أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - فى الذكرى السابعة لثورة يناير فى مصر















المزيد.....



فى الذكرى السابعة لثورة يناير فى مصر


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 5767 - 2018 / 1 / 24 - 17:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



دون كيشوتيو الثورة والعاصفة الثورية المقبلة

-- 1 --
* فى الامزجة النفسية السلبية , ومصادرها , وطابعها العام

تسود فى اوساط بعض شباب الثورة المصرية , وكتابها, وشعراءها , وممثليها موجة من الاحباط , واليأس والتشاؤم , فى اعقاب حلول الذكرى السنوية الاولى للثورة , وذكرى رحيل مبارك فى 11 فبراير الماضى . ونظرا لان هذه الموجة تغمر العناصر الديموقراطية الثورية المناضلة التى لعبت دورا اساسيا فى المواجهات الميدانية على المتاريس , وفى الميادين فى مواجهة اعتى قوى القمع , وشكلت رافدا اساسيا من روافد قوى الثورة الصلبة , وعكست نضال قطاع عريض من الطبقة البورجوازية الصغيرة , واشباه البروليتاريا , وجب علينا ان نحاول معا تفهم هذه الموجة بهدف تبديد وتجاوز اثارها السلبية , بتبيان كافة الشروط الذاتية والموضوعية التى احاطت بظهورها . ولاريب اننا ندرك جميعا فى هذه اللحظة التاريخية الفاصلة , ان هناك خطة متكاملة تنفذها البورجوازية البيروقراطية العسكرية وحلفاءها , من اجل تصفية الثورة تصفية نهائية جذرية , موظفة كافة ادواتها لانجازها , بادئة بالتهيئة المعنوية لها ( للتصفية ) , ومنتهية بالاجهاز المادى الفعلى عليها . كما اننا ندرك جميعا ان هذا المزاج السائد فى اوساط انشط قوى الثورة حاليا يسهل عمل وفعالية قوى الثورة المضادة .

والحال , ان مايجمع الاحباط واليأس والتشاؤم ,هو انها بصفتها مظهرا من مظاهر السيكولوجية الاجتماعية فى لحظة معينة , وعند فئة طبقية معينة , حالات تنشأ احيانا كنتاج مباشر لوجود عقبة ما حقيقية , او وهمية , تعترض طريق الوصول لهدف معين, و قد تتجلى فى مظهر شعور طاغ بالاجهاد , والقلق , والملل والقرف , والغضب . كما انها قد تنتهى اذا استطال الشعور بها الى خور العزيمة , والقعود عن الدفاع عن القضايا التى يؤمن بها المرء , ولظهور نزعة اعتمادية قدرية ( طغيان منطق مفيش فايده , غطينى وصوتى ياصفية , وعايزنى اكسبها , يللا نهاجر , لسنا الاقردة تجارب , حاربنا طواحين الهواء مثل دون كيشوت , ليس لنا الا النواح , شعب يستاهل اللى يجرى له , ياريت تجيلهم شوطه , يللا ننام يمكن بكره نصحى مانلقيهومش , وفى افضل الاحوال اتكالية الانتظار لمخلص "دكر" ) . وهى تدل على موقف من الذات الفردية , والجمعية , يقلل من جدارتها , وكرامتها, ومن فقدان الثقة , والاستخفاف بالامكانات , والاستسلام للقوى الضاغطة والاذعان لارادة الاقدار , والاعتراف بالفشل .

ان الموجة السالفة كظاهرة ليست شيئا غريبا عن تاريخ الحركات الاجتماعية , والسياسية , منذ اقدم مراحلها التاريخية . فقد تدهورت الاحوال النفسية لشعوب , او لطبقات اجتماعية عديدة , يدلل على هذا مراثى ارميا فى التوراة عقب الاسر البابلى , او نواح المسلمين بعد اعادة فتح الاندلس من قبل الفرنجة , وحديثا ردة الفعل على مجازر كومونة باريس عام 1871, او مااعقب هزيمة الثورة الروسية عام 1905من مظاهر الردة السياسية . كما امنت شعوب عديدة من اقاصى الارض بالمخلص , او المهدى , او الزعيم الخالد , والقائد الملهم – لعبت الفكرة دورا ثوريا او رجعيا حسب السياق التاريخى – واتخذ هذا الايمان اشكالا عديدة عكست طبيعة الشروط الاجتماعية النوعية , فى هذا المجتمع اوذاك , غير ان مايجمعها كلها , هو ان الفكرة تمخضت عن وضع هزمت فيه -- اوغلبت على امرها بنصف هزيمة -- امة , او طبقة , او حزب سياسى , او كانت ضعيفة عاجزة عن ان تبنى قواها الذاتية الخاصة الكافية لاحراز النصر على خصمها القومى او الطبقى , او قنعت بالاوهام , وبالثرثرة , وتفادت استخدام الوسائل الكفيلة بتحقيق هدفها ايا كان , ولم ترد ان تسلك سبيل الفعل الثورى المنظم . ويشيع ذلك فى المجتمعات الرأسمالية الحديثة , خاصة فى الطبقات غير الاساسية فى المجتمع , فهى الاكثر عرضة لذلك وان لم يقتصر عليها , لأنها لاتلعب دور القطب الاساسى فى عمليات التحويل الثورى الاجتماعى , كما هو الحال بشأن البورجوازية الصغيرة . ولطالما ادت امزجة الخيبة والاحباط ان لم تقاوم الى تدهور وعجز قطاعات هامة من الديموقراطية الثورية عن الفعل السياسى , ويتجلى هذا على اشده فى فترات الازمات التاريخية , وخاصة فى فترات هيمنة الرجعية , ومعاداة الديموقراطية , والاعتداءات الفظة على الحريات التى اكتسبت فى مراحل الاندفاع الثورى , وخاصة اذا مارافقتها ملاحقات الجلادين وارتداد " الاصدقاء " فى ظل هجمات الثورة المضادة .

من المهم ان نفهم ان ميلاد هذه الامزجة السلبية لدينا فى الوقت الراهن , يرتبط فى اوساط المناضلين بعدم ادراكهم لسبل , واساليب تغيير وضعهم كجزء من قوى الثورة , على مستوى الوعى بشكل واقعى , ولاغراقهم فى اوهام كثيرة بشأن خصومهم الطبقيين , او بشأن انفسهم , وكذلك على مستوى ادراك ماهية القوى الاجتماعية التى تتقوم رسالتها فى تحويل المجتمع تحويلا ثوريا .

والواقع ان التشاؤم والاحباط ان تجلى بالتخلى عن ارادة الحياة والمقاومة , او بالنكوص عن كل شئ , او بتسفيه للذات , او الشعب , او الهروب بمختلف اشكال الهروب لايمثل – ان صغنا ذلك بشكل غاية فى الاختزال -- سوى فلسفة او موقفا رجعيا او هروبا . ونادرا مالعبت هذه المشاعر السلبية دورا ثوريا مثلما جرى مع المفكر الروسى بيوتر شاداييف الذى كتب " رسائل فلسفية الى سيدة" عام , 1829وكانت رسائل بالغة التشاؤم , غير انها الهمت اجيالا من الثوريين , بما تضمنته من نقد مر للاوضاع السياسية , والاجتماعية الروسية , فى اعقاب هزيمة الديسمبريين عام 1825 . او مثل مالعبته مقالات كاتبنا العظيم الراحل جلال عامر بنقده السياسى الاجتماعى , الذى كانت سخريته المرة باسلوبه العبثى الذى عكس واقعنا العبثى حافزا للوعى , ورفضا لواقعنا المتدهور على كل صعيد .

ولكن الجوهرى , هو انه مامن عمل ثورى يتوجه الى المستقبل , يمكن ان يجد اسسه فى التشاؤم , لانه بمثابة انهيار فى الفعالية التى تستهدف تغيير الاوضاع القائمة , انهيارا ينذر بالهزيمة المحتومة لاولئك الذين قرروا ان يناهضوا سلطة الديكتاتورية العسكرية البوليسية . ان المحبط , واليائس , والمكتئب , والمتشائم , والعدمى الساخر من الشعب لخموده , ليسوا ثوريين فى الواقع لانهم يساعدون مناهضى الثورة واعداءها مهما كان حسن نواياهم , لانهم يدعمون محاولاته فى تقويض معنويات الثورة .

-- 2 –

*الاطاحة بالسلطة ضرورة تاريخية .. غير ان قوى الثورة ضئيلة لانجازها

حين نرى المشهد السياسى الراهن , وخاصة المزاج السلبى , لقطاع من شبابنا الديموقراطى الثورى , نستحضر على الفور تلك العبارة التى كتبها احد قادة الثورة العظام من القرن 19 – وان فى سياق تعليقه على عمل ادبى عن انتفاضة اسبق فى بلاده -- وهى : " ان المأساة هى الصراع بين القضية الضرورية تاريخيا والاستحالة العملية لتحقيقها " . ان السياسة الثورية الفعلية تتطلب الاطاحة بسلطة البورجوازية البيروقراطية العسكرية – الان وفورا -- ولكن القوى القادرة على انجاز تلك المهمة -- الان -- لم تتجمع وتستعد بعد . ومن هنا تتسلل تلك الامزجة السلبية فى تلك الفجوة بين الضرورة الملحة , والاستحالة العملية لتحقيقها فى تلك اللحظة فحسب لا الى الابد . وهذا يعنى ان علينا ان نملأ تلك الفجوة , بعمل دؤوب منهجى منظم لتشكيل وتكوين وبلورة الاداة التى يمكن لها ان تقوم بالمهمة المطلوبة , وهى الاطاحة بها . المشكلة الاساسية اذن هى التباين بين عظم المهمة , وضالة القوى – الواعية المنظمة -- حتى الان لتحقيقها فى اللحظة الراهنة .

ان موقف هؤلاء الشباب الثورى عبر عنا جميعا , عن اوهامنا غير الناضجة, وانعدام خبرتنا السياسية , وترهل بعضنا الثورى – ان جاز القول – والظروف التاريخية والاقتصادية والسياسية هى التى قدرت بداية معينة, وخاتمة معينة لفترة الاعصار الثورى, الذى بدأ فى يناير العام الماضى , ووسمت الفترة بطابعها , وخاصة غياب الطبقة العاملة كطليعة سياسية واعية , فضلا عن حزبها الثورى وقيادته الراديكالية , . وينبغى القول بأمانة , ان غالب القوى الثورية العفوية , لم تفهم ماجرى فى حينه , ولذا وقفت بمعزل عن المهام التاريخية الواقعية التى كان يتطلبها سير الاحداث , واهمها صنع ثورة كاملة والسير بها الى منتهاها ايا كان ماتطلبه هذا الامر من وسائل وادوات وتضحيات . وقد اعتقد كثيرون ان مهمتهم كانت كنس الميدان ( وهو ماامتدحته البورجوازية الامبريالية الغربية وقطاعات من البورجوازية المصرية ) اما كنس النظام فقد تركوه للسلطة السياسية العسكرية الجديدة التى كانت جزءا منه ( النظام ) ولم يكن من مصلحتها ان تكنسه , وراوغت وناورت ولم تستبقه فحسب , بل جددته ودعمته, واعادت بناء اجهزته القمعية . ولكن كيف كان وعى المشهد السياسى الكلى ممكنا حال غياب قيادة ثورية راديكالية موجودة مسبقا , ومستعدة لهذا الاعصار الثورى , من خلال عمل حزبى منظم مرتبط بالكادحين , وقادر على تبديد الاوهام التى رافقت نجاح الثورة بازاحة مبارك عن السلطة ؟ ؟

* لقد حققنا انتصارات فعلية لاوهمية يصعب انتزاعها

لكن لايعنى هذا بحال اننا خرجنا من الثورة صفر اليدين . هناك انجازات تاريخية تحققت وينبغى الحفاظ عليها . واهمها ان الشعب المصرى بملايينه قد سدد ضربة قاضية للخرافة التى ظلت سائدة قرونا عن خنوعه واستسلامه ورضاه بمصيره وبصبره التاريخى , وبانخراط الاقباط المصريين فى معمعان النضال الديموقراطى الثورى , متجاوزين اسوار النزعة المحافظة الكنسية , وبالاسهام العريض غير المسبوق للمرأة المصرية فى الممارسة الثورية . لقد اكتسبنا حق المواطنة الفعلية , والدولة المدنية غير الطائفية على ارض الشوارع والميادين . كما فرض الشعب شرعيته الثورية ممارسا حقوقه كما راها , وحددها فى الاعتصام, والتظاهر والاضراب, والتجمع, والتعبير عن الرأى . وتبينا ان ارباع الانتصارات التى حققناها بالاطاحة برأس النظام ثم بثلاث حكومات , ثم بفرض المحاكمات , وتعديلات الدستور, وتشكيل البرلمان , والتعجيل بانتخابات الرئاسة , والاصرار على رحيل السلطة العسكرية ... ان هذا جميعه رغم نواقصه لم يكن ليتحقق بدون ضغط ثورى من مليونيات الشعب التى خرجت عدة مرات على مدار عام كامل , وقدمت مقابل ذلك تضحيات جسيمة . وقد كان الشباب الثورى فى الطليعة , وعلى المتاريس , وتجاوز حماسه كل حد, وابدى جسارة وبسالة منقطعة النظير فى مواجهة قوى القمع العاتية المدججة بالسلاح .

وايا ماكان مال الفصل الراهن من الثورة, فلايمكن لقوة ان تنزع هذا الانجاز الاساسى الذى تحقق , اى خروج الشعب بملايينه ليطيح برأس النظام , وامكان خروجه الفعلى مرة اخرى . فضلا عن ذلك فقد اكتسب الشعب فى عام من الوعى السياسى مالم يكتسبه فى نصف قرن . بات هناك قدر واسع من ادراك طبيعة اجهزة الدولة القمعية , خاصة الجيش والقضاء , والوزارات كادوات لنظام اقتصادى ناهب ومستغل للشعب , الصلة بين الوضع الداخلى , والامبريالية الامريكية , واسرائيل , والرجعية العربية , والسلطة البورجوازية العسكرية , نهب وخراب مصر , وادراك لمصالح القوى السياسية , ومواقفها الفعلية وانحيازاتها الطبقية مثل الاخوان, والسلفيون وتوظيفهم السياسى للدين , والوفد, واليسار, والائتلافات الفعلية والوهمية , والتجمعات الشبابية , ونواب " الشعب " ... الخ لابد ان نذكر دائما هذه الانجازات التى تحققت فى الحلقة الاولى من العاصفة الثورية , ففى فترات الهدوء والركود , لايتبين الوجه الحقيقى للثورة .

ولاينبغى لهذا الشباب المناضل المقاتل الذى كان فى طليعة الثائرين وانجز كل هذا ان يسمح لمشاعر الاحباط ان تعتريه !

* علام راهن الشباب للاطاحة بالديكتاتورية العسكرية ؟

ولكن حتى نفهم دعونا نسأل علام راهن هؤلاء الشباب الثوريون فى تحقيق" رغبتهم " فى ازاحة البيروقراطية العسكرية عن السلطة فى 25 يناير من هذا العام او فى 11 فبراير ؟

راهنوا على سحر محاكاة يناير العام الماضى , و ( سلمية , سلمية ) ! بقواه الطبقية والسياسية , التى لم تعد هى هى ! وتصوروا ان محاكاة صوت الرعد سوف تأتى بالمطر ! وأن دق طبول الحرب يغنى عن اعداد الاسلحة الضرورية لها ! وكأن المحاكاة الطقوسية ستستحضره , وتعيد تجسيده باصطفافه السياسى الطبقى ! راهنوا على النعمة الالهية ! وعلى حدث قدرى مفاجئ , غير متوقع يستدعى ملايين الثورة مرة اخرى الى الشوارع والميادين , فتزيح السلطة العسكرية , تكرارا لما حدث منذ عام مضى , وراهنوا على التفاؤل الذى لايستند الى اية اسس واقعية , وعلى طليعة تفجر الاحداث فتشد وراءها الملايين , رغم ان ماانفجر فى ينايرمن العام الماضى كان سخطا متراكما لثلاثين عاما مضت . ودون ادراك , ان كامل المشهد السياسى قد تغير كليا .

ارادت الامبريالية الامريكية, والغربية , انتقالا سلميا للسلطة يستبعد رأس النظام, ان لم يكن هناك مناص , ويحتفظ بنفس النظام حماية لمصالحها , ولمصالح اسرائيل , وارادت الرجعية العربية الاحتفاظ برأس النظام وكامل كيانه, فلم تكن قد افاقت بعد من اثر الثورة التونسية , وبالطبع خشت من تداعيات كل ذلك على اوضاعها . وتخلصت البورجوازية البيروقراطية العسكرية من مشروع التوريث الذى ارتبط براسمالية المحاسيب , وكان يهدد سلطتها , و مكاسبها, وامتيازاتها وهيمنتها على مايقرب من 25—40 من الاقتصاد المصرى , وكانت قد دخلت فى معركة اجهاض لطلائع الثورة على مراحل منذ 9 مارس مرورا بكل المحطات الكبرى فى التصفية العنيفة , ماسبيرو , محمد محمود , مجلس الوزراء , مجزرة بورسعيد , وتخلصت قطاعات اخرى من البورجوازية الليبرالية , والدينية , المقموعة سياسيا , من احتكار فئة طبقية للسلطة السياسية , داخل الرأسمالية المصرية ذاتها, ونالت حريتها السياسية , وسعت لتقنين شرعيتها الخاصة, قابلة بالفتات الذى القاه المجلس العسكرى لها , من رفع الحظر الفعلى عنها , قابلة باقتسام الغنيمة , وتوطيد السلطة التنفيذية , وجهازها البيروقراطى, وتعزيز اجهزة القمع , واجراء تعديلات دستورية , وتشكيل برلمان لاصلاحيات له , الى " انتخاب " رئيس مقبل لابد ان يؤمن امتيازات العسكر , ويخضع لهم بوصفه اداة من ادواتهم , واطلق الاحتياطى الرجعى السلفى , والجهادى, والجماعاتى المعبر عن قطاعات من البورجوازية الريفية , واشباه بروليتاريا المدن القاطنين فى عشوائيتها , والمرتبطة اجمالا بمشروع , وتمويل الرجعية العربية .

كان مطلوبا اقناع الشعب ان الامتيازات التى حققها هؤلاء هى امتيازات له , وان الاوان قد حان لعودته للبيوت , وانه قد ترك السلطة فى ايدى اتقياء يمثلونه, ويعبرون عنه , ولم يكن كل ماتحقق فعلا , الا توسيعا نسبيا لدائرة المتمتعين بالامتيازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الطبقة المالكة ذاتها, وركائزها فى الاجنحة الرجعية للبورجوازية الصغيرة بعد ان وضعت الثورة رؤوس رأسمالية المحاسيب , ورموزها السياسية فى السجون .

لقد تطلب خلع مبارك اتحاد الاغلبية الساحقة من الشعب لانجاز ذلك . ولكن هذه الاغلبية لم تتألف من طبقة اجتماعية واحدة , وان جمعها ذلك الشعار العام : " الشعب يريد اسقاط النظام " , " عيش حرية كرامة انسانية عدالة اجتماعية ", وكان لكل طبقة او فئة طبقية , ان تفهم من ذلك الشعار مايستجيب لمصالحها الطبقية هى لا لغيرها . واذا دققنا وحللنا مصالح الطبقات تحليلا دقيقا لوجدناها متناقضة , بين العمال والرأسماليين , والبورجوازية الصغيرة مثلا ... وان المضمون الطبقى للشعار يتوقف على موقف حامله وموقعه الطبقى الاجتماعى . لذا كانت النداءات الى ضرورة التوحد مرة اخرى بين ذات القوى التى انجزت مهمة الاطاحة بمبارك فى مراحل لاحقة , اما واهمة او مضللة لان هناك صراعا – تلى ذلك – بين هذه القوى الاجتماعية التى وحدها هدف مشترك فى لحظة تاريخية معينة . وليست هذه السمة خاصة بالثورة المصرية , فالنسب بين الطبقات تتباين وتتغير مع تقدم الثورة, حيث تخرج قوى حققت اهدافها عند مرحلة ما , وتدخل اخرى لم تكن قد طرحت اهدافها , او لم تستكملها بعد , غير ان ماينتج عن ذلك هو وعى اكثر بالمصالح الطبقية , وبالتالى بلورة للقوى السياسية وتجلياتها الحزبية , وطابعا ادق لسماتها , والاستعاضة عن الشعارات العامة المجردة المبهمة, والغامضة بمطالب ملموسة , ومحددة بدقة لمختلف الطبقات . من هنا تتكشف تلك الهوة العميقة التى تفصل بين مصالح مختلف الطبقات الاجتماعية التى تطالب باجراءات اقتصادية , وسياسية , مختلفة باسم الشعار الواحد ذاته . والواقع انه فى مسار التطور الثورى يتبين ان طبقة اوفئة " ثورية " لاتستطيع ان تمضى ابعد بقدر ما تمضى طبقة اوفئة اخرى, وان مصادمات ضارية تتطور على ارض تحقيق هذا الشعار المشترك بينها جميعا .

--3 --
* قوى الثورة بين محاولات الاجهاد والاجهاض والعزل

لقد استطاعت السلطة السياسية العسكرية , قائدة حلف الثورة المضادة ان تجرى نوعا من التهيئة المعنوية للشعب بتشويه طلائع الثوريين , واغتيالهم ماديا ومعنويا , وبسجنهم , واتهامهم , ومحاصرتهم, وتسليط وسائل الاعلام, والقضاء, والامن عليهم . فى الوقت الذى كان الشعب قد اجهد طوال عام كامل من المليونيات , والاعتصامات, والتظاهرات, والاضرابات , والاحتجاجات , والحملات , والوقفات , وغيرها . وسيطر على بعض قطاعاته رغبة فى الاستقرار بأى ثمن كان , انتظارا لما قد يسفر عنه عمل مجلس الشعب الجديد , ثم انتخابات الرئاسة , و" نقل " السلطة لرئيس مدنى " منتخب " . فى الوقت الذى كانت طلائع الثوريين تتصدى لصد الهجمات الاستفزازية—لاجهاضها هى بالتدريج -- ببسالة مبدية اصرارا وعزما على المواجهة بكل تفانى , رغم بداية ظهور الموقف السالف , الانتظارى, من جموع الشعب المليونية . لقد حاول هؤلاء الثوريون من الطلائع فى 25 يناير و11 فبراير من العام الحالى , ان يقفزوا على فترة الوعى التى يحتاجها الشعب لادراك المشهد السياسى الطبقى الجديد بكامل تفاصيله ومايترتب عليه , فالشعوب والطبقات الاجتماعية تتعلم بممارستها الخاصة , ولايجدى وخزها , ولكزها , وتوبيخها . ولم يدركوا ان هناك حدودا ذاتية -- فضلا عن ذلك -- لانتفاضات الفئات غير العمالية ومنها انتفاضاتهم , الا اذا اتحدت مع الطبقة العاملة وكادحيها , وهى الطبقة الاساسية المدعوة لانجاز التغيير الثورى الجذرى واقامة جمهورية ديموقراطية شعبية , وتحقيق مطالب ثورة يناير كاملة , بغض النظر عن اوضاعها الفعلية فى هذه اللحظة التاريخية او تلك . وان اعتبار الشهر الثانى من الحمل كاف للانجاب ( 25 يناير مكرر ) مرة اخرى لن يأتى بمولود ثورى وانما بالاحباط . وان الواقع له منطق موضوعى خاص مستقل عما يعتقده الثوريون بقواهم واحزابهم وتجمعاتهم .. ان وجدت ! ( وان طرح شعار لن نترك الميدان قبل الاطاحة بالعسكرى تعسفا وقفزا على كل الشروط المطلوب توافرها لن يحقق شيئا مهما شق عنان السماء ) .

غير انه بجانب هؤلاء الثوريين المحبطين الان , كانت هناك فئة من المثقفين الحزبيين الاصلاحيين "الاشتراكيين" الذيليين , من ذوى المقار - اسهموا فيما حدث بأن -- روجوا لاتباع تلك الفئة البورجوازية او تلك , او هذا البورجوازى او ذاك , وقد اوهنتهم الشكوك والوساوس فى اتباع طريق الثورة , ومالوا الى تدبيج خطب التوبيخ , ومالوا للالتحاق بركب البرلمانيين , والدستوريين والرئاسيين , ولم يكن لهم جدول اعمالهم الخاص , فقد كانت البورجوازية هى من يضع الجداول لهم , وماعليهم الا ان يسيروا فى ذيلها , كما تعبوا سريعا من الثورة رغم انهم لم يبذلوا جهدا ذا بال فى اشعالها , غير ان مايذكر لهم ومماثليهم , انهم حلموا بجنازتها باكرا, وانشدوا قصائد النعى المظفرى ( نسبة الى الشاعر العراقى مظفر النواب ) , وكلما سارت خطوة الى الامام جذبوها للخلف , ودفعوا الشعب حاثينه على السير فى الطريق الاصلاحى مستعيضين عن اى شئ ثورى جذرى , وراديكالى , بنثر برلمانى رئاسى دستورى . وحين كان يذكر لهم ان طريق الثورة لايلتقى وطريق البرلمان , كانوا يشيحون بوجوههم, ويعتبرون ان ذلك لايعدو ان يكون ثرثرة اخلاقية فارغة , منبعها ترهات "دارسى الاداب ", من اصحاب النزعة الرومانسية التى تبتعد كامل البعد عن الواقعية . وأن ابداء الهمة الثورية يتجلى فى الاستجوابات البرلمانية, ومراعاة الشكليات اللائحية , والتهديد غير الممكن بسحب الثقة, ورفع الصوت , والخطابات المدوية , والتصريحات الثورية الحارة المتطرفة , التى لم تكن فى كل الاحوال تتعدى حد الكلام , وتشكيل النقابات بهدوء كما يجرى فى فترات الركود والتطور غير العاصف . وانه اذا ماكانت هناك حاجة لانتفاضة فوجب ان تكون انتفاضة " برلمانية رئاسية دستورية "فى حدود الاطار السلطوى الخالص . لقد كانت هناك انواع من الخداع شتى , خداع عمدى عند البعض , وخداع للنفس عند قطاع واسع من الديموقراطيين الثوريين, وتواطؤ عند قطاع اخر , ولكن انتهى الامر بنا الى ادراك ان المطالب الثورية لم تتحقق , وان النزاعات بكامل حدتها وتناحرها لازالت قائمة , وان ارباع الانتصارات " الشرعية " لايمكن ان تكون بديلا عن الانتصارات الثورية الكاملة .

-- 4 --
* غياب مقومات الاضراب العام الا فى غيوم الاحلام

كان الديموقراطى الثورى الروسى تشرنيشيفسكى يحذر فى " رسائل بلا عنوان ", بأنه لايجوز الشروع بأمر ( الاطاحة بالقيصر مثلا ) , عندما لاتكون ثمة قوى كافية مستعدة ناهضة من اجل انجازه , لأن ماينجم عن ذلك الحدث هو افساد القضية !
وجاءت الدعوة للعصيان المدنى من بعض القوى السياسية الليبرالية, لتختلط بالدعوة للاضراب العام من بعض القوى الاشتراكية يوم 11 فبراير الماضى, تكرارا للاوهام التى رافقت 25 يناير وان بشكل اخر . وضاعت القوى الثورية , بين اداة اصلاحية, وهى العصيان المدنى, واداة ثورية وهى الاضراب العام ( بين جين شارب ولينين ) , ولم ينتبه الداعون للاضراب العام , ان السلطة الحاكمة لاتسقط به كما تسقط تفاحة نيوتن بفعل قانون الجاذبية الارضية . وان قواهم ليست مهيئة , ولامعدة , لاستكماله بانتفاضة كاملة بمعاييرها اللينينية , وهى مسألة جوهرية , ان لم تكن هى المسألة الجوهرية فى الثورة . " . وفى كل الاحوال تبين عدم استعداد الطبقة العاملة لقبول دعوة الاضراب العام - وهى صلبه - مع ملاحظة ان الداعين لم يشرحوا بمايكفى ماهو طابع هذا الاضراب العام ( تصور البعض انه ليوم او اثنين او ثلاثة ) واهدافه واحتمالات تطوره , وامكان اخفاقه , بل رأينا تصريحا مخزيا من قادة احد النقابات "العمالية " بأن لااقل من 2 مليون عامل سيسهمون فى هذا الاضراب " العام " . ولم يحدث ذلك ! ( لذا تبين لنا ان هؤلاء الثرثارين هم من انصار الجملة الثورية ؟)

غير انه من المهم ان ندرك , ان ذلك لم يكن تصويتا من الشعب على بقاء السلطة العسكرية , كما حاول الحكام , والاعلام ان يصوروا الامر . كان مطلوبا ادراك المشهد السياسى الجارى بكل جدته وتعقيداته . والقيام بعمل تعبوى تحريضى ودعائى يضع فى اعتباره كل متطلباته , ويتدارك مافات , ويؤكد على تجاوز حقيقى للاوهام لااستبدالها باوهام اخرى .

لقد خرج الشعب فى الذكرى الاولى للثورة -- 25 يناير -- رافضا الاحتفالات السلطوية , الاخوانية , السلفية بها مؤكدا اصراره على مواصلتها , ولم يستجب لدعوة الاضراب العام , او العصيان المدنى لانه لم يكن مهيئا لهما بعد . اراد الشعب فى عمومه ان يعاين , ان يرى , ان يتيقن بنفسه من وعود المجلس العسكرى وحلفاءه ... ان يتعلم من تجربته الخاصة .

* كل ماتهل البشاير من يناير كل عام ! تعويذه لم تجلب الحظ !

هل كان لسحر يناير قرين الاعاصير الثورية فى تاريخنا المعاصر هذا الاثر الممتد منذ جيل السبعينات ؟؟؟

ربما ! لكن التعاويذ لم تعد تجلب الحظ . والميتافيزيقا نقيضة الجدل الذى هو علم جبر الثورة . كيفما كان الامر لاينبغى لنا ان نصنع صنيع الندابين , ولا منشدى المراثى الجنائزية , وبالاخص الانلعب دور مدعيى الحكمة من عجائز الثورة , من بقايا الحلقات الثانية والثالثة والرابعة من الحركة الشيوعية المصرية الذين تحجروا يمينيا وليبراليا عند مفاهيم معينة , ممن يعيقون الحركة الراهنة , وخاصة حركة الطبقة العاملة ويؤخرون اكتسابها للوعى الثورى . ونحن لانساير هؤلاء الذين يطالبون بشهادة ضمان مسبقة بتحقق نتائج نضالات معينة رغم ماقيل من ابرز "مفكريهم " الذين يعترفون به قولا ولايعترفون به عملا , من انه " قد يكون من السهل صنع تاريخ العالم لو كان النضال لايقوم الا ضمن ظروف تؤدى حتما الى النجاح " ( ماركس ) . ولايحمل هذا القول اى موافقة ضمنية على المغامرة , اوالقفز على واقع موازين القوى , او التجريب المنفلت دون تقدير موضوعى . ان اسوأهم من خانقى الطاقة الثورية يجرون فئات من شباب الثورة الى تذيل هذا الفصيل البورجوازى الليبرالى – الدينى اوذاك , ممثلا فى حركة او شخص او قوة سياسية معينة, وهم لايرون الواقع ناضجا لتقبل شعارات الثورة , وبدلا من ان يساهموا فى انضاجه لتقبلها , يفضلون المشاركة فى شروره البرلمانية والدستورية والرئاسية . ولزام علينا ان نجعل عاصفة الثورة المقبلة تمضى من فوق رؤوسهم مرة اخرى .
-- 5 --
* كيف نحول شيئا سيئا لشئ حسن ؟

حتى نحول تلك الاحدث التى مررنا بها فى 25 يناير و11 فبراير هذا العام الى خبرة مستفادة تعصمنا من تكرار اخطاءنا فلابد اولا ان نعى ماحدث , وما الذى يتعين علينا ان نفعله فى المستقبل ! فهذا وحده الذى يمكن ان يزودنا بالتفاؤل الثورى الواعى القائم على فهم موضوعى لقوى الثورة , ومنطقها الواقعى , ولتجاوز الاحباط الذى يغذيه عدم فهمنا لما جرى تحديدا . ولنحول هذا الشئ السيئ الذى حدث الى شئ حسن !

* كلمات قليلة فى علم الثورة وقوانينها وكيف كان حالنا معها

ان اول مايعنينا هنا هو ان نشير الى ان الثورة علم وفن وهى المسألة الاولى , ولذلك فلها قوانين عامة استخلصها الثوريون , دون ان يعنى ذلك ان هناك دفترا لمواصفات الثورات الناجحة , فكل ثورة لها خصوصيتها , وان اشتركت فى خواصها مع ثورات اخرى . واحد اهم هذه الخواص هو ان الثورة فى فترتها العاصفة هى حرب اهلية تمثل اوج الصراع الطبقى , وبصفتها حربا لابد ان يعتد فيها بموازين القوى بين الخصمين المتنازعين , ونسبتها ومدى استعدادهما للمعركة التى يقدمان عليها تماما مثل المعارك العسكرية . والتقييم الدقيق لموازين القوى هو مايحدد استراتيجية وتاكتيك الثورة , اى اهدافها البعيدة , وخطط عملها المباشرة لتحقيقها , من خلال اشكال التنظيم والحركة . فلابد 1 – ان تكون الطليعة الثورية جاهزة , والطليعة هنا لابد ان تمثل واحدة من الطبقات الاساسية فى المجتمع , وفى حالتنا هى الطبقة العاملة , التى لم تكن فى الواقع مستعدة , ولاجاهزة ولازالت بفضل قيادتها الاشتراكية الاصلاحية تقف ولاتتجاوز ارض المطالب الاقتصاية المصنعية , او القطاعية فى افضل الاحوال , بل ان المطلب السياسى الوحيد الذى طرح كمطلب من مطالب الثورة , وهو تحديد الحد الادنى للاجور, لم يجمعها كطبقة فى نضال سياسى مشترك لتحقيقه . 2 – القوى ذات الفعالية والتأثير التاريخى فى المدن والريف ( البورجوازية الصغيرة الديموقراطية الثورية , خاصة فقراء الفلاحين ) متأهبة ومستعدة لخوض معركة فاصلة مع السلطة القائمة , غير مبالية باى تضحية تفرض عليها ( تذكروا خروج 18 مليون مواطن مصرى فى ميادين الثورة وشوارعها للاطاحة بمبارك , وخاصة الاستخفاف بالموت فهو علامة مميزة ) 3 – جميع القوى الطبقية المعادية للثورة قد ارتبكت بدرجة كافية , وتنازعت , وانهكت نفسها فى صراع داخلى استنزف طاقتها ( الواقع انها اعادت بناء قوتها القمعية مضاعفة , وبدأت فى محاولة تصفية الثورة تدريجيا , وتفريغ ارباع وانصاف الانتصارات التى تحققت من مضمونها , والارتداد على كل مابدا ان الثورة حققته , وفوضت اجهزة الاعلام , والمؤسسة الدينية , ومثقفى البورجوازية , وفقهاءها القانونيون فى القيام بالتهيئة المعنوية من اجل تصفية الثورة ماديا بالاغتيال , والمجازر الجماعية , والاعاقة البدنية, والسجن, والتشهير, والترويع .. الخ ) 4 – ان العناصر المترددة, والمتذبذبة, والمتأرجحة, وغير الثابتة , والواقفة بين بين , والتى لاتريد حسم الصراع حتى يبلغ نهايته القصوى باستخدام كافة الوسائل والادوات التى تستخدمها كل الثورات الجذرية , اى البورجوازية الصغيرة قد فضحت نفسها بافلاسها العملى امام الشعب , وبظهور ان ادواتها "الناجعة " الموصوفة فى الصراع لم تؤد الا الى نكوص الثورة , لا لدفعها الى الامام . ( انتهى الى اننا وبعد 25 يناير و11 فبراير من العام الحالى لسنا فى حاجة لغاندى ولالمانديلا ولا لطبعته المصرية البرادعى ان اردنا ثورة حقا , نحن فى حاجة لتنظيم ثورى بالدرجة الاولى , اى لينين جماعى !لدينا بالفعل جملة من المفكرين , والكتاب البورجوازيين الصغار الغانديين امثال فوده , و قنديل , والاسوانى وعمار , وتميم , وعيسى , وفضل , ونواره وغيرهم , الذين ضللوا الثورة بانتهازيتهم الشريفة ( وهم من قوى الثورة رغم كل شئ ) , فقد اججوها , ثم اسهموا فى تقييد اقدامها وايديها بحصرها عند حدود " حضارية " معينة , اى مايمكن ان نسميه ممارسة الصراع الطبقى وفق الطريقة الليبرالية , اى فى حدود ماتقبله بعض قطاعات البورجوازية المحلية , والغربية , ومنعوها -- نظريا -- من ان تتطور الى اقصى مداها , وبكامل عزمها على مستوى ضرورات التهيئة والاعداد . المأساة ان السلطة كانت قد وضعت الحراب على جدول الاعمال بشكل مبكر , ولم تشأ اى قوة اجتماعية سياسية , ان تواجه هذا الوضع عاريا مكشوفا , وانما اثرت تأجيل المواجهة , حتى وان كانت على مستوى الوعى فحسب , وادراك مايتطلبه الوضع , من اعداد , وان عند مدى بعيد مقبل ) . 4 - ان يكون قد ظهر فى وسط الطبقة الطليعية نزوع جماهيرى اخذ بالتصاعد بقوة للنشاط الثورى الاشد حسما والامضى جنانا ضد السلطة الحاكمة . فعلامة اية ثورة حقيقية هى تصاعد اعداد ممثلى الجماهير الكادحة والمستثمرة الى مئات الاضعاف بل والالالف والملايين وهو ماسبق ان اشرنا الي افتقاده فى موضع سابق . 5 -- توجه اقسام من اجهزة القمع العسكرى والبوليسى الى الانشقاق عن السلطة الطبقية الحاكمة وانضمامها للثورة , وهذا يتطلب عملا منهجيا سابقا منظما يضع فى اعتباره خصوصية هذه المؤسسات . ( الحال ان بعض الاشتراكيين قد ثرثروا حول الموضوع فى مجالسهم الخاصة لااكثر, اما السلطة فقد قامت من جانبها برشوة ادواتها القمعية , ماديا فضلا عن غسيل مخها ايديولوجيا : واصفة الثوريين لها بانهم : ماسونيون , عملاء للصهيونية , ممولون , مثليون ... الخ ) .

* الازمة الثورية , والشعار الاجرائى التحريكى , والطبقة العاملة , والنزعة الارادية

والمسألة الثانية هى ان وجود ازمة ثورية , او وضع ثورى ليسا كافيين لحدوث الثورة " فلا اضطهاد الطبقات الدنيا , ولاازمة الطبقات العليا يصنعان الثورة -- وانما يصنعان فقط عفونة البلد – اذا لم تكن هناك فى البلد طبقة ثورية قادرة على تحويل حالة الاضطهاد الخاملة الى وضع الانتفاض والاستياء النشيط ... وهذا الدور , دور الطبقة الطليعية , التى تستنهض الجماهير فعلا الى الثورة ... انما تلعبه الطبقة العاملة الصناعية ( لينين ) . فضلا عن تجميع الامزجة الثورية الاحتجاجية لدى العمال والفلاحين وحلفائهم الطبقيين -- والتغلب على الامزجة السلبية التى تعرقل الفعل الثورى , ولذا يجب ان تقع الشعارات ودعوات النضال على تربة اجتماعية سيكولوجية مشابهة, و بذا تتجاوب مع المصالح الموضوعية للجماهير وهنا تكمن قوتها .

ويرتبط بصحة الشعار من الناحية الموضوعية ( الاضراب العام مثلا ) كونه لم يعبر عن اعتقادات حفنة من الثوريين فقط . فما اعترانا من اوهام فى 25 يناير و 11 فبراير كان احد اسبابه تصورنا ان ارادتنا كافية لتشكيل قسمات الواقع السياسى , وسوء تقديرنا لاهمية درجة وعى, ومزاج الجماهير, واستعدادها للحركة والعمل فى لحظة معينة , مع كل مااوضحناه بشأن مااحاط بها , وهو مايسمى فى الفكر الثورى بالنزعة الارادية , وهى تلك النزعة التى تقلل من شان العوامل الموضوعية , واولها موازين القوى الاجتماعية والسياسية , وتبالغ فى تقدير العامل الذاتى اى القدرات الدافعة لارادة العنصر الثورى الطليعى سواء كان طبقة او حزبا اوفئة او جماعة , وسمتها اعتبار الرغبة واقعا موضوعيا والاعتقاد الواهم ان ماندركه نحن بوعينا المتقدم لابد وان الجماهير تدركه ايضا وهذا غير حقيقى .

-- 6 --
* الحرب والصراع الطبقى معلمان عنيفان للحقيقة

يقال ان الحرب معلم عنيف للحقيقة , وكذلك ايضا وقائع الصراع الطبقى السياسى الضارية لمن اراد الانتصار . ويبدو ان علينا ان نتعلم اشياء جديدة , فمعرفتنا تتحدد بحصيلة كل الممارسات السابقة , وبما يتوجب علينا ان نفعله هنا والان .

والحال ان مهاما تطرحها علينا الاوضاع الراهنة يلخصها شعار : اقامة جمهورية ديموقراطية شعبية وتحقيق مطالب ثورة 25 يناير كاملة .
وذلك يتطلب منا اول مايتطلب ان نعلم ان هناك بعض القواعد العامة الاساسية التى تحكم كل انواع الصراع وهى : 1 الحيطة والحذر والترقب والتأمين الذاتى 2 المفاجأة 3 الحفاظ على القوى باقتصادها لتحقيق الاهداف الاساسية , وعدم تبديدها , وتشتيتها فى معارك جانبية , او فى معارك متتالية جزئية مما يرهق القوى بلا عائد , وعدم الانجرار لاستفزازات الخصم التى يكون هدفها تصفيتنا 4 مركزة القوى وتنظيمها 5 تلاؤم الوسائل مع الاهداف المتوخاه 6 المبادأة ولزوم وجود خطط واهداف . 7 الارتباط الوثيق الدائم ومد الجذور فى الطبقات الشعبية 8 نقل ماندركه نحن بدأب وصبر وبشكل تراكمى الى الجماهير التى لايمكن ان نقفز على وعيها فهى بملايينها التى تصنع الثورة لا الالاف من الطليعيين المبادرين .

* توقع مسارات الاحداث السياسية وتاريخ الثورات

كان نابليون يقول : " ... اننى ابدو دائما جاهزا للرد على كل شئ , ومجابهة اى شئ , وماذلك الا لأنى فكرت طويلا قبل الاقدام على العمل . لقد توقعت كل مايمكن ان يقع , وليست العبقرية هى التى تكشف لى فجأة ...... ماعلى ان اقوله او افعله فى ظرف لايتوقعه الاخرون , اذن فمن يقوم بكل هذا , انه تفكيرى , انه التأمل " .

ماذا يعنى هذا فى احد وجوهه ؟ يعنى ضرورة التوقع العلمى للاحداث السياسية , وتصور لاحتمال كيفية سيرها موضوعيا , والتخطيط الواعى للنشاط الثورى فى مجمل تجلياته تأسيسا على ذلك . ولايمكن لهذا ان يتحقق الا اذا انطلقنا من ان للسياسة منطقها الموضوعى بمعزل عن خطط وتوقعات الافراد او الاحزاب الذاتية . ويتطلب ذلك التطرق المنهجى الشامل للنظام بوجهه الاقتصادى والسياسى والاجتماعى والايديولوجى والعسكرى وماشابه حتى تتكون رؤية دقيقة للوحة العلاقات الطبقية الاجتماعية والسياسية وغيرها . وادراك ان هناك قوانين تتحكم فى التطور السياسى والاجتماعى لابد من معرفتها ومراعاتها . وعند وضع الخطط او استشراف التوقعات تتجلى لنا اهمية التمييز بين الامكان النظرى والامكان الفعلى .

وتسهم دراستنا لتاريخ الثورات اجمالا , وبصفة خاصة فى حالتنا لثورات 1848 فى اوروبا , ولكومونة باريس 1871 , ولثورة ديسمبر 1905 وفبراير 1917 الروسيتين , ولثورة 1919 فى مصر , وللثورة الاسبانية 1936 , ولانتفاضة الجوع فى مصر عام 1977 , ولنصف الثورة الرومانية التى اجهضت باعدام شاوشيسكو وبقاء نظامه – تسهم هذه جميعا فى فى معرفة حركة القوى الاجتماعية والاحزاب السياسية وموازين القوى وتغيراتها فى مراحل مختلفة ابان الصراعات الطبقية وتمكننا من ان نحلل اشكال واساليب عملها لاستخلاص سماتها .

*معنى التشخيص او التحليل السياسى

اذن التحليل السياسى يعنى تكوين صورة ذهنية بوسائل ادراكية ملائمة تظهر تخمينا وتكهنا – اقرب الى ان يكون حقيقيا –لمنظومة العلاقات الطبقية السياسية على مستوى ما , فى لحظة ما , او فى مرحلة ما فى المستقبل , وتقويم افعال نظام ما او دولة اوحكومة او طبقة او فئة اجتماعية , اوحزب بغية تغيير النظام الموضوعى للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية . وبقدر ماتكون هذه الصورة الذهنية دقيقة بقدر مايمكن ان نركن اليها فى تحديد الخطط والاهداف . وكذلك فى توقع نتائج الافعال والظواهر والاحداث المقبلة . ويستطيع الحزب الثورى ان يتوقع هذه الخطوة او تلك من خصومه الطبقيين , وحتمية حدوث بحدوث بعض الاحداث السياسية وتغير اشكال الصراع الطبقى وان يبنى سياساته على هذا الاساس .

ولاشك ان الكثير مما ورد هنا اجمالا يتطلب تناولا خاصا !
يعبر الافراد الافذاذ دائما عما هو جوهرى فى الثورة ومتطلباتها . وقد ان الاوان للثوار من الشباب الذين دللوا على جسارتهم ومبادرتهم واستعدادهم للتضحية فى فترة العواصف الثورية ان ينتقلوا الى مرحلة جديدة بالوعى بما تتطلبه هذه المرحلة التى نحن فيها : مرحلة عدم تحقق مطالب الثورة , ومحاولات تصفيتها تصفية جذرية بمختلف الادوات والوسائل , واستبقاء نفس النظام بعد تغيير شكلى غير كامل للوجوه .

والامزجة السلبية التى تناولناها فى هذا المقال تتواطؤ مع محاولات السلطة هذه . لذا " ان كنا قد صنعنا نصف ثورة فقد حصدنا نصف هزيمة" ولابأس علينا فى ذلك فعلينا ان نتجاوزهذا الوضع معا وان نعد لانتصار .

ولكن المؤكد انه مامن مستقبل بدون نظرية سياسية ثورية , ومامن مستقبل بدون قيادة حزبية واعية راديكالية , سياسية وتنظيمية وجماهيرية , ومامن مستقبل بدون مد الجذور والتلاحم فى اوساط الكادحين وخاصة الطبقة العاملة المصرية وقلبها الصناعى , ومامن مستقبل ان لم يكن الهدف الاستيلاء على السلطة السياسية فهى المسألة الاساسية فى كل ثورة , ومامن مستقبل دون اعداد الادوات والوسائل والركائز لانجاز ذلك . باختصار ما من مستقبل لراديكالية البورجوازية الصغيرة بدون ذلك .

****************






#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قرامطة وشيوعيون ؟
- لم يرفض الثوريون التحالف مع الاخوان المسلمين ؟
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة
- المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف
- الحراك الشعبى والمزاج الجماهيرى - حزب العمال الشيوعى المصرى
- فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)
- عن بعض وثائق حزب العمال الشيوعى المصرى فى المكتبات العالمية
- كارل كاوتسكى ونظريته عن العرق اليهودى
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر
- علم النفس السياسي البورجوازى - نقد العقل القمعى وميتافيزيقا ...
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ...
- القانون واستبطان العنف - جاك دريدا
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو
- فى ضرورة تهيئة الشعب للثورة - تشرنيشفسكى - ترجمة فيتولد ليبو


المزيد.....




- مصر واليونان يرفضان مذكرتي تفاهم تركيا وحكومة الوحدة في ليبي ...
- مصر واليونان يرفضان مذكرتي تفاهم تركيا وحكومة الوحدة في ليبي ...
- بالأسماء..السيسي يقرر تجديد ندب قضاة للجنة التحفظ على أموال ...
- رئيس بلغاريا يعارض قبول أوكرانيا في -الناتو- بشكل سريع
- لماذا صمت الخط الساخن بين بوتين وماكرون؟
- نتنياهو ولابيد يتبادلان انتقادات لاذعة بخصوص المفاوضات البحر ...
- الحوثيون: منشآت التحالف ضمن قائمة أهدافنا
- الإصرار على الحياة
- مجلس الدوما يصدق على اتفاقيات انضمام دونيتسك ولوغانسك وخيرسو ...
- جميلة إسماعيل في لقاء مع رئيس الخضر: نسعى لمشاركة شبابنا ونس ...


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - فى الذكرى السابعة لثورة يناير فى مصر