إلى جانب دورها في مساندة الرجل، زوجاً وابناً، في كفاحه، وتحملها أعباء العيش القاسية جنباً إلى جنبه.

كما هي تأخذ من فن السيرة متابعة حياة الشخصيات، وما مرّت به ضمن السياق التاريخي واليومي، فهي تتناول إلى جانب البطل سيرة شخصيات حقيقية، عاشت في تلك الحقب، وكان لها دورها في تحريك الأحداث، تأثيراً وتأثُراً، بمسيرتها النضالية والحياتية، من أمثال: عبد ننه، سلام عادل، جمال الحيدري، حسن سريع، عزيز الحاج، خالد أحمد زكي ... وغيرهم. اضافة إلى أحداث الرواية التي وقعت فعلاً. فهي ليست من نسج الخيال. وما كان من نسج الخيال فيها هو بعض المُقبِّلات التي وضعها الحريزي على مائدة القارئ في ثنايا الثلاثية، كمشهيات تضيف جمالاً فنياً وإثارةً وتشويقاً إلى مضمونها، كما أشار في خاتمة الثلاثية. وهي أحداث تتعلق ببطل الثلاثية (مظلوم)، والبعض من الشخصيات الأخرى، قد تكون متخيّلة. والمتخيَّلة هنا لها دورها في خدمة المضمون الأساس، وأحداثه، وتطوراتها.

إنَّ الذي دفعنا إلى اعتبارها مزيجاً أعلاه، هو أنّ الروائي قد قدّم لنا رواية فنية، وفق معايير الفن الروائي، حبكةً وإثارةً وتشويقاً، ولغة فنية، وشخصياتٍ وأحداثاً، وتطوراتٍ، وتفاعلاً بين جميع هذه المكونات، لتخرج لنا ثلاثيةً تنضمّ إلى الروايات التاريخية الكبيرة المهمة. كما تمتاز بالتسجيل الوثائقي التاريخي السياسي الاجتماعي للعراق منذ أربعينات القرن العشرين إلى يومنا هذا.

تمدنا الثلاثية عبر ما أسلفنا بكمٍّ من المعلومات التاريخية والسياسية، مستندةً إلى ثقافة الروائي حميد الحريزي الواسعة في التاريخ والسياسة والاجتماع والأدب، وهي ثقافة أمدته بخزين كبير، ساعده في مسيرته الإبداعية والفكرية، والثلاثية التي بين أيدينا خير مثال.

لقد عرض لنا الحريزي في روايته الحياة الإجتماعية، وتقاليدها وأعرافها السائدة في الحقب التي تناولها، وما كان كامناً فيها من قيم جمعية إنسانية،. ولم يفته أنْ يسجّل بعض الظواهر الشاذة فيها، منْ انحرافات أخلاقية لبعض الطبقات، بتأثير من الوضع الإقتصادي لها. وهو في هذا يريد أنْ يبين أثر الإقتصاد في تكوين القيم، وفي توجيه حياة الناس سلباً وإيجاباً، منطلقاً منْ الأيديولوجية التي يعتنقها. كما أنّه سجّل أيضاً بعض الجوانب الشخصية الذاتية في التصرفات اليومية للأبطال. وهي جوانب إنسانية لا تخلو النفس البشرية منها، سواءً في المُتَع البريئة وغير البريئة، أم في العلاقات الأسرية. وهي مما جُبلَ عليه الفرد.

في العنصر اللغوي للثلاثية، عمل الحريزي على البساطة في الأسلوب، ومتانة اللغة، دون التوغل في اللعب عليها، أو الإسهاب في الوصف والتصوير لدقائق الأمور، حتى لا يقع في الترهل والاستطراد المؤديين إلى ملل القارئ. كما أنه ركّز على عنصر الإثارة والتشويق، ليشدّ القارئ إلى الأحداث، فيواصل القراءة حتى النهاية، بلهفةٍ وتشوّق واندماج. وهو منْ أهم عناصر الرواية الناجحة.

ولكي يقرّب الأحداث من الواقعية أكثر اعتمد اللغةَ الدارجة (اللهجة العامية) الجنوبية، لأنّ أبطال الرواية من جنوب العراق، ولأنّه يرى أنّ هذا يجعل الإحساس بالمضمون والوقائع والشخصيات إحساساً تفاعلياً، يعيشه القارئ بعمق وقناعة وتأثّر. إنّ الحوار على لسان الشخصيات ذات البعد الاجتماعي الشعبي، ريفاً أم مدينةً، بلغة فصيحة يفقد الصلة الرئيسة بين الشخصيات وواقعية الرواية. وهنا نذكر روايات ومسرحيات توفيق الحكيم التي مزج الحوار فيها بين الدارجة والفصيحة، لكي يكون مفهوماً للقارئ العربي عامةً بمختلف لهجاته المحلية. وفي الوقت ذاته لا يفقد القصة بنيتها الاسلوبية الفنية بجماليات وسلامة اللغة. ونجد اليوم أنّ عنصر استخدام اللهجة المحلية عند الكثير من الروائيين العرب سائدةٌ، وذلك لإضفاء الواقعية على الحكاية والشخصيات، إذ ليس من المعقول والمقبول أنْ يتحدث شخصٌ أميٌّ منْ العامة، أو فلاح من الريف البعيد بلغة فصيحة سليمة لفظاً ونحواً . يقول الحريزي في حوارٍ بيني وبينه على المسينجر حول هذا:
"الرواية تضمنت حرارة اللهجة، أو اللغة الشعبية العراقية، التي أراها ملح الحكي، وفقدانها يفقد الحوار روحه، حينما نعبّر عنه باللغة العربية الفصحى لغة النخبة والمنبرية .. "

ولا تفوتنا أخيراً الإشارة إلى خصيصة فنية أخرى في الثلاثية، وهي أنّ حميد الحريزي لم يقسّم الرواية إلى فصول أو أقسام، لأنّه، بحسب قراءتي، يريد أنْ يبيّن للقارئ بأنّ الأحداث والوقائع والشخصيات مترابطة متسلسلة، في وحدة زمنية ـ رغم طول زمن الرواية ـ ووحدة حكائيةٍ حدثية، وموضوعية تاريخية سياسية اجتماعية، وهي وحدة لا تنفصم، لأنّها سلسلة متصلة الحلقات، حلقة تؤدي إلى أخرى، مرتبطة بها سبباً ونتيجةً، وتطوراً وتصاعداً درامياً، جمعاً وفرداً.

عبد الستار نورعلي
الخميس 15 تشرين الثاني 2018






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سارق النار
- ليلة أشرق عنترة بن شداد
- الحقيقة
- هاتف هاتف
- يا........ حمد .......!
- حبٌّ Kärlek
- روحي Min själ
- حبٌّ Kärlek
- كيف لي!
- يوم الشهيد الفيلي
- نصوص قصيرة
- مَنْ....؟
- قالها يوماً...
- العراق الى زوال؟
- العراقُ إلى زوال
- أم جوان
- عيد المرأة
- الإنهيار
- لينوس غوردْفَلت (2)
- لينوس غوردْفَلت 1


المزيد.....




- اللوبي الجزائري باسبانيا يؤلف قصص خرق حقوق الانسان بالأقاليم ...
- روسيا تختار فريق عمل لتصوير فيلم في محطة الفضاء الدولية
- بحوث علمية عراقية
- بحوث لمؤسسات علمية عراقية
- بحوث أكاديمية لمؤسسات علمية عراقية
- قربلة في دورة ماي لجماعة عامر القروية بسلا
- الإمبراطورية الرومانية -غير البيضاء-.. هل كانت روما مدينة شر ...
- متحف الأدب الروسي يقيم معرضا بمناسبة الذكرى الـ200 لميلاد دو ...
- ديوان -طيور القدس- للشاعر الأردني والكاتب الروائي أيمن العتو ...
- اتهام إمام مغربي معتقل في إيطاليا بنشر الدعاية الإرهابية


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الستار نورعلي - ثلاثية حميد الحريزي الروائية (محطات)