أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - أم القيمر وجعبة الاسئلة














المزيد.....

أم القيمر وجعبة الاسئلة


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 6004 - 2018 / 9 / 25 - 16:27
المحور: الادب والفن
    


عودت نفسها النهوض من نومها منذ الصباح الباكر، أو بالأحرى والدتها هي التي كانت تقطع عليها سلسلة أحلامها الوردية فتصحيها مبكراً، وظل هذا الوقت المقدس عالقاً في ذهنها.
تتوجه الى الحمام على عجالة لأخذ دوش دافئ، ثم ترتدي ملابسها البسيطة، وهي عبارة عن (نفنوف) خفيف وحجاب ملون تضعه على رأسها كعادة النساء القرويات، وملائة سوداء ونعل اسفنجي رخيص، بدون أن تضع على وجهها أي نوع من مساحيق الزينة، وتحمل "صينية" القيمر التي اعدتها ليلة البارحة في ساعة متأخرة قبل أن تذهب لتنام في فراشها الوثير بانتظار احلامها المتواضعة، وتخرج من الدار تحث الخطى باتجاه السوق القريب من دارها، حيث يكون الزبائن بانتظارها للشراء من بضاعتها التي تعودوا عليها منذ عهد ليس بقريب.
عفاف ورثت هذه المهنة عن والدتها التي غادرت الحياة الدنيا منذ سبع سنوات، ومع ذلك فهي راضية وقانعة بهذه المهنة وما تدر عليها وعلى اسرتها الصغيرة من دنانير تحمد الله عليها صباحاً ومساءً.
الربح الذي يدر عليها كاف لتغطية مصروف الدار ومصروف صغيريها افراح ومثنى، وكذلك مصروف زوجها، الذي هو عاطل عن العمل، وعمله العناية بالأبقار حيث يجلب لها العلف والماء، واخراج فضلاتها ورميها الى خارج الدار.
الزوج لا يمتهن غير هذه المهنة الداخلية، وحينما تخرج زوجته الى عملها كان يوصيها بجلب علبة أو علبتين من السكائر، فالتدخين سلوته الوحيدة في هذا الزمن التعس، ولولا هذه السلوة لقذف نفسه تحت اطار أي سيارة تصادفه كما كان يقول.
كان البيت الذي تسكنه هذه الاسرة البسيطة متواضع جداً.. غرفتان وصالة وحولي، زائداً مطبخ صغير وحمام، والبيت بمساحة مائة متر مربع يقع في مطقة شبه ريفية، ساكنيها جميعهم من الناس البسطاء الطيبين، لكن اغلبهم اميون ليس فيهم من يقرأ ويكتب الا ما ندر، حتى عفاف لم تتعلم القراء والكتابة ابداً، لأن اسرتها منعوها من دخول المدرسة، لأن الناس كانوا يقولون أن دخول المدارس بالنسبة للفتاة يعتبر عيباً، فالتعليم هو من حق الرجال فحسب، واما المرأة فحقها بيت الزوج وتربية الاولاد والاعتناء بالزوج، وغير هذا فلا يسمح لها، الا اذا كان بيع الحليب ومشتقاته، فقط هو المسموح به للمرأة.
وكنت كلما أخرج من منزلي - صباح كل يوم- وأنا في طريقي الى دائرتي في وسط بغداد، كنت اشاهد بائعة القيمر هذه، والزبائن متجمهرة من حولها. واحياناً اختلس نظرات فأرى يدها الصغيرة البيضاء وهي تقطع القيمر بالسكين وتحشو بها الصمون لعمل سندويشات وتقدمها للزبون.
ورغم أني لا أحب أكل القيمر، لكن فضولي دائما يدفع بي أن اقف مع زبائنها واشتري لفة تضع لي فيها المقسوم من القيمر واروح اقضمها بتأني كما يقضم الانسان الجائع رغيف الخبر الساخن، واواصل سيري.
تعلقت ببائعة القيمر، وبمنظر الزبائن المتجمعين نصف دائرة من حولها، اما لماذا هذا التعلق؟، فلا أدري.. فكم مرة سألت نفسي السؤال ذاته، لكنني لم أجد الجواب الشافي في جعبة الاسئلة.
وفي ذات يوم، وكالمعتاد، وصلت الى مكانها، وجدت المكان خالياً، اصبت بالدهشة، سألت نفسي:
- يا ترى لماذا اليوم لم تأت هذه المرأة؟
سئلت جارها في المكان نفسه وهو صاحب فرن بيع الصمون.. هو الآخر لا يعلم.. راحت الظنون تقطع بسيوفها البتارة آمالي التي بنيتها على رمال السراب.
وواصلت طريقي.. لكن عيناي ظلت شاخصة على مكانها الموحش.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتصاب جثة!
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(8)
- تحقيق بجريمة لم تحدث!
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(7)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(6)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(5)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(4)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(3)
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(2)
- دعوة لكتابة تاريخ العراق الراهن
- الرصافي و(كتاب الشخصية المحمدية)(1)
- أصابع الاسئلة – نص
- ظاهرة استفحلت اسمها- الشعر الشعبي-
- محاولة في تعريف المثقف
- ابن رشد و خلطه الاوراق(3)
- ابن رشد و خلطه الاوراق(2)
- ابن رشد و خلطه الاوراق(1)
- أي جرائم ارتكب هؤلاء الاوباش؟
- لماذا التفلسف
- الافستا- كتاب الزرادشتية المنزّل(4)


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - أم القيمر وجعبة الاسئلة