أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)















المزيد.....



فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 5541 - 2017 / 6 / 4 - 19:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الناشر سعيد العليمى
تقديم : فى ذكرى مرور عام على رحيل المفكر والمناضل خليل كلفت ( صالح محمد صالح ) انشر هنا واحدا من اهم المقالات التى كتبها عن حرب اكتوبر والقضية الوطنية فى مقتبل حياته الثورية ( نيسان – ابريل 1974 ) . كان الكاتب معتقلا وقت كتابة المقال مع كوكبة من الرفاق المركزيين والمناطقيين من كوادر التنظيم الشيوعى المصرى – الذى تسمى لاحقا باسم حزب العمال الشيوعى المصرى فى سجن الحدراء ( الحضرة ) بالاسكندرية ( القضية 501 لعام 1973 امن دولة عليا – رمل الاسكندرية ) – وخضعت حرب اكتوبر 1973 التى نشبت اثناء وجودهم هناك للدرس والتحليل والمناقشة وكان المقال المنشور احد ثمارها . وكعادة الشيوعيين كان الاتصال والتواصل مع الخارج – اى مع رفاق الحزب "الميدانيين" من اهم الاشياء التى يجب العمل من اجل ايجادها . دارت مناقشات وخطت كتابات حول حرب اكتوبر ، وبصفة اخص حول شعار الجمهورية البرلمانية – الديموقراطية ، وحول المنابر التى انشأها السادات ، والهجوم الحاد على الناصرية ، وعلى الماركسية والاسلام وغيرها – كانت فترة مثمرة لكثير من الرفاق فى القراءة والكتابة والترجمة وتعلم اللغات . تحية لذكرى الرفاق الذين رحلوا حسين شاهين ، سعيد ناطوره ، صلاح العمروسى ، فتح الله محروس
ليس كل ما يلمع ذهبا !
ملاحظات حول حرب اكتوبر 1973
1
لم تكن حرب رمضان ، خارج توقعاتنا ، وربما اختلف مجرى الواقع في قليل او كثير من الجوانب والعناصر والأبعاد ، ولكن عملية عسكرية محدودة تقوم بها سلطة البرجوازية فى مصر بدت ضرورية ومنطقية قبل هذه الحرب بوقت طويل ، وذلك من وجهة نظر هذه السلطة فى الظروف التاريخية التى وجدت نفسها فيها .
لقد مرت ثلاث مراحل هامة قبل هذه الحرب منذ الخامس من يونيو 1967 ، وكانت المرحلة الاولى التى حملت اسم الصمود مرحلة التراشق بالنيران والعمليات العسكرية الصغيرة المتناثرة التي لا يربطها رابط من اتجاه متماسك يعمل من أجل التحرير ، بل كانت مجرد الرد المتواضع على ما يقوم به العدو الاسرائيلي ، ولم تكن القوات المصرية انذاك الا فى بداية استعادة تسليحها وتدريبها وبناء تشكيلاتها العسكرية . ومن الضرورى ان نلاحظ ان تلك المرحلة والمراحل التي تلتها لم تجر في ظل قرار بحرب تحريرية متواصلة مهما تكن التضحيات ، بل كان منطقيا ان تتم ، ومصائر بلادنا تحت سيطرة هذه البرجوازية ، في ظل سياسة استسلامية بدأت غداة الحرب بقبول وقف اطلاق النار غير المشروط ( بالانسحاب او بغير الانسحاب ) وتأكدت بقبول قرار مجلس الامن رقم 242 في نوفمبر 1967 ، ولم تكن هذه السياسة الاستسلامية جديدة على السلطة ، بل كانت استمرار عميقا لاستسلاميتها سابقا ، والتى كانت تظهر واضحة جلية حتى فى نفس لحظات معاركها مع الاستعمار .
وحدد المخطط الاستسلامي " العمل العسكري " كعنصر ضروري للضغط على العدو الاسرائيلي والاستعمار الامريكي ، كورقة ضغط لابد منها ، سواء استخدمت القوة العسكرية في النطاق المحدود المحدد او ظلت كأساس للتهديد باستخدامها . وقد كان حسنين هيكل الذي تكفل بعبء محاولة تحضير الرأي العام المصري والعربي للاستسلام واضحا في شرح هذه الفلسفة الاستسلامية وتعميقها : لا يمكن ان نناطح الولايات المتحدة الامريكية رأسا برأس ، لا يمكن ان نواجه اسرائيل بكل التكنولوجيا الحديثة التي تقدم لها امريكا آخر كلمة منها ، لا يقدم " الصديق" لنا ما تقدمه امريكا لاسرائيل " لاختلاف في نوع العلاقتين " وبالتالي فعلينا ان نستوعب ان السياسة هي فن الممكن لا مناطحة المستحيل ، ومن الممكن ان يتضامن العرب جميعا للضغط على امريكا وصولا الى " تحييدها " لتقوم بدورها " بالضغط " على اسرائيل ، او " بعصرها " حسب تعبير الرئيس السادات ، حتى تنسحب من الاراضى التي احتلتها عام 1967 ، وكل هذه السلسلة من الجهود الدبلوماسية لا تستبعد بل قد تتطلب عملا عسكريا محدود ، وبتعبير آخر "مخاطرة محسوبة " بدقة .
وعلى هذا الاساس استبعدت السلطة من البداية الشعب ودوره في معركة التحرير التي يطالب بها ، واقامت دون مشاركة الشعب في تحرير ارضه حواجزمنيعة ، لتنفرد لا بتحرير التراب الوطنى ، بل بتصفية القضية الوطنية والخروج من الورطه التاريخية التي وقعت فيها بتقديم التنازلات التى لا مفر منها ، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها ، طالما ان مصالحها الانانية تستوجب ذلك . ومن هنا كانت الشراسة التي واجهت بها الحركة الشعبية ، والهجوم العنيف بالاعلام والعضلات وبكل الوسائل على احدى طلائعها : الحركة الطلابية التى رفضت قرار مجلس الامن وكل مواثيق الاستسلام التي بنيت على أساسه ، وطالبت بالتحرير ، وبدور الشعب المصري في هذا التحرير ، وبالديموقراطية التي بدونها تظل السلطة مطلقة السيطرة تعبث بمصير مصر .
ولازلنا نذكر ان سلسلة العمليات العسكرية التي عرفت بمرحلة الاستنزاف ، بدأت في الاساس ردا على الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة المستمرة التي شكلت خطورة بالغة على الاعماق المصرية نفسها ، فكانت القصة المعروفة : رحلة عبد الناصر الى الاتحاد السوفييتي ، وصواريخ سام الخ .... وهنا لوح الاستعمار الامريكي بمشروع روجرز الذي كان فخا امريكيا استعماريا ، وقعت فيه البرجوازية المصرية بكل سهولة املا في الوصول الى مخرج بدلا من ذلك المزيج من الاستنزاف والنزيف بلا نهاية طالما أنها لا تنوي ولا تقوي على القيام بمعركة تحريرية حتى الانتصار ، وطالما انها لا يمكن ان تتخلي عن منطلقها الاستسلامي امام الاستعمار الامريكي واسرائيل . وقبلت السلطة البرجوازية مبادرة روجرز ، واوقف اطلاق النار لمدة ثلاثة شهور ، وهنا جاءت وفاة عبد الناصر بمزيد من الصعوبات امام هذه الطبقة التي فقدت قائدها القدير ، ولم يجد الرئيس الجديد انور السادات امامه الا ان يسير على نفس الدرب ، فأستمر فى مد وقف اطلاق النار واعطائه اسماء مبتكرة ، كل مرة ، ثم استقبال روجرز نفسه فى مصر والتطلع معه فى الآفاق القريبة الى عهد سعيد من الصداقة مع امريكا على أساس اقناع الاخيرة لاسرائيل بالانسحاب الجزئى وجدواله الزمنية وربطه بالتسوية الشاملة وكفى الله المؤمنين شر القتال ! ويمكن تلخيص المخططط الاستعماري الامريكي بالنسبة لمصر بارتكازه على الاحتلال الاسرائيلي لسيناء والاراضي العربية الاخرى ، وتدعيم هذا الاحتلال لاجبار الطبقة الحاكمة فى مصر على تغييربنيتها وتغيير سلوكها بما يتلاءم مع مصالح الاستعمار الامريكي في المنطقة ، فى المجال الدولي ( خصوصا فى مجال العلاقات مع الاتحاد السوفيتى وبقية البلدان الاشتراكية) وفى المجال العربي ( خصوصا ضرورة انتهاء عهد منازعة الاستعمار الامريكي في المجال العربي ومناصبة العداء للرجعية العربية) وفي المجال الداخلى ( بالتحضير للهجوم الاستعماري على الاستقلال النسبي الذي حققته مصر) وفى مجال الموقف من اسرائيل .
وقد ركز الاستعمار الامريكي منذ اعلان مشروع روجرز فى اواخر 1969 وقبوله فى اواسط 1970 ، بصفة خاصة ، على القيام بالدور الاساسي في " التسوية " بدلا من دور الامم المتحدة او مجلس الامن او الدور المشترك للقوتين " الاعظم " . وقد استجاب الخط الاستسلامي للسلطة لهذا المخطط ، فاندفعت بأقصي قوتها نحو الاستعمار الامريكي الذي يملك وحده مفاتيح حل " الازمة " مع اسرائيل بدءا من نداء عبد الناصر الشهير الى نيكسون فى اول مايو 1970 .
وفي عام 1971 ، جرى حدث هام ، لابد من الاشارة السريعة اليه هنا ، فقد نجح السادات بعد معاناة طويلة ، فى توجيه ضربة قاصمة لرؤوس اتجاه سياسي ظل مسيطرا على السلطة المصرية بقيادة عبد الناصر وكان ذلك الاتجاه تاريخيا ، هو الاتجاه الاكثر استعداد للتماسك في مواجهة الاستعمار وما يرتبط بذلك من شروط الاستقلال النسبي سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، ولم يكن ذلك الاتجاه فى يوم من الايام معاديا للاستعمار وعملائه في المنطقة بصورة جذرية ، ولم يكن بعيدا عن المهادنات والحلول الوسط او رافضا لمنطقها ، ولم تعرف مواقفه من الديمقراطية فى مصر أي تنازل أمام الشعب ، بل انه هو الذى سحق الديمقراطية النسبية التى ورثها العهد الجديد من الفترة السابقة على حركة 1952 ، وبالتالي فان هذا الاتجاه لم يكن الجواد الذي تراهن عليه الجماهير المصرية ليحقق اى حل ثوري فى القضيتين الاساسيتين التى تدور عليهما الحياة السياسية فى مصر ، القضية الوطنية والقضية الديمقراطية ، بل ان الحركة الشعبية رفعت غير مرة شعارتها الرافضة لمنطق هذا الاتجاه المسيطر في داخل الطبقة الحاكمة في مصر ، والمطالبة بتحقيق امانى الشعب المصري . ومن جهة اخرى فان السادات لم يكن تاريخيا ، خارج هذا الاتجاه ، بل كان أحد ممثيله الدائمين ، ولكن خطورة استمرار مجموعة على صبرى وشعراوي جمعة على بقائه هو نفسه في السلطة ، أدت الى صراع انتهى بنجاحه في سحق ابرز رؤوس ذلك الاتجاه ، ودون ان يكون في ذلك قضاء على الاتجاه بأكمله ، فقد كانت حركة 14و15 مايو 1971 أضعافا خطيرا لهذا الاتجاه وثغرة هامة في السلطة ، فتحت امام الجناح الاساسي الاخر في السلطة ، وهو الاكثر استعداد للمهادنة مع الاستعمار الامريكي والرجعية العربية .
وبعد ان استمر وقف اطلاق النار اكثر من عام ، وجدت السلطة نفسها أمام مأزق ... ان وعود روجرز تذهب ادراج الرياح ، وليس من مصلحة السلطة المصرية ان تظل "القضية " باردة بفعل وقف اطلاق النار الطويل ، دون التقدم خطوة واحدة في تحقيق الحل الجزئى الذي نصت عليه مبادرة روجرز التي أوقف اطلاق النار على أساسها ، وليس من الممكن ان تتوقع السلطة " الهدوء والصمت " من جانب الحركة الشعبية المصرية التي تولد من جديد . ويقال ان هذه الفترة شهدت نيه واستعداد للقيام بعمل عسكرى محدود ضد الاحتلال الاسرائيلي في سيناء استمرارا لمنطق استخدام القوة العسكرية بحساب كورقة ضاغطة . ولكن الحرب في شبه القارة الهندية اثنت السلطة المصرية عن عزمها – بعد شهور طويلة من دق طبول الحرب تحت شعار " عام الحسم" – وقال السادات انها كانت " الضباب" الذي منع وضوح الرؤية في ميزان القوي العالمي وتأثيره على أي صراع عسكري مصري اسرائيلي !
اذن ، فان المرحلة الثالثة التي شهدت وقف اطلاق النار والتركيز على الجهد الديبلوماسي ، استمرت فترة ثلاثة أعوام كاملة من أغسطس 1970 حتي الاستعداد لحرب اكتوبر الرمضانية وخوضها . وقد شهدت هذه المرحلة احداثا هامة منها نمو الحركة الشعبية المصرية الرافضة للاستسلام والمطالبة بالتحرير والديمقرطية ، والتي قامت الحركة الطلابية الوطنية الديمقراطية – أبرز طلائعها – بانتفاضتى 1972 و 1973 الضخمتين في مضمونهما وحجمهما وتأثيرهما العام الذي لن يتبدد في الحياة السياسية في مصر ، وقد قدمت الحركة الطلابية محكا عمليا اثبت بما لا حاجة بعده الى برهان زيف الشعارات الديمقراطية التي رفعتها حركة مايو 1971 ، ومنها تلك " الوقفة الموضوعية مع الصديق " السوفيتى التى تكتسب أهميتها الخطيرة من دلالتها على طبيعة العلاقة المصرية السوفيتية واتجاهها الحتمى في المدى الاستراتيجي للتصفية ، واحلال علاقات الصداقة والتحالف مع الغرب الاستعمارى محلها ، وان كانت قد أوضحت في الوقت نفسه أن هذه العلاقات ليس من السهل تصفيتها "فورا" وخصوصا في ظروف ما قبل حرب أكتوبر ، والى حد بعيد حتى الوصول الى تسوية نهائية " للازمة " مع اسرائيل . فلا شك ان التصفية الفورية للعلاقات الاساسية في السلاح والاقتصاد والديبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي ، بمثابة انتحار من جانب السلطة المصرية ، لانها بذلك تهبط بمركزها فى مفاوضات التسوية الى الصفر ، فى وقت لم تكن قادرة على الاعتماد على صداقة المستقبل مع الاستعمار الامريكي . وهناك ايضا احداث متفاوتة الاهمية لا مجال للحديث عنها هنا .
ماذا كان الموقف عشية حرب أكتوبر ؟
باختصار شديد نحاول ان نحدد ابرز عناصر فترة الشهور السابقة على حرب أكتوبر :
أولا: كانت تجربة السنوات الثلاث من وقف اطلاق النار في ظل مبادرة روجرز كافية لكي تدرك البرجوازية المصرية أن مبادرة روجرز لم تكن سوي فخ استعماري نصبته الامبريالية الامريكية بمهارة فائقة ووقعت فيه هى بسهولة فائقة أيضا ! تحت وطأة تاكتيك التشدد والقصف الاسرائيلي المتواصل على خط القتال ، ولم يعد هناك اي امل فى ان يهبط من اعالي سماء امريكا ، اي حل دون ان تكون مضطرة الى ذلك تحت ضغط قوى فعال .
ثانياً: في ظل الوفاق الامريكي – السوفياتي بدا اي ضغط مباشر فعال من جانب السوفييت غير منتظر ، بل رجعت " قضية الشرق الاوسط" القهقرى الى ذيل قائمة المفاوضات الامريكية – السوفيتية .
ثالثا: ان المقاومة الفلسطينية التي نمت ، برغم كل نواقصها ، بعد هزيمة يونيو 1967 بصفة خاصة ، سحقت بوحشية في الاردن .
وبالتالي تفرغ الاردن ولبنان واسرائيل لسحقها في سلسلة من المجازر، وكانت السلطة المصرية تنظر الى المقاومة دائما كإحدي اوراق الضغط . وقد اسهمت بتواطئها في خلق ظروف سحقها واضعاف فاعليتها .
رابعاً : ان " الانتصارات " المدوبة بتحقيق الوحدة العربية في شكل ميثاق طرابلس ، والاتحاد الثلاثى ، والوحدة الاندماجية " برغم ظروف النكسة " لم تكن جديرة بأن تغير شيئا فيما يتعلق بالقضية الرئيسية ، قضية إزالة آثار العدوان الاسرائيلي ، فلم تكن كل تلك التجارب اتحادا من أجل التحرير ، بل كان المثل البارز لما يمكن ان يقوم به مثل هذا الاتحاد ... ذلك السحق الدموي للحركة الديمقراطية والعمالية في السودان في يوليو 1971 .
خامساً ان الصدام بين السلطة الاستسلامية والحركة الشعبية كان قد بلغ حدا خطيرا على السلطة ، فلم تعد قادرة على تجاهلها ، بل لقد صار من المستحيل ان تستمر الاوضاع نفسها دون ان تؤدى الى انفجار ابعد مدى .
وكانت " المخاطرة المحسوبة " المخرج الوحيد امام السلطة البرجوازية من مأزقها التاريخي .. وكانت حرب أكتوبر " الرمضانية " .
ومنذ الايام الاولى للحرب الاخيرة تكشفت الخطة المحدودة المحددة ، فلم تظهرآية نية لتطوير الهجوم ، بل كانت المساعدات الامريكية الفورية والضخمة لاسرائيل حجة مناسبة قدمها رئيس الجمهورية ليطلب بعد عشرة أيام فقط (16 أكتوبر 1973) من بدء القتال ، وقف اطلاق النار ليعلن شروط هذا الوقف بمجرد تحقيق غرضه العسكري المحدود ، وبرغم الثغرة التي فتحها الاسرائيليون غرب القناة ، ولم يمض أسبوع حتى كان قرار مجلس الامن 338 بوقف اطلاق النار وتنفيذ القرار 242 في 22 اكتوبر 1973 ، والقرار339 بتأكيد ذلك بعد الخرق الاسرائيلي للقرار الاول ، لتوسيع " الثغرة " غرب القناة .
ان مهرجانات " النصر" تجرى في كل مكان وهي لن تهدأ على الارجح قبل وقت طويل ، ولكن لنبحث الان عن ركن هادئ بعيدا عن المهرجانات والافراح والاحتفالات والطبول والاوسمة لنتأمل في امر هذا " النصر" المزعوم وخطورة الاوضاع الجديدة على مصير بلادنا .
ليس هناك مصري يتمتع بذرة من الوطنية يمكنة ان يعارض شن الحرب على اسرائيل ، بل ان معارضة أي وطنى ، يملك قدرا من الوعى ، تنصب على ان السلطة البرجوازية لم تطور ، ولم يكن من منطقها ان تطور " المعركة المحدودة " الى معركة حتى النهاية لتحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي ، وليس من شك في ان انتصارا جزئيا قد تحقق بتضحيات جسيمة ، ولكن السلطة البرجوازية الاستسلامية قد عبثت بهذا الانتصار الجزئي وقدمت عشرات الالاف من أبناء شعبنا قربانا لتسوية جزئية مخزية تعد كارثة حقيقية بما ترتب ، وبما سوف يترتب عليها في القضية الوطنية ، فهى في الواقع تصفية للقضية الوطنية .
لقد حذرنا من الكارثة الوطنية وقلنا انها آتية لاريب فيها ، وهاهى تقع ويراها كل ذي عينين ! فماذا حدث ؟ لامجال هنا لاي حديث مفصل عن وقائع الحرب على الجبهتين او الاحداث الاخرى التي صاحبتها او جرت نتيجة لها . فلنلخص بايجاز شديد الوقائع الاساسية لنرى بوضوح النتائج التى تؤدي اليها :
اولا: قامت مصر وسوريا بهجوم عسكري محدود مشترك على اسرائيل ، فى جبهتى سيناء وجولان ، وانتهت العمليات العسكرية بناء على طلب مصري سوري وموافقة اسرائيلية بعد تحرير شريط من الاراضى المحتلة شرق قناة السويس واحتلال اراض جديدة على جبهة الجولان ، وخرقت اسرائيل قرار وقف اطلاق النار لتوسيع احتلالها الجديد غرب القناة .
ثانيا: شكل الصراع العسكري في الشرق الاوسط خطورة حقيقية على الوفاق الامريكى السوفيتى وادى الى احتمالات خطيرة ، بعد اعلان التأهب الشامل للسلاح الذري من جانب الاستعمار الامريكى وربما ما يشبه ذلك من جانب الاتحاد السوفيتي الذي كان قد وضع احدى الفرق في حالة الاستعداد القصوي ، وقد اقام كل منهما جسورا جوية عسكرية مع اطراف الصراع في المنطقة ، وقد سارعا الى وقف اطلاق النار باقتراح مشترك قدماه الى مجلس الامن .
ثالثا: اتخذت الحكومات العربية البترولية اجراءين بتخفيض ضخ البترول ، اديا الى رفع اسعار البترول ، شكلا تهديدا بتفاقم ما يسمى بأزمة الطاقة في حالة استمرارها ، وكانا سابقة خطيرة في استخدام البترول ، عصب الاقتصاد من جانب الدول العربية المنتجة للضغط على الاستعمار الامريكى ، وكانت الحكومات العربية لا يمكنها ان تقف مكتوفة الايدي فهذا ما لا تسمح به الشعوب العربية ويشكل احتمالات خطيرة ، وكانت لها ايضا مشكلاتها المزمنة مع شركات البترول الاستعمارية (وقد عادت هذه الاجراءات البترولية بأرباح خيالية للشركات الاستعمارية والامريكية بالاخص وللدول المنتجة) ولا مجال هنا بالطبع للحديث عن الجوانب المختلفة لهذه الاجراءات البترولية . وقد ادرجت الدول الاوروبية الاستعمارية (فيما عدا هولندا وكذلك الامبريالية اليابانية ) فى قائمة الدول الصديقة مقابل بيانات التأييد . أما الاستعمار الامريكى فقد رفع الحظر عن التصدير اليه نتيجة حملة السلطة المصرية بعد التسوية الجزئية المنفردة .
رابعاً: وجدت المقاومة الفلسطينية هنا فرصتها لاسهام بطولى برغم الحدود التي وضعتها البرجوازية المصرية والعربية مكانا وزمانا بعد ان ساهمتا في الماضي فى اضعافها بالتخلى عنها وتركها وحيدة امام حملات السحق والابادة .
خامسا: كان القراران الجديدان لمجلس الامن 339،338 لسنة 1973 استمرارا لقرار مجلس الامن 242 فهما ينصان على وقف اطلاق النار وتنفيذ ذلك القرار الذى شكل كارثة حقيقية بضمان شرعية اسرائيل وحماية حدودها الآمنة والاعتراف بها وتصفية القضية الفلسطينية بمعالجتها باعتبارها قضية لاجئين.
سادسا: التقط الاستعمار الامريكى كل هذه الخيوط :
1 - اسرائيل التي تلقت ضربة لا شك في قوتها برغم احتلالها لاراض جديدة على الجبهتين بالاضافة الى عزلتها الدولية التي ازدادت بالمقاطعة الديبلوماسية الافريقية اثناء الحرب الاخيرة ، صدور مواقف وبيانات القوي المختلفة الاخرى وخصوصا تناقض المصالح الاستعمارية الاوروبية مع الموقف الاسرائيلي الامريكي المشترك الذي نشأت عنه خلافات حادة مع الحلفاء الاوروبيين.
2- التوتر الخطير الذي هدد الوفاق الامريكى السوفيتي باحتمالات خطيرة ، ومن الطبيعي ان يستمر التهديد باستمرار المواجهة .
3- برغم ان الهجوم المصري السوري المشترك ظهر بعد أيام من الحرب قاطع التحدد فى محدوديته ، وبرغم ان اسرائيل بفضل الدعم الامريكي الفورى والضخم اصبحت في مركز عسكري افضل ، فان استمرار المواجهة العسكرية كان ينطوي على احتمالات خطيرة خصوصا في ارتباط هذه المواجهة بمواقف الاطراف الاخرى العالمية والعربية .
4- ان اندفاع الطبقة الحاكمة في مصر نحو الاستعمار الامريكي الذي يحمل مفتاح الحل تأكد في عهد السادات ، ويمكن لارهاصات الانفتاح المصرى على الغرب الاستعماري ان تتحول من موقف ايجابى جزئى الى انفتاح واسع النطاق بما يضمن للاستعمار الامريكي تحقيق مخططة الاصلي في استعادة مصر الى الحظيرة الاستعمارية ، الامريكية هذه المرة.
خصوصا وأن علاقات الصداقة تتوطد باطراد بين السلطة المصرية والرجعية العربية . واستعدادها لبداية موفقة مع اسرائيل يبدو جليا يوما بعد الاخر ، واستعدادها كذلك للانفتاح على الاستعمار العالمي بقيادة الاستعمار الامريكي يتأكد . وميلها العميق الى تقليص علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية الاخرى ، تؤيده الشواهد وبالاخص تلك الوقفة الموضوعية مع الصديق وتؤكده التصريحات المتكررة الصريحة لاكبر مسؤول في البلاد.
5- الاحتمالات التي ينطوى عليها هذا الاستخدام للبترول مع استمرار الصراع العسكرى دون الوصول الى حل جزئي .
سابعاً: التقط الاستعمار الامريكي خيوط المسألة هذه لتعمل ادارة نيكسون ومفاوضها البارع هنري كيسنجر على الانفراد بحل امريكى لا يتناقض مع مخططها الاصلى ، بل يطبقه بحذافيره.
ثامنا : وكانت النتيجة الخطيرة لجهود كيسنجر والاذرع المفتوحة في مصر ، بروتوكول الكيلو 101 ثم المفاوضات الاسرائيلية المصرية في جنيف ثم توقيع وتنفيذ اتفاقية فصل القوات المتحاربة بين مصر واسرائيل.
ان هذه الوقائع الاساسية لحرب 6 أكتوبر ونتائجها ، انتهت بنا الى النتيجة الخطيرة التي صارت اليها القضية بعد " النصر " المزعوم فلنقف الآن عند هذه النتيجة وما تنطوى عليه من خطورة بالغة :
ان طريق الاستسلام يوصل الى الاستسلام ، وطريق الصلح مع اسرائيل مقابل استرداد " اراض احتلت " لابد ان يوصل الى الصلح مع اسرائيل ، ولكن مجرى الواقع قد يأتى بعناصر جديدة قد تعرقل وتقطع الطريق الى هذه النتائج المنطقية الخطيرة ، وكان الشئ الاساسي الكفيل بافشال المخطط الاستعمارى الامريكي – الاسرائيلي وشل السلطة الاستسلامية عن استسلامها ، او الاطاحة بها ليحرر الشعب المصري ترابه الوطنى بنفسه ، كان الشئ الاساسي الكفيل بذلك في ظروفنا هو ظهور حركة ثورية مصرية على مستوى هذه المهمة في المدى التكتيكي المباشر ، وكان تأجيل كارثة الاستسلام كفيلا بالسماح بنمو مثل هذه الحركة ، ولكن الظروف التي اتينا على شرحها ادت الى قيام البرجوازية باجراء عسكري محدد بمنطقها وطريقتها ، وفى الاطار الذى تتحكم فيه داخليا بصورة كاملة ، وادى كل هذا الى الكارثة التى كانت السلطة تسير ببلادنا اليها ، الى الاستسلام ، الى البداية "الموفقة " مع اسرائيل ، الى الاتفاق المباشر معها عبر مفاوضات تستر عوراتها بأوراق التين الدولية متنوعة الألوان .
ومهما يكن من أمر الصوت العالي برفض المفاوضات مع اسرائيل ، فالقضية الاساسية ليست فى المفاوضات ذاتها بقدر ما هى في أساس التفاوض ، ان أساس المفاوضات السابقة والقادمة مع اسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية والذى يؤدى تنفيذه كما يحدث في الواقع الفعلي الى استعادة مصر الى الحظيرة الاستعمارية ( الامريكية في المحل الأول) بما ينطوى عليه كل هذا من تغيير وتبديل للخريطة السياسية للمنطقة كلها لصالح الاستعمار الامريكى .
يقولون ان الفيتناميين تفاوضوا . ولكن التفاوض في حد ذاته ليس جوهر القضية ، ان جوهرها هو مضمون التفاوض وأسسه ، ان الفرق الجوهرى بين الفيتناميين وبينهم ، هو الاختلاف الكامل بين اولئك الذين يخوضون حربا ثوريا حتى النهاية ويتفاوضون بالاعتماد عليها لتحرير بلادهم ، وبين هؤلاء الذين يضغطون في سبيل مركز أفضل قليلا على مائدة المفاوضات ليبعوا مضمون الاستقلال الذي يملكون قدرا معلوما منه وليبيعوا القضية الفلسطينية وليقدموا التنازلات الخطيرة في القضية المشتركة للشعوب العربية كلها، ولصالح الاستعمار الامريكي واسرائيل مقابل جلاء الاسرائيليين عن " أراض احتلت" فأي فرق شاسع بين مفاوضات ومفاوضات !! وأي فرق شاسع بالتالي بين ما حصل عليه الفيتنامييون وبين ما حصلوا هم عليه !! لقد حصل برجوازيونا على تسوية جزئية منفردة !.. انهم يقولون : " مرتبطة بالتسوية الشاملة " ولاشك في انهم يحلمون بذلك وان كانت تساورهم الشكوك المريرة ، ولكن الواقع يخرج لهم لسانه ويقول لهم " فى المشمش" هيهات ! فكم من الاسوار اقاموها بأيديهم بينهم وبين اسرائيل ، قوات الطوارئ التى لن تستجيب الى طلب الانسحاب كماحدث في 1967 ، تصفية الوجود العسكري " الفعلى " شرق القناة وتخفيضة الى قوة رمزية من بضعة آلاف من الجنود وبضع عشرات من الدبابات . اعلان برغم نفاقة يتضمن انهاء حالة الحرب ، فتح قناة السويس امام الملاحة العالمية مع توسيعها ، واعادة تعمير مدن القناة ، ضرورة المحافظة على الاستقرار السياسي والعسكري الضرورى من اجل الانفتاح الذي اعلن فلسفة لعهد جديد ...الخ ....الخ.... وأي اسوار عالية حقا هذه التي تجعل السلطة المصرية تفكر الف مرة ولتعيد التفكير الف مرة من جديد قبل أن تستخدم القوة العسكرية من جديد في اطار الضغط لتحرير بقية الارض المحتلة !! وأي أسوار عالية حقا تكذب ادعاءها بأنها تقف في خندق واحد مع سوريا التي يتعين عليها بعد انفراد السلطة المصرية بالحل الجزئى ان تخضع لشروط اكثر قسوة !!! وأي اسوار عالية تؤكد تخليها عما تسمية حقوق شعب فلسطين (التي تنفق طبعا مع حق اسرائيل فى اقامة دولتها على ارض فلسطين على حساب الشعب الفسلطيني ، وضد الشعوب العربية كلها ، فهى اذن حقوق ليس بينها حق الشعب الفلسطيني في تحرير ارضه) الذي لن يكون من السهل بالتأكد ان تسارع الى نجدته عندما تهدر من حقوقه اكثر مما أهدرت !
خيانة لمصر ، وخيانة لسوريا ، وخيانة لفلسطين ، وخيانة لكل الشعوب العربية .... ان طريق الخيانة لابد وان يفضي الى الخيانة ومن سار على الدرب وصل ... اليس خيانة صريحة هذا الذي تنتهي اليه برجوازيتنا؟
بعد هذه التسوية الجزئية لن تستطيع ان تلجأ الى سلاحها الهام قبلها ، سلاح الضغط العسكري المحسوب ، ولم يعد لها سوى الاعتماد أساسا على الاستعمار الامريكي بأمل ان يكون مدى اقتناعه بسير مصر على الدرب الذى يريده هو ، دافعا له للضغط على اسرائيل للانسحاب من " أراض احتلت". برغم الاهمية الحاسمة لاستعادة الارض المحتلة فان هذا الجانب لا يستغرق كل القضية الوطنية ، فالكارثة الكبرى ان الاستقلال النسبي لبلادنا يعيش عشية الطوفان !
من سار على الدرب وصل ! وقد كنا نحذر من ان هذه السلطة لن تخوض حرب التحرير بل ستوقع بالتأكيد اتفاقية الاستسلام مع اسرائيل ، بعد مخاطرة محسوبة او بدونها لو أمكن ... وهاهي ذي تبلغ غايتها المشؤومة .
2
ان الخريطة السياسية للمنطقة العربية يعاد الآن تشكيلها على أساس النجاح المضطرد للمخطط الاستعمارى الامريكي الاسرائيلي ، ولصالح الاستعمار الامريكي واسرائيل والرجعية العربية العميلة .. بالاخص ، ولصالح الاستعمار العالمي بوجه عام وباقدار متفاوتة بتفاوت مصالح كتله المختلفة فى هذه المنطقة من العالم.
فما هوالمكان الذي تحتله البرجوازية المصرية الحاكمة في مصر داخل هذه العملية الكبري الخطيرة ؟؟ في اي اتجاه تنشط فاعليتها ؟ وهل تناضل ضد هذا المخطط الاستعماري وتضع عراقيل في طريقة أم على العكس من ذلك تعيد صياغة نفسها بما يتلاءم مع هذه الاوضاع الجديدة غير آخذة في اعتبارها سوى مصالحها الانانية الضيقة ؟ هل توفر ضمانات جادة للحفاظ على الاستقلال السياسي والاقتصادي النسبي الذي حققته بلادنا وتعمل بمقتضيات مثل هذا الهدف "الاستقلال" ام تعرض ما تحقق للخطر؟ هل يمكن ان تلعب دورا " تقدميا " في مجال قضية القومية العربية ؟ هل تستمر بعلاقاتها الدولية التي نشأت في ظروف شديدة الخصوصية ؟ أم أن اعادة صياغة كاملة تتم يوما بعد الآخر في هذا المجال وبعبارة واحدة: أما تزال هذه الطبقة الحاكمة في مصر واقفة على نفس الارض التي نشأت وتبلورت عليها أم أنها تنتقل الى الضفة الاخرى ؟ قبل حرب اكتوبر ، وقبل حرب يونيو كان من الواضح ان البرجوازية المصرية بكل سلوكها السياسي والاقتصادي والعسكري والايديولوجي ، كانت تؤدى الى ضرورة ان يربط الوعي الثوري بين تناقض الطبقة العاملة المصرية والشعب المصري مع الامبريالية بقيادة الاستعمار الامريكي ،وتناقضهما مع الطبقة البرجوازية الحاكمة في مصر على المدي الاستراتيجي ، استنادا الى ان السلطة البرجوازية المصرية التى عرفت في نشأتها وتطورها لحظات تقدمية في مواجهة الاعداء التاريخيين للشعب المصري، كانت مدفوعة بحكم مصالحها الانانية الضيقة الى مهادنة هؤلاء الاعداء التاريخيين في القضايا الكبري للشعب المصري والشعوب العربية ، متجهة عبر مراحل وحلقات متعاقبة الى علاقات التحالف والصداقة مع الرأسمالية الاستعمارية العالمية بحكم المصالح الرأسمالية المشتركة في الوقت الذي تتجه فيه علاقاتها الانتهازية التاكتيكية ( والاضطرارية أمام مواقف سابقة للاستعمار الامريكي والاستعمار العالمي) مع الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية نحو التصفية التدريجية ، اقامة الجسور مع الاستعمار الامريكي ، مهادنة اسرائيل والاعتراف الضمنى بشرعيتها على حساب القضية الفلسطينية ، الارتباط بالكتل الاحتكارية الاستعمارية المختلفة ، تصفية الخلافات مع الرجعية العربية والاتجاه نحو علاقات الصداقة والتحالف معها .... الخ..... الخ كان هذا هو المسار الحتمي أمام البرجوازية المصرية وانتقالها الى الضفة الاخرى ، ضفة العدو الاستعماري عبر المراحل والحلقات . بينما تدفعها مصالحها الانانية في الوقت نفسه الى تناقض عدائي لا مناص منه مع قوى الثورة الشعبية المصرية والعربية ، التي وجهت لها الضربات القاصمة المباشرة وغير المباشرة كسياسة منهجية لها طوال تاريخها .
كان هناك تناقض بين هذه البرجوازية والاستعمار ، وكان تناقضا رئيسيا ، ولكن معالجتها النابعة من منطقها البرجوازي لذلك التناقض ، كانت تتجه بوزن ذلك التناقض لا الى الاحتدام بل الى المهادنة والحلول الوسط في اتجاه الصداقة والتحالف ، وكان تناقضها مع الجماهير هو التناقض العدائي الذي عالجته بالسحق والتحطيم لاي حركة خارج سيطرتها ، وباسم المعركة الوطنية حطمت القوي الوطنية الحقيقية ووقفت حاجزا منيعا ، قاطعة الطريق أمام النضال الشعبي الوطني الديمقراطي ، وهذا التناقض ، الذي يندمج في المدي الاستراتيجي في تناقض شعبنا مع الاستعمار ، من العمق والمبدئية بحيث انه يتجه دوما الى الصراع ، حقا ان السلطة البرجوازية كانت قد نجحت مؤقتا بفضل ظروف تاريخية نوعية ، في اضعاف هذا الصراع الطبقي " ومصادرته " بعد أن حطمت أسلحة الكفاح التي خلقها الشعب المصري بتضحياته ، ولكن البرجوازية لا تملك ايقاف التاريخ والمحافظة على ظروف نجاحها المؤقت ، فلقد بقي التناقض دون معارك لابد لها من أسلحة . وها هو الكفاح الشعبي الوليد في مصر يصر على خلق أسلحة نضاله في غمار معاركه الوطنية الديمقراطية ضد منطق السلطة البرجوازية .
كان هذا قبل حرب اكتوبر وحرب يونيو ، ولكن هزيمة يونيو جاءت فرصة ذهبية عمل الاستعمار الامريكي على استثمارها حتي النهاية بهدف اعادة تشكيل الوضع الاجتماعي والسياسي في مصر عبر التعديلات تلو التعديلات التي يجبر الطبقة المصرية على ادخالها في بنيتها وسلوكها بالارتكاز على الاحتلال وكانت الاستجابة الاستسلامية من جانب الطبقة الحاكمة للمخطط الاستعماري الامريكي، تفعل فعلها العميق في هذه الطبقة ونظامها مهما تكن أوهام صمودها ، كانت هذه البوتقة الاستعمارية الرهيبة تصهر كل الأوضاع في مصر لتتشكل بما يتلاءم مع أهداف السياسة الاستعمارية الامريكية في المنطقة كلها . وقد سارت هذه العملية أشواطاً بعيدة منذ حرب يونيو ، راجعة القهقري بالنظام المصري ، ودافعة الى الأمام المخطط الاستعماري الامريكي .
وكانت نتائج حرب أكتوبر بمثابة طفرة فى هذا الاتجاه ، طفرة بلورت كل الاتجاهات والتيارات الخطيرة السابقة على هذه الحرب لتبدأ البرجوازية المصرية عهدا جديدا تتدهور فيه مواقفها على المستوي المحلي والعربي والدولي .
فمنذ وقت غير قصير كانت السلطة حريصة على طمأنة الحلفاء الطبيعيين للطبقة الحاكمة المصرية في الداخل ، على ان قطار " الثورة" قد بلغ محطته النهائية ، فالقطاع العام هو أساس الاستقلال النسبي ولكن المنطق الذي خلقه لم يعد قائما بتحقيق حد أدنى من الاقتصاد البرجوازي نسبي الاستقلال في شكل رأسمالية الدولة ، وأصبحت القضية الأكثر حيوية هي تشجيع القطاع الخاص وتصفية الحراسات . والانفتاح الاقتصادي على الاستعمار الاوروبي ، وقد تأكدت هذه الاتجاهات في ظل الوضع السياسي الذي خلقته الحرب ، وأصبح استمرار القطاع العام في مصر ليس بالأمر السهل ، وفتحت وتفتح الابواب واسعة أمام القطاع الخاص ، وتصفي الحراسات ويعاد النظر في قوانين الاصلاح الزراعي ، ويصاحب كل هذا هجوم شامل على عهد الراحل عبد الناصر باجراءاته الاقتصادية " الظالمة" ويزدهر الانفتاح الذي بدأ خجولاً متواضعاً ليعلن فلسفة كاملة لعهد جديد من الاستثمارات الاستعمارية المباشرة الواسعة وفروع البنوك الاستعمارية والمدن الحرة ، ورساميل الرجعية العربية المتدفقة ... وبينما يستمر الاعتداء على أبسط الحريات الديمقراطية واضطهاد العناصر الوطنية والثورية ، ترتفع الاصوات المتشدقة بالحريات ، ومن المفارقات أن حرية الصحافة ( أي رفع الرقابة ) تعلن بعد أيام من اقصاء حسنين هيكل بسبب مقالاته السياسية التي أظهر فيها بعض الاستقلال عن القيادة المصرية ! ومن الواضح ان حرية الصحافة بقيادة علي أمين لا تتسع للجانب السياسي وتكاد تقتصر على ابداء الملاحظات على التموين والشوارع والزبالة وما شابه ذلك بجانب ان تلهج الاقلام بالثناء على الجرائم التي ترتكب في حق الوطن مع الهجوم على " سلبيات" عهد عبد الناصر ، " سلبياته " من وجهة نظر أقصى اليمين في السلطة.
ومنذ وقت غير قصير أيضا ، وبالأخص بعد هزيمة 1967 ، بدأ شعار وحدة الصف العربي يبرز ، ايذانا بعهد جديد من العلاقات في المجال العربي ، عهد من التخلي الكامل عن أي قوة تقدمية أو ثورية عربية حتي بالمنطق التقليدي الذي كانت تنتهجة السلطة المصرية ازاءها ، عهد من التخلي عن الصدام مع الاستعمار في المجال العربي ، والتخلي عن الصدام مع الرجعية العربية العميلة ، وتوطيد علاقات الصداقة معها ، والوصول مثلا مع الرجعية السعودية الى ما يسمي الآن بالعلاقات " الخاصة" بين مصر والسعودية وفتح الأبواب أمام استثمارات الدول العربية الرجعية المنتجة للبترول في ظل فلسفة الانفتاح التي استكملت ملامحها الخطيرة بعد الحرب الأخيرة .
وفي المجال الدولي فان شبكة العلاقات التاريخية التي نشأت استجابة لضرورات الاستقلال النسبي تترك الآن مكانها لتبلور الصداقة مع الاستعمار الامريكي والكتل الاستعمارية المختلفة ، ثمنا فادحا للحل الجزئى المنفرد وفتح الأبواب " على البحري" أمام الرساميل الاستعمارية والبنوك الاستعمارية والمدن " الحرة " . ولم تعد دائرة عدم الانحياز والحياد الايجابي التي نشأت ابان الحركات الاستقلالية والاستقلال النسبي في مصر تتمتع بنفس القدر من الأهمية .
أما العلاقات المصرية السوفيتية ( الخاصة) فقد تلقت ضربات هائلة ( الحل الامريكي ، الوقفة الموضوعية ....الخ....) مع كل النتائج الناجمة عن العملية التاريخية بأكملها ، ومن الواضح أنه برغم ان هذه العلاقات واسعة النطاق غير قابلة " للقطع" و" التصفية الفورية " ، وبرغم الحاجة النسبية لبعض الوقت بسبب عديد من الاعتبارات الى هذه العلاقات ، فان الاعتماد الاساسى في تحقيق اى انسحاب اسرائيلي جديد سوف يكون على " أريحية " الاستعمار الامريكي .
ولاول مرة يجمع مصر واسرائيل اتفاق رسمي تعملان على تنفيذه وحمايته وتطويره ، والبداية بخطوة اولى موفقة فى طريق لا " يصح " !! الآن الحديث عن آفاقه من وجهة نظر السلطة المصرية . ولقد حرصت اسرائيل على ضرورة التزام مصر بفتح قناة السويس وتعمير مدن القناة كثمن للحل الجزئى المنفرد ومهما يكن من شآن التصريحات المصرية بأن هذه الامور من صميم الارادة المصرية الحرة المستقلة فالواقع ان مصر قامت بأمور تجدها اسرائيل ضرورية كضمانة هامة مع الضمانات الاخرى لشل فاعلية اي ضغط عسكري مصري في المستقبل امام الاحتمالات العديدة .
من سار على الدرب وصل ! وقد وصلت برجوازيتنا الحاكمة ! لم تكن تقف على ارض نشأت وتطورت عليها لتظل واقفة عليها الى الأبد ، فالتاريخ لا يقف ، وهي تنتقل الآن الى ارض اخرى ، الى ضفة اخرى ، بعد ان تغيرت الظروف النوعية الفريدة التي كانت قد اضطرتها الى مواقف خاصة واوضاع خاصة بعكس الارتباطات المنطقية التي كانت البرجوازية المصرية جديرة بها .
حقا ان التخوم تتداخل والخطوط تتشابك في مثل فترات الانتقال هذه ، ولكن الوقائع العنيدة تتسارع متلاحقة لترسم بوضوح صورة عهد جديد بعد آخر حرب ، على الارجح ، تخوضها بطريقتها ومنطقها واطارها ، برجوازيتنا ضد اسرائيل في هذه الفترة التاريخية .
وربما كان من المفيد ان نشير هنا الى واقع ان الاساس الموضوعى لظهور اتجاهين اساسيين في الطبقة الحاكمة الحالية كان يكمن في ظروف ومتطلبات الاستقلال النسبي ، ولذا كان من المنطقي ان يكون الاتجاه المسيطر داخل الطبقة اكثرهم استجابة لمقتضيات الاستقلال الوطنى على المستوى المحلى والعربي والدولي ، ولكن ذلك الأساس الموضوعي لم يعد بنفس الوزن والاهمية منذ اواسط الستينات بتحقيق حد ادنى من اقتصاد رأسمالي ( رأسمالية الدولة ) ، وبعد هزيمة يونيو بدأ الميل الموضوعى للترابط مع الرأسمالية يتأكد بفضل واقع ان الاستعمار الامريكي يحمل في يده مفتاح حل القضية الكبري امام هذه الطبقة ، فكانت شديدة الاندفاع نحوه ونحو الغرب الاستعماري عموما ، وبتدهور مركز هذه الطبقة ولاسيما بعد النتائج التي تمخضت عنها حرب اكتوبر ، اصبح اعتمادها الآن وفي المستقبل في الوصول لتسوية نهائية على يد الاستعمار الامريكي . لقد انتهى عهد خلق هذا الحد من الاستقلال منذ وقت طويل ، فمن الطبيعي اذن الا يكون الاتجاه الاكثر تهادنا وحيدا في اندفاعه ، بل ان يكون في هذا الاندفاع مع الاتجاه الاخر ومع الطبقة بأكملها . ومعنى هذا بوضوح ان قضية الاتجاهين لم يعد لها نفس الوزن ، بل ان المستقبل غير البعيد يحمل في طياته احتمالات اشكال اخرى من الكتل داخل الطبقة في ظروف مختلفة عن ظروف نشأة وتبلور هذه الطبقة باتجاهيها الاساسيين ابان الاستقلال .
ومن المفهوم ان هذه الميول الموضوعية لم تكن فى حاجة الى هزيمة 1967 لتتحقق ، ولكن هذه الهزيمة بنتائجها الخطيرة ، كان من شأنها ان جعلت المعدلات متسارعة تتلاحق فى اسوأ الاوضاع وأقلها ملاءمة لهذه الطبقة وأفضلها وأشدها ملاءمة للاستعمار الامريكى واسرائيل وللرجعية العربية .
3-
ان من لم تملأ رأسه قبل حرب اكتوبر الاوهام البرجوازية القائلة بأن السلطة المصرية سوف تخوض حربا تحريرية مظفرة ضد اسرائيل ، كان من الطبيعي الا يرهن امانية الوطنية بهذه السلطة ، ولكنه كان لا يستطيع في نفس الوقت تجاهل انها برغم كل تسولها للحلول الاستسلامية لم تكن قد وصلت الى اي حل وان جزئى مع الاستعمار الامريكي واسرائيل ، أو تجاهل ان اي " مخاطرة محسوبة " متوقعة لا يمكن التحكم في مضاعفاتها بشكل كامل ، فهى تترك هامشا لاحتمالات كثيرة ، وكان من المنطقي ان يضع في حسابه ايضا ان اي تأجيل لكارثة الاستسلام ، وسماح ذلك بنمو ضغط شعبي فعال ، يشل على الاقل قدرة السلطة على توقيع معاهدة الاستسلام بسهولة ، ويفرض عليها دورا يلعبه الشعب في المعركة الوطنية ، وكل الاعتبارات السابقة كانت تؤدي الى ضرورة معاملة السلطة على انها – برغم سيرها الدؤوب على درب الاستسلام – الا انها لم تستسلم بعد ، على أنها برغم انتاجها لمنطق ينتهى بالخيانة الا انها لم تكن قد اقدمت بعد على خيانة محددة ، على انها برغم قيادتها للبلاد نحو كارثة وطنية الا انها لم تكن قد بلغت بها هذه الغاية بشكل محدد ، على انها برغم اتجاهها الى توقيع معاهدة مع اسرائيل الا انها لم تكن قد وقعت بعد ، فضلا عن الاحتمالات المختلفة لفاعلية عناصر جديدة ، كدور حاسم مباشر للكفاح الشعبي الوطني الديمقراطي في مصر ، قبل حرب اكتوبر كانت المواجهة العسكرية تترك هامشا لا يمكن تحديد كل ابعاده ، واحتمالاته ونتائجه مسبقا.
ولكن نتائج حرب اكتوبر كما رأينا حسمت المسألة ، بالقضاء الكامل على ذلك الهامش وتلك الاحتمالات ، والوصول بنا الى موقف حاسم تقفه البرجوازية المصرية موضوعياً، ويتطلب بالتالي تغييرا في موقفنا منها ... لقد انتقلت قضية تحرير الارض والقضية الوطنية الكبرى الى الشعب المصري الذي يتعين عليه منذ الآن ان يكافح في ظروف مصرية وعربية، أكثر ملاءمة بما لا يقاس للاستعمار الامريكى واسرائيل والرجعية العربية .
هذا هو الفارق الحاسم بين موقف الطبقة قبل الحرب الاخيرة وبعدها ، وهو يؤدى بالضرورة الى اختلاف في الموقف منها لاختلاف في دورها الموضوعى ، غير ان " دورها الموضوعي " لن يقف عند حد انتفاء امكانية اتخاذها لمواقف جديرة بالتأييد في المسألة الوطنية ، بل من المنطقى ان الاستغلال والاضطهاد اللذين يشكلان حياتها الطبيعية ازاء الطبقة العاملة المصرية والشعب المصري ، وارتباط مصالحها بمصالح الطبقات الحاكمة في العالم العربي ، تلك المصالح المتناقضة مع المصالح الاساسية للشعوب العربية ، تشكل جميعا " الدور الموضوعى" الذي تقوم به هذه الطبقة ، والذى سوف يزداد ضراوة مع الاتجاه متزايد اليمينية الذي لا تملك الا التوغل فيه ، ولا سيما في مواجهة الثورة الشعبية في مصر والعالم العربي .
4
ان التغييرات الموضوعية التى طرأت على الطبقة الحاكمة في مصر ، والتي ادت الى انتقالها موضوعيا الى ضفة الاعداء التاريخيين للشعب المصري والطبقة العاملة المصرية ، تجعل من الضرورى طرح قضية الاطاحة الثورية بها على بساط البحث .
فقبل هذه التغييرات ، لم يكن انتقاء الشرط الذاتى للثورة الشعبية المصرية هو الظرف الوحيد الذي يؤجل هذه المسألة ، بل ان الوضع الموضوعي لهذه الطبقة ( والارض التي كانت وما تزال تقف عليها) هو الشرط الموضوعي ذو الاهمية الحاسمة في هذا الصدد . وفي ذلك الظرف التاريخي كان الموقف اليساري يتمثل فى اغماض العين عن ذلك الوضع الموضوعي وما يترتب عليه ، بينما يتمثل الانحراف اليمينى ، الذي ادى الى انتحار الحركة الشيوعية السابقة ، في المبالغة فى دور هذه الطبقة ، والقول بالتالي بالتحالف مع السلطة الطبقية فى مصر .
فقد ركزت تلك الحركة على دور هذه السلطة في القضية الوطنية ، وفصلتها عن القضية الديمقراطية ، ركزت على التناقض بين البرجوازية والاستعمار العالمي بقيادة الاستعمار الامريكي ، وقللت من أهمية ما اعتبرته " تناقضا ثانويا " في مجال الاستغلال الاقتصادي والاضطهاد السياسي والفكري داخل مصر ، فكان ذلك الفصل بين القضيتين المترابطتين في مجري الواقع جريمة سياسية فكرية كبري ، سارت بالحركة الشيوعية في اتجاه التصفية و" الحل " ، بل ان تلك الحركة بلغت في طريق تدهورها ، حد اعتبار التأميمات الاقتصادية اجراءات اشتراكية تقوم بها مجموعات اشتراكية في السلطة ، يمكنها ان تسير بالبلاد في طريق الاشتراكية ،وزودتها المراجعة السوفيتية بالاسس النظرية لهذه المواقف ، اما السلطة الطبقية في مصر ، فقد ربطت في الواقع بين القضييتين الوطنية والديمقراطية بالاستناد الى انجازاتها في مجال القضية الوطنية كأساس موضوعي لتحطيم كل أسلحة الكفاح الديمقراطية في مصر ، أي تحطيم امكانيات نمو القوى الثورية الحقيقية ، القادرة وحدها على تحقيق استقلال حقيقي جذري في مواجهة الامبريالية ، وفي رجوعه بثمار الاستقلال الى الجماهير الشعبية في مصر .
لم يكن هناك اذن اي مجال للتحالف مع السلطة الطبقية في مصر ، لا من زاوية دورها الموضوعي ومستقبله ، ولا من زاوية وضع القضية الديمقراطية في مصر ، ولا من زاوية امكانيات الثورة الشعبية التي تجعلها قادرة على فرض تحالف على الطبقة الحاكمة بمشاركتها في السلطة لتحقيق المهام الوطنية والديمقراطية التي كانت امام بلادنا .
لقد كان الاختيار الثورى الوحيد هو السير في طريق الكفاح الوطني والديمقراطية وخلق اسلحة الكفاح التي تصب في الجمهورية البرلمانية بكل مكاسبها الديمقراطية : الاقتصادية والسياسية ، والتصدي للاستعمار الامريكي واسرائيل والرجعية العربية ، وفى نفس الوقت ان تصبح البرجوازية المصرية غير مطلقة السيطرة بفضل ما تسميه " بمصادرة الصراع الطبقي " واجبارها على عدم العبث بمصير بلادنا وقضاياها الاساسية وتأييد مواقفها الجديرة بالتأييد بصورة تؤكدها وتدفعها الى الامام وتحمي مكاسبها . ان كانت البرجوازية تقدر على وتريد توجيه ضربات الى الامبريالية ، فلتفعل ونحن نؤيدها بالاقوال والافعال ، ولكن ليسر كل فى طريقه ، فلا مجال للتحالف ، ولاشك في ان الضربات الكبرى والمعارك الحاسمة سوف تظل عبئاً على قوى الثورة الشعبية عندما تستعد لها .
ولكن الشروط الموضوعية والذاتية التى أدت الى تصفية اي قوة ثورية في مصر ، لم تكن لتسمح لوقت غير قصير بظهور حركة ثورية تبرز ذلك الموقف من السلطة المصرية ، لكن ظروف الهزيمة في 1967 بكل ابعادها ، الى جانب شروط اخرى موضوعية وذاتية فتحت السبيل امام امكانيات نشوء حركة ثورية جديدة ، برغم استمرار منهج الطبقة الحاكمة في معالجة القضية الديمقراطية في البلاد .
وكان من الطبيعي منذ هزيمة يونيو حتى الحرب الاخيرة بنتائجها الخطيرة ان يستمر الموقف الثوري من الطبقة على أساس السير منفردين ، برغم امكانيات الضرب في نفس الاتجاه (وليس الضرب معا بحال من الاحوال). ولكن هذا الاحتمال الذى وقفنا عنده من قبل كان يوجب الحذر من الوقوع في الخطأ اليساري باستبعاد اي موقف وطنى تضطر اليه السلطة ، وبالتالي معاملتها منذ ذلك الوقت على انها فى صف الاعداء بصورة كاملة .
ومهما يكن من شئ فان التغيرات الموضوعية التي تجرى الآن قد حسمت القضية ، وجعلت من الضرورى تطوير الموقف من هذه الطبقة التي تنتقل موضوعيا الى صفوف الاعداء. ان تناقض شعبنا مع الامبريالية يندمج الان في تناقضه مع البرجوازية المصرية الحاكمة .
والواقع اننا نجد انفسنا ازاء طبقة استغلالية مضطهدة ، تشكل عقبة كأداء في سبيل المحافظة على الاستقلال النسبي لبلادنا – فضلا عن تدعيمه وتطويره والسيربه الى الامام في طريق الاستقلال الجذري الذي لابد له ان يرتبط بالاشتراكية – طبقة يقضي الواجب الثوري بالاطاحة الثورية بها ، في الوقت الذي نجد الحركة الثورية غير مؤهلة للقيام بهذه المهمة في المدي المباشر ، بل انها ما تزال تشهد مرحلة ميلادها الجديد.
ان الربط بين الشرط الموضوعي لطبقة تجب الاطاحة الثورية بها ، والشرط الذاتي لحركة ثورية وليدة ، يؤدي بنا الى ضرورة مناقشة شعار الاطاحة .
ويقدم لنا التاريخ الثورى الواقع الحاضر، امثلة نموذجية يساعدنا فهم دروسها على تفادي خطر تحويل شعار الاطاحة الى كلمة لا معنى لها ، والى عبث اطفال.
فقد كانت القيصرية الروسية بحكم دورها التاريخي الرجعى على المستويين الداخلي والعالمي توجب على الثوريين القيام بالاطاحة بها ، ولكن هذه المهمة الثورية ، لم تكن الحركة الثورية الفعلية في مستوي القيام بها منذ البداية ، وكان من الطبيعي اذن الا تشكل مهمة مباشرة ، بل تتطلب تحقيق مهام اخرى تفضي الى امكانية القيام بها ، وكان من الطبيعي ان يجري التحضير للثورة ، ابتداء من الزيمسكي سوبور ( وهو شبه برلمان بالقياس الى البرلمانية الغربية ) وابسط المطالب الاخرى للعمال والفلاحين وبقية السكان والتي ترتبط مع ذلك باستراتيجية ثورية حاسمة الوضوح ، دون ان يطرح شعار الاطاحة الفورية بالقيصرية .
فاذا انتقلنا الى وقتنا الحاضر ، وجدنا في الولايات المتحدة الامريكية مثلا ... هذا التناقض الصارخ بين الظروف الموضوعية والظروف الذاتية ، فالبرجوازية الاستعمارية الامريكية التي تقف على رأس معسكر الاستعمار العالمي والرجعية العالمية ، لا يمكن الاطاحة بها (( على الفور)) وفى ((غمضة عين)) ولا يرجع هذا بالطبع الى دور ثورى او تقدمي ينتظر منها ؟!بل انها قائدة الاستغلال والقمع فى عصرنا ، ومع ذلك فان الظرف الذاتي شديد الارتباط بالظروف الموضوعية ، فى بلد استعمارى بل في اكبر بلد استعماري ، لا يسمح ولن يسمح في المستقبل القريب بالاطاحة بهذه الطبقة الاستعمارية .
فاذا انتقلنا الى بلد تحت سيطرة الامبريالية فان شعار الاطاحة بهذه الامبريالية وحلفائها فى البلاد لن يتحقق بمجرد الكلمات ، ولابد من تطور الثورة الشعبية من اجل تحقيق هذا الشعار ، الى مستوى الكفاح المسلح ، والمحك الرئيسي لاختبار القوي الثورية في مثل هذا البلد هو ارتباط برنامجها المباشر باستراتيجيتها ، هو تحضيرها للثورة الشعبية المسلحة عبرحلقات لا يمكن القفز فوقها ، وتفادى التردي الى حضيض المراجعة والاصلاحية بتحقيق مطالب جزئية متناثرة .
وينطبق هذا القول عن هذا النموذج حتى على حالة بلد سمحت ظروفه النوعية ببداية الكفاح المسلح الذى لن يصل الى اهدافه في غمضة عين، بل بتطوره عبر المراحل والحلقات الى حرب شعبية شاملة مظفرة.
ليست الاطاحة اذن كلمة سحرية تردد، بل مهمة استراتيجية ينبغي التحضير لها ، ومن المفارقات المريرة المضحكة فى آن واحد ان الحركة الشيوعية السابقة كانت ترفع في بعض الاحيان وبطريقة انتهازية شعارات الاطاحة والاسقاط ، دون تمييز بين الاطاحة بطبقة واسقاط حكومة ، ولكنها لم تلتزم ببرنامج ثوري يفضي بها تحقيقه الى الاطاحة الثورية بالبرجوازية المصرية فى يوم من الايام.
ولسنا امام لغز من الالغاز ، حول ارتباط الاستراتيجية بالتكتيك وحول الشعارات الدعائية والتحريكية والتنفيذية اليومية المباشرة ، ويجب ان ندرك ان مسؤولية الحركة الشيوعية السابقة في خلق خلط شديد في مفهموم الاطاحة بكلمة واحدة هي الثورة ، الثورة التي تدك عروش طبقة اجتماعية لتقيم مكانها سلطة طبقة اخرى ، ولابد لهذه الثورة ، لهذه الاطاحة الثورية من تحضير طويل تستحيل بدونه ، في الوقت الذي تمثل فيه الدعاية لهذه الثورة واسسها النظرية واهدافها الاستراتيجية شكلا اساسيا للنضال بجانب السياسي والاقتصادي .
ان شعار الاطاحة بالبرجوازية البيروقراطية وبشبكة علاقاتها التي تستكمل عناصرها مع الاستعمار العالمي بقيادة الاستعمار الامريكي وحلفائه في المنطقة ، يستوجب تحضيرا شاملا للثورة مع ربط هذا الهدف الاستراتيجي العظيم في كل لحظة من لحظات نضالنا ، بالمهام المباشرة واليومية بحيث تتراكم في اتجاه ثوري وحيد ، فلا تتبدد وتتناثر وتذهب ادراج الرياح ، بل تترابط في اتجاه تحقيق الثورة الاشتراكية المقبلة .
نيسان – ابريل 1974



#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن بعض وثائق حزب العمال الشيوعى المصرى فى المكتبات العالمية
- كارل كاوتسكى ونظريته عن العرق اليهودى
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر
- علم النفس السياسي البورجوازى - نقد العقل القمعى وميتافيزيقا ...
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ...
- القانون واستبطان العنف - جاك دريدا
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو
- فى ضرورة تهيئة الشعب للثورة - تشرنيشفسكى - ترجمة فيتولد ليبو
- فى معنى المقاطعة الايجابية للانتخابات
- العجز والتشوش ف . ا . لينين ( ملاحظات )
- المفاهيم النظرية والسياسية وانعكاس امزجة الثورة المضادة فى ص ...
- التفسخ الايديولوجى والانقسام فى صفوف الاشتراكيين الديموقراطي ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - الكارثة الوطنية فى لحظت ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - ليس كل مايلمع ذهبا ! - ...
- الاخوان المسلمون ومسألة التصنيف الطبقى ( من ارشيف اعوام الثو ...
- رسائل بلاعنوان - الرسالة الاولى - تشيرنيشيفسكى ( كاملة ) ترج ...
- هيدجر والثورة الاجتماعية والفلسفية بقلم: إبراهيم فتحى
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة - 9 - يوسي شوار ...


المزيد.....




- قبل وصول القطار بلحظات.. كاميرا ترصد ضباط شرطة ينقذون رجلًا ...
- مقتل إسرائيلي ثان متأثرا بإصابته في تفجير القدس قبل أيام
- صورة فضائية تكشف تطورات في سد النهضة الإثيوبي
- إيران: خامنئي..-الاستكبار العالمي- هو العدو الرئيسي ولا جدوى ...
- السياسي شارل غوديه يعود إلى ساحل العاج بعد تبرئته من المحكمة ...
- خامنئي يتوعد -مثيري الشغب- بدفع الثمن ويؤكد: التفاوض مع أمير ...
- -ضحايا- البريكست.. آلاف البريطانيين يتشبثون بحلم المواطنة ال ...
- في الذكرى التسعين للـمجاعة...كييف تحصل على مزيد من الوعود با ...
- شولتس يقول إن بوتين تحدث بالألمانية في المكالمة الأخيرة: لهج ...
- ذي قار.. إحباط محاولة إدخال آلاف الأطنان من المواد الانشائية ...


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)